مقدمة
إذا سألت أي فرد من أبناء الوطن العربي عن الترجمة،
قال لك دون تردد إنها تعني النقل من لغة إلى لغة، وإذا
سألت المتعلمين لم يترددوا في تأكيد الطابع اللغوي
المحض للترجمة، وقد نجد بينهم من يتحدث عن الترجمة
«الحَرفية»، وترجمة «روح» النص، أو من ينتقد سوء اللغة
عند بعض المترجمين، فإذا سألت المتخصصين، فربما خرجت
بآراء مستقاة من العلوم والمعارف الحديثة حقًّا، ولكنها
تدور في ذلك الفلك نفسه، بل إن حياتنا الأكاديمية لا
تزال تضع الترجمة في منزلة ثانوية (بعد البحوث
العلمية)، حتى إذا قام بها المتخصصون في اللغة، فإذا
سألت أي عربي عن معنى «نظرية الترجمة» أو «دراسات
الترجمة» لم تخرج إجابته عن المحاور المذكورة آنفًا،
وله العذر، كل العذر، في ذلك، فإن مبحث «دراسات
الترجمة» مبحثٌ علمي جديد، لم ينشأ في العالم (شرقه
وغربه) إلا منذ عهد قريب، وقد اشتد ساعده في
التسعينيات، ولم نتخلف نحن في جامعاتنا العربية عن
دراسة هذا المبحث منذ الثمانينيات، وخصوصًا في أقسام
اللغات، فأجرى العديد من طلاب الدراسات العليا في جامعة
القاهرة، وغيرها، رسائلهم للماجستير والدكتوراه في هذا
التخصص الجديد، وإن كنا لم ننتج فيه بحوثًا مناظرة
للبحوث العالمية الجارية، لأننا لم نعرف الكثير عنه،
وهدف هذا الكتاب إذن تقديم الخطوط العريضة لهذا المبحث
الجديد.
وأما «دراسات الترجمة» translation
studies، فهي — كما يقول منداي
(۲۰۰۱م، ص۱) — اسم يُطلَق على المبحث
discipline
الأكاديمي الجديد، المتعلق بدراسة نظرية الترجمة
وظواهرها. ويتسم هذا التخصص (بطبيعته) بأنه متعدد
اللغات multilingual،
ومشترك بين المباحث الأكاديمية، أي أنه مبحث بينيٌّ
interdisciplinary،
يضم علوم اللغات، وعلم اللغويات (الحديث) ودراسات
الاتصال، والفلسفة، وضروبًا منوعة من الدراسات
الثقافية.
وقد أدى هذا التنوع إلى نشوء إحدى المشكلات الكبرى في
تعليم دراسات الترجمة والإحاطة بها، ألَا وهي أن نسبة
كبيرة منها متناثرة متفرقة في شتى الكتب والمجلات
العلمية. ومن ثَم وضع الباحثون كتبًا تجمع نصوصًا
مختارة من الكتابات الأساسية في الموضوع، وهي كتب
مرجعية تتضمن دراسات في الموضوعات المتعلقة بهذا المبحث
الجديد، وبعضها يتضمن آراء محرريها أنفسهم، أو مقدمات
ضافية، وهكذا فإن بعض هذه الكتب يُغني عن البحث في
المجلات العلمية (الدوريات)، وغيرها من المصادر، ومن
هذه الكتب، كتاب وضعه أندرو تشسترمان
Andrew Chesterman
بعنوان قراءات في نظرية الترجمة
Readings In Translation
Theory عام ۱۹۸٩م،
وكتاب وضعه أندريه ليفيفير André
Lefevere بعنوان
الترجمة/التاريخ/الثقافة: كتاب مصدري، في عام ١٩٩٢م
Translation/History/Culture: A Source
Book.
وكتاب وضعه اثنان هما رينر شولت وجون بيجينيه
Rainer Schulte and John
Biguenet عام ١٩٩٢م أيضًا، بعنوان
نظريات الترجمة: مجموعة مختارة من المقالات من درايدن
حتى دريدا Theories of Translation: An Anthology of
Essays from Dryden to
Derrida.
وكتاب وضعه دجلاس روبنسون Douglas
Robinson عام ۱۹۹۷م بعنوان «نظرية
الترجمة في الغرب من هيرودوت إلى نيتشه»
Western Translation Theory from Herodotus to
Nietzsche.
وكتاب وضعه لورانس فينوتي Lawrence
Venuti عام ۲٠٠٠م، بعنوان «نصوص
مختارة في دراسات الترجمة» The Translation Studies
Reader، كما حاول
بعض المؤلفين تجميع المفاهيم الأساسية في هذا المجال،
ووصفها في كتب أخرى، مثل موسوعة راتلدج لدراسات
الترجمة، التي وضعتها منى بيكر Mona
Baker عام ١٩٩٧م
The
Routledge Encyclopedia of Translation
Studies، ومثل معجم
دراسات الترجمة The Dictionary of Translation
Studies، الذي وضعه
شاتلويرث وكوي Shuttleworth and
Cowie عام ١٩٩٧م، ومثل موسوعة
الترجمة الأدبية إلى الإنجليزية
Encyclopedia of Literary Translation into
English، من تحرير
أوليف كلاس Olive
Classe الصادرة في لندن عام
٢٠٠٠م.
فأما كلمة الترجمة، فقد تعني المجال كله، أو عملية
الترجمة، أو النص المترجَم، وأما عملية الترجمة
process of
translation بين لغتين مختلفتين
فتعني أن يقوم المترجِم بتحويل نصٍّ مكتوب أصلي
original، وهو ما
يُسمَّى بالنص المصدر source
text في اللغة اللفظية
verbal الأصلية إلى
نص مكتوب يُسمى النص المستهدَف target
text، وهذا النوع ينتمي إلى ما
يُسمى بالترجمة بين لغتين interlingual
translation، وهي إحدى الفئات
الثلاث للترجمة، التي وصفها رومان ياكوبسون
Roman Jakobson في
دراسته الأساسية (فينوتي، ٢٠٠٠م)، وأما الفئات الثلاث
فهي:
-
(١)
الترجمة باللغة نفسها
Intralingual
translation، أي إعادة
الصياغة
rewording،
أي «تفسير للعلامات اللفظية بعلاماتٍ لفظية
أخرى من اللغة نفسها».
-
(٢)
الترجمة بين لغتين
Interlingual
translation أو
«الترجمة الحقة» ومعناها «تفسير العلامات
اللغوية بعلامات لفظية من لغة
أخرى».
-
(٣)
الترجمة السيميائية
Intersemiotic
translation أو
«التبديلية»
transmutation
ومعناها «تفسير العلامات اللغوية بعلامات
من نظم العلامات غير اللغوية».
والمعروف أن دراسات الترجمة لم تبدأ في اكتساب صفة
المبحث الأكاديمي «شِبه المستقل» إلا في السنوات
الخمسين الأخيرة، وقد أصبح هذا المبحث يُعرَف بين أبناء
اللغة الإنجليزية باسم «دراسات الترجمة»، وهو العنوان
الذي وضعه الباحث الأمريكي جيمز إس هولمز
James S. Holmes،
وقد بدأت الإشارة إليه في البحث الذي ألقاه عام ١٩٧٢م،
وإن لم يُنشَر إلا عام ١٩٨٨م؛ فشاع العلم به (ثم أعيد
نشره في كتاب فينوتي المشار إليه عام ٢٠٠٠م). وقد وصف
هولمز المبحث الوليد إذ ذاك قائلًا إنه معنيٌّ «بمجموعة
المشكلات الناشئة من ظاهرة العمل بالترجمة والترجمات»
(فينوتي ٢٠٠٠م، ص۱۷۳).
وبحلول عام ١٩٨٨م كانت ماري سنيل-هورنبي
Mary Snell-Hornby
قد أصدرت الطبعة الأولى من كتابها «مدخل متكامل إلى
دراسات الترجمة» Translation Studies: An
Integrated
Approach.
وتقول في مقدمتها «إن جهات كثيرة قد بدأت في السنوات
الأخيرة تطالب بضرورة اعتبار دراسات الترجمة مبحثًا
مستقلًّا.» وعندما أصدرت الطبعة الثانية والمنقحة من
ذلك الكتاب عام ١٩٩٥م، وجدناها تتحدث عن «السرعة
اللاهثة التي اتَّسم بها تطور دراسات الترجمة باعتبارها
مبحثًا مستقلًّا»، وعن «غزارة إنتاج المناقشات الدولية
حول هذا الموضوع». وتحدثت منى بيكر في مقدمتها للموسوعة
المُشار إليها (١٩٩٧م) حديثًا مستفيضًا عن ثراء «المبحث
الجديد المثير، وربما كان لنا أن نعتبره مبحث
التسعينيات دون غيره»؛ إذ إنه يجمع بين الباحثين في
ضروبٍ منوعة من المباحث التي كثيرًا ما تتصف بأنها
مباحث تقليدية، وها نحن نشهد في مطلع القرن الحادي
والعشرين مبحث دراسات الترجمة وهو يواصل تطوره، فيكتسب
قوة بعد قوة في شتى أرجاء المعمورة.
وسوف أعرض في هذه المقدمة للفارق بين ممارسة الترجمة،
وهي نشاط قديم راسخ الجذور، وبين دراسات الترجمة، التي
تستند إلى عدة مناهج، أُجملها في تعبير «نظرية
الترجمة»، وهو الذي اخترته عنوانًا لهذا الكتاب، وأعني
به الأفكار النظرية التي تستند إليها هذه المناهج؛ فهذا
مبحث جد حديث، كما سأعرض لأحد أسباب تأخر ظهور هذا
المبحث؛ إذ إنه لم يتأخر إلا لتأخُّر ظهور العلوم
المغذية له، سواء في مجال الترجمة الأدبية أو الترجمة
العامة. والواقع أن الفصل ما زال قائمًا بين الممارسة
والنظرية، وإن كنتُ أعارض هذا الفصل معارضة شديدة،
وأعتقد مخلصًا أن الممارسة مهمة لتناول النظرية، كما
سأعرض لبداية دراسة الترجمة، مستندًا إلى المراجع التي
أوردتها آنفًا، ومترجمًا عنها، ومن كتاب منداي المُشار
إليه، أو ملخصًا لأهم الأفكار والآراء، ثم أتوقف عند
جهود هولمز Holmes في
إرساء الأسس التي قام عليها هذا المبحث الجديد.
وقد بدأت الكتابة عن الترجمة باعتبارها مبحثًا
علميًّا، كما يقول منداي (۲۰۰۱م، ص٧) منذ ما يزيد على
ألفَي عام، فقد كتب في الموضوع شيشرون
Cicero وهوراس
Horace في القرن
الأول قبل الميلاد، وكتب فيه القديس جيروم
St. Jerome في
القرن الرابع الميلادي، وقد قُدِّر لهذه الكتابات أن
يمتد نفوذها حتى القرن العشرين، وكان منهج القديس جيروم
في ترجمة الكتاب المقدس (السبعيني) من اليونانية إلى
اللاتينية ذا أثر في جميع الترجمات التالية له، بل إن
ترجمة هذا الكتاب أصبحت مجالًا للصراعات الفكرية في
غربي أوروبا لمدة تزيد على ألف عام، وخصوصًا في عصر
الإصلاح الديني في القرن السادس عشر للميلاد.
ولكن دراسة هذا المجال لم تصبح مبحثًا أكاديميًّا إلا
في النصف الثاني من القرن العشرين، وأما في الفترة
السابقة، فقد اقتصر الدرس فيها — في العادة — على كونه
عنصرًا من عناصر اكتساب المعرفة باللغة في مناهج تدريس
اللغات الحديثة. والواقع أن الفترة التي امتدت من أواخر
القرن الثامن عشر حتى الستينيات من القرن العشرين قد
ساد فيها ما يُسمَّى بمنهج الترجمة النحوية
grammar-translation
method في تعليم اللغات في المدارس
الثانوية (أي تدريس اللغة عن طريق الترجمة والنحو)، وهو
المنهج الذي كان مُتبعًا في تعليم اليونانية القديمة
واللاتينية، ثم بدأ تطبيقه في تعليم اللغات الأجنبية
الحديثة، وكان يركز على حفظ القواعد والتراكيب النحوية
للغات الأجنبية عن ظهر قلب، وكان تطبيق هذه القواعد
واختبارها يجريان من خلال ترجمة مجموعات من الجمل التي
تمثِّل التراكيب موضع الدرس، وعادة ما كانت تلك الجمل
غير مترابطة، وذات أبنية مصطنَعة، وما زال هذا المنهج
مطبقًا في بعض البلدان، وبعض السياقات، ومنها ما كان
يُسمى بمنهج الترجمة الذي أدخله مدرسو اللغة الإنجليزية
من البريطانيين إلى مصر في مطلع القرن العشرين، وكان
ذهن كبير المفتشين في إبان الفترة التي سبقت الحرب
العالمية الثانية، وربما ذهن بعض مستشاريه من المصريين
— كما قال لي الدكتور جرجس الرشيدي (رحمه الله) — قد
تفتق عن أسلوبٍ لاختصار زمن تعليم اللغة الإنجليزية
للمصريين، بأن أدرج مع كل كتاب لتعليم اللغة
الإنجليزية، من السنة الثالثة الابتدائية القديمة حتى
الثالثة الثانوية القديمة، وهي الكتب التي كانت تُسمى
readers، مرشدًا
يتضمن ترجمة أهم الكلمات والتراكيب باللغة العربية،
واسمه Arabic
Companion، وارتبط
هذا المنهج باسم مايكل وست Michael
West بعد ذلك، إلى جانب كتاب
لتعليم الألفاظ والعبارات المتصلة بالثقافة الإنجليزية
اسمه English
Occasions في السنة
قبل الأخيرة من التعليم الثانوي، زوَّده بترجمات عربية
لهذه الألفاظ والعبارات. وقد درستُ هذه الكتب — فيما
درست — حتى شهادة الثقافة العامة (١٩٥٤م)، وفيها يتجلى
مدى ارتباط الترجمة بتعليم اللغة الأجنبية، وكان كل
امتحان في اللغة الأجنبية يتضمن سؤالًا في الترجمة،
عادة ما يقع في آخر ورقة الأسئلة، ولا تخصص له إلا
درجات معدودة، يكاد الطالب أن يضمنها.
وارتباط الترجمة بتعلم اللغة الأجنبية يفسر لنا سر
احتلال مبحث الترجمة مكانة ثانوية في الحياة
الأكاديمية؛ فلقد كانت تدريبات الترجمة تُعتبَر وسيلة
لتعليم اللغة الأجنبية، حتى إذا تعلمها الطالب لم تعُد
به حاجة إلى الترجمة، وكان المجتمع لا يرحب بقراءة
الأعمال المترجَمة — بصفة عامة — عندما تتوافر للطالب
المعرفة اللازمة باللغة الأجنبية (حتى يقرأ ما يريد
باللغة الأصلية).
ولكن منهج الترجمة النحوية — باعتباره وسيلةً من
وسائل تعليم اللغات الأجنبية — لم يعُد منهجًا مقبولًا
(في البلدان الناطقة بالإنجليزية على الأقل) عندما نشأ
ما يُسمَّى بالمنهج المباشر direct
method، أو المدخل التوصيلي
communicative
approach لتعليم وتعلُّم اللغة
الأجنبية في الستينيات والسبعينيات؛ فشاع في مصر ما
يُسمى بكتب ألكسندر
Alexander لتعليم
اللغة الإنجليزية، ثم تبارت دُور النشر في استحداث
سلاسل كتب من النوع نفسه، وهي الكتب التي تقيم علاقة
مباشرة بين الطالب واللغة الأجنبية (الإنجليزية أو
الفرنسية عندنا) دون وساطة اللغة الأم؛ أي دون الحاجة
إلى الترجمة، والمنهج كما هو معروف يحبِّذ «التفاعل»
interaction
المباشر مع اللغة الأجنبية، من خلال مواقف أو حالات
situations، تضع
الكلمات والعبارات الأجنبية في سياقاتها الأصلية، وتقدم
هذه السياقات إلى المتعلِّم في سن اكتساب اللغة، حتى
تصبح لغة ثانية موازية للغة الأم، بمعنى أن يستطيع
المتعلم أن يفكر بها جنبًا إلى جنب مع لغته الأم، ولسنا
في مجال الحكم على مدى نجاح المنهج الجديد في بلادنا؛
فربما كان نجاحه في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية يرجع
إلى أن طرائق التفكير متقاربة فيما بين اللغات
الأوروبية، على عكس العلاقة بين العربية وبين هذه
اللغات، ولكن الذي نريد تبيانه هو أن دراسة الترجمة قد
تعرضت للإهمال في مراحل الدراسة الأولى قبل الجامعية،
ولم تعُد تُدرس إلا باعتبارها مادة أكاد أقول إنها
ثانوية، حتى في أقسام اللغات المتخصصة في الجامعات
العربية، لا المصرية فقط، بل إن تدريسها في تلك الأقسام
لم يخلُ لدينا من آثار النظرة القديمة، ألَا وهي أن
نعتبرها من وسائل تعلُّم اللغات الأجنبية، وعادة ما كان
تعليم الترجمة يُعهد به إلى مدرسي اللغات الأجنبية،
مهما يكن حظهم من معرفة فنون الترجمة العامة، أو
العلمية، أو الأدبية، ومهما يكن حظهم من ممارستها، أو
من إجادة اللغة القومية (الفصحى، معاصرة كانت أم
تراثية).
أما في خارج الوطن العربي، فلقد بدأ الاهتمام
بالترجمة باعتبارها فنًّا أو علمًا مستقلًّا في
الستينيات، كما يقول منداي (٢٠٠١م، ص۸) من خلال ما
يُسمى حلقات عمل الترجمة، أو ورش الترجمة
translation
workshops، وهو مفهوم يستند إلى
منهج كتاب «النقد التطبيقي» Practical
Criticism الذي وضعه أ.
أ. ريتشاردز I. A.
Richards في العشرينيات، واستمر
بعد ذلك فيما يُسمَّى بورش الكتابة الإبداعية. ويعتمد
هذا المفهوم على إقامة علاقة مباشرة بين الطالب وبين
النص، وتنمية استجابة الطالب لما يقرؤه مباشرة، ومن ثَم
إخراج صورة هذه الاستجابة بلغته الأم، وهو منهج يركز
على الترجمة الأدبية literary
translation، وقد بدأ في جامعتَي
أيوا Iowa وبرنستون
Princeton، وكان
الهدف منه أن يكون تمهيدًا لإعداد جيلٍ جديد من مترجمي
الأدب إلى اللغة القومية (الإنجليزية)، من خلال مناقشة
دقائق فن الترجمة، ودقائق فهم النص (انظر كتاب
E. Gentzler،
بعنوان: Contemporary Translation
Theories (نظريات
الترجمة المعاصرة) الصادر عام ١٩٩٣م، ص۷–۱۸).
وبموازاة هذا المنهج «العملي» كان هناك منهج آخر، هو
منهج الأدب المقارَن comparative
literature، وهو المنهج الذي يعتمد
على قراءة الأدب عبر الثقافات المختلفة، وهو ما كان
يتضمن قراءة بعض الأعمال المترجَمة، وإقامة العلائق
بينها من ناحية، وبين أصولها الأجنبية ومثيلاتها باللغة
القومية، من ناحية أخرى، وقد أدى ذلك، آخر الأمر، إلى
وضع مناهج وأسس الدراسات الثقافية التي سوف نتعرض لها
فيما يلي.
ومن المجالات الأخرى التي أصبحت الترجمة فيها موضع
البحث العلمي مجال يُسمَّى التحليل التقابلي
contrastive
analysis، أي دراسة لغتين دراسة
تقابلية، بمعنى مقابلة التراكيب في إحداهما بالتراكيب
الموجودة في الأخرى، وقد تتضمن هذه التراكيب تعبيرًا
(أو مصطلحًا لغويًّا) مقصورًا على إحداهما دون الأخرى،
أو مشتركًا فيما بينهما؛ بحيث تنتهي الدراسة إلى إيضاح
وتحديد الفروق العامة والخاصة بينهما. وقد بدأت هذه
الدراسات في الثلاثينيات في الولايات المتحدة،
باعتبارها مجالًا للبحث العلمي المنهجي
systematic، أي
الذي يتبع منهجًا علميًّا له قواعده وأصوله، ثم تطورت
وأصبحت تشغل موقعًا بارزًا في الستينيات والسبعينيات.
ويبيِّن الكتاب، الذي وضعه «دي بيترو»
R. J. Di Pietro
وعنوانه Language Structures in
Contrast أي «التقابل
بين الأبنية اللغوية» الصادر عام ١٩٧١م، والكتاب الذي
وضعه «س. جيمز» C.
James، بعنوان
Contrastive
Analysis (أي التحليل
التقابلي) الصادر عام ١٩٨٠م، أن الترجمات والأمثلة
المترجَمة كانت تمثل جانبًا كبيرًا من المادة التي
يعتمد عليها الدارسون في استخلاص نتائجهم، وكان من وراء
ذلك كله بروز علم الألسنة الحديث أو «اللغويات»
linguistics.
وأتصور أن المتخصصين في هذا العلم الجديد كانوا يريدون
له الإسهام، عمليًّا، في مباحث الترجمة حتى يعود بفائدة
تطبيقية ملموسة على الدارسين؛ فالاقتصار على جوانبه
النظرية يُبعده عن مجال النفع المباشر للدارس، وهذا هو
ما نراه في الكتاب الذي وضعه «كاتفورد»
J. C. Catford،
بعنوان A
Linguistic Theory of
Translation أي «نظرية
لغوية للترجمة» عام ١٩٦٥م، وما نراه في كتاب
Vinay and Darbelnet
(١٩٥٨م) (انظر المراجع)؛ إذ يحاول
الكتابان إقامة روابط بين العلم النظري بالتحليل
التقابلي والممارسة الفعلية للترجمة، بل إن التحليل
التقابلي أثَّر في مسار الدراسات اللاحقة تأثيرًا
كبيرًا، لكنه — على فائدته الواضحة — لا يتضمن تحليل
العوامل الاجتماعية والثقافية، لا ولا العوامل
التداولية pragmatics،
ولا دور الترجمة بصفتها فعلًا من أفعال التواصل
communicative act؛
فالاهتمام بالنص اللغوي من حيث هو بنيان قائم برأسه
يقتضي التركيز على الأبنية من حيث هي أبنية وتراكيب
وضروب من المصطلح اللغوي، لا مجال لرصد المواقف
الحياتية فيه، ولا التعامل معه على ضوء الخلفيات
الاجتماعية والثقافية. ومع ذلك فإن الاهتمام باللغة هنا
أوضح العلاقة الباطنة بين هذا المبحث وبين الترجمة،
خصوصًا بعد تطبيق نماذج الأبنية اللغوية التي جاء بها
النحو التوليدي generative
grammar، ثم النحو الوظيفي. وما
زالت الترجمة تُدرَّس، أو يستعان بها في بعض الجامعات
في الوحدات modules
اللازمة لتدريس مناهج اللغويات التطبيقية
applied linguistics
courses، ولكن العلم الجديد، أو
مبحث دراسات الترجمة الذي نحن بصدده قد أضاف نماذج
جديدة، وغدا يركز على أبعادٍ لم تكن تستلفت النظر في
هذه النماذج، وهكذا ابتعد عن اعتبار الترجمة نشاطًا
يختص في المقام الأول بالتعليم والتعلُّم، وبات يركز
على الدراسات المتعمقة «لما يحدث في عملية الترجمة، وفي
النصوص المترجَمة، وما يحيط بهذه وتلك جميعًا»، كما
يقول جيريمي منداي (۲۰۰۱م، ص۹).
أما المدخل المنهجي لدراسة الترجمة، والذي كان ذا
توجه لغوي في معظمه، فقد ظهر في الخمسينيات والستينيات،
والأمثلة عليه قائمة في الكتب التي وضعها فيناي،
وداربلنيه، وجورج مونان Jean-Paul Vinay
and Jean Darbelnet and Georges
Mounin (وهم جميعًا فرنسيون، انظر
المراجع)، وأخيرًا يوجين نايدا Eugene
Nida عام ١٩٦٤م، الذي أدرج بعض
عناصر النحو التوليدي الذي جاء به «تشومسكي»
Chomsky بصفتها من
الأسس النظرية اللازمة لوضع ما يسميه بعلم الترجمة،
وكان القصد المبدئي له هو مساعدة مترجمي الكتاب المقدس.
وسرعان ما تولى المدخل المنهجي و«العلمي» تحديد المجال
الخاص بالبحث الأكاديمي في الترجمة، وقد استخدم نايدا
كلمة «العلمي» في عنوان كتابه الصادر عام ١٩٦٤م (نحو
علم الترجمة Toward a Science of
Translating)، وتبعه
الألمان بتعبير Übersetzungswissenschaft،
وظهر في الوقت نفسه اسم جديد للمبحث الجديد (دون أن
يقبله الجميع) وهو
translatology
بالإنجليزية
وtranslatologie
بالفرنسية،
وtraductologia
بالإسبانية، ولم يستخدم هذا العنوان بالعربية — فيما
أعلم — إلا الأستاذ محمد ديداوي في كتابه الذي يحمل
عنوان «علم الترجمة»، وهو يعتمد أيضًا على المنهج
اللغوي، فهو كبير مترجمي الأمم المتحدة في جنيف، وعالم
ضليع باللغات الثلاث العربية والإنجليزية
والفرنسية.
وقد سبق أن ذكرت أن وضع هذا المبحث الجديد يُنسب إلى
«جيمز إس هولمز» James S.
Holmes؛ إذ يقول جنتزلر في كتابه
المُشار إليه آنفًا (۱۹۹۳م) إننا نستطيع أن نرصد البيان
التأسيسي founding
statement لهذا المبحث الجديد،
باعتباره مبحثًا مستقلًّا، في البحث الذي ألقاه «هولمز»
عام ١٩٧٢م، وسبقت الإشارة إليه عن «اسم وطبيعة دراسات
الترجمة»، في مؤتمرٍ عُقد في كوبنهاجن للغويات
التطبيقية، لكنه لم يُنشر إلا في عام ١٩٨٨م (وأعاد
فينوتي نشره عام ٢٠٠٠م)، وفيه يبيِّن هولمز حدود المبحث
الجديد، ويقول إنها تمثِّل قيودًا على الباحث؛ لأن
مجالات المبحث الجديد مشتركة مع مباحث أخرى كثيرة، ومن
ثَم ينبغي على الباحث أن يُعيد النظر في مجالات
التخصصات، وحدود هذه المجالات، وأن يسمح لنفسه بتجاوز
هذه الحدود؛ حتى يتمكن من تجميع ما يصب مباشرة في
المبحث الجديد. وهو يرسم خريطة تيسِّر تصوُّر حدود
المبحث الجديد، وقدمها جدعون توري G.
Toury في كتابه
Descriptive Translation Studies – and
Beyond (أي دراسات
الترجمة الوصفية وما بعدها) (١٩٩٥م)، على النحو
التالي:
وقد قدَّم هولمز إيضاحاتٍ بالغة الأهمية لهذا التقسيم
في بحثه المُشار إليه (فينوتي ۲۰۰۰م، ص١٧٦–۱۸۱) قائلًا
إن أهداف المجالات «البحتة» هي ما يلي:
وينقسم الفرع «النظري» إلى نظرية عامة، ونظرية جزئية.
ومعنى «العامة» لدى «هولمز» هو الكتابات التي تسعى لوصف
أو تفسير كل نمطٍ من أنماط الترجمة، وإصدار المقولات
العامة التي تنطبق على الترجمة بصفة عامة. ومعنى
«الجزئية» لديه هي الدراسات النظرية المحدودة أو
المحددة بالمعايير التي سوف نناقشها فيما يلي.
وأما النوع الآخر للبحث عند هولمز، فهو الفرع الوصفي.
ودراسات الترجمة الوصفية descriptive
translation studies يمكن أن تركز
على أحد المجالات التالية:
(۱) دراسة الناتج، و(۲) دراسة الوظيفة، و(۳) دراسة
العملية.
(۱) دراسة الناتج
Product
oriented: معناها
دراسة الترجمات الموجودة فعلًا، ويمكن أن ينصب ذلك على
وصف أو تحليل نصَّين، أحدهما هو المصدر (الأصلي)،
والثاني مترجَم عنه، أو إجراء مقارنة أو تحليل لعددٍ من
النصوص المترجَمة لنفس النص المصدر (إلى لغة مستهدَفة
أو إلى عدة لغاتٍ مستهدَفة)، وقد تجتمع هذه الدراسات
التي تُجرى على نطاقٍ محدودٍ في إطارٍ أوسع؛ لتحليل
اتجاه الترجمة في فترة زمنية محددة، أو لغة معينة، أو
لإجراء دراسة من نوع تحليل الكلام (الخطاب)
discourse analysis
أو تحليل النصوص، وقد تكون الدراسات على النطاق الواسع
عبر زمنية diachronic
(أي ترصد التطور عبر الزمن)، أو متزامنة
synchronic (أي
ترصد الحالة في لحظة، أو فترة زمنية معينة). ويقول
هولمز إن أحد أهداف دراسة الناتج هو الوصول إلى تاريخٍ
عام للترجمة، على ما في هذا الهدف من طموح.
(۲) دراسة الوظيفة
Function
oriented: ويقصد
«هولمز» بذلك وصف «وظيفة» الترجمات في الإطار الاجتماعي
والثقافي للمتلقي؛ أي أنها دراسة للسياقات أكثر منها
للنصوص (ص۱۷۷)، وقد تتضمن القضايا الجديرة بالبحث
التساؤل عن أسماء الكتب التي تُرجمت، ومتى تُرجمت، وأين
تُرجمت، ومدى التأثير الذي أحدثته. وكان هذا المجال،
الذي يطلِق عليه هولمز دراسات الترجمة الاجتماعية
Socio-translation
studies، وربما أطلقت عليه اليوم
الترجمة الموجَّهة نحو الدراسات الثقافية
Cultural-Studies-Oriented
translation، لا يحظى باهتمامٍ
كبير آنذاك، ولكنه الآن مجال خصب في مبحث دراسات
الترجمة.
(۳) دراسة العملية
Process
oriented: وهو يختص،
في الإطار الذي وضعه «هولمز»، بسيكولوجية الترجمة، أي
باستكشاف ما يحدث في ذهن المترجم. ورغم بعض الدراسات
التي أُجريت في هذا المجال، من خلال تحليل ما يسجله
المترجم من أقوال، أثناء عملية الترجمة، في إطار بعض
النظريات النفسية أو «اللغوية السيكولوجية»
psycholinguistics،
فلا يزال المجال بكرًا، ولم يضع المتخصصون له ما يتطلبه
من قواعد الدراسة المنهجية.
ويمكن أن تصب نتائج البحث الخاص بأي شعبة من دراسات
الترجمة الوصفية المذكورة في الفرع النظري، إما لإخراج
نظرية عامة للترجمة، وهو المسعى العام الشامل (بعيد
المنال)، أو لتحقيق هدف أقرب للتحقيق، وهو نظريات جزئية
partial محددة
بالعوامل الواردة في الشكل الوارد آنفًا، وبيانها
كالتالي:
النظريات
المحددة بالوسائط Medium-restricted
theories: وهي تنقسم
إلى شُعبتَين، هما الترجمة التي تقوم بها الآلة،
والترجمة التي يقوم بها الإنسان، وإلى شُعبٍ فرعية،
منها قيام الآلة/الحاسوب بالترجمة وحده، أو بالاستعانة
بالذهن البشري، ومنها ما إذا كانت الترجمة البشرية
تحريرية written، أو
شفوية spoken، وما إذا
كانت الأخيرة، وهي التي نسميها فورية
interpreting فورية
حقًّا simultaneous، أي
متزامنة إلى أقرب حدٍّ مع الكلمات أو وحدات الترجمة
(عبارات كانت أو جملًا)، أم تتبُّعية
consecutive.
النظريات
المحددة بالمجال Area-restricted
theories: وهي
النظريات المحددة بلغاتٍ معينة، أو بمجموعاتٍ من اللغات
أو الثقافات، أو بهذه وتلك جميعًا. ويشير «هولمز» إلى
أن النظريات المحددة باللغات ترتبط ارتباطًا وثيقًا
بالعمل في مجال اللغويات التقابلية
contrastive
linguistics وعلم الأسلوب
(الأسلوبيات
stylistics).
النظريات
المحددة بالرتبة Rank-restricted
theories: وهي
النظريات اللغوية المحددة بمستوًى معين من الوحدات
اللغوية، وهو يتراوح، في العادة، بين مستوى الكلمة
ومستوى الجملة. و«هولمز» يستعمل مصطلح الرتبة
rank بديلًا
للمستوى level، وفي
الوقت الذي نشر فيه بحثه، منذ أكثر من عشرين عامًا، كان
الاتجاه قد بدأ بالفعل إلى ما يُسمَّى بلغويات النص
text linguistics،
ولما كان هذا الاتجاه يُسمَّى «تحليل النص حسب الرتبة»
text rank
analysis، فقد استعار «هولمز» هذا
المصطلح (أي الرتبة)؛ ليشير به إلى المستوى.
النظريات
المحددة بنمط النص Text-type
restricted
theories: وهي النظريات
التي تنظر في أنماطٍ
types أو أجناسٍ
genres معينة من
النصوص، مثل الترجمة الأدبية، أو الترجمة الشائعة في
دوائر الأعمال التجارية، أو الترجمة العلمية أو
التقنية. وقد شاعت المناهج القائمة على أنماط النصوص
منذ أن بدأت كاترينا رايس
Reiss وفيرمير
Vermeer عملهما في
السبعينيات، إلى جانب غيرهما بطبيعة الحال.
النظريات
المحددة بالزمن Time-restricted
theories: وهي
النظريات والترجمات المقصورة على فتراتٍ وأطرٍ زمنية
معينة، ويندرج تاريخ الترجمة في هذه الفئة.
النظريات
المحددة بالمشاكل
Problem-restricted
theories: وهي
النظريات التي قد تشير إلى مشكلاتٍ معينة، مثل مشكلة
«التعادل» equivalence
أي تساوي الدلالة بين العناصر اللفظية الصغرى
lexical item: سواء
كانت كلمة مفردة أو كلمتين أو أكثر، وسواء أكانت
الدلالة في المعنى، أم في الإحالة
reference، أم في
الوظيفة، أم في النص، وكانت هذه المشكلة من المشكلات
الأساسية في الستينيات والسبعينيات، كما يمكن أن تنصرف
هذه النظريات إلى سؤالٍ أكبر، عما إذا كانت هناك عناصر
عامة عالمية universals
في لغة الترجمة.
وعلى الرغم من هذا التقسيم، فإن «هولمز» يُبدي حرصًا
شديدًا على أن يؤكد أن «الحدود» المذكورة قد تفرض نفسها
مجموعةً لا متفرقة؛ بحيث لا تقتصر الحدود على فئة دون
فئة؛ فدراسة ترجمات نجيب محفوظ إلى اللغة الإنجليزية،
مثلًا، محدودة بالمجال، وهو الترجمة من العربية
المعاصرة Modern Standard
Arabic أو
MSA إلى
الإنجليزية، وبين الثقافة العربية وثقافة النص
المستهدَف، ومحدودة بنمط النص (الروايات والقصص
القصيرة)، بل ومحدودة بالزمن (ولنقُل من الخمسينيات حتى
الستينيات).
وأما الفرع «التطبيقي»، في إطار هولمز، فيتعلق بما
يلي:
تدريب المترجم
Translator
training: وهو يختص
بأساليب التعليم، ووسائل الاختبار، وتصميم المناهج
الدراسية.
وسائل مساعدة المترجم
Translation
aids: مثل المعاجم،
وكتب النحو، وتكنولوجيا المعلومات.
نقد الترجمة
Translation
criticism: ومعناه
تقييم الترجمات، بما في ذلك تقدير درجات ترجمات الطلاب،
والنقد الصحفي للترجمات المنشورة.
ويشير «هولمز» إلى مجالٍ آخر يُطلِق عليه سياسات
الترجمة translation
policy، ويعني به عمل الباحث في
مجال مكانة الترجمة في المجتمع، بما ذلك الدور الذي
تضطلع به، إن كانت سوف تضطلع بدورٍ ما في تعليم اللغات
الأجنبية، والمناهج الدراسية عمومًا.
ويقول منداي (۲۰۰۱م، ص١٣) إن التفاصيل الخاصة بالجانب
الأيمن من الشكل الوارد أعلاه يمكن أن تتخذ شكلًا آخر
يورده على النحو التالي:
ويضيف «منداي» أن تقسيمات الخريطة — بصفة عامة —
تقسيمات مصطنَعة، والواقع أن «هولمز» يؤكد أن المجالات
النظرية والوصفية والتطبيقية تؤثر بعضها في بعض، وإن
كان توري يرى (۱۹۹۱م، ص۱۸۰؛ ١٩٩٥م، ص٩) أن المزية
الأساسية للتقسيم هي أنها تتيح إيضاحًا وتقسيمًا للعمل
فيما بين شتَّى مجالات دراسات الترجمة، وهي المجالات
التي كان يختلط بعضها ببعض حتى عهدٍ قريب.
والواقع أن أهمية دراسة هولمز ترجع إلى تفصيل القول
في إمكانات مبحث دراسات الترجمة. ولا يزال كثير من
الدارسين يرجعون إلى الخريطة باعتبارها نقطة انطلاق،
على الرغم من أن بعض المناقشات النظرية اللاحقة قد
حاولت إعادة صياغة بعضها (مثلما فعلت الأستاذة
سنيل-هورنبي Mary
Snell-Hornby عام ١٩٩١م)، فيما
أسمته المدخل المتكامل integrated
approach، ومثلما فعل بيم
Pym (في كتابه عن
المنهج في تاريخ الترجمة عام ۱۹۹۸م). ويشير بيم في هذا
الكتاب (ص٤) إلى أن خريطة «هولمز» تغفل أي إشارة إلى
خصوصية أسلوب المترجم أو المترجَم له، وعوامل اتخاذ
القرارات أثناء الترجمة، وطرائق عمل المترجمين من
البشر، بالمقارنة بالترجمة الحاسوبية، أو الترجمة
بالآلة machine
translation، وهو أسلوب يُمارَس
حاليًّا في اليابان.
وأدَّت الوفرة غير المسبوقة في دراسات الترجمة، منذ
السبعينيات، إلى إبراز العديد من المجالات التي حددها
هولمز؛ فتوارى دور «التحليل التقابلي»، واستمر «علم»
الترجمة القائم على الدراسة اللغوية في ألمانيا، وإن
كان مفهوم «التعادل» الذي ارتبط به قد تضاءل موقعه في
هذه الدراسة، وشهدت ألمانيا نهضة في مجال «أنماط
النصوص»، وأرست عليها نظريات جديدة مهمة أهمها «نظرية
كاترينا رايس»، ونظرية الغرض من النص
text purpose، (وهي
نظرية الترجمة الوظيفية the skopos
theory التي وضعتها رايس مع
فيرمير). وفي غضون ذلك، ومنذ أواخر الثمانينيات، ازداد
تأثير مذهب هاليداي
Halliday فيما
أسماه بتحليل الكلام discourse
analysis والنحو الوظيفي المنهجي
systemic functional
grammar وهو المذهب الذي يعتبر
اللغة فعلًا توصيليًّا في سياقٍ اجتماعي ثقافي، وخصوصًا
في أستراليا وبريطانيا، وقد طبَّقه عدد من الباحثين على
الترجمة في عدة كتب (منها كتب
Bell ۱۹۹۱م،
وBaker ۱۹۹۲م،
وHatim &
Mason ۱۹۹۰م، و۱۹۹۷م)، كما شهدت
أواخر السبعينيات والثمانينيات نشأة مدخل وصفي ترجع
جذوره إلى الأدب المقارن ومدرسة الشكلية الروسية. وكان
من السباقين إلى هذا المذهب إيتامار إيفين-زوهار
Itamar Even-Zohar،
وجدعون توري Gideon
Toury، اللذان رصدا فكرة تعدُّد
النظم الأدبية the literary
polysystem، وكان يعني، فيما يعني،
أن الآداب المختلفة والأجناس الأدبية المختلفة، بما في
ذلك الأعمال غير المترجَمة والأعمال المترجَمة، تتنافس
فيما بينها على سيادة الساحة الأدبية، وكانا يعملان
بالتعاون مع مجموعة مقرها بلجيكا، وتضم خوزيه لامبرت
José Lambert،
وأندريه ليفيفير André
Lefevere (الذي انتقل بعد ذلك إلى
أوستن بولاية تكساس)، ومع بعض الباحثين في المملكة
المتحدة، مثل سوزان باسنيت Susan
Bassnet، وثيو هيرمانز
Theo Hermans، وقد
حرَّر الأخير مجلدًا يتضمن مجموعة من الدراسات عن تحوير
الأدب أو معالجته (انظر المراجع)، وهو الذي أدى إلى
إطلاق اسم «مدرسة المعالجة»
Manipulation
School على عددٍ من الباحثين في
هذا المجال، وكان هذا مدخلًا ديناميًّا ذا توجه ثقافي
شامل، كُتب له أن يسود في معظم عَقد التسعينيات، في حين
توقفت الدراسات اللغوية أو قل أصابها الركود.
وشهدت التسعينيات أيضًا قيام مدارس ومفاهيم جديدة؛
فشهدت كندا بحوثًا في الترجمة، وعلاقتها بالتمييز بين
الجنسَين، وكانت تتزعم هذه الحركة أستاذة اسمها شيري
سايمون Sherry Simon،
كما شهدت نشأة مذهب جديد في البرازيل هو مذهب «التهام
الآخر» cannibalist
school وهو المذهب الذي كانت
تروِّج له الباحثة إلزي فييرا Else
Vieira، ونشأة مذهب الترجمة فيما
بعد زوال الاستعمار postcolonial
translation theory، وهو يُترجَم
في مصر أحيانًا بتعبير «ما بعد الكولونيالية» تعريبًا
لكلمة الاستعمار المعروفة
colonialism، والذي
كان من دُعاته الأوائل سيدتان بنغاليَّتان هما
تيجاسويني نيرانجانا Tejaswini
Niranjana وجاياتري سبيفاك
Gayatri Spivak،
كما برز في الولايات المتحدة مذهب التحليل الموجَّه نحو
الدراسات الثقافية Cultural
studies–oriented translation الذي
تزعمه لورانس فينوتي، وهو الذي يدافع عن قضية المترجم
دفاعًا مجيدًا.
ولقد ظلت نظرة الناس إلى الترجمة نظرة تحط من قدرها،
باعتبارها نشاطًا ثانويًّا يعتمد على فكر الغير وأدبه،
وكانت النتيجة هي خفض قيمة الدراسة الأدبية لهذا
النشاط، أما الآن، وبعد التجاهل الذي ساد فترة طويلة،
فقد أصبحت دراسات الترجمة راسخة الجذور، وهي تتقدم
بخُطًى حثيثة على مستوى العالم كله، وإن كان التردد
ظاهرًا في بعض مناحي الاضطلاع بهذا المبحث. ولا تزال
الترجمة، ودراسات الترجمة، تحتفظ بموقعها القديم في
أقسام اللغات الحديثة، وكثيرًا ما نرى المسئولين يرفضون
المساواة بين ممارسة الترجمة وبين البحوث الأكاديمية
الأخرى، حتى في الترجمة، بل إن التقديرات الرسمية
لأنشطة الأقسام العلمية في بريطانيا نفسها (وفي أقطار
الوطن العربي كله دون استثناء، بطبيعة الحال) ترى أن
المقالات الأكاديمية (التي نسمِّيها بحوثًا) أعلى شأنًا
من ترجمة النصوص، ولو كانت ترجمة كتب كاملة، وذلك
بالرغم من أن ممارسة الترجمة لا مناص من اعتبارها خبرةً
من الخبرات الأساسية لمن يبحث في نظرية الترجمة، ويتولى
تدريس هذه المادة، وكثيرًا ما نرى من أفراد الفئة
الأخيرة من لم يخبر الترجمة العملية، أو يمارسها إلا
لمامًا، أو من لم يمارسها على الإطلاق.
ولقد كان هذا الانفصام — تحديدًا — بين النظرية
والممارسة هو الذي تصدَّى له «هولمز»، وحاول أن يرأب
الصدع، باعتباره مترجمًا ممارسًا وباحثًا أكاديميًّا.
وقد تجلَّت المظاهر الأولى لهذا الانفصام وآثاره فيما
قالته «كيتي فان لويفن-زفارت» Kitty van
Leuven-Zwart في دراسة لها بعنوان
«مجال دراسات الترجمة: مقدمة» في الكتاب الذي حرَّرته
مع ت. ناييكنز T.
Naaijkens، عام ۱۹۹۱م، بعنوان:
Translation Studies: The State of the
Art؛ إذ تحدثت عن
المخاوف التي تراود معلمي الترجمة من أن تحل النظرية
محل التدريب العملي، وعن آراء مترجمي الأدب في الفن
الذي يمارسونه، ويعتقدون أنه فن من المُحال تعليمه
للآخرين. وهي تقول إننا نجد — في مقابل ذلك — أن
الباحثين الأكاديميين يبدون «شكوكًا جادة» في جدوى
مباحث الترجمة، أو يقولون إن للترجمة موقعها الراسخ
والكافي في المناهج الدراسية للغات الحديثة. وكانت
«لويفن زفارت» قد ألقت هذه الدراسة في مؤتمرٍ عُقد في
جامعة أمستردام تكريمًا لعطاء «هولمز» (وبمناسبة ذكراه)
في ديسمبر عام ١٩٩٠م، ومن يطَّلع على بحوث ذلك المؤتمر
سوف يدرك مدى ثراء المناهج اللغوية والأدبية والتاريخية
التي يفسحها هذا المجال للباحثين.