الفصل الأول

نشأة ما بعد الحداثة

أثارَ التكوين الطوبيُّ المستطيل الشكل، الذي قدَّمه الفنان كارل أندريه تحت عنوان «تساوي ٨» (١٩٦٦)، استياءَ الكثير عند عرضه في معرض تيت الفني في لندن، عام ١٩٧٦. ينتمي هذا العمل الفني بجدارة إلى عالم ما بعد الحداثة، ورغم الموضع الذي يحتله حاليًّا في معرض تيت للأعمال الفنية الحديثة، فإنه لا يتوافق مع الكثير من مبادئ فن النحت الحديث؛ فهو ليس بالعمل المعقد أو المعبِّر على المستوى التركيبي، ولا يتمتع بجاذبية خاصة تَدفعُ للنظر إليه، وبالتأكيد يبعث سريعًا على الملل، فضلًا عن سهولة صنع عمل مماثل له. وبما أن «تساوي ٨» يخلو من أي سمات تجعله مثيرًا للاهتمام في حد ذاته (باستثناء متصوفي الأرقام من أتباع المدرسة الفيثاغورية)؛ فإنه يدفعنا إلى طرح أسئلة حول سياقه بدلًا من محتواه، مثل: «ما الهدف منه؟» أو «لماذا يُعرض في متحف؟» إذ أصبح من الضروري طرح نظرية ما حول هذا العمل الفني لتعويض الفراغ الناتج عن كونه لا يثير الاهتمام، وهو ما يعكس أيضًا سمة نموذجية إلى حدٍّ ما من سمات ما بعد الحداثة. قد يبعث العمل على طرح أسئلة من قبيل: «هل هذا فن حقًّا، أم مجرد كومة من الطوب تتظاهر بكونها فنًّا؟» لكن هذا السؤال لا يعكس الكثير من المنطق في حقبةِ ما بعد الحداثة؛ حيث من المقبول عمومًا أن المعرض «كمؤسسة» — لا أي جهة أخرى — هو ما جعل هذا العمل «عملًا فنيًّا» قائمًا بالفعل؛ فالفنون المرئية ليست سوى ما يعرضه لنا أمناء المتاحف، سواء أكانت أعمالًا لبيكاسو أم أبقارًا مقطعة شرائح، بينما تقع على عاتقنا مسئولية مواكَبة الأفكار المحيطة بتلك الأعمال.

يود العديد من فناني ما بعد الحداثة (وبالطبع حلفاؤهم من مديري المتاحف) أن ننشغل بتلك الآراء المتعلقة بالأفكار التي قد تحيط بهذا الفن «التبسيطي». إن بساطة كومة الطوب هي سمة تصميمية مقصودة، فهي تتحدى الخصائص المعبِّرة شعوريًّا التي ميَّزت الفنَّ السابق (الحداثي) وتنكرها. فمثل تمثال «المبولة» الشهير أو عجلة الدراجة الموضوعة فوق كرسي صغير للفنان دوشامب، يختبر هذا العمل ردود فعلنا الفكرية وتقبُّلنا للأعمال التي تعرضها المعارض الفنية على جمهورها. ويعكس بعض نقاط التحول الأساسية، التي تضيف بعض الافتراضات حول الفن التي تنكر طبيعته إلى حدٍّ كبير. يقول أندريه: «إن ما أحاول إيجاده هو مجموعات من الجزيئات، والقواعد التي تجمعها بأبسط طريقة.» ويزعم أن وحدات الطوب المتساوية التي قدمها «تتمتع بطابع شيوعي؛ لأن شكلها مفهوم لجميع الناس على حدٍّ سواء.»

لكن هذا العمل النحتي — رغم التفسيرات التي قد تراه مقبولًا اجتماعيًّا وثقافيًّا — لا يكاد يضاهي في متعته تمثال «القبلة» لرودين، أو الأعمال التجريدية الأكثر تعقيدًا بمراحل لنحَّاتين أمثال أنتوني كارو. إن طليعية أندريه النظرية — التي تتحدى ردود فعلنا الفكرية — تُلمح إلى أن المتع المستقاة من الأعمال الفنية السابقة هي متع مشكوك فيها نوعًا ما؛ إذ إن النزعة التطهرية و«الدعوة إلى التساؤل»، وإشعار الجمهور بالذنب أو بالاضطراب، كلها سمات ترتبط ارتباطًا وثيقًا عبر أعمال مثل هذه. وهي اتجاهات تميِّز كثيرًا من الفن ما بعد الحداثي، وغالبًا ما تتضمن بُعدًا سياسيًّا. ويواصل العمل الفني الحائز على جائزة تيرنر عام ٢٠٠١ للفنان مارتن كريد مسيرةَ هذا الاتجاه، فهو عبارة عن غرفة فارغة؛ حيث تضيء مصابيح كهربائية ثم تنطفئ.

سأتحدث فيما يلي عن الفنانين، والزعماء الفكريين، والنقاد الأكاديميين، والفلاسفة، وأساتذة العلوم الاجتماعية المنتمين للفكر ما بعد الحداثي، كما لو كانوا جميعًا أعضاءً في حزب سياسي مشاكس «بلا تنظيم محكم». وهو إجمالًا حزب عالمي و«تقدمي»، ينتمي لليسار لا لليمين، ويميل إلى تصنيف كل شيء — بدءًا من اللوحات التجريدية إلى العلاقات الشخصية — كمواقف سياسية. لا يتبع الحزب عقيدة موحدة على وجه التحديد، بل إن مَن قدموا أبرز المساهمات الفكرية لبياناته الرسمية في بعض الأحيان ينكرون عضويتهم به في سخط، رغم ذلك فإن هذا الحزب ما بعد الحداثي يؤمن عادةً أن عصره قد أتى. هو حزب متيقن من عدم تيقنه، وكثيرًا ما يزعم أنه تجاوز الأوهام الراسخة لدى الآخرين، وأدرك الطبيعة «الحقيقية» للمؤسسات السياسية والثقافية التي تحيط بنا. في هذا الإطار، يتبع ما بعد الحداثيون خُطى ماركس، ويزعمون أنهم يتمتعون بإدراك مميز للحالة الفذة المسيطرة على المجتمع المعاصر، الواقع في أَسْرِ ما يطلِقون عليه «الوضع ما بعد الحداثي».

من ثمَّ، لا يدعم بعد الحداثيين ببساطة المذاهب الجمالية، أو الحركات الطليعية مثل التبسيطية أو التصورية (التي انبثقت عنها أعمال مثل التكوين الطوبي الذي قدَّمه أندريه)، بل لديهم طريقة مميزة لرؤية العالم ككل، ويستخدمون مجموعة من الأفكار الفلسفية التي لا تكتفي بدعم الحالة الجمالية ﻟ «ما بعد الحداثة»، بل تحلل أيضًا الحالة الثقافية ﻟ «ما بعد الحداثة» في عصر الرأسمالية المتأخرة. من المفترض أن هذه الحالة تؤثر فينا جميعًا، لا عبر الفن الطليعي فحسب، بل على مستوًى أكثر جذرية عبر تأثير ذلك النمو الهائل في وسائل الاتصال المعتمدة على الأجهزة الإلكترونية التي أَطلق عليها مارشال ماكلوهان في ستينيات القرن العشرين «القرية الإلكترونية». ورغم ذلك، فإننا داخل «مجتمع المعلومات» الجديد الذي نعيش فيه، لا يمكننا — لدواعي المفارقة — الوثوق في معظم المعلومات، لكونها إسهامًا في عملية التلاعب الهادفة إلى تلميع صورة أهل السلطة أكثر من كونها دعمًا للمعرفة؛ لذا، يتسم الاتجاه ما بعد الحداثي بكونه اتجاهًا تشككيًّا يتاخم حدود جنون الارتياب (كما نرى — على سبيل المثال — في روايات نظرية المؤامرة لتوماس بنشن ودون ديليلو وأفلام أوليفر ستون).

fig1
شكل ١-١: منظر داخلي من فندق ويستن بونافينتشر للمعماري بورتمان. «حيز ما بعد حداثي متعدد الأبعاد».

يرى فريدريك جيمسون — أحد كبار المعلقين الماركسيين على ما بعد الحداثة — أن فندق ويستن بونافينتشر، للمصمم المعماري جون بورتمان في لوس أنجلوس، هو بالكامل أحد دلائل هذه الحالة؛ إذ تتضافر التعقيدات الاستثنائية لمداخل الفندق، وتطلُّعه نحو أن يصير «عالمًا متكاملًا، أو ضربًا من المدن المصغرة»، ومصاعده المتحركة دومًا تجعل منه «طفرة» تقود إلى «حيز ما بعد حداثي متعدد الأبعاد»، يتجاوز قدرات الجسم البشري على تحديد موقعه، وإيجاد مكان خاص به في عالم يمكن رسم خريطة له. إن هذا «الارتباك الساحق» — على حد قول جيمسون — يشكِّل معضلة، وهو «رمز يضاهي عجز عقولنا عن رسم خريطة لشبكة الاتصالات اللامركزية الكونية الهائلة المتعددة الجنسيات التي نوجد داخلها كأفراد.» وقد انتاب الكثيرَ منا شعورٌ مماثلٌ داخل مركز بربيكان في لندن.

إنَّ هذه النظرة التي تُشبِّه وضعنا ﺑ «التيه في فندق ضخم» توضح الطبيعة الحضرية لمذهبِ ما بعد الحداثة؛ حيث نشأ مناخ فكري جديد جالبًا معه إدراكًا جديدًا. لكن تلك الأفكار والاتجاهات لطالما ظلت إلى حدٍّ كبير محل جدل، وفيما يلي سأقاوم شكوكيةَ ما بعد الحداثة معتمدًا على بعض شكوكي الخاصة. وبالتأكيد، سأنكر كون آرائها السياسية والفلسفية وأساليبها الفنية تكاد تتمتع بقدر الهيمنة الذي يوحي به التصريح الواثق عن بزوغ حقبة جديدة «ما بعد حداثية».

مع ذلك، يتضح الآن أنه حتى إذا اقتصر تناولنا على الأفكار السائدة داخل الحركة الطليعية الفنية منذ عام ١٩٤٥، يمكننا استشعار ابتعادها عن نظيرتها في الحقبة الحداثية؛ إذ يوجد اختلاف كبير بين أعمال جيمس جويس وآلان روب جرييه، وبين أعمال إيجور سترافينسكي وكارلهاينز شتوكهاوزن، وبين أعمال هنري ماتيس وروبرت راوشينبرج، وبين أعمال جان رينوار وجان لوك جودار، وبين أعمال جايكوب إيبستاين وكارل أندريه، وبين أعمال ميس فان دير روه وروبرت فينتوري. إن ما نستنتجه من هذه المقارنة بين الحداثة وما بعد الحداثة في الفنون يعتمد إلى حدٍّ كبير على القيم التي يعتنقها المرء؛ إذ لا يمكن تحديد مسار تطور وحيد ها هنا.

ترجع العديد من تلك الاختلافات إلى حساسية الفنانين للتغيرات الحادثة في المناخ الفكري. فمع حلول منتصف ستينيات القرن العشرين، بدأ نقاد مثل سوزان سونتاج وإيهاب حسن في الإشارة إلى بعض الخصائص التي تميِّز ما نطلق عليه الآن «ما بعد الحداثة» في كلٍّ من أوروبا والولايات المتحدة؛ إذ زَعَمَا أن أعمال أتباع ما بعد الحداثة تعكس عن عمدٍ مستوًى أقل من الوحدة، ودرجةً أقل وضوحًا من «الإتقان»، وطابعًا أكثر هزليةً أو فوضوية، واهتمامًا بفهم الجمهور يزيد عن الاهتمام بالمتع المستمدة من الوحدة أو الصقل الفني، وميلًا أقل إلى مراعاة تماسك النص، وبالطبع تمردًا أكبر على التفسيرات المحددة، مقارنة بالكثير من الأشكال الفنية السابقة. وسوف نتناول عددًا من الأمثلة على ذلك فيما بعد.

نشأة النظرية

في وقت لاحق نوعًا ما على الفترة التي شهدت اشتهار الفنانين السابقي الذكر، حدث تطور إضافي في حركةِ ما بعد الحداثة؛ ألا وهو «نشأة النظرية» بين أوساط المثقفين والأكاديميين؛ إذ طوَّر العاملون في جميع المجالات وعيًا ذاتيًّا نقديًّا مفرطًا. فوجَّه بعد الحداثيين اللوم إلى الحداثيين (وإلى قرائهم أو مشاهديهم أو مستمعيهم الإنسانيين الليبراليين «السذج» حسب افتراضهم) على إيمانهم بأن عملًا فنيًّا قد يروق بطريقةٍ ما إلى البشرية جمعاء؛ مما يعني كونه خاليًا من الملابسات السياسية الباعثة على الانقسام.

إنَّ صعودَ فنانين تجديديين عظماء في فترةِ ما بعد الحرب — أمثال شتوكهاوزن، وبوليز، وروب جرييه، وبيكيت، وكوفر، وراوشنبِرج، وبويس — تلاه (ودعمه وفسَّره كما يزعم كثيرون)؛ نموٌّ هائل في تأثير عدد ضخم من المثقفين الفرنسيين، نخص منهم بالذكر المنظِّر الاجتماعي الماركسي لويس ألتوسير، والناقد الثقافي رولان بارت، والفيلسوف جاك دريدا، والمؤرخ ميشيل فوكو، وقد بدءوا جميعًا عملهم في الواقع عبر تأمل مضامين الحداثة، ونادرًا ما جمعت أيًّا منهم علاقة ممتدة حقًّا بالحركة الطليعية المعاصرة. كان ألتوسير مهتمًّا ببريخت، بينما ركَّز بارت على فلوبير وبروست، أما دريدا فقد اهتم بنيتشه وهايدجر ومالرميه، في حين انشغل فوكو بنيتشه وباتاي. ومع منتصف السبعينيات من القرن العشرين، أصبح من الصعب معرفة ما الأهم لدى أتباع ما بعد الحداثة، أهي صياغة شكل محدد من أشكال التجارب (الصادمة) داخل إطار الفن، أم فرص عرض التفسيرات السياسية والفلسفية الجديدة التي يتيحها هذا الشكل المحدد. قد يزعم كثيرون الآن أن بعد الحداثيين المخلصين لاتجاههم طالما «فضَّلوا» (على نحوٍ كارثيٍّ) المضامين التفسيرية على التجسيد الفني الممتع والتعقيد الشكلي الذي اعتاد الكثير من الناس تقديره في الفن الحداثي.

انتقل هذا الإطار الفكري الجديد والمفزع من فرنسا إلى إنجلترا وألمانيا والولايات المتحدة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين. وباندلاع ثورات الطلبة عام ١٩٦٨، كان التفكير الفلسفي الأكثر تطورًا قد ابتعد عن الوجودية الفردية ذات الحِس الأخلاقي القوي التي ميَّزت حقبةَ ما بعد الحرب مباشرةً (والتي كان سارتر وكامو أشهر ممثليها) نحو مواقفَ أكثر تشككًا ومعادِيةٍ للمذهب الإنساني. وجدت تلك المعتقدات الجديدة منبرًا لها فيما أصبح معروفًا بالنظرية التفكيكية وما بعد البنيوية، التي سنناقشها فيما يلي. كذلك لم يعد «الروائيون الجُدد» في فرنسا مهتمين بحالات القلق العام والعبثية ذات الطابع الفلسفي والشعوري، ولا ملتزمين بالمتطلبات المتشابهة للروايات التي تتبع أسلوب السرد التقليدي، مثل «الغثيان» لسارتر أو «الطاعون» و«الغريب» لكامو، بل تحولوا إلى أسلوب أكثر برودة بمراحل، يعج بالمتناقضات، ويعادي السرد كما نلاحظ في نصوص آلان روب-جرييه، وفيليب سوليرز، وغيرهم ممن لم يُبدوا اهتمامًا كبيرًا بالشخصية الفردية، أو بالتشويق والجاذبية التي تميِّز السرد المتماسك، على قدر اهتمامهم بالتلاعب بلغة الكتابة التي يستخدمونها.

في الواقع، تضرب هذه الأفكار الجديدة بجذورها خارج الفنون، رغم أنها ألهمت عددًا من الأعمال الأدبية وهيمنت على تفسير تلك الأعمال في الدوائر الأكاديمية. تمحور اهتمام بارت حول تطبيق النماذج اللغوية على تفسير النص، بينما اتخذت أعمال دريدا الفلسفية في البداية شكل تحليلات نقدية لعلم اللغة، أما فوكو فقد انصبَّ تركيزه على التاريخ والعلوم الاجتماعية. كذلك استرشدوا جميعًا بدرجات متفاوتة بقراءة ثانية أو إحياء لأعمال ماركس (الذي كانت هيمنتُه في أماكن مثل الاتحاد السوفييتي — قبل عام ١٩٨٩ — تُفسَّر بخفة نسبيًّا على أنها نابعة من «اشتراكية بيروقراطية» أسيئ تطبيقها)؛ إذ كان معظم المثقفين الفرنسيين الذين أوحوا بنظريات ما بعد الحداثة يتبعون نموذجًا ماركسيًّا بوجه عام.

ومن ثمَّ، اعتمدت مبادئ ما بعد الحداثة اعتمادًا هائلًا على الفكر الاجتماعي والسياسي والفلسفي، الذي ألقى بذوره في الحركة الطليعية الفنية (لا سيَّما في الفنون المرئية) وفي أقسام الدراسات الإنسانية في جامعات أوروبا والولايات المتحدة باعتباره «نظرية». وتتميز حقبة ما بعد الحداثة بالهيمنة الاستثنائية لأعمال الأكاديميين على أعمال الفنانين.

إلا أن هذا الفكر لم يتفق مع تعريف «النظرية» حسب قواعد فلسفة العلوم (حيث تُختبَر النظريات ومن ثمَّ يثبت صحتها أو خطؤها) أو الفلسفة الأنجلو أمريكية التجريبية بوجه عام، بل نزع أكثر إلى كونه نوعًا تشككيًّا من الخطاب يتمركز حول ذاته، ويطوِّع مفاهيم عامة مستوحاة من الفلسفة التقليدية لتلائم أعمالًا أدبية أو اجتماعية أو غيرها من الأعمال التي دُمِغت نتيجة ذلك بطابعٍ ما بعد حداثي.

مشاكل في الترجمة؟

من ثمَّ، انصبَّ تركيز الكثير من المناصرين الأكاديميين لنظريةِ ما بعد الحداثة في إنجلترا والولايات المتحدة على ترجمة المعاني الداخلية للفكر الأوروبي؛ مما أدى إلى ظهور عدد من القضايا الثقافية المنزوعة من سياقها على نحو مثير للاهتمام وأسفر عن ابتعاد تام عن الأعراف السابقة. على سبيل المثال، ورثت نظرية ما بعد الحداثة اهتمامًا بوظائف اللغة من النظرية البنيوية، لكن عندما بدأ جاك دريدا يهتم بمشكلة الإشارة (عندما تشير اللغة إلى واقع غير لغوي خارجي)، رجع إلى أعمال عالِم اللغويات فرديناند دو سوسِر. خاض دريدا (في كتابه الذي يحمل عنوان «عن علم الكتابة») صراعًا مع أفكار دو سوسِر غير مدرك على ما يبدو لحقيقة أن الكثير من المشكلات التي أثارت اهتمامه — والموقف (المتزعزع للغاية) الذي توصل إليه — قد تناولها الفيلسوف لودفيج فيتجنشتاين تناولًا أفضل بمراحل، وحلَّلها تحليلًا أدق في رأي العديد من أعضاء المجتمع الفلسفي (حتى في فرنسا). لكن دريدا لا يَذكر فيتجنشتاين في أعماله المبكرة؛ ومن ثم عانى الكثير من منظِّري الأدب التابعين لمنهج دريدا من جهل خطير بتاريخ المشاكل الفلسفية، ولم يدركوا بعضًا من حلولها النموذجية التي يطرحها الاتجاه الفلسفي الأنجلو أمريكي. وقد أدى هذا إلى انقسام فكري، وعدم فهم مشترك، وانشقاقات في كثير من أقسام الجامعات ما زالت قائمة حتى اليوم.

اعتمد بعد الحداثيين — الذين أبدوا حماسًا مبررًا للمذاهب السياسية والأخلاقية «المُحَررة» — في الوقت نفسه اعتمادًا بالغًا على الهيبة الاستثنائية لأولئك المثقفين الجُدد الجهابذة، ممن تمتعوا بتأثير دَعَمه إلى حدٍّ كبير اعتمادهم المفرط على لغة اصطلاحية مستحدثة أضفت على مناقشاتهم صبغة هائلة من الصعوبة والعمق، وسبَّبت صعوبات جمة لمفسري نظرياتهم. وهو ما يتضح في كلمات الفيلسوف الأمريكي جون سيرل:

وَصَفَ لي ميشيل فوكو أسلوب دريدا في إحدى المرات بأنه يتسم ﺑ «غموض إرهابي»؛ فالنص مكتوب بأسلوب شديد الغموض إلى حدٍّ يجعلك عاجزًا عن تحديد الموضوع بالضبط (لذا وُصف ﺑ «الغموض»)، وعندما تنتقد ذلك، يجيبك دريدا قائلًا: «لقد أخطأتَ فهمي، أنت أحمق» (لذا وُصف ﺑ «الإرهابي»).

مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس»، عدد ٢٧ أكتوبر ١٩٨٣
إنَّ أساليب الحديث والكتابة التي تتسم غالبًا بالغموض — بل والإبهام — لدى أولئك المثقفين، كانت في بعض الأحيان تهدف كذلك إلى التعبير عن تحدٍّ لذلك الوضوح «الديكارتي» في عرض الموضوعات الذي زعموا نشأته من اتكال مشبوه على قناعات «برجوازية» تتعلق بنظام العالم. يناقش رولان بارت الأدب الفرنسي في القرن السابع عشر قائلًا:

لقد وُجِد بالتأكيد أسلوب عالمي محدد من الكتابة، ساد بين رجال النخبة الأوروبيين ممن تمتعوا بنفس نمط الحياة الموسِر، لكن هذه الميزة التواصلية العظيمة القيمة للُّغة الفرنسية اقتصرت على أعضاء تلك الطبقة ليس إلا، فلم تمتد قَطُّ خارجها؛ أي لم تصل مطلقًا إلى قلب الجماهير.

رولان بارت، «الأعمال الكاملة»، المجلد الأول (١٩٤٢–١٩٦٥)

فضَّل ما بعد الحداثيين تلاعبًا بألفاظ ذات إيحاءات على منطق بطيء التطور ومشبوه سياسيًّا؛ مما أسفر عن نشأة نظرية أدبية أكثر منها فلسفية، نادرًا ما توصلت إلى استنتاجات واضحة أو قابلة للاختبار في إطار تجريبي، لا لشيء إلا لصعوبة التأكد من معناها. أدى ذلك إلى تحمل أتباع أساتذة هذه النظرية لعبء مقبول من جانبهم؛ ألا وهو تقديم الترجمة التفسيرية للنظرية والدفاع عنها؛ إذ كتب الأساتذة الفرنسيون بأسلوب طليعي راسخ يعادي الوضوح المميِّز لتراثهم القومي. وقد كانت آلاف الأصداء والاقتباسات — والتفسيرات الخاطئة المتوقعة — المستقاة من كتاباتهم الغامضة هي ما شكلَّت العقلية الجَمعية المدعية والمشوشة غالبًا لدى أنصار ما بعد الحداثة.

نقدم هنا مثالًا على جملة تتجاوز بمراحل مفهوم اللانموذجية، وقد فازت بالمركز الثاني في مسابقة الكتابة الرديئة التي أعلنت عنها مجلة «فيلوسفي آند ليترتشر» العلمية. ربما تتضح الجملة للقارئ مع نهاية هذا الكتاب وربما لا، وهي مقتبسة من كتاب هومي بابا «موقع الثقافة» (١٩٩٤) الذي كثيرًا ما يشار إليه:

إذا كان من الممكن — لفترة زمنية قصيرة — إحصاء حِيَل الرغبة لأغراض تتعلق بالانضباط، فسرعان ما قد يُنظر إلى تكرار الذنب، والتبرير، والنظريات العلمية الزائفة، والخرافة، والسلطات غير الشرعية والتصنيف الكاذب؛ على أنه جهد يائس من أجل الوصول عادةً إلى «تطبيع» الاضطراب الكائن في خطاب الانشقاق الذي ينتهك المزاعم التنويرية العقلانية المرتبطة بصياغته الواضحة.

لذا، نلاحظ تناقضًا وتوترًا قويًّا بين ما بعد الحداثة المستقاة من المثقفين الفرنسيين، وبين الفكر الفلسفي الليبرالي الأنجلو أمريكي السائد في هذه الحقبة؛ إذ يتسم الاتجاه الأخير بتشككه البالغ — في إطار ما بعد أورويلي — في اللغة الاصطلاحية، والتركيب الفخم، و«الأيديولوجية» المستقاة من الفكر الماركسي. وفي فترة الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين، كان هذا الاتجاه شديدَ التمسك بمناهج مختلفة للغاية، ولا سيَّما بفكرة أن على الفلسفة استخدام «لغة عادية» يفهمها الجميع، وأن تهدف إلى تقديم أعلى درجة من الوضوح حتى إن كانت متخصصة. وهكذا استخدمت الأعمال الفلسفية النموذجية المكتوبة بالإنجليزية — بدءًا من «مفهوم العقل» (١٩٤٩) لجيلبرت رايل، وانتهاءً ﺑ «نظرية العدالة» (١٩٧١) لجون راولز — تلك المناهجَ التماسًا لمنهج توافقي وتعاوني في الأساس، وطلبًا لمزيد من التوضيح والتصحيح التدريجي من قِبل جموع المشتغلين بالفلسفة (التي قد تستجيب لها السلطة الأصلية جيدًا بالتأكيد، كما فعل راولز في كتابه اللاحق «الليبرالية السياسية»، ١٩٩٣). تأثر ذلك الاتجاه الفكري في هذا المجال تأثرًا كبيرًا بنموذج التعاون العلمي مثلما تأثر بالمناهج السقراطية. لكن أفكار ما بعد الحداثة — على الرغم من انتماءاتها الماركسية وطموحاتها السياسية — لم تعتزم قط التلاؤم مع أي إطار تعاوني وتوافقي من هذا النوع؛ إذ آمن الكثير من أتباع ما بعد الحداثة أن هذا المنهج سيؤدي ببساطة إلى إعادة إنتاج رؤية برجوازية للعالم، وبأنه يهدف إلى تحقيق قبول عالمي غير مبرر. إن ما بعد الحداثة الفرنسية تبدو من ناحيةٍ الوريثَ الشرعي للحركة السريالية التي حاولت كذلك تعطيل الطرق «الطبيعية» المفترضة لرؤية الأشياء.

في رأي الكثير من أتباع ما بعد الحداثة، يكمن الخطر — والهدف كذلك — من دمج حوارات فلسفية ونظرية في ثنايا لغة أدبية منمقة في أن يصبح النص بهذه الطريقة مفتوحًا لشتى صور التفسيرات. يوجد — كما سنرى لاحقًا — لاعقلانية متوغلة في قلب ما بعد الحداثة — نوع من فقدان الأمل في وظائف المنطق العامة المستقاة من عصر التنوير — لا نجدها في أيٍّ من المناهج الفكرية الأخرى في أواخر القرن العشرين (على سبيل المثال، فيما يتعلق بتأثير علم الإدراك على اللغويات أو استخدام النماذج الداروينية لتفسير التطور العقلي). غالبًا ما يروِّج الناشرون الكتبَ التي تحمل آراءً ما بعد حداثية، لا على أساسِ ما تطرحه من فرضيات أو نقاشات محفِّزة، بل بسبب «استخدامها للنظرية»، وبسبب «آرائها المستبصرة»، و«مداخلاتها»، والأسئلة التي «تعالجها» (لا الإجابات التي تقدمها).

فيما يلي نعرض بعض الفروق العامة بين فلسفة وأخلاقيات ما بعد الحداثة وما تتضمنه من جماليات وتطبيقات لعلم الاجتماع السياسي. تختلف مقاييس الانتماء لما بعد الحداثة اختلافًا كبيرًا في المجالات الثلاثة كافة؛ إذ إن مصطلح «ما بعد حداثي» في حد ذاته يجذب الانتباه إلى حقبة تاريخية وتضمينات أيديولوجية في آنٍ واحد. إنَّ زعْم كون أي عمل فني أو عقلية مفكر أو ممارسة اجتماعية تجسِّد مبادئ ما بعد الحداثة، أو تشخِّص بدقة «الحالة الاجتماعية للمذهب ما بعد الحداثي»؛ ستعتمد إذن على المعايير المتنوعة للغاية التي تسيطر على أذهان معظم المعلقين على هذا الموضوع، وأنا منهم. إلا أنني آمُل أن أقدِّم فيما يلي رؤية عامة توافقية لما بعد الحداثة.

سوف أقدم الأفكار الأهم من بين مجموعة الأفكار الضخمة المرتبطة بالموضوع، لكني لن أستطيع — في المساحة المتاحة لي — أن أُبديَ عناية كبيرة بالاختلافات المثيرة للاهتمام بينها. وسأركز على ما يبدو لي مُعبِّرًا عن أطول أفكار ما بعد الحداثة عمرًا وأكثرها قابلية للتطبيق، لا سيَّما تلك التي قد تساعدنا في تمييز الفن المبتكَر والممارسات الثقافية السائدة منذ منتصف الستينيات واستيعابها.

علينا توقُّع اعتبار الكثير من أفكار ما بعد الحداثة مؤثرة ومثيرة للغاية، وتحتل مكانة رئيسية في بعض الأعمال الفنية التجريبية الجيدة، لكنها في أفضل حالاتها مشوشة وفي أسوأها غير صادقة؛ وهو أمر عادي؛ إذ إن الأفكار الرئيسية الرائدة في العديد من العصور الثقافية عرضة لهذا النقد نفسه. فما إن تُكتشف تلك الأفكار حتى يعاد تفسيرها (مثل فكرة الخيال في الحركة الرومانسية)، أو تئول إلى الزوال (مثل فكرة التنويم المغناطيسي في الطب). نجد هذه السمة في جميع الحركات الفكرية المتطرفة، ومن بينها ما بعد الحداثة. لا أحد الآن يلتزم تمامًا بالرؤية الرومانسية للخيال، مع أن وظائف الخيال لا تزال أحد الموضوعات المحورية والدائمة، كذلك يختلف التنويم المغناطيسي في القرن الثامن عشر اختلافًا كبيرًا عن الشكل الذي صار عليه في القرن العشرين. بوجهٍ عام، أدَّت نشأة الأفكار المتطرفة (وكذلك الأحزاب السياسية المتطرفة) في القرن العشرين إلى حالة تحرر من الوهم تَلَتْها عملية تعديل، وهو ما يبدو بالفعل المصير الذي واجهته ما بعد الحداثة، في الفترة من ستينيات إلى تسعينيات القرن العشرين. وفي النهاية، فقد استمرت زمنًا يعادل فترة الحداثة العليا في الحقبة السابقة على الحرب، التي تُعتبر ما بعد الحداثة — في أعين مناصريها — بديلها التقدمي على المستوى السياسي، بينما يرى معارضوها أنها نَزْعها الأخير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠