مقتل أخيل

انتهت الهدنةُ، واندلعتْ نيران الحرب كرَّةً ثانيةً، والتحم الجمعان تُؤجِّج العداوةُ بينهما ثارات وثارات؛ ولم يُجدِ الطرواديين أن تنضمَّ إليهم مليكةُ الأمازون تُحارب بفصائلها في صفوفهم، وتشدُّ بجموعها أزْرُهم، فإن أخيل هو هو لم ينقص ولم يزد، بل هو يزيد كلَّ يومٍ ظمأً إلى دماء قاتلي صديقه وأحب الناس إليه … بتروكلوس الشهيد …

لقد انقضَّ أخيل على مليكة الأمازون التي انقضَّت بدورها على جحافل الهيلانيين فأوقعت الرَّوع في نفوسهم، وقذفت الرعب في قلوبهم، فلم يَزَلْ بها يُصاولها ويُطاولها حتى نهز منها نهزةً أنفذ بها رمحه في صدرها، وعفَّر جبينَها الملتهب بثرى المعمعة، وجرَّدها من سلاحها فإذا هي جثة هامدة، وانكفأ أتباعُها وبهنَّ من الحزن على صاحبة الأمر فيهن ما صرفهن عن طروادة والطرواديين.

وإن أخيل لَيصولُ في الميدان ويجول، وإنه ليرتفعُ بصرُه عفوًا وعن غير قصد إلى البرج الشاهق من أبراج إليوم فوق البوابة الإسكائية إذا هو يلمح قمرًا مطلًّا من شرفة البرج يرنو بعينَي ظبي، ويهطع بجِيدٍ رئْم، ويُشرق بخدَّين ناضجَين من خدود ربَّات الخدور، يُرسلان على الساحة كلِّها سناءً ورُواءً …

مَن هي؟

مَن هذه العذراء البارعة التي تُشرف هكذا على الساحة الحمراء فتطفئ جذواتِ الغلِّ المتَّقدة بين أضلاع أخيل، وتضع حدًّا لهذه الثورة التي ظلَّت إلى تلك اللمحة تعصف بنفْسه الغضبَى، وتحزُّ في قلبه المحزون؟

أوَّه! إنها الأميرة الفتَّانة بوليكسينا، صغرى بنات الملك الشيخ، بريام البائس الباكي الحزين.

لقد أرسلتْها العناية لتُشرف على الساحة الصاخبة، ولتنظر إلى هذا البطل الخرافي الجبَّار الذي لم يَعُدْ بيتٌ في طروادة كلِّها إلا وفيه لسانٌ يلهج بذكْرِه، ويتحدَّثُ عن شجاعته، ويصفُ جبروته … ثم لم يَعُدْ بيتٌ في طروادة كذلك إلا وفيه عينٌ مؤرَّقة تبكي على عزيزها الذي قتله هذا البطل، أو الذي سيقتله، أو الذي يُخشى عليه أن يقتله، كأنه أصبح سفير هيدز إلى إليوم، أو وزير بلوتو العظيم!

وأبصر أخيل بها … ويا لها من نظرة أنبتتْ في قلبه دَوحةً من الحب وارِفة، ذات ظلال وذات أفياء …

وظلَّ الرمح يهتزُّ في يده، ولا يصيب أحدًا، وظلَّ هو يسارق النظر قمر البرج المطل مشدوهًا مسبوهًا، لا يعرف لماذا شُبَّت هذه الحرب، ولماذا يقتتل هذان الجمعان؟!

وانثنى من الميدان ينظر في هذا الغرام الجديد.

ولم يجد بدًّا من العمل لإحلال السُّلَّم محلَّ تلك الحرب التي طالت وتتابعتْ عليها السنون، من غير أن يظفر الهيلانيون بالطرواديين، أو الطرواديون بالهيلانيين، ومن غير أن يفكِّر أحدٌ في هذه المجزرة الشائنة التي تتغذَّى كلَّ يوم بقطوف الشباب من زهرات الأمتين على السواء.

فيا له من حُبٍّ مهَّد لسِلْم لولا قساوةٌ في القلوب زادتْها الثارات عنفوانًا. ولولا شرف أمة بأسرها تعبث به امرأةٌ، ولولا الإِحَنُ التي ذهبت بأبناء الملوك الصيد!

واستطاع أخيل أن يُنفِذ رسُلَه إلى بريام يستعتبه، ثم استطاع الرسل أن يخاطبوا الملك في بوليكسينا على أن تكون أحبَّ أزواج أخيل وآثرَهنَّ إلى قلبه، فوعدهم الملكُ بعد إذ لحظ من افتتان ابنته هي الأخرى بزعيم الميرميدون، أن تتمَّ مراسيم الزواج حين تضعَ الحربُ أوزارها، وحين تنكشف هذه الغُمَّة القاسية عن طروادة.

بيد أن الهوى المبرح قد ألحَّ على قلب أخيل، والصبابةَ العاتية قد جمعت أفانينَ من السُّهاد في عينيه، وطيف بوليكسينا يراوحه ويغاديه ويملأ عليه أمانيه، ويتهادى أمامه في كل نظرة ينفرج عنها هدبُه، أو غمضة يتناعس بها جفناه! فلم يطقْ إلى صبر من سبيل!

وأنفذ رسلَه كرَّةً أخرى فاتفقوا مع الملك على إجراء مراسيم الخِطبة، عسى أن تفلَّ من غرب هذه الحرب القاسية أو تبزغ منها تباشيرُ السلام المنشود!

وأُعلِنت هُدنة ليوم أو بعض يوم؛ وأُقيم المهرجان الفخم في صميم الحومة الرائعة، وتقدَّم أخيل فصافح الملك، وأعلنت الخطبة، وانثنى الزعيم العظيم وقلبُه يكاد يطفر من الفرح أن أصبحت له بوليكسينا …

وما كاد البطل ينقلب إلى جنده حتى كانت فينوس تُوسوس إلى باريس أن ينتهز الفرصة العزيزة النادرة، ويريش سهمًا من سهامه المسمومة إلى عقب أخيل التي لم تغمرْها مياه ستيكس فيصميه … فيرديه!

ووتَّر باريس قوسَه، وأرسل السهم المسمومَ إلى عقب أخيل فنفذ فيه، وأنفذ فيه قضاء ربات القضاء … اللائي فرغن الساعة فقط من غزل خيط حياته وقطعته أتروبوس١ الهائلة بمقصِّها الجبار الفظيع.

وهكذا أنهى باريس الخائن تلك الحياة الحافلة بغدرة سافلة من غدراته التي توشك أن تنتهيَ!

•••

واستطير الميرميدون! وانقضَّ أوليسيز كالعاصفة ينافح عن جثمان صاحبه، واستطاع أن يستنقذ القتيل العزيز من أيدي أعدائه الجبناء؛ وكان أجاكس العظيم يعاونه في دفْع الجموع الحاشدة التي تكاثرتْ حول الجثة تطمع في عدة فلكان …

وانصرف الجيش الحزين يذرف دموعَه على أخيل!

واجتمعوا حول الجثة المضمَّخة بالطيب وحنوط المسك يحرقونها!

ووقفت ذيتيس تلقي على ابنها نظراتِها الأخيرة، وتذرف عليه دموعَ الوداع!

وكانت ثيابها السود تبكي معها …

وكانت السماء كلها تذرف شئونها على أخيل …

وعرائس البحر ساهمات على شواطئ الهلسبنت الفائض بالدم!

وبليوس المحزون يضطرب في الأعماق فيجعلها ضرامًا!

والأولمب كلُّه، إلا عصابة فينوس يُعزِّي بعضُه بعضًا!

وليس أولئك جميعًا شيئًا إلى ما حدث من بعدُ، قبيل أن تخمد النيران فوق أخيل … فقد ضجَّ المكان الصامت بصيحات مفاجئة، نبَّهت ما سكن من هول هذا المحشر الرهيب … وتلفَّت القوم فإذا أجاكس العظيم قد أصابه طائفٌ من المَسِّ، وإذا به يُرغِي ويُزبِد، ويُعوِل وينشج ثم يقذف من فمه صبيبًا من الدم، يتلوه شَوْبٌ من العَلق، وينبطح على الأرض ثم يثبُ على قدميه، ويروح ويغدو دون أن يلويَ على شيء … ثم يستلُّ جزارَه ويركزه فوق الأرض ويتَّكئ بصدره على سِنانه، فينفذ السِّنانُ من ظهر أجاكس ضحيةً جديدةً لهذه الحرب التي لا تشبع، وخيط حياة حافلة يمرُّ وشيكًا بين الشفرتين من مقص أتروبوس!

ويحك أجاكس! وللآلهة ما وفيت لأخيل يا بطل الأبطال!

•••

وذُهِل القوم لانتحار أجاكس، ولم يُفيقوا من ذهولهم إلا ليروا مأساةً ضغضغت ما أبقى عليه الحزن من ألبابهم، وأطاشت ما بقي من حلومهم، وتركتهم سُكارى وما هم بسُكارى.

هذه بوليكسينا!

إنها تُقبل من طروادة كأنما بها مسٌّ.

وهي تطوي الساحة المزدحمة بالأشلاء المضرجة بالدماء، بقدمَين عاريتَين لا يُقيمها حذاء، وإن الدم ليتفجَّرُ منهما.

وهي تصرخ، وتضرب خدَّيها الشاحبتين بكفَّيها الواهيتين.

وهي تجفل كالظبية المراعة، وتدور حول نفسها، ثم تقف لحظةً، وتنطلق.

وهي تفعل هذا حتى تكون أمام البركان الخافت المشتمل على رُفات أخيل.

وإنها لتقف تلقاءه جامدةً كأنها دُمية، ذاهلة كأنها تمثال.

يا للهول!

لقد انطلقت الفتاةُ فخاضت النيران، ودسَّت رأسَها في جمرات الغضى تبحث عن حبيبها المرجو، وزوجِها المؤمَّل، عن أخيل.٢

أخيل الجبار … قاتل ليكاون وبوليدور … وهكتور!

•••

ويجزع الهيلانيون مما ألمَّ بهم من مقتل أخيل، وانتحار أجاكس حزنًا عليه، فينصرفون عن الحرب إلى استيحاء آلهتهم؛ وينفرد «كالخاس» يُرسل نظرةً إلى النجوم، ويناجي سُكَّان السماء، ثم يُقبل على القادة وقد فرغت قلوبُهم من الصبر، وتبلبلتْ أفكارُهم من طول الانتظار، فيقول «سهام هرقل! لا بد من سهام هرقل! لن يَفتحَ عليكم طروادة إلا سهامُ هرقل!»

سهام هرقل؟ وما سهام هرقل هذه؟

آه! لعلها هي هذه السهام التي غمسها هرقل في دم هيدرا٣ فتسمَّمتْ به، وادخرت من الموت ما يكفي لإبادة الطرواديين جميعًا.

ولكن أين هي هذه السهام اليوم؟! وأنَّى للهيلانيين أن يهتدوا إليها؟

جلس القادة يفكِّرون.

وذهب العرَّافون يُقلِّبون صحفَ الغيب.

وطفق مشايخ الجند يُفتِّشون في زوايا أدمغتهم.

ثم اذَّكر أوليسيز بعد لأْيٍ أن هذه السهام المنشودة قد تُرِكت مع الجندي القديم فيلوكتيتس٤ الذي غادره الجيش فوق جزيرة لمنوس في طريقه إلى طروادة … فجْرَ الحملة … منذ عشر سنوات!

ولقد كان فيلوكتيتس قد أُصِيب بجُرح كبير في قدمه جعل اصطحاب الحملة له من المحال، لما كان يلقى أوانئذٍ من الآلام المبرحة، وما كان يملأ به آذان الجند من الصراخ والأنين، فاضطر أوليسيز إلى تركه في جزيرة لمنوس، حيث أوى الجندي المسكين إلى كهفٍ منعزل عكَف فيه على جرحه يعالجه … دون جدوى!

واتفق القادة على أن يذهب أوليسيز مصطحبًا معه بيروس ابن أخيل؛ (أونيوبتلموس كما كانوا يسمونه أحيانًا) إلى جزيرة لمنوس ليريا هل الجندي الجريح ما زال يحيا هنالك؟ وقد بحثا عنه في أنحاء الجزيرة حتى عثرا به يئنُّ في كهفه ويتوجَّع ويشكو إلى غير مُسَمع، فعرضا عليه أن يصحبهما إلى طروادة فأبى. وجعله يشتدُّ في الإباء تذكُّره هذا اليوم الأغبر الذي آثروا فيه ترْكه فوق تلك الجزيرة القاحلة لا أنيس له ولا سمير، ولا لسان يرفه عنه وحشة الألم ووحشة المنفَى الذي لا يَدَ له فيه؛ وكبر عليه أن ينطلق مع هذا الجيش الذي جحده وغمطه حقَّ الجهاد في سبيل الوطن والذَّود عن شرف هيلاس واسمها المقدَّس …

وتركه أوليسيز لبيروس يأخذه بالحيلة والرفق، ولكن بيروس ما يستطيع قط أن يُقنع فيلوكتيتس، فيكاد يدعه برمًا متسخطًا، لولا أن يظهر طَيف هرقل فجأةً مرفرَفًا في العلو؛ فيأمر فيلوكتيتس بعد تهويمة هنا وتهويمة هناك أن ينصاع لما يأمره أوليسيز به.٥

ولا يسع الجندي الكريم إلا أن ينطلق مع أوليسيز، فيركب الجميع في السفينة إلى طروادة، ويلقاهم العسكر المشتاق بالبشر، ويهرع إليهم بالإيناس!

أليس في سهام هذا القادم الأعرج النصر كل النصر؟!

•••

ونُفِخ في صور الحرب، واشتجرت الأسنَّة، واستحر القتال، وتبوَّأ فيلوكتيتس مقعدًا للرماية لا يبصره فيه أحدٌ؛ في حين يبصر هو منه كلَّ ما في الميدان!

وراش سهامه! وتطايرت المنايا عن قوسه المرنان! وسعتْ إلى الطرواديين مصارعهم تُهدهدها سهامُ هرقل، وتمهد لهايمين فيلوكتيتس!

ومرق سهمٌ منها إلى باريس!

وكان يُشرف على المعركة من أسوار إليوم! فوقع يتشحَّط في دمه، ويغص بريقه، ويصرخ من الألم الذي يسري في عروقه مع الدم والسم!

واجتمع حول باريس أبوه وذووه وعشيرته … وهيلين!

وطفق الجميع يبكون في باريس إخوته، والذكريات السود التي أقبلت من كل صوب ترفُّ فوقه وترنق على جبينه.

وأخذ الألمُ من باريس مأخذَه، وراح المسكين يصرخ ويتلوَّى، غيرَ آبهٍ لما تغرقه به هيلين من قُبلات دَنِسة، ودموع مسمومة، كانت الويلَ كل الويل على طروادة والطرواديين.

وذكر — وهو يتجرَّع غصص العذاب — أن حبيبته الأولى، وزهرة صباه، ووردة حبِّه القديم، إيونونيه، كانت قد ذكرت له أنها تعرف من خواص الأعشاب المختلفة ما يشفي أقلُّه أشدَّ أوجاع الجروح وأنكاها فأشار إلى بعض أهله، وطلب إليه أن يذهب إلى سيف البحر، علَّه يجد إيونونيه، فإذا لقيها فليخبرْها بما انتهى إليه (حبيبها!) باريس، والآلام التي تُعذِّبه وتشقيه من جرَّاء جرح هذا السهم المسموم، بيد أن إيونونيه التاعسة … إبونونيه المعذَّبة … إيونونيه التي أخلصت لباريس الحبَّ حتى عبدته … ذكرت ما كان من هجْر هذا الحبيب وقِلاه؛ وذكرت دموعها التي ذرفتْها مرةً تحت قدمَيه، ضارعةً متوسلةً، وتلك القسوة التي كافأها هو بها لما أن خدعتْه فينوس، وأوقعتْه في أحبولة هيلين، فرفضت أبيَّةً شمَّاء أن تذهب إليه، والآلهة وحدها تعلم مقدار ما كانت تُكنه له — برغم هذا الرفض — من الحب النقي، والصَّبابة الحزينة، والهوى المتأجج المشبوب!

وقضى باريس!

وأُعِدَّت النيرانُ الضخمة لتحريقه، فما هو إلا أن أُشعلت من حوله حتى شُوهِدت إيونونيه المتْبولة تخرج من لُجَّة الهلسبنت وتعدو، كأنْ قد أصابها مسٌّ، حتى تكون تلقاء النار، فتقف باهتةً، وتتنهَّد طويلًا، وتقذف بجسمها الجميل المرمري الممشوق في اللهب، وتصرخ صرخةً مشجيةً … و… وتنتهي قصةُ حبِّها الباكي الحزين.

وهكذا تخطُّ بيدها آخر سطر في كتاب باريس.

١  أشرنا إلى ربات قضاء سالفًا — وهن ثلاث: (١) كلوتو: وتنسج خيوط الحياة. (٢) لاخسيز: وهي تبرمها حتى تحتمل عاديات الزمان. (٣) وأتروبوس: وهي تقطعها فتنتهي الحياة!
٢  اختلفت المصادر في انتحار بوليكسينا، فبعضها يرويه كما أثبتنا، وبعضها يزعم أنها انتحرت على قبر أخيل. والبعض يروي أن بيروس — ابن أخيل — قد انتزعها من حضن أمِّها هيكيديا وجعل منها قربانًا على قبر أبيه عقب فتح طروادة.
٣  نشرنا هذه الأسطورة في كتاب أساطير الحب والجمال عند الإغريق «مجازفات هرقل».
٤  اعتمدنا في تلخيص هذا الجزء من ذاك الفصل على درامة سوفوكليس الخالدة Philoctetes، ترجمة لويس كاميل.
٥  هذه رواية سوفوكليس، ويقول هوميروس إن هرقل زار فيلوكتيتس في المنام وألقى إليه هذا الأمر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤