الفصل الأول

لمحة تاريخية عن نظرية الترجمة

لا يجهل عربي ما شهدته الأمة العربية من أمجاد في مجال الترجمة في عصر المأمون، ونظرية المقابلة بين اللفظ والمعنى، لا في الترجمة فحسب، بل في الكتابة العربية والنقد العربي، وتراثنا العربي زاخر بالشواهد على ذلك، وعلى تضارب الآراء المعارضة والمؤيدة لهذا المذهب أو ذلك. وسوف نركز في هذا الفصل على تاريخ تلك المقابلة، وتواتر التعارض بين المذهبَين الشائعَين مذاهب الترجمة عبر العصور، وهما مذهب الترجمة الحَرفية والترجمة الحرة، ويُشار إلى الأول أحيانًا بمذهب ترجمة الألفاظ، أو ترجمة كل كلمة بكلمة مماثلة أو مرادفة word-for-word، وإلى الثاني بمذهب ترجمة المعاني، أو ترجمة كل معنى بمعنًى مماثل sense-for-sense، وهذه المقابلة بين المذهبَين، أو المناظرة بينهما، هي التي سادت نظرية الترجمة في الفترة التي يصفها نيومارك Newmark في كتاب «مداخل إلى الترجمة» Approaches to Translation، الصادر عام ١٩٨١م، بأنها الفترة السابقة على علم اللغة أو اللغويات (ص٤)، وهو محور ترى «سوزان باسنيت» Susan Bassnett في كتابها الأول (١٩٩١م) أنه «ما فتئ يعاود الظهور، مع تفاوت شدة التأكيد على هذا الجانب، أو ذاك، طبقًا لتفاوت مفاهيم اللغة والتوصيل» (ص٤٢). وسوف نعرض في هذا الفصل للآراء ذات التأثير العريض لكبار المفكرين القدماء، مثل شيشرون Cicero، والقديس جيروم St. Jerome، ودوليه Dolet، ولوثر Luther، ودرايدن Dryden، وتيتلر Tytler، وشلايرماخر Schleiermacher، وأما الكتابات من خارج أوروبا الغربية في الموضوع، فيمكن الرجوع إليها، إما في الكتب العربية الأخرى، أو في «موسوعة راتلدج للترجمة» (١٩٩٧م) المُشار إليها، أو في كتاب وضعه ديليل ووودزورث بعنوان «المترجمون عبر التاريخ»: Delisle and Woodsworth, Translators Through History, 1995.
كانت نظرية الترجمة حتى النصف الثاني من القرن العشرين محصورة — فيما يبدو — فيما يُطلِق عليه جورج شتاينر Steiner تعبير المناظرة العقيمة حول ثلاثية الترجمة «الحَرفية» والترجمة «الحرة» والترجمة «الأمينة». ويرجع التمييز بين ترجمة الألفاظ «الحَرفية» وترجمة المعاني «الحرة» إلى شيشرون في القرن الأول قبل الميلاد، وإلى القديس جيروم في القرن الرابع للميلاد، وهو التمييز الذي يشكِّل أسس الكتابات الرئيسية في الترجمة على امتداد القرون القريبة من عصرنا الحالي.
وقد وضع شيشرون الخطوط العريضة لمنهجه في الترجمة في مقدمته لترجمة De Optimo Genere Oratorum، أي ترجمته لخطب خطيبَي أتيكا الذائعَين أيسخينيس Aeschines وديموثينيس Demosthenes، قائلًا:

«وأنا لم أترجم هذه الخطب باعتباري مترجمًا، بل باعتباري خطيبًا، فأبقيت على الأفكار والأشكال نفسها، أو إذا صح هذا التعبير، أبقيت على «صور» الفكر نفسها، وإن كان ذلك في لغة تتفق مع استعمالنا اللغوي المعاصر، وفي غضون ذلك لم أرَ من الضروري أن أترجم كل كلمة بكلمة مماثلة، بل حافظت على الأسلوب العام، وعلى قوة اللغة.»

(من كتاب روبنسون المذكور)

وكلمة «مترجم» الواردة في السطر الأول، تشير إلى المترجم الحرفي، وأما «الخطيب»، فمعناها هو أنه يحاول في الترجمة كتابة خطبة مؤثرة في السامعين، وكان تعبير «كلمة بكلمة» يعني، في زمن الرومان، ما يدل عليه حرفيًّا، أي إبدال كل كلمة من النص المصدر (الذي كان باليونانية دائمًا) بأقرب كلمة إليها باللاتينية، وفي الموقع النحوي ذاته، وذلك لأن الرومان كانوا يقرءون النصوص المترجَمة، جنبًا إلى جنب، مع النصوص اليونانية الأصلية.

وكانت معارضة شيشرون للمنهج الحرفي، ومن بعده معارضة هوراس Horace في كتابه فن الشعر Ars Poetica للمنهج نفسه (عام ۲۰ق.م. تقريبًا)، ذات تأثير بعيد المدى في القرون التالية؛ إذ احتجَّ بها القديس جيروم في ترجمته للكتاب المقدس (السبعيني)، من اليونانية إلى اللاتينية، قائلًا إنه لا يترجم كلمة بكلمة، ولكن معنًى بمعنًى. ويبدو أن المبدأ نفسه قد ساد العصور التالية في الصين، مثلًا، وفي عصر النهضة العربية في الترجمة؛ إذ تورد موسوعة راتلدج لدراسات الترجمة، المُشار إليها، نماذج من آراء الصينيين الذين ترجموا النصوص البوذية من اللغة السنسكريتية Sanskrit، وهي تؤيد هيمنة ذلك المنهج على أذهان المترجمين؛ أي الثنائية الذائعة للترجمة الحَرفية والترجمة الحرة. ونحن نعرف أن هذه الثنائية شاعت في التفكير العربي، عمليًّا ونظريًّا، في مجال الترجمة منذ عصر المأمون، وأكاد أقول حتى العصر الحاضر، والكل يعرف المقابلة بين المنهج الحَرفي، الذي اتسمت به ترجمات يوحنا بن البطريق وابن نعيمة الحمصي، وبين المنهج الحر، الذي اتسمت به ترجمات حنين بن إسحاق ومدرسته الذائعة، وفي النصوص التي حققها العلَّامان عبد الرحمن بدوي وشكري عيَّاد، أدلة كافية على سيطرة تلك الثنائية، حتى مع توسُّل العرب آنذاك باللغة السريانية في ترجمة النصوص اليونانية. وربما كانت ذروة المنهج الحر هي ترجمة عبد الله بن المقفع لكتاب «كليلة ودمنة» عن الفارسية القديمة؛ إذ أخرج لنا نصًّا عربيًّا بديعًا، يصعب على القارئ أن يستشف فيه ملامح النص المصدر، والملاحظ في ذلك كله هو أن العرب القدماء قد أبلوا بلاءً حسنًا؛ فسبقوا المحدثين في استيعاب المصطلح الفلسفي والعلمي، ووضعوا نظمًا فكرية، أثَّرت في كتابات عباقرة تراثنا؛ مثل الجاحظ، ومثل فلاسفة الإسلام الذين استفادوا من المصطلحات العربية المنحوتة أو المعرَّبة عن اليونانية، ولا أدل على ذلك من رسائل إخوان الصفاء وخلَّان الوفاء.
أما في التراث الغربي، فقد ارتبطت قضايا الترجمة الحَرفية والحرة، على امتداد ألف سنة تقريبًا — منذ القديس جيروم — بترجمة الكتاب المقدس، وغيره من النصوص الدينية والفلسفية. وكانت الكنيسة الكاثوليكية مشغولة بمراعاة الحفاظ على نقل المعنى «الصحيح» للكتاب المقدس، وكانت ترى أن أي انحراف عن التفسير المعتمد لمعنى الآيات يُعتبر مروقًا عن الدين، أو تجديفًا فيه، فكانت تتدخل بمنع نشر أي ترجمة «حرة» أو حظر تداولها. ولم تقتصر رقابتها على ترجمة النصوص الدينية، بل امتدت إلى كل ما يُترجم من الآداب القديمة، فعاقبت «المتحرر» أشد عقاب، وأشهر نموذج يذكره التاريخ هو ما أصاب العلَّامة الفرنسي «إتيين دوليه» Étienne Dolet، والذي اشتهر بمذهبه الإنساني (الهومانيزم)؛ إذ أدانته كلية اللاهوت بجامعة السوربون، في عام ١٥٤٦م، بتهمة الكفر، وحكمت عليه بالإعدام حرقًا، مثل المرتدين، وأما أساس التهمة، فهو أنه ترجم عبارة في أحد حوارات أفلاطون، تتكوَّن من سؤالٍ بليغ (أي سؤال إنكاري rhetorical question) هو: «وماذا يوجد بعد الموت؟»؛ إذ أضاف إلى السؤال — من باب الإيضاح — تعبير rien du tout (أي لا شيء إطلاقًا)، وقد انتهت الكلية من ذلك إلى أن «دوليه» لا يؤمن بالخلود، ونتيجة لهذا «الخطأ» في الترجمة أُعدم المترجم.

والمثال الثاني على أهمية «الثنائية» لترجمة الكتاب المقدس، هو مثال «مارتن لوثر»، الذي أصدر ترجمة بالألمانية الدارجة للكتاب المقدس، واضعًا نُصب عينه إيصال المعنى إلى الناس، وقد اشتد اللجاج بينه وبين الكنيسة — كما هو معروف — وكانت من ثماره حركة الإصلاح الديني الشهيرة، بل وميلاد اللغة الألمانية الحديثة، في رأي جمهور علماء اللغة. ويكفي أن ننظر إلى ما يقوله في الخطاب، الذي كتبه عام ١٥٣٠م، بعنوان «خطاب دوري عن الترجمة»، ويقول فيه:

«يجب أن تسأل الأم في المنزل، والأطفال في الشارع، والرجل العادي في السوق، وأن تنظر إلى أفواههم، وتعرف كيف يتكلمون، ثم تترجم بهذا الأسلوب، وعندها سوف يفهمون ويعرفون أنك تخاطبهم بالألمانية.»

(من كتاب روبنسون المذكور)
ولكن تاريخ الترجمة، كما تقول فلورا آموس Flora Amos، في كتابها «النظريات الأولى للترجمة»، الذي صدرت طبعته الأولى عام ١٩٢٠م، والثانية عام ١٩٧٣م، لا يتكوَّن من مراحل منفصلة يسهل تمييزها عن بعضها البعض، فنحن نستمد «النظرية» من المقدمات والتعليقات التي يكتبها المترجمون، وكان معظمهم يجهل ما سبق أن كُتب في الموضوع، وهي تبيِّن، مثلًا، أن المترجمين الأوائل كانوا كثيرًا ما يختلفون اختلافاتٍ شائعة فيما يعنونه بمصطلحاتٍ، مثل «الأمانة» faithfulness، و«الدقة» accuracy، بل وكلمة الترجمة نفسها. وقد وضع لويس كيلي Louis Kelly كتابًا عام ١٩٧٩م، بعنوان «المترجم الصادق» The True Interpreter (انظر المراجع)، يناقش فيه بالتفصيل تاريخ نظرية الترجمة، راصدًا — منذ كتابات الأقدمين — تاريخ المصطلحات التي يصفها بالتداخل والتمازج والاختلاط؛ ألَا وهي مصطلحات «الأمانة» fidelity و«الروح» spirit و«الصدق» truth. أما «الأمانة»، فكانت تعني قديمًا الالتزام الحَرفي بالنص المصدر، ومن ثَم رفضها هوراس، وظل المفهوم مرتبطًا بالحرفية حتى نهاية القرن السابع عشر؛ إذ تغير، وأصبحت «الأمانة» تعني الالتزام بالمعنى لا بالألفاظ، وأما «الروح»، فيقول كيلي إن الكلمة كانت مزدوجة المعنى كذلك، فالكلمة اللاتينية spiritus تفيد الطاقة الخلَّاقة أو «الإلهام» (الخاص بالأدب الإبداعي)، ولكن القديس أوغسطين كان يقصد بها «الروح القدس»، وكان القديس جيروم — معاصره — يستعملها في المعنيَين جميعًا، وكان القديس أوغسطين يرى أن «الروح» و«الصدق» veritas كلمتان متداخلتان؛ فالصدق هو الحق أو الحقيقة، والصادق هو الذي يقول الحق، ولا حق ولا حقيقة دون «الروح»، وإذن فإن الحق (أو الحقيقة الصادقة) هو مضمون content الكتاب المقدس، (أو هو مضمون أي نص، بمعنى أنه إذا صدق المترجم في إدراك المعنى، يكون قد عثر على المضمون لأي نص) ولكن القديس جيروم كان يقصد بالمصطلح النص العبري «الصادق» للكتاب المقدس، وهو الذي اعتمد عليه في ترجمته الشعبية Vulgate لذلك الكتاب. وينتهي كيلي إلى القول بأن الموازاة بين «الصدق» و«المضمون» لم تتحقق إلا في القرن الثاني عشر. والواضح من مناقشة كيلي لتطور هذه المفاهيم أن نظرية الترجمة ظلت حبيسة الفكر الديني، ولم تتحرر منه إلا في عصر العلم، أي في القرن السابع عشر.
وتقول «آموس» في الكتاب المُشار إليه إن إنجلترا خطت في القرن السابع عشر خطوات ثابتة نحو وضع نظرية متكاملة للترجمة، قائمة على المنطق والخبرة معًا، وشارك فيها شعراء، مثل دِنام Denham، وكاولي Cowley، ودرايدن Dryden، وكانت الترجمة آنذاك تكاد تكون مقصورة على ترجمة الأعمال الكلاسيكية إلى الإنجليزية، وكان بعضها ترجمات «حرة» إلى أقصى حدٍّ. وتورد «آموس» في كتابها نماذج من كتابات هؤلاء، وقد اخترنا التوقف عند التمييز الذي وضعه الشاعر والمترجم جون درايدن، بسبب تأثيره الكبير في مسار التفكير النظري في الترجمة، ربما حتى عصرنا الحالي. (وأنا مَدين للدكتور مجدي وهبة رحمه الله بلفت نظري إليه أولًا)؛ إذ كتب في مقدمة ترجمته لرسائل أوفيد في عام ١٦٨٠م، يقول إن الترجمة تنقسم إلى فئات ثلاث هي:
  • (١)
    النقل الحَرفي Metaphrase: ومعنى ذلك ترجمة «كلمة بكلمة، وسطر بسطر» وهي توازي ما يُسمَّى بالترجمة الحَرفية.
  • (٢)
    النقل بتصرف Paraphrase: ومعناها: الترجمة بتصرف with latitude؛ حيث لا يحوِّل المترجم نظره عن المؤلف، حتى لا تضل خُطاه، ولكنه لا يتبع ألفاظه بالصرامة التي يتبع بها معناه، وهذا يقتضي تغيير عبارات كاملة، وهو منهج موازٍ تقريبًا لما أصبح يُسمَّى بالترجمة الأمينة، أو ترجمة المعنى لا اللفظ.
  • (٣)
    المحاكاة Imitation: ومعناها عدم التقيُّد باللفظ ولا بالمعنى، وهو ما يمكن إطلاقه على ترجمات «كاولي» المتسمة بحرية بالغة، ويقترب مما نسميه «الاقتباس» أو «الاستلهام» أو «إعادة الصياغة» adaptation (والمصطلح يعني «التطويع» أيضًا).
وينتقد درايدن المترجمين الذين يمارسون النقل الحَرفي — مثل بِن جونسون Ben Jonson — لأن الناقل الحَرفي في رأيه «ناقل ألفاظ» verbal copier، وهو يرفض هذه الترجمة «الحَرفية الذليلة» بتعبيرٍ يتضمن تشبيهًا ذاع صيته، وهو «إن ذلك يشبه كثيرًا من يرقص على الحبل مقيَّد القدمَين، عمل أحمق!» ويرفض درايدن المحاكاة أيضًا قائلًا إن المترجم الذي يختار هذا المنهج يعتبر النص المصدر «نسقًا يكتب على غراره؛ إذ يفترض أن المؤلف الأصلي كان سوف يكتب النص المترجم لو قُدِّر له أن يعيش في عصرنا، وفي بلادنا.» والمحاكاة في نظر درايدن تتيح للمترجم إظهار نفسه، ولكن ذلك «يسيء إساءة كبرى … لذكرى الأموات وسُمعتهم.» وهكذا فإن درايدن يفضِّل النقل بتصرف، وينصح المترجم بتحاشي النقل الحَرفي والمحاكاة.

وعلى عمق الأثر الذي خلَّفه هذا التقسيم الثلاثي في الكتابات اللاحقة عن الترجمة، فإن درايدن قد يغيِّر من موقفه واختياراته أحيانًا، فنراه في ترجمته للإنيادة — ملحمة فيرجيل الشهيرة — يختار موقعًا وسطًا بين النقل بتصرُّف، والنقل الحَرفي قائلًا:

«رأيت من المناسب أن أسلك طريقًا وسطًا بين الطرفَين، النقل بتصرُّف، والنقل الحَرفي، وأن أظل قريبًا من المؤلف قدر ما أستطيع، دون أن أفقد كل محاسنه، فإن أبرزها يكمن في جمال ألفاظه.»

كما أن وصف منهجه في الترجمة يشبه تعريفه للمحاكاة (الوارد آنفًا)؛ إذ يقول:

«ربما كان لي أن أقول، إنني جهدت حتى أجعل فيرجيل يتحدث الإنجليزية بالأسلوب الذي كان يمكن أن يتحدث به لو كان قد وُلد في إنجلترا، وعاش في هذا العصر.»

(جميع مقتطفات درايدن من كتاب روبنسون)

والواضح أن «درايدن» ينحو منحى المعلم الذي يضع القواعد اللازمة لجودة الترجمة، وقد حذا حذوه آخرون، وكان من أهمهم «إتيين دوليه» (الذي أُعدم)؛ إذ ترك مخطوطًا عام ١٥٤٠م (نشره روبنسون عام ١٩٩٧م في الكتاب المذكور)، عنوانه «طريقة الترجمة الجيدة من لغة لأخرى»، يتضمن خمسة مبادئ مرتَّبة وفقًا للأولوية كما يلي:

  • (١)

    يجب على المترجم أن يحيط إحاطة تامة بمعنى ومادة نص المؤلف الأصلي، وإن كان له أن يتمتع بالحرية في إيضاح مواطن الغموض.

  • (٢)

    على المترجم أن يجيد اللغتَين — المترجَم منها، والمترجَم إليها — حتى لا ينتقص من جلال اللغة.

  • (٣)

    على المترجِم أن يتجنَّب ترجمة الألفاظ «كلمة بكلمة».

  • (٤)

    على المترجِم أن يتحاشى الصور اللاتينية للألفاظ والأبنية الصرفية الغريبة.

  • (٥)

    على المترجِم أن يجمع بين الألفاظ، ويصل بينها وصلًا بليغًا، يتجنب الركاكة الأسلوبية.

ويفسر النقاد اهتمام «دوليه» بالبلاغة أو الفصاحة بأنه كان حريصًا على تحقيق الاستقلال والجمال للغة الفرنسية، التي كانت تسعى نحو الانسلاخ تمامًا عن اللغات الكلاسيكية.

ويقول منداي (٢٠٠١م، ص٢٦) إن أول دراسة إنجليزية منهجية للترجمة، بعد درايدن، قد تكون دراسة ألكسندر فريزر تيتلر Tytler، التي صدرت عام ۱۷۹۷م، بعنوان «مقال عن مبادئ الترجمة»، وهو يتخذ موقفًا مختلفًا عن موقف درايدن؛ من حيث توجُّه الأخير إلى المؤلف، أو نظرته من وجهة نظر المؤلف والمترجم معًا، وتوجُّه تيتلر إلى القارئ، ونظرته إلى النص من وجهة نظر قارئ الترجمة، فهو يعرِّف الترجمة الجيدة بأنها الترجمة «التي تتجلى فيها محاسن العمل الأصلي، وتنتقل انتقالًا كاملًا إلى لغة أخرى؛ حتى يفهمها القارئ بوضوح، ويشعر بها شعورًا قويًّا، وأقصد بالقارئ أبناء البلد الذي يتكلم لغة النص المترجَم؛ وبحيث يكون وضوح الفهم وقوة الشعور موازيَين لما يدركه ويحسه أبناء البلد الذي يتكلم لغة النص الأصلي.»

ويضع تيتلر ثلاثة مبادئ يسمِّيها «قوانين»، أو قواعد للترجمة الجيدة، وهي:

  • (١)

    على الترجمة أن تنقل نقلًا تامًّا جميع الأفكار في النص الأصلي.

  • (٢)

    يجب أن يتفق أسلوب الكتابة وطرائقها مع أسلوب النص الأصلي وطرائقه.

  • (٣)

    يجب أن تتحلَّى الترجمة باليُسر الذي يتحلَّى به النص الأصلي.

ويبدو أن تيتلر يجمع بين منهج ترجمة المعنى في (١)، ومنهج الترجمة الحَرفية في (٢)، أو قُل إنهما منهج الأمانة في نقل «المضمون» ونقل «الشكل»، ولكنه — مثل «دوليه» — يضع القواعد وفق أولويات لها دلالتها؛ إذ قد «يفقد» النص شيئًا من «المضمون» في سبيل «الشكل»، أو يفقد بعض «الأمانة» الأسلوبية في سبيل «المعنى»، والفقد من باب الخسارة، وتقابله «إضافة» ما إلى الطرف الآخر من المعادلة.

ويوضح منداي أنه إذا كان القرن السابع عشر قد غلب عليه مبدأ «المحاكاة»، والقرن الثامن عشر قد شُغل بواجب المترجم في إعادة خلق «روح» النص المصدر من أجل القارئ المعاصر، فإن الحركة الرومانسية في أوائل القرن التاسع عشر وجَّهت جهودها لمناقشة قضية «قابلية الترجمة» translatability، و«عدم قابلية الترجمة» untranslatability؛ إذ كتب فريدريش شلايرماخر — عالِم اللاهوت والمترجِم — في عام ١٨١٣م، دراسة عن الترجمة بعنوان «عن المناهج المختلفة للترجمة»، امتد تأثيرها، واتسع نطاقها، والمعروف أن شلايرماخر هو الذي وضع أُسس اللاهوت البروتستانتي الحديث، وأسس علم التفسير الحديث (التفسيرية hermeneutics، انظر كتابنا المصطلحات الأدبية الحديثة)، وهو مذهب رومانسي، أو مدخل رومانسي، للتفسير، لا يعتمد على افتراض وجود حقيقة مطلَقة للمعنى، ومن ثَم لا يفترض إمكان الصدق المطلَق في النقل، بل يعتمد على الإحساس الداخلي للفرد وفهمه الخاص للنص، ومن ثَم فإن شلايرماخر يختلف عن أصحاب النظريات الذين ناقشناهم حتى الآن، وهو يبدأ دراسته المذكورة بالتمييز بين المفسِّر Dolmetscher؛ أي مترجم النصوص العامة، ويقول المحدثون إنه يوازي «المترجم التجاري» في عصرنا، والمثال على عمله ما تسميه كريستيان نورد Christiane Nord بالترجمة الوثائقية — وأهم أمثلتها ترجمة النصوص السياسية والاقتصادية … إلخ، على نحو ما هو شائع في ترجمة الأخبار الصحفية ووسائل الإعلام والأمم المتحدة — (انظر كتابنا مرشد المترجم ۲۰۰۰م)، وأقرب ترجمة عربية للكلمة الألمانية Dolmetscher في رأيي هي «المترجم النمطي»، وشلايرماخر يفرِّق بينه — كما أقول — وبين المترجم الحق Übersetzer، الذي يعمل بترجمة النصوص الأدبية ونصوص الباحثين الأكاديميين، وخصوصًا في العلوم الإنسانية. ويضع شلايرماخر هذا النوع الأخير على مستوًى خلَّاق رفيع، قائلًا إنه ينفخ روحًا جديدة في اللغة. ويقول شلايرماخر: قد يبدو من المُحال ترجمة النصوص الفنية والعلمية (بالمعنى المبيَّن آنفًا)؛ لأن معنى النص المصدر كامن في لغة ترتبط بالثقافة ارتباطًا وثيقًا، ومن المُحال على لغة الترجمة أن تعادلها معادلة كاملة، ولكن على المترجم الحق أن يحاول التقريب بين كاتب النص المصدر، وقارئ النص المستهدَف. وهكذا فإن شلايرماخر يتجاوز قضايا ترجمة الألفاظ وترجمة المعاني، والترجمة الحَرفية والترجمة الأمينة والترجمة الحرة، ويرى أن ثمة طريقَين، لا ثالث لهما أمام المترجم الحق (الصادق) true translator، وهما:

«إما أن يبتعد المترجم عن كاتب النص قدر طاقته؛ حتى يقرِّب قارئ الترجمة من هذا الكاتب، أو أن يبتعد عن القارئ قدر الطاقة حتى يقرِّب الكاتب من قارئ الترجمة.»

(من كتاب روبنسون، ص۲۳۰)
ويفضِّل شلايرماخر الطريق الأول، أي تقريب القارئ من الكاتب، ومعنى هذا أنه لن يكتب النص المترجَم ليخرج ما كان الكاتب يمكن أن يكتبه لو أنه كتب بالألمانية (على نحو ما قال درايدن)، بل إنه سيحاول «أن يعطي القارئ نفس الانطباع الذي كان يمكن أن يخرج به لو أنه قرأ النص باللغة الأصلية». ويقتضي ذلك من المترجم أسلوب «التغريب» alienating في الترجمة بدلًا من أسلوب الألفة أو «التجنيس» naturalizing بمعنى إضفاء جنسية اللغة المستخدَمة وطبيعتها على النص المترجم، وبذلك يوجِّه خُطاه نحو لغة النص المصدر ومضمونه. وعلى المترجم إذن أن يعلِّي من قيمة الطابع الأجنبي وينقله إلى اللغة المستهدفة. والواضح أن لهذا المذهب عدة عواقب منها:
  • (١)

    إذا سعى المترجم إلى نقل نفس الانطباع الذي تلقاه من النص المصدر، فإن هذا الانطباع سوف يتوقف أيضًا على مستوى التعليم والفهم بين قراء اللغة المستهدَفة، ومن المحتمل أن يختلف ذلك عن فهم المترجِم للنص الأصلي.

  • (٢)

    قد يلزم ابتداع لغة خاصة للترجمة، قد تتضمن الاستعاضة بكلمة مبتكرة (في موقع ما من مواقع النص) عن تعبيرٍ بالٍ مستهلَك، لا يمكنه أن ينقل انطباع النص الأجنبي.

ويقول بعض الباحثين إن تأثير شلايرماخر فاق كل الحدود؛ إذ تورد «موسوعة دراسات الترجمة» المُشار إليها قولًا ورد في دراسة بعنوان «التقاليد الألمانية»، كتبها كيتل Kittel وبولترمان Polterman، مفاده أن كل دراسة جديدة — على الأقل في اللغة الألمانية — تَدين إلى شلايرماخر بطريقة ما، وينتهيان إلى القول بأنه «لا توجد مداخل تتسم بأية جِدة في صلبها» (أي بعد شلايرماخر) (ص٤٢٤ من الموسوعة، ١٩٩٧م)، وأما التمييز الذي وضعه شلايرماخر بين أنماط النصوص text types، فهو يبرُز بصورة واضحة في نظرية «كاترينا رايس»، وأما القطبان المتقابلان والمتعارضان — أي التغريب والتجنيس — فهما القطبان اللذان يناقشهما فينوتي، ويُطلِق عليهما تعبير «إضفاء الطابع الأجنبي»، و«إضفاء الطابع المحلي» foreignization، وdomestication على الترتيب، بل إن فكرة شلايرماخر عن «اللغة الخاصة بالترجمة» قد اعتمدها، وطوَّرها، فالتر بنيامين Walter Benjamin، وأما وصف شلايرماخر لنظريته التفسيرية في الترجمة، فهي تبرُز جلية في «نظرية» جورج شتاينر عن «الحركة التفسيرية» hermeneutic motion (وسنعود إليها في الفصل الأخير).
وأما في الوطن العربي، فلم تبدأ «نظرية الترجمة» بالمعنى الحديث حتى بدأ اتصال الغرب ببلدان الشرق، في القرن التاسع عشر، وبدأ خروج البلدان العربية من عهد الانفصال عن العالم الخارجي، الذي ساد واستمر قرونًا تحت حكم المماليك والأتراك من بعدهم، خصوصًا بعد تفتُّت الدولة العربية القديمة. ويرصد المؤرخون بداية ذلك اعتبارًا من الحملة الفرنسية، في آخر القرن الثامن عشر، وما تلاها من انفتاحٍ على العلوم الحديثة واللغات الأوروبية، وخصوصًا اللغة الفرنسية، في عهد محمد علي باشا الكبير، والبعثات الدراسية المعروفة، وإنشاء مدرسة الألسن، وجهود رفاعة الطهطاوي في هذا السبيل، ثم جهود أحمد فارس الشدياق في ترجمة المصطلحات العلمية والفنية أو تعريبها، إلى آخر ما رصده الدكتور جمال الشيال، وغيره من المؤرخين (مثل جاك تاجر)، وما سجله الدكتور ضاحي عبد الباقي، وغيره، من جهود تقريب المعارف الأوروبية الحديثة إلى أبناء العربية، مما استدعى استحداث لغة معاصرة (اللغة العربية المعاصرة MSA التي سبقت الإشارة إليها)، ودور الصحافة المعروف في إشاعة هذه اللغة.

واستقراؤنا لهذا التاريخ يفضي بنا إلى أن الاهتمام في الوطن العربي بالنظرية لم يكن كبيرًا، وأن جُل الجهد كان موجهًا إلى نحت لغة علمية حديثة تحيي بعض مصطلح القدماء، كما فعل علي مبارك في كتبه عن الهندسة والرياضيات، وإلى إشاعة اللغة العربية العلمية الحديثة في مراحل التعليم الأولى، باعتبارها لغة موازية للغة التراثية، التي كانت تسود الدراسات التقليدية في الأزهر مثلًا، وبعض المعاهد العليا، مثل مدرسة القضاء العالي، وبحيث يمكن أن تكون اللغة العلمية الحديثة وسيلةً لاكتساب المعارف الجديدة، إلى جانب اللغات الأوروبية نفسها لمن يريد التخصص والاستزادة من هذه المعارف، وسوف أتوقف قليلًا عند تعبير التوازي الذي أشرت إليه؛ فهو سبيلنا إلى استخلاص النظرية التي قامت عليها حركة الترجمة العربية في القرن التاسع عشر ومطلع العشرين.

الواقع — كما يبيِّن السعيد بدوي في كتابه عن مستويات اللغة العربية في مصر (۱۹۷۳م) — أن اللغة المعاصرة، التي نشأت في أحضان الترجمة، لم تحل محل اللغة التراثية، بل سارت بحذائها تنهل منها مثلما تنهل من «العامية المحلية» the vernacular؛ فأصبحت موازية لها، وقد أدَّت هذه الموازاة إلى الخلط بينهما، أو تصوُّر تساويهما، أو تعادلهما في كل شيء، فأصبح الحكم على الترجمة يرفع من قدرها إن اقتربت من اللغة التراثية، ويحط من قدرها إن هي ابتعدت عنها، مهما يكن اقترابها من النص الأصلي، فتبلورت نظرية لم يُفصح عنها الكثيرون، وإن كان من الممكن استنباطها من كتابات الأدباء في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، وهي نظرية قريبة من نظرية درايدن في إعلاء شأن النص المترجَم بتقريبه من اللغة التراثية قدر الطاقة، وإكسابه مزايا الأدب الأصيل المكتوب بلغة القارئ، بغض النظر عن علاقتها بلغة النص المصدر؛ فالهدف هو إرضاء القارئ العربي، والابتعاد عن العامية، كلما أمكن ذلك، على عكس ما فعل مارتن لوثر وإتيين دوليه.

ولكن تلك الجهود أثمرت تيارَين ما لبثا أن انفصلا؛ إذ إن الترجمة الصحفية دأبت على نحت لغة معاصرة جديدة للترجمة، بل وللتعبير، أملتها الظروف المتغيرة في الفترة العاصفة التي أشرت إليها — ولنقل منذ وفاة الطهطاوي والشدياق في أواخر القرن التاسع عشر حتى وفاة أحمد شوقي وحافظ إبراهيم في مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين — ودراسة الترجمات الصحفية في تلك الفترة تؤكد أن هذا التيار قد قوي ساعده واشتد، بسبب حاجة المترجمين إلى نقل الأنباء من مصادرها الأجنبية، والتعليق عليها بسرعة، فقارئ الصحيفة لن ينتظر تنميق الأسلوب، ولا «الارتفاع» إلى مستوى لغة التراث، كما أن مترجمي الصحف لم يكونوا يجدون في لغة التراث مرادفات في الألفاظ، ولا في المعاني، لما يجري حولهم من أحداث الحياة في العالم، بل وفي الوطن العربي، هذا إذا كانوا ملمِّين كل الإلمام باللغة التراثية أصلًا، وهكذا، وتدريجيًّا، انفصلت اللغة المعاصرة المعتمدة على الترجمة، عن اللغة التراثية، التي كانت لا تزال مستعمَلة في ترجمات الأدب (على قِلتها آنذاك)، وخير نماذج لها هي ترجمة حافظ إبراهيم للرواية الفرنسية الشهيرة البؤساء (فكتور هوجو)، على عدم إتقانه للفرنسية (وقيل إن شخصًا آخر ترجمها له ترجمة حَرفية)، ثم ترجمة مصطفى لطفي المنفلوطي لبعض الروايات عن الفرنسية بهذا الأسلوب نفسه.

من الممكن أن نقول إن النظرية الحديثة في الترجمة العربية — حتى فترة ما بين الحربَين — كانت تتأرجح بين القطبَين السالفَين، وهما الترجمة الحَرفية مع التصرف الذي لا يُخرجها عن مذاق الفصحى في الصحف، والترجمة الحرة التي قد تقترب من المحاكاة التي أدانها درايدن (وإن كان قد مال إليها معاصروه، وعاد إلى إجلالها هو نفسه) في الأدب. وقد برز انفصال القطبَين بوضوحٍ في الثلاثينيات؛ فشهدنا ترجمة الشعر الرومانسي الإنجليزي، وخصوصًا شلي (انظر شلي في الأدب العربي، دكتورة جيهان صفوت رؤوف، دار المعارف، ۱۹۸۲م) ترجمة منظومة تحاول الارتقاء إلى تقاليد الشعر العربي الكلاسيكية، وشهدنا ترجمات شيكسبير بقلم الشاعر العظيم خليل مطران بالنثر العربي التراثي، إلى جانب محاولة الاقتراب من النص الأصلي في لغةٍ تقترب كثيرًا من الفصحى المعاصرة، مثل ترجمة علي أحمد باكثير لمسرحية روميو وجولييت لشيكسبير.

ومما ساعد على الانفصال، نشأة المسرح العربي الذي كان في منشئه مترجَمًا لعدم ازدهار فن المسرح لدى العرب القدماء، وهو فن يعتمد على الحوار، والحوار يقتضي اللغة المنطوقة، وأقرب صورها هو اللغة العامية (بطبيعة الحال)، ولكن ترجمات المسرح آنذاك كانت جميعها باللغة الفصحى المعاصرة، التي كانت تطمح بدايةً إلى محاكاة اللغة التراثية، ولو أنها اضطرت إلى محاكاة العامية بسبب طبيعة الحوار نفسه، وكان أهل الشام ومصر من العاملين في هذا المجال يترجمون عن اللغة الفرنسية أساسًا، فإذا أتى التعبير المترجَم عاميًّا «ترجموه» إلى الفصحى، مثلما يفعل نجيب محفوظ، حين يترجم الحوار العامي في رواياته إلى الفصحى؛ فبدأت أبنية الفكر الأجنبي واللغات الأجنبية تغزو اللغة المستعمَلة عن طريق هذه الترجمة المزدوجة؛ بحيث زاد ابتعاد الفصحى المعاصرة عن اللغة التراثية، ونشأت لغة قد نسميها «لغة الترجمة» translationese في الحوار المسرحي بصفة خاصة، وانتهى الأمر بالابتعاد في الحوار المسرحي عن اللغة التراثية ابتعادًا تامًّا. وعندما نشأت السينما في مصر في فترة ما بين الحربَين، كان ذلك إيذانًا بمولد المسرح المكتوب بالعامية، وإن لم يُترجم إلى العامية من أدب المسرح إلا أقل القليل، وظل الحديث عن الترجمة يدور بين القطبَين السالفَين، «الترجمة الحَرفية» و«الترجمة الحرة»، (أو «الترجمة بتصرف»).
وسوف نعود إلى حال الترجمة إلى العربية عند الحديث عن التطورات التي جدَّت على الوطن العربي في السنوات التالية، وفي سياق الحديث عن النظريات الأخرى للترجمة، ومن أهمها الترجمة «بعد الاستعمار»، وتأثير مدارس علم اللغة الحديث، واعتبار اللغة العربية لغة «عالمية» أو معترفًا بها دوليًّا، منذ دخولها الأمم المتحدة لغةً سادسةً في مطلع السبعينيات، ولكننا سوف نمهد لذلك بالحديث عن النظرية التي سادت في إنجلترا في الفترة التي تحدثنا عنها — وهي آخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين — إذ وجد فيها بعض أساتذة الترجمة في الوطن العربي سندًا للحوار الدائر بين القطبَين السالف ذِكرهما — وهما الترجمة «الحَرفية» و«الترجمة الحرة» — وأما تلك النظرية، فقد اتخذت شكل حوار بين فرانسيس نيومان Francis Newman وماثيو أرنولد Matthew Arnold، عن أفضل السُّبل لترجمة الأدب اليوناني القديم، ولم تكن في الواقع تدور حول «الترجمة الحَرفية» و«الترجمة الحرة» بالمعنى القديم، بل بين ما يسميه فينوتي «اختفاء المترجِم» invisibility (في كتابه الذي يحمل هذا العنوان نفسه، ١٩٩٥م)، من خلال إضفاء الطابع المعاصر على النص المترجَم (أو الطابع المحلي = «التجنيس» naturalization)، وبين ما يسميه «التغريب»، بمعنى إقامة مسافة ما تفصل بين القارئ وبين النص المترجَم (المستهدَف)، فلم يكن أرنولد يدعو إلى الترجمة «الحرة» بالمعنى القديم، بل إلى ترجمة شفافة — دعا إليها صراحةً في محاضرته «عن ترجمة هوميروس» — تقيم صلة مباشرة، ودون عوائق، بين القارئ وكاتب النص الأصلي باستخدام لغة معاصرة، وكان نيومان يدعو إلى «التغريب» الذي كان يتخذ — في حالة هوميروس — استخدام لغة قديمة تُشعِر القارئ بأنه لا يقرأ نصًّا معاصرًا، وقد فعل ذلك في ترجمته لذلك الشاعر اليوناني القديم، وكان يزعم كثرة عدد قرائه وإقبالهم وتقديرهم لعمله. وكان انتصار أرنولد يمثِّل في ظاهره انتصارًا لمذهب «الترجمة الحرة»؛ فهو يمثِّل في نظره السبيل إلى تحقيق الهدف الأول للترجمة، وهو توصيل المعنى دون حواجز أو عوائق زمنية (متمثلة في قِدم الأسلوب أو اللغة)، ولكنه كان يمثِّل — كما قلت — انتصارًا لما يسميه فينوتي بمبدأ «اختفاء» المترجم.

ولم يؤثر هذا «الحوار» في مسار الترجمة العربية في الفترة المذكورة؛ لأن من رأَوا فيه انتصارًا «للترجمة الحرة» رأَوا فيه أيضًا نصرًا للغة المعاصرة التي كانت في نظر الكُتَّاب والمترجمين في تلك الفترة — في عصر «الإحياء» الأدبي، الذي بدأ بالبارودي، وانتهى بشوقي وحافظ ومطران — هي نفسها اللغة الفصحى التراثية، بل إنهم كانوا يحاولون إنقاذها من التأثر بالفصحى المعاصرة، أو «الجديدة»، التي أشاعتها أجهزة الإعلام، وعلى رأسها الصحافة؛ فكانت الترجمة «الحرة» في نظرهم تقتضي إخراج نصوص بالفصحى التراثية، التي تبرأ من «حَرفية» الفصحى المعاصرة (الصحفية)، وهكذا تحوَّل مذهب «الشفافية»، الذي دعا إليه أرنولد، إلى مذهب قريب من «التغريب»، إذا أخذنا القارئ في اعتبارنا؛ فهي ترجمة موجَّهة للصفوة، أو للنخبة العربية من المتعلمين الذين يستطيعون قراءة اللغة التراثية، ويجدون في شعر مدرسة الإحياء ونثر الرافعي والمنفلوطي متعة أي متعة.

وكان الكُتاب والمترجمون العرب على حق — في الواقع — في هذا التفسير، على نحو ما نرى في امتداح العقاد لترجمات المازني المنظومة، فقارئ ترجمات المازني هو نفسه قارئ قصائد شوقي وحافظ ومطران، وقارئ أرنولد هو نفسه قارئ تنيسون وبراوننج، ولم يكن أيهم يكتب اللغة الصحفية أو الدارجة، أو يسمح لأي تعابير صحفية أو دارجة أن تجد طريقها إلى شِعرهم، بل إن أرنولد نفسه ينصح قرَّاءه أن يضعوا ثقتهم في العلماء أو الباحثين scholars؛ فهم وحدهم الذين يستطيعون مقارنة تأثير النص المصدر بالنص المترجَم، وهذا هو ما تنتقده سوزان باسنيت في كتابها دراسات الترجمة (١٩٩١م)؛ إذ تقول إنه منحاز إلى الصفوة أو النخبة élitist؛ فهو يختص المثقفين بالحكم على تأثير النص في القارئ، دون إشراك شتَّى فئات القرَّاء في الحكم، وفي هذا ما فيه من تعميمٍ أو افتراضات «غير مثبَتة»، وتقول إنه أدى إلى «تخفيض قيمة» الترجمة؛ لأنه يوحي بأن النص المستهدَف لن يصل مطلقًا إلى مستوى النص المصدر (الأصلي)، وأن الأفضل دائمًا للقارئ أن يطَّلع على النص بلغته الأصلية؛ أي أنه أدى إلى تهميش الترجمة، ثم تنتهي من ذلك إلى القول بأن الترجمة يتولَّاها الصفوة، ويوجهونها إلى الصفوة (من المهتمين بالأدب الرفيع والفكر الرفيع). ويقول منداي (٢٠٠١م، ص٢٩) إن هذا الاتجاه ما زال سائدًا في بريطانيا حتى يومنا هذا، بدليل عدم السماح لدارسي الأدب الأجنبي بالاطلاع على ترجماته (في التعليم الثانوي والعالي)، وعدم ترجمة الأدب «غير الرفيع» إلى الإنجليزية، إلا فيما ندر، وعدم تقديم الأفلام الأجنبية المصحوبة بالترجمة المطبوعة على الشريط في السينما، أو في محطات التليفزيون البريطانية، وذلك — كما هو واضح — لا ينطبق على العالم العربي، وإن كنا سوف نعود تفصيلًا إلى ذلك — كما قلت — عند الحديث عن النظريات الحديثة، وهي التي أرهص بمولدها جورج شتاينر، في كتابه الذائع بعد بابل (۱۹۹۸م)، وهاك كلمات تمهيدية في هذا السبيل.
كان شتاينر قد أصدر الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام ١٩٧٥م، ونحن نرجع إلى الطبعة الثالثة (١٩٩٨م)، التي دفع الناشر إلى إصدارها الازديادُ، غير المسبوق، في الاهتمام بدراسات الترجمة، وسوف نعود إلى شتاينر عند الحديث عن نظريته الخاصة بما يسميه «الحركة التفسيرية»، ولكننا نثبت هنا فقط دراساته لأربعة عشر كاتبًا، يقول إنهم أعربوا عن كل ما هو مهم، أو جديد، في قضية الترجمة، وهو ينتهي إلى القول بأن نطاق الأفكار النظرية عن الترجمة منذ شيشرون، وحتى عزرا باوند Ezra Pound وفالتر بنيامين Walter Benjamin، نطاق «بالغ الضآلة» على امتداد الفترة كلها:

«رأينا أن جانبًا كبيرًا من نظرية الترجمة — إذا كانت هناك نظرية يمكن تمييزها عن الوصفات المثالية — يدور برتابة حول محورٍ واحد، ألَا وهو محور البديلَين اللذَين يفتقران إلى التعريف الدقيق — وهما «الحَرفية» و«روح النص»، أو «اللفظ» و«المعنى». والمفترض أن هذا الانقسام له معنًى يمكن تحليله، وذلك هو الضعف المعرفي الأساسي و«خفة اليد».

(١٩٩٨م، ص٢٩٠)
ويتفق مع شتاينر كثير من أصحاب النظريات الحديثة، في أن المشكلة الرئيسية في الكتابة عن الترجمة في هذه الفترة تكمن في أن معايير الأحكام كانت، غالبًا، ذاتية، وتتسم بالغموض، (مثل سوزان باسنيت، ۱۹۹۱م) كما يقول آخرون إن الأحكام نفسها كانت معيارية normative (مثل فيلس Wilss١٩٩٦م)، وأما نظرية الترجمة في النصف الثاني من القرن العشرين، فقد بذلت محاولاتٍ جادة للتغلب على الغموض المذكور والتناقض البادي في معظم تلك الكتابات، وكان ذلك أساسًا في مجال إعادة تعريف «الترجمة الحَرفية» و«الترجمة الحرة»، من حيث التطبيق أو الواقع العملي، وفي مجال توصيف «المعنى» توصيفًا علميًّا، ووضع تقسيمات منهجية لظواهر الترجمة، أي السمات أو الملامح التي نشهدها في الأعمال المترجَمة ومصادرها.

وهكذا فإن نظرية الترجمة قبل القرن العشرين كانت، في معظمها، تدور حول قطبَين، هما؛ ما إذا كان على المترجِم أن يكون «حَرفيًّا»، فيقدم الألفاظ (كلمة بكلمة)، أو أن يمارس حريته الخاصة في «التصرف»، حتى يُخرِج ترجمة «حرة»، تقدم المعاني (معنًى بمعنًى)، وهذه هي الثنائية التي سادت التفكير الغربي والعربي، على حدٍّ سواء، أما في الغرب، فكان محور الخلاف الأول هو ترجمة الكتاب المقدس، واستمر هذا الخلاف قائمًا نحوًا من ألف عام، وأما في الوطن العربي، فكان الخلاف على أشده في أيام ازدهار الترجمة في عصر المأمون، وعاد إلى الظهور على استحياء في أواخر القرن التاسع عشر، والنصف الأول تقريبًا من القرن العشرين، مع حركة «الإحياء» الأدبي، وما صاحبها من إعلاء لشأن اللغة التراثية، وكان أوائل «المنظِّرين» من المترجمين الذين يقدمون تبريراتٍ للمنهج الذي ارتضوه في ترجمة عملٍ من الأعمال، وكثيرًا ما كانوا يتجاهلون ما قاله مَن سبقهم، أو يجهلونه، وكان النموذج الثلاثي (الذي يضم النقل الحَرفي، والنقل بتصرُّفٍ، والمحاكاة)، والذي وضعه درايدن في آخر القرن السابع عشر، يمثِّل أول محاولة للدراسة المنهجية للترجمة، كما كان تأكيد شلايرماخر على الطابع الأجنبي للنص المترجَم ذا تأثير كبير على دارسي الترجمة حتى عصرنا الحالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦