المشهد الرابع

بوح

كان قلبي فانوسًا لك وكهفًا لي.

(الامرأتان في حقل الريحان، يتوسط المكان سرير ومرآة طويلة، ورموز إنانا، والجو حافل بالأنوثة والحريرية والجمال.)

المرأة ١ :
من أجل المرآة،
نعم من أجل المرآة،
أنا أتزيَّن كثيرًا … وأتعرى.
المرأة ٢ :
لقد ظهرَت من ورد روحك هذه المشاعل الوهَّاجة،
وأنت تتلين رغباتك عليها.
المرأة ١ :
ها أنا أضع هذه الزهور خلف أذني وأجعلها تنطق،
وأسمعها قبل أن يصل صوتها إليكِ.
المرأة ٢ :
لم تكن تلك الأيام سوى خرز مسبحةٍ كبيرةٍ تكررها أصابعي،
وأنا أسبِّح لكِ وأزداد تقًى.
المرأة ١ : كان نوركِ يندفع في عظامي، وكان قلبي فانوسًا لك وكهفًا لي.
المرأة ٢ :
لماذا لا يتكلَّم هذا الحجرُ لماذا لا يبوح؟
كم تبرجت له؟ كم عرضت شكواي عليه؟
كم اختزنت ذراته صور جسدي؟
وكم أخبرته بسري؟
كم رجفت أطرافه لهول ما سمع وما رأى؟
ولكنه مع ذلك لا يتكلم.
المرأة ١ :
ما سرُّكِ مع الحجر؟
لقد ماتت أمواجه،
لكنه ما زال يسبح في الهواء يلامسني.
المرأة ٢ : إذن فقد شعرت بي؟
المرأة ١ : وهل كان عندي سواك؟
المرأة ٢ :
لقد سقط هذا المطر من قلبي؟
كان عزاءً في هذه الصحراء الشاسعة التي اسمها حياتي.
المرأة ١ :
لقد ظهرتُ مثل حمامة تحوم فوق حقول الجمال،
ألقط ثماري وأدفن سرِّي ثم أعود للأعالي.
المرأة ٢ :
كانَت رغباتي مثل روحٍ طافيةٍ على نار،
وجدتُ خصبًا كثيرًا، وصادفني ليلٌ موحش
وسراب طويل، لكني كنت معلقة بك، بك وحدك أنت.
المرأة ١ : لقد طردنا الرجل المنافق الدخيل من حقولنا، وقد تيبَّس البصل ومعه الرجل البصل، وبذرنا ريحانًا جديدًا في الحقل.
المرأة ١ : جمعنا الريحان ولم يعطِ رائحته لغيرنا.
المرأة ٢ : كان هو سرَّنا ورمزنا.
المرأة ١ : فلنبُح له إذن.

(تقترب المرأة ٢ من المرأة ١ فتشمان ببعضهما رائحة الريحان من جديد.)

المرأة ١ : ها هي رائحة الريحان تعود، ما أزكى ضوعك؟
المرأة ٢ :
ذهب ما يعكر صفو أرواحنا ففاضت أجسادنا برائحته،
نتقدَّم في بعضنا … تصبين إبريقكِ في داخلي وأصب إبريقي فيك … ونخشع.
ننحني في بعضنا ونقوم: أنا باتجاه الشمال / الجنوب.

(يتقاطع جسداهما ويدوران كما في رقصة باليه متقنة.)

وأنتِ باتجاه الشرق / الغرب، وعروة تربط بيننا … وندور.
نرى عالمَ الأفلاكِ كلَّه، وندور.
نرى عالمَ الأرض كلَّه، ندور.
نرى ما بعد المجرات، ندور.
نرى ما تحت الذرات، ندور.
المرأة ١ :
أرى غابات روحِك وترين غابات روحي، ندور.
نتلاشى في عروة النقطة بيننا ونختفي.
المرأة ٢ : أنظر فأرى أرضًا تسقط من أقدامك، وأرى دخانًا يتحصن بك، وأنت نصب خصب وثناء.
المرأة ١ :
ألمح أرضكِ كلها وألغازك،
وأنتِ تضربين على العود وتخرج البروق من ضحكاتك.
سرُّكِ في الغناء أم في النار؟
المرأة ٢ (تلامس أوتار قيثارةٍ أو عود) :
فيهما معًا.
تعالي نصنع رجلًا من رغباتنا وأحلامنا،
تعالي نصوغ جسده على هوانا.

(تجمعان الثياب على عمودٍ من الخشب، وتضعان عليه حليهما، وتشكلان ما يشبه تمثال رجل، وتضعانه قرب سريرهما، وبحركات إيمائية تسقيانه الماء، وتنفخان في فمه وتمدان يدَيه.)

المرأة ١ :
فعلنا ما علينا فعله، لقد صنعنا مثاله ورجونا أن يظهر،
لم تكتمل دائرة جسده … نسينا الفتحات التسع، اثنتان للضوء واثنتان للهواء، واثنتان للتراب واثنتان للنار وواحدةٌ للماء …
المرأة ١ :
ذرةُ الكون الرباعية تخفق فيه وفي الأعالي
خلاصة الطبيعة تحوي جسدَه.
المرأة ٢ :
ستهيمُ حيواناتٌ على وجهها حين تراه،
ولكن … لماذا الجسد حزين؟
المرأة ١ : هذه قوى الطبيعة تتحشد فيه.
المرأة ٢ :
سيهيِّج النهرَ بغنائه، وسيتحوَّلُ إلى قمرٍ،
وإلى ديكٍ وإلى قصبة.
المرأة ١ : وريثما يتحوَّل دعينا نكون لبعضنا نقلب أسرارنا فينا.
المرأة ١ : يسقط من يدَيك الورد. وميزان يتدلى في يدي.
المرأة ٢ : ظهر أمامي غراب فقاومته بالإسطرلاب، وظهرت سمكةٌ فرفعتها بمرودي، وكانت تقرع حولها الطبول وهي تسوط الأجساد النائحة.
المرأة ١ : أخرجت الوجود من فوضاها وقومته بالكلمة … فصلت بها السماء عن الأرض، وفصلت بها العناصر.
المرأة ٢ : بعد وقتٍ سيأتي سهر الشاي ولين الغسق البارد والجبنة وأقداح النبيذ … كلها تغلي بهدوء … ويغلي الطير في قلبي … يهدأ وينام.
نعم أنتِ هكذا والطبيعة التي تحتكِ.
المرأة ١ : النمل، الغيوم، الأمواج، البراكين … كل لحظة ترسم الطبيعة آلاف المشاهد، ببرود شديد تعرضُ الطبيعةُ لوحاتها وتلغيها، كأسك يخيط فمي … فأسكت.
المرأة ٢ : تتحشد رموزكِ ونجومكِ. ومن طرَّة جمرك ينفرز الليل ويتجدد وأقدامك تلهو بأمواج النهر.
تدوسين على زبد السديم بأسرار قدمَيك، وينهمر على حضني الشغف المهيج، ولك أمنح كامل قبضتي وكامل إكليلي.
المرأة ٢ : يضعونك في مقام المختفين الكبار الذين يشدون خيوطنا ويزرعون السمك في أغوارنا … يؤججون النار ويدمجون هذا بذاك …
المرأة ١ : انفصلتِ عن الهواء فجاءت الفوضى، وكان نزاع بين الشواطئ، كان الكلام يتشكل وفق أسرارك … وكنتِ البذار والنجوم في العقل.
المرأة ٢ :
لو نزلتِ من أظافرك لخارطة راحتكِ، وخطوط العروق في ساعدك،
لو نزلتِ من شجرة الساق إلى جذر القدمَين،
لو نزلت من الترقوة إلى القمرَين،
لو نزلتِ من الكتفَين إلى مرمر الظهر،
لوجدتِ بذورًا تحت كلِّ خطوةٍ،
ووجدتِ لبنًا يفوح،
ووجدتِ دخانًا ينتظر.
الإله الحداد وإله المدينة
لو نزلت.

(تضعان الرجل على سدية تشبه تلك التي في المستشفيات.)

المرأة ١ : ما زال الرجل لم يتحرك بعد ولم يثمر!
المرأة ٢ : حتى لو تحرك أو أثمر فلمن سيكون؟ لكِ أم لي؟
المرأة ١ : لا أعرف، دعينا منه.
المرأة ٢ :
لماذا قلتِ لحامل الفوانيس الذي أضاء وجهي: ابتعد؟
لماذا قلتِ لحاملي السلال وهم يجمعون زهوري ابتعدوا؟
المرأة ١ : كانوا يبعدونك عني، عبرت مدن الفلسفة والمبارزة بالرماح، وكذلك عبرت مصائد الموسيقى ووصلت لك.
المرأة ٢ :
خرجت من محبس التاريخ مصفَّدة بالرنين،
حولي الدورُ المشيدةُ المحاطةُ بالأعمدة. عزفك كان قريبًا والنوتة في يدي.
المرأة ١ : خرج الناسُ من سبط يدَيكِ وخرج الطين من تراتيلكِ.
المرأة ٢ : إيقاعكِ يملأ المدن وأنا أملأ الكأس.
المرأة ١ :
تخرجين من غرفة النوم وتغسلين يدَيك.
تدفعين عربةَ السرير فينفتح ثوبكِ في الهواء.
نذهب إليه، بدأ يتحرك.

(تذهبان إلى الرجل ويكون ممددًا على العربة.)

المرأة ٢ :
لا يقوى على رفع يده.
أُذين قلبه يرتجف كثيرًا …
المرأة ١ (تهمس في أذنه) : من منا تريد؟
الرجل (يرفع يده مبتسمًا ويشير بإصبعَين) : الاثنتان معًا.

(تدفعانه بقوةٍ وغضب، فتعبر العربة عرض المسرح وتخرج خارج المشهد وهو عليها، تعاودان اللقاء على السرير.)

(ختام)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦