سي زعرور

ملاحظة:

اقتبست هذه الشخصية من الفرنسية، وأثبتها هنا لأني وجدت فيها أنموذجًا حيًّا خالدًا يوجد في كل مكان وفي كل زمان … كما أخرجت منها مسرحية في ثلاثة فصول تحت عنوان «النائب المحترم».

كان الشيخ زعرور، أو سي زعرور، كما يسميه زملاؤه، معلمًا بسيطًا في مدرسة ابتدائية حرة، قانعًا بالحياة، وبنصيبه منها، راضيًا عن نفسه وعن عمله؛ لأنه كان رجلًا تقيًّا فاضلًا نزيهًا، يعتقد الخير في الدنيا، ويعتقد الصلاح في البشر، لا يعرف الشر ولا يتصور صدوره من الناس. كان يعيش في برجه العاجي، في دنيا فاضلة لا تطرق أبوابها الرذيلة، ولا يطأ أرضها الفساد … وكان يعيش مع سي زعرور، رفقة طيبة من الزملاء يشاركونه عمله، ويقاسمونه بؤسه، ولكنهم لا يشاركونه نظرته إلى الحياة ولا يعتقدون عقيدته في البشرية …

كانت تلك المدرسة التي يعلِّم بها سي زعرور مِلكًا لمديرها الجشع، يستغلها استغلالًا ماديًّا فظيعًا، يبحث يوميًّا عن تنمية موارده بشتى الوسائل والطرق؛ فقد كان على طرف نقيض من سي زعرور الذي يرى المادة عرضًا زائلًا من أعراض الدنيا، لا يستحق العناية والاهتمام …

وذات يوم، بينما كان سي زعرور يقوم — قبل حلول موعد الدرس — بتسبيق درس لأحد تلاميذه المتأخرين، إذ دخل عليه المدير ببطنه المنتفخة، وسمة الغضب تعلو وجهه، وابتدره بسرد المادة السابعة والعشرين من لائحة المدرسة الداخلية، التي توجب على كل معلم من معلمي المدرسة، يقوم بإعطاء دروس خاصة، أن يدفع للمدير خُمس مدخول هذه الدروس … واتهم المدير سي زعرور بإخفائه أمر هذه الدروس الخاصة واستغلاله لمدخولها وحده دون سواه …

وعبثًا حاول سي زعرور إفهامه أنها دروس خاصة مجانية مؤقتة يروم منها إلحاق التلميذ بزملائه في فن متأخر فيه؛ لأن الرجل لا يفهم غير المادة ولا يعرف لكلمة «المجانية» أثرًا في قاموسه.

ولهذا اشتد به الغضب واتهم المعلم ببث روح التمرد في التلاميذ ومحاولاته إفلاس صندوق المدرسة، وما كان منه إلا أن ألزمه بدفع خُمس أجرة هذه الدروس وقدَّر له مدخولها الخيالي بنفسه …

وأراد زعرور استعطاف مديره، وهو يعرف جيدًا أنه يُسَرُّ كثيرًا لانخراط تلاميذ جدد في مدرسته، فقال له: سيدي المدير! … أظن أني سأدخل تلميذًا جديدًا في مدرستنا …

وكان لهذا النبأ سحره الفعال في نفس المدير، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة مسحت عقد الغضب من فوق جبينه، وابتدره صارخًا: أحقًّا؟ … أرجو ألا يكون من نوع تلميذك هذا الذي تلقنه درسًا دون مقابل؟

– لا يا سيدي المدير، إنه تلميذ ذكي مجتهد …

– لا … لا … لا أقصد ذلك، وإنما أقصد إذا ما كان غنيًّا وأهله يقبلون شروط المدرسة.

– طبعًا يا سيدي المدير، ما في ذلك شك.

– اكتب إذن الشروط، سأمليها عليك، وإنني أعتمد على لباقتك في عرضها عليهم …

«خمسمائة فرنك للشهر الدراسي، وثلاثة أشهر مقدمًا … وطبعًا يتلقى علي أنا دروسًا خاصة، وأجرة الحصة الواحدة من هذه الدروس مائتان من الفرنكات، مائة فرنك شهريًّا مقابل ما يستهلكه من الماء للشرب وخلافه، ومائة أخرى مقابل الأدوية التي ربما احتجنا إلى إسعافه بها.»

أظن أن هذه الشروط مقبولة.

– دون شك يا سيدي المدير …

– أسرع به إذن إلي، سأعد له أحسن البقاع في مدرستي.

وكان سي زعرور قد قدم مطلبًا منذ عهد بعيد يطلب فيه وسام المعارف الذي يرى نفسه يستحقه عن جدارة، وبقي مطلبه دون جواب، وكان مديره على علم بذلك، وأراد أن يبادله جميلًا بجميل ومنة بأختها فقال له: لقد قابلت شخصًا عظيمًا اليوم وحدثته في شأن طلبك لوسام المعارف وأفادني أنهم منحوك الوسام.

– ماذا تقول؟ … أحقًّا منحوني الوسام؟

– نعم … لكنهم لا يستطيعون أن يمنحوك وسامًا حقيقيًّا، ولهذا فقد منحوك وسامًا معنويًّا.

وحار سي زعرور في هذه العبارة ولم يدرك كنه هذا الوسام المعنوي، ولكن مديره أسعفه بالشرح والتحليل وأفاده بقوله: معنويًّا، يعني أنهم منحوك هذا الوسام دون أن يمنحوك إياه … هل فهمت؟

– أجل فهمت … منحوني دون أن يمنحوني، فهو عندي في المعنى دون أن يكون عندي في الحقيقة …

– أحسنت … وهذا شرف عظيم يعود فضله إلى الجهود التي بذلتها أنا في هذا الشأن …

شَكَر سي زعرور مديره وودعه إلى الباب وبقي وحده تغمره نشوة السرور والبهجة بوسامه المعنوي الجديد.

وسارت الأيام تباعًا وساءت الأحوال بين المدير وزعرور؛ لأن هذا الأخير لم يبر بوعده ولم يدخل التلميذ الجديد الذي وعد به إلى المدرسة، وأسر المدير في نفسه وبقي يتربص الفرص للانتقام منه …

•••

كان المدير في مكتبه ذات صباح إذ دخل عليه والد تلميذ وبيده ورقة اختبار ابنه، وهو يُرغي ويُزبد ساخطًا على النتائج السيئة التي أحرز عليها ابنه في اختباره الثلاثي، وخشي المدير أن تخسر — من جراء ذلك — مدرسته تلميذًا، أو بالأحرى أن يخسر جيبه موردًا، فخفف من حدة الرجل وأفاده أن ابنه من خيرة تلاميذ المدرسة وأذكاهم يمثل المكانة الأولى من قسمه، وإنما أخطأ الكاتب في نقل النتيجة عن السجل الأساسي، ووعده بإصلاح هذا الخطأ حالًا …

توجه الاثنان إلى قسم سي زعرور وحاول المدير بلباقته أن يُفهم هذا الأخير الغرض من زيارته، ولكنه خيَّب ظنه وفاجأه بقوله: إن هذا التلميذ بليد، كثير التأخر، قليل العمل، ولهذا فلا غرابة إذا ما أحرز على هذه النتيجة السيئة …

فقاطعه مديره قائلًا: لا … لا … إنك مخطئ، فمن دون شك أن الكاتب أخطأ في نقل النتيجة عن السجل، ولا بد أن هذه الأصفار عشرات، وغمزه بعينه، ولكن زعرور الساذج لم يفهم مراده، وأفاده أنه لا يعرف هذا الكاتب الذي يعنيه، وأنه ينقل النتائج بنفسه، وأطلع الوالد على السجل الذي كان فوق مكتبه وأراه الأصفار المثبتة بالحبر الأحمر أمام اسم التلميذ، الأمر الذي أعاد حدة هذا الوالد المفجوع في ابنه، ورفع من درجة حرارة غضبه، فتبرع على المعلم والمدير والمدرسة بنصيب وافر من الشتائم، وأقسم بأغلظ الأيمان ألا يعود ابنه إلى هذه المدرسة … وطبعًا فما كان من حضرة المدير إلا أن طرد سي زعرور من عمله وهو يقسم أيضًا بأغلظ الأيمان ألا تطأ رجلاه مدرسته بعد الآن …

•••

كان سي زعرور يقوم بإعطاء دروس عربية خاصة لطفل أوروبي كان يعيش مع خالته، وكانت هذه السيدة تعيش مع نائب «أصيل» من نواب المجلس البلدي، تساعده في نصب حبائله لاقتناص أموال الشعب وخزينة البلدية، وتقاسمه الأرباح دون المسئوليات …

كان الاثنان جالسين في خلوة يدبران أمرًا يتوسمان من ورائه أرباحًا جزيلة، واحتاج الأمر إلى شخص ثالث، شخص يتقدم لإبرام الصفقة بناء على تزكية النائب المحترم.

حار الاثنان في إيجاد الشخص وقد طلب منهما عملاؤهما السابقون أجورًا باهظة لم يرضيا بها، ولم يرضَ العملاء بدونها …

كان النائب وزميلته في حيرة من أمرهما إذ دخل سي زعرور يجر أذياله قاصدًا حجرة الطفل لتلقينه درسه المعتاد، وما كادت السيدة تشاهده حتى هبط عليها الوحي وعرضت على صديقها استخدامه لهذا الغرض وسواه من الأمور والأعمال، وذهبت تطري سذاجته وتثني على جهله بالحياة ودقائقها … واستُدعي المعلم الساذج إلى حضيرة الذئاب، وعرضا عليه العمل معهما وأغرياه براتب شهري مضاعف لما كان يتقاضاه سابقًا في مدرسته.

سُر سي زعرور للأمر وحمد الله الذي عوضه بدل درهمه دينارًا، واستسفر عن نوع العمل فأفاداه أنه عمل إداري بسيط لا يعدو توقيع العقود التجارية وتسلُّم المبالغ المالية من إدارة البلدية والشركات التجارية … ووقع سي زعرور على أول عقد، وتمت الصفقة التي كان النائب وزميلته ينتظران إنهاءها بفارغ الصبر …

توالت الأعمال وتبعتها الأرباح، وشاء القدر أن يطَّلع زعرور على أسرار القوم وأن يعرف كنه العمل الشائن الذي هو قائم به، فثار ضميره مؤنبًا وحرمه لذة العيش، وغاضه أن يفقد شرفه ويخسر فضله وقد ضحى في سبيلهما بكل شيء، وتحمل من أجلهما الفاقة والاحتياج. وعاد بذاكرته إلى مدرسته، فبدت له جنة، وإلى مديره وزملائه فبدوا له ملائكة، فثار على رفيقيه وهددهما بالفضيحة، ولكنهما هدداه بإلقائه في غياهب السجن، وكل شيء باسمه حتى الرصيد المالي المودع في المصرف …

عاش سي زعرور في اضطراب متواصل وهَم وغَم عظيمين، كادت كلها أن تذهب به إلى الجنون، وقرر أخيرًا أن يشرب الكأس إلى الثمالة، فاستولى على المكتب واستولى على الأموال وأعلن انفصاله عنهما، وكل شيء باسمه وتحت مسئوليته …

وانقلب الحمل الوديع ذئبًا خطيرًا، فكشر عن أنيابه وطرد النائب وصديقته من مكتبه، وحرم عليهما دخوله غير عابئ بالتهديد والوعيد …

سارت أمور زعرور في مجراها المادي المعتاد على خير ما يرام، وقد اكتسب خبرة وتجربة، وصهرته الأيام في بوتقتها وصبته في قالب الحياة، فخرج إنسانًا جديدًا لا يشبه خلفه في شيء إلا في الاسم أو بقية ضمير مثقل بالذنوب وشرف مدنس بالرذائل.

كان زعرور جالسًا في مكتبه ذات يوم يتصفح بريده إذ لفتت نظره علبة صغيرة كانت ضمن الرسائل والرزم، ففتحها قبل سواها وإذا به يجد داخلها وسامًا بنفسجي اللون يحمل إشارة المعارف، تصحبه رسالة رقيقة تثني على معارفه وشرفه، وتطري أخلاقه وفضله، ومع الرسالة تقرير يمنحه وسام المعارف …

ألقى وسامه في درج مهمل واستمر يتصفح بريده، وإذا بالباب يُفتح وبمديره السابق يتقدم نحوه في خشوع وإذلال راجيًا منه أن يشرف المدرسة برئاسة حفلتها السنوية …

عبثًا حاول زعرور أن يُفهم الناس أنه لا يستحق الوسام، ولا يستحق مجالس الشرف التي يعرضونها عليه بين الفينة والفينة؛ لأنه سارق محتال ينهب أموال الأمة والدولة بشتى طرق الاحتيال. ولكن الناس لم يعبئوا بقوله، بل عدوه تواضعًا وسجلوه في جملة مناقبه الفاضلة، وحسبهم منه أن يربح كثيرًا ورصيده في المصرف يتضاعف كل يوم والمال في عرف البشر هو الفضيلة وهو الشرف وهو العلم والأدب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠