الفصل الأول

عَلامات مَولد

عالَم

كان عالَمًا متداعيًا قد شارف النهاية … خلاصة ما يقال فيه إنه عالَم فقد العقيدة كما فقد النظام …

أي أنه فقد أسباب الطمأنينة في الباطن والظاهر … طمأنينة الباطن التي تنشأ من الركون إلى قوة في الغيب، تبسط العدل، وتحمي الضعف، وتجزي الظلم، وتختار الأصلح الأكمل من جميع الأمور …

وطمأنينة الظاهر التي تنشأ من الركون إلى دولة تقضي بالشريعة، وتفصل بين البغاة والأبرياء، وتحرس الطريق، وتُخيف العائثين بالفساد …

بيزنطة قد خرجت من الدين إلى الجدل العقيم الذي أصبح بعد ذلك علمًا عليها، وتضاءلت سطوتها في البر والبحر حتى طمع فيها من كان يحتمي بجوارها …

وفارس قد سخر فيها المجوس من دين المجوس … وكمنت حول عرشها كوامن الغِيلَة، وبواعث الفتن، ونوازع الشهوات …

والحبشة ضائعة بين الأوثان المستعارة من الحضارة تارة ومن الهمجية تارة، وبين التوحيد الذي هو ضرب من عبادة الأوثان … ثم هي بعد هذا التشويه في الدين، ليست بذات رسالة في الدنيا ولا بذات طور من أطوار التاريخ … فليس لها عمل باق في سجل الأعمال الباقيات.

عالم يتطلع إلى حال غير حاله … عالم يتهيأ للتبديل أو للهدم ثم للبناء.

أمَّة

وبين هذه الدول المتداعيات، أمَّة ليست بذات دولة، ولكنها تتأهب لإقامة دولة … هي أمَّة العرب وقد تيقظت لوجودها وشعرت بمكانتها، كما شعرت بالخطر عليها وبمواضع النقص منها.

في أيديها تجارة العالمين كلها …

فإذا سارت القوافل من خليج فارس إلى بحر الروم، فهي تسير في البادية بين حراس من العرب لا سلطان عليهم للدول المتداعية … أو هم قد شعروا بذلك السلطان حينًا في إبان الصولة الرومانية والصولة الفارسية، ثم علموا أنهم مالكون لزمامهم، يرضون فتتصل الأرزاق بين المشرق والمغرب، وبين المغرب والمشرق، ويغضبون فتبور التجارة وينضب المورد وتكسد الأسواق.

وإذا سارت القوافل من اليمن إلى الشام أو من بحر القلزم إلى بحر الروم، فهي في جيرة الأعراب من كلتا الطريقين.

أمَّة تيقظت لوجودها، وعرفت شأنها بين من يحْدِقون بصحرائها … ثم رأت هؤلاء المحيطين بها يجورون عليها، ويريدون إخضاعها وابتلاعها …

فهرقل الرومي يرسل إلى مكة من يحكمها، وأبرهة الحبشي يزحف إلى مكة بمن يهدم كعبتها ويستبدل بها كعبة غيرها، وفارس تطغى على شرق البلاد وعلى جنوبها …

خطر من خارجها، يزيد الأمة يقظة وانتباهًا لوجودها …

وخطر من داخلها، يدفع بها إلى الزوال أو إلى استكمال النقص المستشري في حياتها …

مدينة واحدة تجتمع فيها ثروة الجزيرة، وعصبة واحدة من سادة القوم تجتمع في أيديها ثروة المدينة …

حالة لا استقرار فيها …

فمن هنا الترف، والطمع، والخمر، والقمار، والمتعة، وتسخير الأقوياء للضعفاء …

ومن هنا الفاقة، والحسرة، والشك في صلاح الأمور …

ولكنه شك يبحث ويضطرب، وليس بالشك الذي يستجم ويستكين فحيثما اجتمع أناس من أولي الرأي يذكرون العقيدة وطمأنينة الضمير، فهناك هاتف بينهم بسوء ما هم عليه. اجتمع أناس بنخلة لإحياء عيد العُزَّى، فقال رجل منهم لإخوانه: «والله ما قومكم على شيء وإنهم لفي ضلال … فما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، ومن فوقه يجري دم النحور. يا قوم التمسوا لكم دينًا غير هذا الدين الذي أنتم عليه» … ثم تفرقوا، فمنهم من تنصر، ومنهم من اعتزل الأوثان، ومنهم من انتظر حتى سمع دعوة الإسلام فلبَّاها … وكان الذي تنصر وسمع دعوة الإسلام ورقة بن نوفل الذي كتب له أن يتلقى بشارة النبي العربي عند ظهوره، ويلقي إليه بالبشارة.

هؤلاء شكوا وبحثوا عن العقيدة وطمأنينة الضمير …

وغيرهم شكوا وبحثوا عن وازع من الضمير، ووازع من السلطان، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وتَيم يتعاهدون باسم الله المنتقم لَيكونُنَّ مع المظلوم حتى يُؤدَّى إليه حقه … وذلك حلف الفضول الذي شهده النبي العربي في شبابه، وقال فيه: «ما أحب أن يكون لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم.»

حالة لا تستقر، ولا تزال في طلب الاستقرار …

وأمَّة يقظى! …

وخطر محدق بها مما حولها، ومما هو في دخائلها وأحشائها …

حالة تنذر بالزوال، وقلَّما تزول أمة يقظى في أوان انتباهها … فتلك إذن حالة للتبديل والتجديد.

قبيلة

وقبيلة في تلك الأمَّة، في تلك المدينة … لها شعبتان:

إحداهما من أصحاب الترف والطمع واستبقاء ما هو قائم، كما كان قائمًا على هواها …

والأخرى من أصحاب التقوى والسماحة والتوسط بين مقام القوي الذي يجور ويطغى ويستبقي أداة الجور والطغيان، ومقام الضعيف الذي يحتمل الأذى، ويصبر على الكريهة، ولا يملك مع السيد الآمر إلا أن يُذعن له، ويأكل من فضلات يديه.

بيت

وبيت من تلك الشعبة الوسطى له كرم النسب العريق، وليس له لؤم الثروة الجامحة والكبرياء الجائحة، والقسوة على من دونه من المحرومين.

ذلك هو بيت عبد المطلب من صميم قريش ومن ذؤابتها العليا، وإن لم يكن معدودًا من أثرياء القبيلة القرشية في ذلك الأوان …

ورأس هذا البيت — عبد المطلب — رجل قوي الخلق، قوي الإيمان فيما آمن به، حكيم مع قوة طبعه وشدة إيمانه، خليق أن يُنجب العَقِب الذي يبشر بدعوة وينضح عن دين.

نَذَرَ لئن عاش له عشرة بنين لينحرن أحدهم عند الكعبة … ثم أحله قومه وأحلته العرَّافة من نذره، فأبى أن يتحلل حتى يستوثق من رضا الرب ورضا ضميره …

سألتهم العرَّافة: «كم الدِّية فيكم؟»

قالوا: «عشر من الإبل.»

قالت: «فتقربوا إذن بعشر من الإبل، واضربوا على الفتى وعليها بالقداح … فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم.» فما زالوا يزيدون حتى بلغت الإبل مائة وخرجت القداح عليها فهتفت قريش بعيد المطلب: «لقد رضي ربك … فأطلق فتاك.» وكان خليقًا بمن يريد أن يتحلل ويتعلل أن يقبل ولا حرج عليه، ولكن عبد المطلب لم يكن من المتحللين المتعللين، فأبى إلا أن يضرب عليها القداح ثلاث مرات، ثم نحرت الإبل للجياع من الأناسي والسباع.

وجاء القائد الحبشي يهدم الكعبة ويسطو على الإبل والشاء … فلما سأله عبد المطلب أن يردَّ إليه إبله، قال له مقال السياسي المحرج المداور بالكلام: «أراك تسأل عن إبلك ولا تسأل عن الكعبة.»

فأجابه عبد المطلب جواب الحكيم المؤمن: «أما الإبل فأنا ربُّها، وأما البيت فله ربٌّ يحميه!»

فكان إيمانه إيمانًا كفئًا لدهاء السياسة، ولم يكن إيمان العجز والتواكل والاستسلام …

ومن كان له هذا الخلق، وهذا الضمير، وهذا الإيمان، وهذه الرئاسة، فليس من عجب أن ينجب نبيًّا في زمان يستدعي الأنبياء، ومكان مهيأ لهم دون كل مكان … بل العجب أن يكون الأمر غير ما كان.

أب

وإذا كان عبد المطلب جدًّا صالحًا لنبي كريم، فابنه عبد الله نعم الأب لذلك النبي الكريم …

لكأنما كان بضعة من عالم الغيب، أُرْسِلت إلى هذه الدنيا لتعقب فيها نبيًّا وهي لا تراه، ثم تعود.

كان إنسانًا من طينة الشهداء، يتجه إلى القلب الإنساني بكل ما فيه من حب وحنو ورحمة. فهو الفتى الذي اسمه عبد الله والذي اختير للفداء، فجاشت له شفقة قومه حتى تركه لهم القدر إلى حين. وهو الفتى الذي تحدثت الفتيات في الخدور بوسامته وحيائه، وودت مئات منهن لو نعمن منه بنعمة الزواج، وهو الفتى الذي أقام مع عروسه ثلاثة أيام، ثم سافر ليتَّجر فإذا هي السفرة التي لا يؤوب منها الذاهبون، وهو الفتى الذي مات وهو غريب، وولد له نسله الكريم وهو دفين.

وهكذا تتمثل البصائر الخاشعة آباء الأنبياء والسلالة التي تصل بين الآخرة والدنيا وبين عالم البقاء وعالم الفناء …

رجل

عالم يتطلع إلى نبي … وأمة تتطلع إلى نبي، ومدينة تتطلع إلى نبي، وقبيلة وبيت وأبوان أصلح ما يكونون لإنجاب ذلك النبي.

ثم ها هو ذا رجل لا يشركه رجل آخر في صفاته ومقدماته، ولا يدانيه رجل آخر في مناقبه الفضلى التي هيَّأته لتلك الرسالة الروحية المأمولة في المدينة … وفي الجزيرة، وفي العالم بأسره.

نبيل عريق النسب، وليس بالوضيع الخامل، فيصغر قدره في أمَّة الأنساب والأحساب …

فقير … وليس بالغني المترف، فيطغيه بأس النبلاء والأغنياء، ويغلق قلبه ما يغلق القلوب من جشع القوة واليسار.

يتيم بين رحماء … فليس هو بالمدلل الذي يقتل فيه التدليل ملكة الجد والإرادة والاستقلال، وليس هو بالمهجور المنبوذ الذي تقتل فيه القسوة روح الأمل وعزة النفس وسليقة الطموح، وفضيلة العطف على الآخرين.

خبير بكل ما يختبره العرب من ضروب العيش في البادية والحاضرة، تربى في الصحراء وألِف المدينة، ورعى القطعان، واشتغل بالتجارة، وشهد الحروب والأحلاف، واقترب من السراة ولم يبتعد من الفقراء.

فهو خلاصة الكفاية العربية في خير ما تكون عليه الكفاية العربية …

وهو على صلة بالدنيا التي أحاطت بقومه … فلا هو يجهلها فيغفل عنها، ولا يغامسها كل المغامسة فيغرق في لُجَّتها.

أصلح رجل من أصلح بيت في أصلح زمان لرسالة النجاة المرقوبة، على غير علم من الدنيا التي ترقبها …

ذلك محمد بن عبد الله عليه السلام …

قد ظهر والمدينة مهيأة لظهوره؛ لأنها محتاجة إليه، والجزيرة مهيأة لظهوره؛ لأنها محتاجة إليه، والدنيا مهيأة لظهوره؛ لأنها محتاجة إليه، وماذا من علامات الرسالة أصدق من هذه العلامة؟ … وماذا من تدبير المقادير أصدق من هذا التدبير؟ … وماذا من أساطير المخترعين للأساطير أعجب من هذا الواقع، ومن هذا التوفيق؟ … علامات الرسالة الصادقة هي عقيدة تحتاج إليها الأمة، وهي أسباب تمهد لظهورها، وهي رجل يضطلع بأمانتها في أوانها.

فإذا تجمعت هذه العلامات، فماذا يلجئنا إلى علامة غيرها؟ … وإذا تعذر عليها أن تجتمع فأي علامة غيرها تنوب عنها أو تعوِّض ما نقص منها؟ …

خُلق محمد بن عبد الله ليكون رسولًا مبشرًا بدين، وإلا فلأي شيء خلق … ولأي عمل من أعمال هذه الحياة ترشحه كل هاتيك المقدمات والتوفيقات، وكل هاتيك المناقب والصفات؟

لو اشتغل بالتجارة طول حياته كما اشتغل بها فترة من الزمن، لكان تاجرًا أمينًا ناجحًا موثوقًا به في سوق التجار والشراة … ولكن التجارة كانت تشغل بعض صفاته، ثم تظل صفاته العليا معطلة لا حاجة إليها في هذا العمل مهما يتسع له المجال.

ولو اشتغل زعيمًا بين قومه لصلح للزعامة، ولكن الزعامة لا تستوفي كل ما فيه من قدرة واستعداد …

فالذي أعده له زمانه وأعدته له فطرته هو الرسالة العالمية لا سواها، وما من أحد قد أعد في هذه الدنيا لرسالة دينية إن لم يكن محمد قد أعد لها أكمل إعداد …

بشائر الرسالة

والمؤرخون يُجهدون أقلامهم غاية الجهد في استقصاء بشائر الرسالة المحمدية … يسردون ما أكده الرواة منها وما لم يؤكدوه، وما قَبِلَه الثقات منها وما لم يَقْبلوه، وما أيدته الحوادث أو ناقضته، وما وافقته العلوم الحديثة أو عارضته، ويتفقون في الرأي والهوى بين تفسير الإيمان وتفسير العيان، وتفسير المعرفة وتفسير الجهالة، فهل يستطيعون أن يختلفوا لحظة واحدة في آثار تلك البشائر التي سبقت الميلاد، أو صاحبت الميلاد حين ظهرت الدعوة واستفاض أمر الإسلام.

لا موضع هنا لاختلاف …

فما من بشارة من تلك البشائر كان لها أثر في إقناع أحد بالرسالة يوم صدع النبي بالرسالة، أو كان ثبوت الإسلام متوقفًا عليها.

لأن الذين شهدوا العلامات المزعومة يوم الميلاد، لم يعرفوا يومئذ مغزاها ومؤداها، ولا عرفوا أنها علامة على شيء، أو على رسالة ستأتي بعد أربعين سنة …

ولأن الذين سمعوا بالدعوة وأصاخوا إلى الرسالة بعد البشائر بأربعين سنة، لم يشهدوا بشارة واحدة منها، ولم يحتاجوا إلى شهودها ليؤمنوا بصدق ما سمعوه واحتاجوا إليه.

وقد ولد مع النبي عليه السلام أطفال كثيرون في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا جاز للمصدق أن ينسبها إلى مولده؛ جاز للمكابر أن ينسبها إلى مولد غيره. ولم تفصل الحوادث بالحق بين المصدقين والمكابرين إلا بعد عشرات السنين … يوم تأتي الدعوة بالآيات والبراهين غنية عن شهادة الشاهدين وإنكار المنكرين.

أما العلامة التي لا التباس فيها ولا سبيل إلى إنكارها، فهي علامة الكون وعلامة التاريخ.

قالت حوادث الكون: لقد كانت الدنيا في حاجة إلى رسالة …

وقالت حقائق التاريخ: لقد كان محمد هو صاحب تلك الرسالة …

ولا كلمة لقائل بعد علامة الكون وعلامة التاريخ …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤