الفصل الثاني
نظريات المعنى في الترجمة
حين يتحدث المترجِم أو دارس الترجمة عن ترجمة المعنى،
لا اللفظ، فإنما يضع في ذهنه تصورات مستقاة من تراثه،
ومن مجتمعه، عن توازي الدلالة بين لفظتَين من لغتَين
مختلفتَين، أو بين مجموعتَين من الألفاظ في هذه اللغة
وتلك، وقد يصل به التفكير في توازي الدلالة إلى تصور
وجود تعادل محتوم inevitable
equivalence بين الألفاظ المفردة
أو مجموعات الألفاظ، ونادرًا ما يكون المترجِم (بل
ودارس الترجمة) ممن تبحروا في عِلم الدلالة
semantics، ولكنه
يستقي ذلك المفهوم عن تعادل المعنى (أو توازي الدلالة)
مما درج عليه في تعلُّمه للغة الأجنبية، ومما أرشده
إليه مَن سبقوه مِن المترجمين أو دارسي الترجمة؛ فيتصور
أنه بإمكانه إخراج ترجمة تتضمن معادلات محكَمة للمعنى،
بين النص الأصلي (المصدر) والنص المترجَم (المستهدَف)،
بل وقد وجدت بين المترجمين العرب من يتصور إمكان إخراج
ترجمة مثالية، يتعادل فيها النص المستهدَف في تأثيره،
أو في معانيه الدقيقة، مع النص المصدر. ولقد شغل هذا
الموضوع كثيرًا من الباحثين في الغرب في الخمسينيات
والستينيات من القرن العشرين، وكان من بين القضايا
اللغوية الأساسية التي تناولها أشهر علماء الترجمة في
كتبهم آنذاك.
ولنبدأ — تقريبًا لهذا المفهوم من ذهن القارئ العربي
— بإيضاح اقترابه من المفهوم العربي للترادف
synonymity،
والقارئ العربي يعرف مذهب بعض القدماء في إنكار الترادف
التام، وهو مذهب راسخ، ولكن حديث القدماء والمحدَثين عن
الترادف في لغة ما، سواء كانت العربية أو لغة أخرى،
يقتصر على وجود كلمتين أو أكثر من اللغة نفسها بالمعنى
نفسه، وأما التعادل، فيكاد ينصرف إلى توازي المعنى بين
كلمتَين من لغتَين مختلفتَين. وقد توسَّع الدارسون
المحدَثون في تفصيل أنواع التعادل حتى ابتعد ابتعادًا
كبيرًا عن مفهوم الترادف؛ بحيث أصبح من العسير إحلال
أحد المصطلحَين محل الآخر على نحو ما سوف نُبيِّن؛
فمفهوم التعادل يتخطَّى الكلمة المفردة إلى التراكيب
والأبنية والمصطلح اللغوي نفسه.
وكان مِن أوائل مَن أثاروا قضية «التعادل»، بمفهومها
الحديث، رومان ياكوبسون في مقاله الذي سبقت الإشارة
إليه، فعندما تعرَّض للترجمة بين لغتَين مختلفتَين، شرع
في فحص بعض قضايا هذه الترجمة، ومنها قضية ما يُسميه
المعنى اللغوي linguistic
meaning، و«التعادل»
equivalence. ويتفق
ياكوبسون مع سوسير
Saussure، أو هو
يأخذ عنه العلاقة بين الدال (الإشارة
signal، المنطوقة
أو المكتوبة)، والمدلول (المفهوم الذي يدل الدال عليه)
قائلًا إن الدال والمدلول معًا يكونان «العلامة
اللغوية» linguistic
sign، وإن هذه العلامة تعسفية أو
توقيفية arbitrary؛ أي
أنها لا سبب، ولا دافع لها
unmotivated. وهكذا
فإن كلمة «الجبن» العربية (في جملة «أكلت الجبن») هي
الدال الصوتي acoustic
signifier الذي يدل تحديدًا
denotes على مفهوم
«الطعام المصنوع من مضغوط الألبان المتخثرة» (المدلول)،
دون أن يكون ثَم سبب كامن لإطلاق هذا الدال على ذلك
المدلول. ويؤكد ياكوبسون أن المرء يستطيع أن يدرك
المدلول، حتى ولو لم يكن قد خبره بنفسه، أو رآه رأي
العين، ويضرب المثل بكلمتَي «رحيق الآلهة»
nectar وطعام
الآلهة ambrosia،
اللتين نقرؤهما في الأساطير اليونانية، والأمثلة على
ذلك كثيرة في العربية، فنحن نعرف مدلول الكلمات الشائعة
مثل «الغول» و«العنقاء» و«السعلاة»، بل و«الشيطان»
و«الجان»، ولو لم نكن قد خبرنا أيًّا من هذه المدلولات،
أو شاهدناها، على عكس كلمة «الجبن» المذكورة؛ فالأرجح
أن يكون القارئ قد خبرها.
وينتقل ياكوبسون بعد ذلك إلى المشكلة الشائكة، وهي
«تعادل المعنى»، بين كلمتَين من لغتَين مختلفتَين؛
فيقول «إنه في العادة لا يوجد تعادلٌ كاملٌ بين وحدتَين
من وحدات الشفرة اللغوية
code-units»، ويضرب
المثل على ذلك من الجبن، وسأحاول أن أجد المثيل
بالعربية، فكلمة الجبن الإنجليزية
cheese لا تتضمن
«اللبنة» اللبنانية أو الشامية، وهي نوع من الجبن
بالعربية، وإن كانت الاسم العام
hypernym لجميع
أنواع الجبن الأخرى. وينتهي وصف ياكوبسون للترجمة بين
اللغتَين بأن يقول إنها تعني «إحلال رسائل بلغةٍ ما محل
رسائل كاملة بلغة أخرى، لا محل وحدات شفرية منفصلة»،
ومن ثَم، فإن «المترجِم يعيد صياغة الشفرة الخاصة بهذه
الرسالة التي تلقَّاها من مصدرٍ ما، ويعيد إرسالها،
وهكذا فإن الترجمة تعني وجود رسالتين متعادلتين بشفرتين
مختلفتين» (ص١١٤ من كتاب
House).
ويقول ياكوبسون إن «تعادل» الرسالتين في اللغة المصدر
واللغة المستهدَفة يقتضي اختلاف الوحدات الشفرية،
لأنهما تنتميان إلى نظامَين مختلفَين من نظم العلامات
(أي لغتَين)، وكلٌّ منهما تختلف عن الأخرى في تقسيمها
للواقع، أي في تحديد أسماء الأشياء والأفعال والصفات
(والمثال هو اللبنة وكلمة
cheese أعلاه). أما
من الناحية الدلالية واللغوية، فإن ياكوبسون يعالج
مشكلة التعادل بوضع التعريف التالي الذي ذاع وانتشر،
وسوف أورده بالعربية والإنجليزية معًا، بسبب الضغط
الشديد في صياغته:
Equivalence in difference is the
cardinal problem of language and the
pivotal concern of
linguistics.
«التعادل في «إطار» الاختلاف هو المشكلة
الكبرى في اللغة، والقضية المحورية لعلم اللغة
(اللغويات).»
وهكذا نرى أن مشكلة المعنى والتعادل عند ياكوبسون
تركز على الاختلافات في الأبنية اللغوية (التراكيب)
والمصطلح اللغوي، لا على عجز لغة ما عن نقل رسالة
كُتبَت بلغة أخرى. وهكذا يمكن للغة الإنجليزية أن
تعبِّر عن مدلول «اللبنة»، حتى لو أضافت إليها بعض
الصفات، وذلك ما يفعله كل مترجم (فالجبن «الروكفور»
يُسمى blue cheese)،
ونحن في العربية نفعل ذلك دائمًا، ومعناه أن اللغة
المستهدَفة «تقسم» الدال الأصلي (في لغة المصدر) إلى
دالَّين منفصلَين، أو المفهوم الواحد في لغة المصدر إلى
مفهومَين مختلفَين؛ فيقول الإنجليز
wooden slippers
على القبقاب، أو يستعيرون له لفظة أخرى (هي الفرنسية
هنا)، وهي sabots، وهي كلمة
أصبحت إنجليزية، وتختلف عن
clogs التي قد تعني
الصندل أو الحذاء ذا النعل الخشبي، كما أننا نترجم
boots بتعبير «حذاء
برقبة» وهلمَّ جرًّا.
ولكن الاختلافات — كما يقول ياكوبسون — لا تقتصر على
الأسماء أو الأشياء، بل هي تتركز في «الأشكال النحوية
والتصاريف اللفظية الإلزامية» لكل لغة، وهو يعني
بالإلزام أن طبيعة اللغة تلزمك باتِّباع شكل نحوي محدد
إن كنت تبغي إيضاح المعنى، وكذلك الأمر في تصاريف
الألفاظ، وهي إلزامية؛ لأنها لا محيص عنها، وما أيسر
ضرب الأمثلة هنا:
على مستوى التذكير
والتأنيث: «الدار»
house مؤنثة
بالعربية والفرنسية، وغيرها من اللغات الرومانسية،
وجماد بالإنجليزية والألمانية، وكلمة «الشهد»
honey مذكر
بالعربية والفرنسية والألمانية والإيطالية، مؤنثة
بالإسبانية، جماد بالإنجليزية … إلخ.
على مستوى زمن
الفعل: تختلف أزمان الفعل في العربية
عنها في الإنجليزية، فليس لدينا مقابل للحاضر التام،
ونحن نترجمه بكلمتين أو أكثر «فعل ويفعل» أو «فعل ولا
يزال»، أو فعل منذ قليل … إلخ.
على مستوى دلالة
الألفاظ: الكلمة الألمانية
Geschwister
نترجمها بالعربية إلى إخوة وأخوات، وكلمة
children
الإنجليزية في عبارة I’ve got three
children نترجمها إلى «بنات» إذا
كان الجميع بنات، لا إلى «أطفال»، وقس على ذلك كلمة
uncle، التي قد
تعني العم أو الخال … إلخ.
ويقول ياكوبسون إنه حتى على المستوى النحوي الأساسي،
مثل المفهوم «العلائقي»
relational، الذي
يقتضي في اللغات الأوروبية الغربية وجود فعل الكينونة
be بالإنجليزية،
وêtre بالفرنسية،
وsein بالألمانية،
بل وفي بعض اللغات الهندية الأوروبية الأخرى مثل
الفارسية (آست)، نجد أن اللغة الروسية لا حاجة لها
صراحةً إلى هذا الفعل في الزمن الحاضر، وكذلك شأن
العربية (محمدٌ مجتهدٌ)، وهذه الأمثلة تبيِّن لنا
الاختلافات فيما بين اللغات، ولكنها لا تنفي أنها يمكن
ترجمتها من لغة لأخرى، ويستثني ياكوبسون الشِّعر حيث
توجد حالات يقوم فيها التماثُل الصوتي بدور الدلالة
العلائقية، وهو يرى أنها «لا تترجم»، بل تتطلب «نقلاتٍ»
إبداعية تتضمن إحلالًا وإبدالًا.
وقد أصبحت قضايا المعنى والتعادل وقابلية الترجمة، من
الموضوعات الثابتة والمتكررة في دراسات الترجمة على
امتداد الستينيات، ولم تلبث أن أصبحت من مجالات المنهج
«العلمي» الذي اتَّبعه دارس من أهم باحثي دراسات
الترجمة، ألَا وهو الأمريكي يوجين نايدا
E. Nida. وقد نشأت
نظرية الترجمة التي وضعها من واقع ممارسته العملية في
أثناء ترجمته للكتاب المقدس، وتنظيمه لجهود ترجمته في
الأربعينيات، وكُلِّلت جهوده بإصدار كتابَين (انظر
المراجع)، حاول فيهما وضع مدخل منهجي لدراسة الترجمة،
يستفيد من مفاهيم علم اللغة ومصطلحاته، سواء من علم
الدلالة أو من التداولية
pragmatics، وكذلك
من ثمار عمل «نعوم تشومسكي» في مجال بناء الجملة أو علم
التراكيب، وهو الذي وضع نظريته الشهيرة في النحو
التوليدي والتحويلي
transformational-generative
grammar (تشومسكي، ١٩٥٧م،
١٩٦٥م).
وقد بدأ «نايدا» عمله بالابتعاد عن النظرية القديمة،
التي تقول بثبات معنى الكلمة المكتوبة، وبالاقتراب مما
يمكن تسميته بالتعريف الوظيفي
functional للمعنى،
ومفاده أن الكلمة «تكتسب» معناها من سياقها، وأن
تأثيرها يختلف باختلاف الثقافة، وهو يحدد في هذا الصدد
ثلاثة أقسام للمعنى، الأول هو المعنى اللغوي
linguistic
meaning، وهو الذي يعتمد فيه على تقسيم
الجملة الذي وضعه تشومسكي، واشتهر باسم «الشجرة»؛ حيث
تبدأ الجملة باسم أو بعبارة (أو شبه جملة) اسمية،
ويتبعها فعل ولواحق، إلى آخر هذا التقسيم المشهور،
والثاني هو المعنى الإحالي referential
meaning، وهو المعنى الذي يحدده
المعجم بدقة، ووظيفة الدال فيه هي الإحالة إلى مدلول،
وأما القسم الثالث فهو ما يسميه المعنى الشعوري
emotive meaning،
أو ظلال المعنى التي تنشأ من ارتباط الكلمة بأشياء
معينة، في داخل السياق أو خارجه، أو في الخبرة الفردية
للقارئ، أو الخبرة الإنسانية العامة، ومن ثَم، فهو من
باب الشعور الذي لا يبرره المعنى المحدَّد للكلمة أو
حتى للسياق، وإذن فهو يختص بإثارة إحساس ما، أو شعور
ما، ونحن ننسبه عادة إلى ما للمعنى من ظلال، ولكنه قد
ينبع أيضًا من جرس السياق الذي يقع فيه اللفظ، وذلك أمر
لا يمكن إغفاله عند تفهُّم النصوص، ومن ثَم عند
ترجمتها. ويوجين نايدا يضع مجموعة من القواعد أو
الطرائق المستقاة من علم اللغة، لمساعدة المترجِم على
تحديد fear شتَّى
المفردات اللغوية، أما الطرائق المقترحة، أو القواعد
الخاصة بتحديد المعنى الإحالي والمعنى الشعوري، فتركز
على تحليل أبنية الألفاظ، والتمييز بينها وبين مثيلاتها
الواردة في المجالات اللفظية المتصلة بها. وتتضمن هذه
الطرائق ما يسميه البناء الهرمي
hierarchical
structure، الذي يميز فيه الدارس
بين الاسم الكُلي الهرمي
superordinate، أو
ما سبقت الإشارة إليه باسم
hypernym، مثل لفظ
حيوان، والأسماء الجزئية
hyponyms، التي
تدخل في فئة الاسم الكلي مثل «الجمل» و«الحصان»
و«البغل»، إلى جانب المنهج الذي يُسمَّى تحليل عناصر
الكلمة (componential
analysis)، والمقصود به التمييز
بين عناصر عددٍ متقاربٍ من الكلمات تحديدًا لمعنى كلٍّ
منها، على نحو ما فعله الثعالبي في «فقه اللغة» في
«تقسيمه» الألفاظ على معانيها المختلفة، وكان يستند في
ذلك إلى معانيها في عصره، أو إلى مفهومه الخاص، إما
لاشتقاق الكلمة، مثل قوله إن السحاب يُسمَّى النشء، إذا
نشأ، ويُسمَّى سحابًا إذا انسحب في السماء، والزبرج
والجون إذا كان أبيض أو أسود (من الأضداد)، أو استنادًا
إلى مفهومه لما عرفه من لغة العرب آنذاك، ولكن الطريقة
الجديدة تعتمد على ما يُشبه «المعادلة الحسابية»، أي
وضع عناصر معينة، وإضافة بعضها إلى بعض، أو طرح بعضها
من المعادلة، وصولًا إلى التحديد الذي يوحي بأن التحليل
«علمي». وقد نجح البعض — قبل نايدا — في إجراء ذلك فيما
يتعلق بالمجسدات، فهي يسيرة التحديد مثل تحليل كلمة فتى
أو شاب بأن المعنى يتضمن العناصر التالية: إنسان + ذكر
+ حداثة السن، فإذا غيَّرت بعض هذه العناصر، خرجت بفتاة
أو بشيخ … إلخ. والطريف أن هذا المثل يتكرر كثيرًا في
الحديث عن تحليل العناصر (الذي يُسمَّى أيضًا
decomposition)
ويندر أن يأتي الكتاب بأمثلة أخرى حتى من المجسدات،
وذلك ما اعترض عليه جاكندوف
Jackendoff فيما
بعد، في كتابه عن «علم الدلالة والمعرفة»
Semantics and
Cognition (انظر
المراجع)، وأما إذا نظرنا إلى المجردات، فإن الصعوبة
التي تكتنف هذا المنهج تبرز بوضوحٍ وجلاء، وانظر معي
إلى الخوف، وكيف يمكن تقسيمه باعتباره العنصر المشترك
في الكلمات التالية: الوجل والإشفاق، الخشية، الرهبة
والتقوى والورع، الروع، الهيبة، الهلع والجزع والرعب
والذعر والفزع (بل والهول!). ونحن نستطيع أن نفرق بين
ثنائيات منها استنادًا إلى معاجم اللغة القديمة أو
الحديثة، أي إلى معانيها في التراث أو إلى معانيها
المعاصرة، ولا نستطيع التفريق بين ثنائيات أخرى؛ فنحن
نستطيع أن نفرق بين أي ثنائية بأن نبدأ بوضع علامة زائد
(+) أمام عنصر الخوف باعتباره العنصر المشترك بينها
جميعًا، ثم يضاف إليه (+) عنصر الحركة في حالة الفزع،
فمن يفزع يتحرك كأن يفر مثلًا، أو يبتعد وحسب أو يحاول
طلب النجاء أو الاحتماء، ونحن قد نضع أيًّا من هذه
العناصر في تحديدنا لمشاركتها في معنى الفزع وفقًا
للاستعمال الجاري للكلمة — على نحو ما فعل العلامة أحمد
مختار عمر — أو وفقًا لاستعمال القدماء، وانظر البيتَين
التاليَين (من المحدثين والقدماء):
يهزأ بالجمرة حين يلذع
ويسبق العداء حين يفزع
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
فزعت منه بآمالي إلى الكذب
وقد ننجح في حالة كلمات أخرى باستخدام
معادلات تحليل العناصر، التي تتضمن علامة زائد (+)
وناقص (−) في سطرٍ واحدٍ، مثل: الرهبة أو الهيبة =
(الخوف − الحركة + الإجلال والتقدير)، ومثل (الورع =
الخوف + الإجلال + تذكُّر العقاب ورجاء الثواب +/−
الفعل)، وقد نستطيع ذلك أيضًا في حالة (التقوى = الخوف
+ الرغبة في تجنُّب العقاب وطلب الثواب +/− الفعل)، بل
قد نستطيعه في حالة كلمات أخرى، ولكن الكلمات لا ترِد
دائمًا في حالة المصدر، فمن الرهبة اشتق المحدثون تعبير
«الإرهاب»، الذي يُسمى أحيانًا
terrorism وأحيانًا
terror وحسب،
وتعريفه يختلف قطعًا عما ورد في تحليل عناصر الرهبة!
وتزداد صعوبة هذا المنهج، الذي يطمح إلى أن يكون
علميًّا، حين نبدأ في محاولة موازاة هذه التحليلات
بتحليلاتٍ مقابلة في الإنجليزية مثلًا؛ فكلمة الرهبة
تُترجَم عادة بكلمة
awe، ولكن الصفة
awful قد تعني
المخيف، أو بالعامية الإنجليزية «البشع» أو القبيح، بل
وقد تضاف في العامية الدارجة لتحديد الدرجة كقولك
thank you awfully
أي شكرًا جزيلًا، أو an awful
lot (أي كمية كبيرة) وحسب! وأما
الصفة الأخرى awesome،
فتعني «المَهيب»، أو الذي يُجله الإنسان، أو يُخشى
جانبه! بل قد تعني الضخم وحسب! وهنا نجد أن «الهيبة» قد
دخلت في التحليل، ولكن «نايدا» لا يورد هذه النماذج
المعقدة، بل يعتمد على أمثلة يسيرة، ويزيد من تبسيطها،
مثل الجدة والأم والخالة والعمة (ص٨٤-٨٥ من كتاب نحو
علم الترجمة) مستندًا إلى ما يسميه علاقة القرابة
الأولى (الانحدار من نسل إنسان)، أو الأنوثة والذكورة،
وهي مفاهيم غير خلافية، وإن كانت نتائجها تتخذ الطابع
«العلمي» دون أن تضيف في رأيي «علمًا» جديدًا.
ومن الطرائق الأخرى التي يقترحها «نايدا» ما يسميه
«تحليل البناء الدلالي»، أي semantic
structure analysis وهو يفصِل فيه
(أو يقترح الفصل فيه) بين اﻟ
fear المختلفة
لكلمة spirit (ص۱۰۷)
التي قد تعني الروح، وقد تعني الشيطان أو الملاك أو
الرب أو الشبح أو الكحول، إلى آخر ما تعنيه
بالإنجليزية، وفقًا لخصائص كل معنًى إنساني في مقابل
غير إنساني، وحسن في مقابل «شيء» إلى آخره، وهي طريقة
مظهرها علمي ونتائجها — شأن الطريقة السابقة — لا تضيف
علمًا كبيرًا، وإنما يحاول «نايدا»، بهذه الطرائق
مجتمعة، أن يُقنِع الذي يتعلم الترجمة بأن معنى الكلمة
ذات التركيب الدلالي المعقد (مثل كلمة «روح») يتغير
وفقًا للسياق، بل إن السياق هو الذي يحدده، وينتهي من
تحليله لهذه الكلمة إلى أنها لا تحمل في كل الأحوال
معنًى دينيًّا، قائلًا إنها حتى حين تحمل بالقطع هذا
المعنى الديني (الروح القدس Holy
Spirit) فإن «القيمة» الشعورية لها
أو «ظلال» معانيها قد تتغير وفقًا للغة المستهدَفة
(المترجَم إليها)، فما يرتبط بها من معانٍ أخرى، في
السياق أو خارجه، قد يغير من هذه الظلال، وهي إذن مبحث
من مباحث التداولية
pragmatics (أي
الاستعمال اللغوي) language
in. ويؤكد «نايدا» أهمية السياق في
مجال التواصل أو الاتصال عند التصدي للمعاني الاستعارية
وللمصطلح الثقافي، ويمكننا بصفة عامة أن نقول إن طرائق
تحليل العناصر الدلالية تُعتبر من وسائل إيضاح ما التبس
أو ما غمض معناه على القارئ أو المترجم، وإثبات
الاختلافات الثقافية وتحديدها، وهي مفيدة في مقارنة
اللغات والثقافات المختلفة بعضها بالبعض، وسوف يزيد
وضوح ذلك في المثال التالي:
يقول الله في كتابه الكريم: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ
خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ
فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا
سَدِيدًا (النساء: ٩)، وقد اخترت هذه الآية
لورود ثلاثة ألفاظ تشترك في عنصر «الخوف» (من المجموعة
التي أوردتها في الفقرة قبل السابقة)، وأما المعنى،
فمتفق عليه، وهو أن على الأوصياء المكلَّفين بتركة
الأيتام أن يتقوا الله فيهم، كما لو كانوا قد خلفوا
ذرية فقيرة يخشون مكابدتها شظف العيش، وأن يُبدوا العطف
عليهم، ويسدوا لهم النصح السديد. «كما كان يحب أن يصنع
بورثته إذا خشي عليهم الضيعة»، (ابن كثير، ص١٥٦) «عليهم
أن يتقوا الله فيعاملوا أبناء غيرهم الذين تحت وصايتهم
بالشفقة والرحمة التي يحبونها لأبنائهم» (السيوطي، ٦٢)
«عامِل اليتامى الذين في حجْرك بمثل ما تريد أن يُعامَل
به أبناؤك بعد فقدك» (الصابوني، ٢٦٠) «أمر الله الذين
يخافون على ذريتهم الضعفاء العيلة والضيعة من بعدهم …
أن يخشَوه ويتقُّوه فيمن يتولَّون أمرهم من اليتامى،»
(حسنين مخلوف، ۱۰۸) «فليتقوا الله في ذرية غيرهم» (شوقي
ضيف، ١٤٢). والملاحَظ أولًا أن المفسِّرين الخمسة من
القدماء والمحدَثين يستخدمون الأفعال الثلاثة (يخشى –
يخاف – يتقي) في التفسير، محتفظين للتقوى بسياق «تقوى
الله» بمعنى مراعاة حدوده وأحكامه بالإنصاف، ومعاملة
مَن في حِجر الوصي معاملة أبنائه لو أنه تركهم بلا
عائل. والملاحَظ أن المفسرين إذن لا يرَون فارقًا
كبيرًا بين الخشية والخوف، بل إن مخلوقًا يجمع بين
الخشية والتقوى في عبارة واحدة، إما لتأكيد المعنى
ببيان كون الخشية جزءًا من التقوى، أو للجمع بين معنى
الخشية ومعنى التقوى (إذا كان يرى بينهما اختلافًا).
والمشكلة إذن ليست مشكلة تفسير؛ فالمعنى واضح، ولكنها
مشكلة تفريق بين كلمة الخوف العامة (التي ترِد في
القرآن، هي ومشتقاتها، ١٢٤ مرة)، وكلمة الخشية العامة
أيضًا، والتي تشارك الخوف معظم عناصر المعنى (وترِد في
القرآن ٤٧ مرة، هي ومشتقاتها)، وبين كلمة التقوى
ومشتقاتها، التي ترِد في القرآن ٢٥٨ مرة بمعانٍ تكاد
تقتصر على تقوى الله. والطريف أن المعجم الوسيط يعرِّف
التقوى بأنها «الخشية والخوف»، ويضيف أن «تقوى الله
خشيته»، موضحًا أن ذلك يكون «بامتثال أوامره، واجتناب
نواهيه»، فنحن إذن أمام كلماتٍ ثلاث تشترك في صلب
المعنى، ولا تختلف إلا في «الوظيفة» التي يحددها
السياق، ولما كنت مؤمنًا بأن
fear القرآن لا بد
أن تُستمَد من سياقات القرآن نفسها، أو من سياقات اللغة
المعاصرة له، فقد لاحظت من فحص هذه السياقات أن الخشية
تحتل مركزًا وسطًا بين الخوف العام والتقوى؛ إذ يتضمن
الفعل «خشي» ظلًّا من معنى الفعل «خشع»، لا بسبب
التجانس الصوتي وحده، بل بسبب السياقات التي يرِد فيها
الأخير، في ١٧ آية في القرآن الكريم، والمعجم الوسيط
يورد الفعل «خاف» باعتباره من معاني خشع، وهو يعني
أصلًا ذل وانخفض «خشية»، والفعل «خضع» قريبٌ منه (مرتين
فقط في القرآن)، وقد أكون مخطئًا؛ فالقرآن لا يعلم
تأويله إلا الله، ولكن كثرة استعمال الخشية في سياق ذكر
الله وخشيته (٣١ آية ٤٧) يوحي بأن للخشية ظلالًا من
معنى الخشوع لَوْ أَنْزَلْنَا
هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ
خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ
(الحشر: ۲۱) ولو أبدلت الخشية هنا بالخوف لما كان
التوازي في المعنى (الترادف) كاملًا؛ وهكذا يتضح مذهب
نايدا في تحليل البناء الدلالي استنادًا إلى السياق،
فهل راعى ذلك مترجمو
fear
القرآن؟
ولنبدأ بيوسف علي الذي يعمد إلى منهج الإيضاح
«التصريحي»
explicitation،
الذي سوف نعرض له فيما بعد؛ فيدرج في الآية زيادات
إيضاحية محمودة، عوضًا عن المحذوف في لغة الإيجاز
القرآنية (بين قوسين) ويدمج الخشية والخوف في كلمة
واحدة هي fear، ثم
يستخدمها هي نفسها في ترجمة التقوى:
Let them (disposing of an
estate)
Have the same fear in their
minds
As they would have for their
own
If they had left a helpless
family behind:
Let them fear God, and
speak
Words of appropriate
(comfort).
وأما بيكتول، فيترجم الخشية بكلمة
fear، والخوف
بموازٍ لها، وهو afraid
for، ويأتي بتعبيرٍ مختلفٍ تمامًا
للتقوى، وهو to mind one’s duty to
Allah، وهو من باب الشرح المقبول،
لا الترجمة للمعنى كله، فالإنجليزية فيها المقابل
والمماثل والمعادِل — كما سوف يأتي بيانه — إذ يقول
بيكتول:
And let
those fear (in their behaviour towards
orphans) who if they left them weak
offspring would be afraid for them. So
let them mind their duty to Allah and
speak justly.
وإذا حاول القارئ أن يترجم أيًّا من هذَين النصَّين
إلى العربية؛ أي أن يرده إلى اللغة المصدر فيما يُسمى
بالترجمة العكسية
back-translation؛
فسوف يتضح له مدى ضياع معنى الخشية وظلالها الخاصة، فلا
تعبير fear in their
minds يفي بالغرض، ولا
fear وحدها في النص
الثاني التي تُستخدم فعلًا لازمًا محاكاةً لأسلوب
القرآن العظيم، وأنَّى لبيكتول أن يحاكي الإيجاز
المعجز؟
ولكن مَزية النصين — على أية حال — هو إخراج المعنى
المقصود من الآية، على عكس أربري الذي يتبع أبنية الآية
اتِّباعًا حَرفيًّا؛ فيضل، ولا يخرج المعنى؛ إذ يغيب
عنه معنى «لو» ويظنها مرادفة للحرف «إن» أو «إذا»، كما
لا يفطن إلى الإيجاز (بالحذف
ellipsis) الذي
يميز إبداع لغة التنزيل، ثم يحاكي بيكتول في ترجمة
الخشية بكلمة fear
وخافوا عليهم بكلمة
afraid، وهو صحيح،
والتقوى بكلمة fear
أيضًا، وهي لا شك صحيحة من ناحية المعنى الإحالي، الذي
سبق إيضاحه، ولكنها لا تنقل المعنى السياقي الخاص هنا،
يقول أربري:
And let those fear who, if
they left
behind them weak seed, would
be afraid
on their account, and let
them fear
God, and speak words hitting
the mark.
وإلى جانب استخدام
fear فعلًا لازمًا
— وهو ما انتقدته في بيكتول — لا يبيِّن أربري أن
الخشية هي خشية الله، على عكس ما يفعله الدكتور محمد
محمود غالي الذي يخصص كلمة للخشية، وكلمة للخوف، وكلمة
للتقوى، ويضع بين أقواس ما يستكمل به معنى الكلمتين
الأوليين، ولا يشرح مثل يوسف علي، بل يتوقع من القارئ
أن يقرأ الآية مع سابقتها ولاحقتها لإدراك
المقصود:
And let
the ones be apprehensive (of Allah); who,
if ever they left behind them weak
offspring, would fear (poverty) for them;
so let them be pious to Allah, and let
them speak befitting
words.
فالدكتور غالي — المصري العربي — هو الذي استطاع
وحده، بالحدس أو بالمنهج العلمي، أو بهما معًا، تحقيق
مرمى «نايدا» من تحليل عناصر المعنى لكل كلمة من
الكلمات الثلاث. ويتحوَّل نايدا من الكلمة المفردة إلى
بناء الجملة؛ فيظهر مدى تأثُّره بالنحو التوليدي
التحويلي الذي أتى به نعوم تشومسكي، وقد أصبح النموذج
الذي وضعه تشومسكي شائعًا معروفًا، ولكن لا بأس من
تلخيص فحواه؛ فهو يحلل كل جملة بتحديد عدد من المستويات
يتصل بعضها بالبعض، ويحكمها عدد من القواعد، وسوف
نبسطها هنا تبسيطًا شديدًا، فنقول:
-
(١)
إن قواعد بناء الجملة تولِّد
generate
بناءً عميقًا deep
structure.
-
(٢)
وهو يتحوَّل وفقًا لقواعد التحويل
transformation؛
فيقيم علاقة ثابتة بين الأبنية الباطنة
بعضها والبعض (كالبناء للمعلوم الذي
يتحوَّل إلى بناء للمجهول) ومن ثَم يؤدي
إلى
-
(٣)
البناء السطحي النهائي
surface
structure، الذي يخضع
لقواعد صوتية ومورفيمية.
ويعتقد تشومسكي أن علاقات البناء التي يحددها هذا
النموذج لا تختلف من لغة إلى لغة على سطح الأرض، وعلى
مَر الأزمان، وأهم الأبنية الأساسية فيه هي الجمل
النووية kernel
sentences، نسبة إلى النواة (أو
الجوهر)، وهي جمل بسيطة مبنية للمعلوم ومفيدة، ولا تكاد
تحتاج إلى أي تحويل.
ويُدرج نايدا أهم ملامح نموذج تشومسكي في «علم
الترجمة» الذي يرسي أُسسه؛ فهو يقدم إلى المترجم — فيما
يرى — طريقة لحل شفرة
decoding النص
المصدر (الأصلي)، وطريقة لوضع شفرة
encoding النص
المستهدَف (المترجَم)، ولو أنه يعكس الترتيب في نموذج
تشومسكي؛ فيبدأ بتحليل البناء السطحي للنص المصدر حتى
يصل إلى العناصر الأساسية للبناء العميق، ويقوم المترجم
بنقل transfer هذه
العناصر في عملية الترجمة، ثم إعادة بنائها دلاليًّا
وأسلوبيًّا في البناء السطحي للغة المستهدفة.
ويورد نايدا في الكتاب الذي ألَّفه بعد ذلك مع تابر
بعنوان نظرية الترجمة وممارستها (١٩٦٩م) رسمًا
توضيحيًّا، يبيِّن فيه «شكل» هذه الخطوات على النحو
التالي (ص٣٣):
ويؤكد نايدا وتابر في هذا الكتاب المزايا «العلمية
والعملية» لهذا المنهج، خصوصًا إذا قُورن بمحاولة إعداد
قائمة شاملة كاملة لأوجه التعادل بين نظامَين لغويَّين
محددَين (يمثِّلان لغة المصدر ولغة التلقي)، ويعتبر
مصطلح «النواة» kernel
هو المصطلح الأساسي في هذا النموذج، ومثلما كانت «الجمل
النووية» هي أولى الأبنية الأساسية في النموذج
الأوَّلي، الذي وضعه تشومسكي، نجد أن «النَّوى» (جمع
نواة) تمثِّل لنايدا «العناصر البنائية الأساسية التي
تقيم اللغة منها أبنيتها السطحية المعقدة» (١٩٦٩م،
ص٣٩)، والمترجم يصل إلى هذه «النَّوى» عن طريق الاختزال
reduction، أو
التحويل العكسي back
transformation (٦٣–٦٩)، ويتطلب
ذلك تحليلًا تُستخدَم فيه الأنماط الأربعة «للوظيفة»
المستخدَمة في النحو التوليدي التحويلي، وهي:
-
(أ)
الأحداث (التي تؤديها الأفعال
غالبًا).
-
(ب)
الأشياء (التي تؤديها الأسماء
غالبًا).
-
(جـ)
المجردات (الكم والكيف بما في ذلك
الصفات).
-
(د)
العلاقات (بما في ذلك التذكير والتأنيث،
وحروف الجر وحروف العطف).
ويضرب نايدا أمثلة في كتابه الأول (١٩٦٤م) لتوضيح
الأبنية المختلفة الناتجة عن الإضافة (إضافة اسم إلى
اسم بالعربية، وهي التي يُستخدَم فيها الحرف
of بالإنجليزية)،
وسوف أورد نماذج مقابلة لها بالعربية:
-
البناء السطحي: مسيرة القافلة.
-
التحويل العكسي: ب (شيء – القافلة) يؤدي/يفعل أ
(حدثًا – تسير).
أي أن الإضافة هنا تحوَّلت إلى فعلٍ وفاعلٍ، عن طريق
التحويل العكسي للبناء الاسمي إلى بناء نووي (جملة
بسيطة مبنية للمعلوم ومفيدة)، ولا يهم هنا إن كانت
اسمية أو فعلية، (أي سواء قلنا تسير القافلة، أو
القافلة تسير)، بل المهم هو التحويل الذي يوضح المعنى
الكامن في الإضافة، والذي يختلف عن المعنى الكامن في
الإضافة التالية:
-
البناء السطحي: خَلقُ العالم.
-
التحويل العكسي: ب (شيء - العالم) هو غاية أ (حدث -
خلق).
أي أن الإضافة تحوَّلت هنا أيضًا إلى فعلٍ ومفعول
(نائب فاعل في هذه الحالة) عن طريق التحويل العكسي
للبناء الاسمي إلى بناءٍ نووي مفيد، ولا يهم هنا أيضًا
إن قلنا خُلِق العالم، أو قلنا العالم خُلق؛ فالمعنى قد
اتضح من خلال التحويل إلى بناء نووي.
ويزعم نايدا وتابر (١٩٦٩م، ص٣٩) أن في جميع اللغات
عددًا من الأبنية النووية، يتراوح بين ستة أبنية واثنَي
عشر بناء، وهي أبنية نووية أساسية في قولهما، وأن
«اللغات جميعًا تتفق، فيما بينها، على مستوى الأبنية
النووية أكثر مما تتفق على مستوى الأبنية المعقدة»،
ويقولان إن مستوى النواة هو المستوى الذي تُنقَل فيه
الرسالة إلى اللغة المتلقية قبل تحويلها إلى البناء
السطحي على ثلاث مراحل، المرحلة الأولى هي مرحلة «النقل
الحَرفي» literal
transfer، والثانية مرحلة «نقل
الحد الأدنى» minimal
transfer، والثالثة مرحلة النقل
الأدبي literary
transfer، ومن نماذج مراحل النقل
المذكورة المثال الذي يورده نايدا في كتابه الأول
(١٩٩٤م، ص١٨٥–١٨٧)، وهو آية من إنجيل يوحنا (١: ٦)، وهو
كما يلي:
• اللغة المصدر: اليونانية (مكتوبة بحروف
لاتينية).
• النقل الحرفي (المرحلة الأولى)
• نقل الحد الأدنى (المرحلة الثانية)
• النقل الأدبي (المرحلة الثالثة)
(عن ترجمة The American Standard Version
(1901)).
(عن ترجمة Phillips New Testament in Modern
English
(1958)).
والجدير بالذكر أن الترجمة العربية التي عندي (١٩٦٥م)
تورد النص التالي:
كما وجدت في طبعة إنجليزية أخرى للإنجيل، لا يوردها
نايدا، الترجمة التالية:
(من طبعة جامعتَي أكسفورد وكيمبردج
The
Revised English Bible
(1989)).
وأعتقد أن هذه الأمثلة تكفي لإيضاح مذهب نايدا في
التحليل البنائي، ومدى استفادته من علم التراكيب، أو
النحو التوليدي التحويلي، الذي وضعه تشومسكي، وهيمن على
علم اللغة فترة ما. ولكن نايدا لا يقف عند ذلك، بل هو
يتصدى لقضية التعادل تصديًا يُحسب له، من خلال وضعه
لمصطلحَين جديدَين أثَّرا تأثيرًا بالغًا في كتابات
معاصريه، ومن تعرَّض للقضية بعدهم، ، ألَا وهما مصطلح
التعادل الصوري formal
equivalence، والتعادل الدينامي
dynamic
equivalence، إلى جانب مبدأ
التأثير المعادل equivalent
effect.
أما التعادل الصوري، فيحدده نايدا على النحو
التالي:
«التعادل الصوري يركز الانتباه على الرسالة
نفسها، في الشكل والمضمون … إذ ينصبُّ اهتمامنا
على التماثل الدقيق، قدر الطاقة، بين الرسالة
في لغة التلقي، وشتَّى عناصر تلك الرسالة في
اللغة المصدر.»
(١٩٦٤م، ص١٥٩)
ومن ثَم، فإن التعادل الصوري موجَّه إلى اللغة المصدر
وأبنيتها، التي تتحكم إلى حدٍّ بعيد في مدى دقة الترجمة
وصحتها، وأصدق الأمثلة على هذا النوع من الترجمة هو ما
يُسمى «بالترجمة ذات الحواشي» gloss
translation، أي ذات الشروح
الملحَقة بها، وهي التي تقترب كل الاقتراب من بناء
اللغة المصدر. وعادة ما تتضمن هوامش إيضاحية يكتبها
الباحث؛ حتى يتيح «للطالب» المزيدَ من العلم باللغة
المصدر وثقافتها، وأما قولنا «الطالب» لا القارئ،
فمعناه أن هذا النوع من الترجمة كثيرًا ما يُستعمَل في
المعاهد الدراسية.
وأما التعادل الدينامي، فيستند إلى ما يسميه نايدا
«مبدأ تعادل التأثير»، ويشرحه نايدا قائلًا «يجب أن
تكون العلاقة بين المتلقي والرسالة مطابقة إلى حدٍّ
كبير للعلاقة التي كانت قائمة بين المتلقي الأصلي
والرسالة نفسها» (١٩٦٤م، ص١٩)، ومعنى هذا ضرورة تطويع
tailoring الرسالة
للوفاء بالاحتياجات اللغوية والتوقعات الثقافية
للمتلقي، و«أن تهدف إلى أن يكون التعبير طبيعيًّا
تمامًا»، ومبدأ «التعبير الطبيعي» من المبادئ الأساسية
التي يتطلَّبها نايدا، بل إنه يعرِّف هدف «تعادل
التأثير» بأنه السعي لإيجاد «أقرب معادل طبيعي للرسالة
في اللغة المصدر» (وقد تكرر ذلك في كتابه الثاني الذي
وضعه بالاشتراك مع تابر، فورد في الأول (١٩٦٤م) في
ص١٦٦، وفي الثاني (١٩٦٩م) في ص١٢). وهذا المدخل
الموجَّه إلى المتلقي يرى أن جوانب التطويع
adaptation في
النحو والألفاظ والإحالات الثقافية لا غنَى عنها لإخراج
المذاق الطبيعي للنص المترجم، أي أن اللغة المستهدَفة
يجب أن تبرأ من آثار تدخُّل
interference اللغة
المصدر، ويجب التقليل، إلى الحد الأدنى، من الطابع
الأجنبي للغة المصدر (١٩٦٤م، ص١٦٧ و١٦٨)، وهو ما تعرَّض
للنقد فيما بعد من بعض علماء الترجمة.
ويقول «نايدا» إن نجاح الترجمة يعتمد، أولًا وقبل كل
شيء، على تحقيق «الاستجابة المعادلة»، وإن ذلك أحد
«المتطلبات الأساسية الأربعة في الترجمة»، وهي
(ص١٦٤):
-
(١)
أن يكون لها معنًى.
-
(٢)
وأن تنقل روح الأصل وأسلوبه.
-
(٣)
وأن يكون شكل التعبير بها طبيعيًّا،
ويسيرَ المأخذ.
-
(٤)
وأن تُحدِث تأثيرًا مماثلًا.
ولكن نايدا لم يسلَم من الانتقاد، على الرغم من جهوده
المحمودة لتخليص نظرية الترجمة من فكرة معادلة الألفاظ
معادلةً صارمةً فيما بين اللغات؛ فمفهوم التعادل
الصوري، ومفهوم التعادل الدينامي، هما المسئولان عن
إدخال عنصر «استجابة القارئ» في نظرية الترجمة، وهو
عنصر ما لبث أن تسرَّب إلى نظرية النقد الأدبي الحديثة،
وانتشر من ألمانيا إلى أمريكا! وقد انتقده كثيرون، من
بينهم ليفيفير (١٩٩٣م) لأنه يعتمد، في تحديد التعادل،
على مستوى الألفاظ المفردة، ولو عولجت في سياقاتٍ
مختلفة، وانتقده فان دن بروك Van den
Broeck (۱۹۷۸م)، ولاروز
Larose (۱۹۸۹م)،
لافتراضه إمكان تحقيق «تأثير معادل»؛ إذ كيف يمكن قياس
ذلك التأثير، ومن هم القراء الذين سوف يتأثرون؟ وكيف
يمكن للنص أن يُحدِث التأثير المعادل في قراء ينتمون
لثقافاتٍ مختلفة وأوقاتٍ مختلفة؟ والواقع أن مسألة
التعادل كلها تتضمن حتمًا بعض الأحكام الذاتية من جانب
المترجِم، أو مَن يتولى تحليل النصوص المترجمة.
ويقول منداي (۲۰۰۱م، ص٤٣) إن ذلك العنصر الذاتي يثير
التساؤلات عما إذا كانت نظرية الترجمة التي وضعها نايدا
«علمية» حقًّا، فإذا كانت الطرائق التي يصفها في تحليل
الدلالة والأبنية طرائق منهجية، ومن ثَم، فهي علمية،
فالمشكوك فيه إذا كان المترجم يتبع في الواقع هذه
الطرائق في ترجمته العملية للنصوص. ولقد تعلَّمتُ من
ممارستي الشخصية للترجمة أن اكتساب هذه الطرائق قد يأتي
عن طريق التجربة والخطأ، أو الحدس، أو عن طريق التحليل
المتأني؛ ولذلك قلت إن الدكتور غالي نجح في ترجمته، إما
بفضل الحدس، أو المنهج العلمي، أو بفضلهما معًا، ونايدا
على وعي بما يسميه «الحساسية الفنية، وهي عنصر لا غنَى
عنه لأي ترجمة ممتازة لعملٍ أدبي» (١٩٦٤م، ص٣).
وسوف أضرب صفحًا عن انتقادات جنتزلر
Gentzler — الناقد
التفكيكي — في كتابه نظريات الترجمة المعاصرة (١٩٩٣م)،
لأنها انتقادات أيديولوجية، تنكر على نايدا عمله في
إطار المذهب البروتستانتي (وتنكر عليه في الواقع
الإيمان الديني). ومن الغريب أن يتعرَّض نايدا أيضًا
لانتقاداتٍ من جانب بعض الجماعات الدينية، التي تقول إن
أي تطويعٍ للنص في الترجمة، (وهو في حالة نايدا الكتاب
المقدس) مما يتطلبه التعادل الدينامي، يُعتبَر من باب
«العبث» بكلمات الله، ومن ثَم لا بد من إدانته. ولكن
نايدا مترجم محترف؛ ألمَّ بدقائق «الصنعة»، واستطاع أن
يأتي بمنهجٍ لم يسبقه إليه أحد، وقد أثَّر في الكثيرين
من بعده، ومن أهمهم بيتر نيومارك
Newmark في
إنجلترا، وفيرنر كولر
Koller في
ألمانيا.
ومعظم الدارسين العرب يعرفون بيتر نيومارك بسبب
نظريته عن الترجمة الدلالية
semantic، والترجمة
التوصيلية
communicative، وإن
اختلط عليهم المفهومان اللذان لا تدل الكلمات على
فحواهما. وكان نيومارك قد وضع في عام ١٩٨١م كتابًا
بعنوان مداخل إلى الترجمة Approaches to
Translation، وفي
عام ۱۹۸۸م كتابًا آخر بعنوان كتاب تعليمي في الترجمة
A
Textbook of
Translation. وقد
استُخدم الكتابان، وما زالا يُستخدمان، على نطاقٍ واسعٍ
في تدريس الترجمة (بل ما زال نيومارك يدرس الترجمة في
جامعة سَري Surrey في
إنجلترا)، وهما يضمان إلى جانب النظريات اللغوية للمعنى
بعض التطبيقات العملية. ويختلف نيومارك عن نايدا في
تركيز الأخير على تأثير النص المترجَم في القارئ،
قائلًا إن نجاح تعادل التأثير، الذي قال به نايدا، نجاح
«وهمي»، وإن «التنازع في الولاء — أي الفجوة القائمة
بين التأكيد على اللغة المصدر، والتأكيد على اللغة
المستهدَفة — سوف يظل دائمًا يمثِّل المشكلة الرئيسية
في نظرية الترجمة وممارستها» (۱۹۸۱م، ص٣٨)، ومن ثَم،
فهو يقترح تضييق الفجوة بالاستعاضة عن المصطلحات
القديمة بمصطلحَين آخرَين، هما الترجمة الدلالية
والترجمة التوصيلية قائلًا:
«إن الترجمة التوصيلية تحاول أن تؤثر في قراء
الترجمة تأثيرًا يقترب قدر الطاقة من تأثير
النص الأصلي في قرائه، وأما الترجمة الدلالية،
فهي تحاول أن تنقل — بقدر ما تسمح به الأبنية
الدلالية والتركيبية للغة الثانية من الأمانة —
المعنى السياقي الدقيق للأصل.»
(١٩٨١م، ٣٩)
وهذا التعريف، أو الوصف، للترجمة التوصيلية يشبه
«تعادل التأثير» عند نايدا فيما تفترضه الترجمة
التوصيلية من محاولة نقل تأثير النص الأصلي إلى قراء
النص المترجم، كما أن هناك بعض أوجه الشبه بين الترجمة
الدلالية، وما يطلِق عليه نايدا تعبير التعادل الصوري،
ولكن نيومارك لا يقبل مبدأ تعادل التأثير كاملًا،
قائلًا إن مثل هذا التأثير «يصبح عاطلًا
inoperant إذا خرج
النص عن الإطار المكاني والزمني للغة المستهدَفة»
(۱۹۸۱م، ص٦٩) والمثال على ذلك ترجمة نص قديم، مثل نص
ملحمة الإلياذة أو الأوديسة لهوميروس، إلى قراء العربية
مثلًا بلغة معاصرة، فمن المحال القطع بأن هذه الترجمة
سوف تُحدث في نفوس القراء نفس تأثير الملحمة الأصلية في
نفوس سامعيها في بلاد اليونان القديمة. كما يطرح
نيومارك (ص٥١) أسئلة أخرى بشأن القراء الذين يتوجه
إليهم «نايدا» بالتعادل الدينامي؛ إذ يتساءل عما إذا
كان المترجم سوف ييسر على القارئ مأخذ النص المترجَم،
ويشرح لهم — ولو ضمنًا — كل ما فيه. ويميز نيومارك بين
الترجمة الدلالية والترجمة الحَرفية (اللتين يمكن أن
تتشابها في عين القارئ المتعجل لكتابه)، قائلًا إن
الترجمة الدلالية «تحترم السياق»، وهي تفسر، بل وتشرح
(الاستعارات مثلًا)، في حين تقتصر الترجمة الحَرفية على
ترجمة الألفاظ، بل وفي حالاتها المتطرفة تنقل أبنية
الجمل دون تغيير. ويفاجئنا نيومارك بدعوته إلى الترجمة
الحَرفية — وهي التي نفهم من كتابه أنها تعني «الترجمة
الأمينة» — قائلًا إنها أفضل منهج عملي في كلٍّ من
الترجمة التوصيلية والدلالية (ص٣٩). وندرك من سائر
أقواله أنه يعني بذلك ما يعنيه ليفي
Levy (في مقالٍ
بعنوان «الترجمة باعتبارها مجالًا لاتخاذ القرار»، في
كتاب House ۲۰۰۰م)، وما
يعنيه توري (١٩٩٥م) فيما قالاه من عمل المترجم (وأشهد
استنادًا إلى خبرتي الشخصية بصحته) وهو أن ضيق الوقت،
وظروف العمل، تُرغم المترجم على ما يُسمى «تعظيم كفاءة
العمليتين المعرفيَّتين»، وذلك بتركيز طاقته في معالجة
المشكلات العويصة حقًّا، وبذل جهود أقل في ترجمة سائر
أجزاء النص التي يمكن نقلها بسهولة، ودون إضرار،
باستواء أسلوب الترجمة ووضوحه من خلال الترجمة
الحَرفية. وسوف أضرب المثال لذلك بالعبارة التي وضعتها
بين أقواس، وأكدتها في الجملة السابقة، وهي التي
ترجمتها عن الإنجليزية، ألَا وهي:
to maximize the efficiency
of the cognitive
processes.
لقد ترجمتها ترجمةً حَرفية؛ فخرجت في صورة غير مألوفة
في العربية التراثية، وتتضمن الكلمة التي شاعت «تعظيم»
(انظر كتابي مرشد المترجم، ٢٠٠٠م)، والكلمة الشائعة
الأخرى «عملية» (وكثيرًا ما تكون من قبيل الحشو)،
والصفة الجديدة «المعرفي» (نسبة إلى المعرفة)، وهي
ترجمة ثقيلة على السمع واللسان والفهم، وكان يمكن أن
أترجمها قائلًا: «لزيادة قدرة المترجم — إلى أقصى حدٍّ
ممكن — على فهم النص، وترجمة معناه كاملًا»، ولكنني —
للتدليل على التنازع بين الترجمة الدلالية، التي تقترب
من الحَرفية، وبين الترجمة التوصيلية — تعمَّدت نقلها
نقلًا حَرفيًّا. ولا شك أن الترجمة التوصيلية (الثانية)
أيسر في الفهم. والواقع أن نيومارك يعي هذه المشكلة
تمامًا؛ فينص على أنه إذا نشأ تنازع بين النوعَين من
الترجمة، أي إذا كانت الترجمة الدلالية سوف تُخرج نصًّا
غير سويٍّ، أو سوف تعجز عن تحقيق تعادل التأثير في
اللغة المستهدَفة؛ فلا بد من اللجوء إلى الترجمة
التوصيلية. وهو يضرب المثال لذلك بالتعبير الألماني
Bissiger Hund،
والفرنسي Chien
mechant، وهما
يترجمان بالتعبير الإنجليزي beware the
dog، لا بتعبيرَي «كلب يعض» و«كلب
شرير» على الترتيب، ونحن نترجم هذه اللافتة الشائعة
بتعبير «احترس من الكلب»! ولكنني سوف أعود إلى المثال
الذي ضربته في هذه الفقرة آنفًا، لأبيِّن كيف تختلف
الترجمة الدلالية عن التوصيلية؛ فأول ما تختلف فيه هو
أن الترجمة الدلالية:
-
(١)
تنقل أسلوب تفكير الكاتب كما هو (في
العبارة السابقة: فعل «مصدر يعمل عمل
الفعل» + مفعول «مضاف» + مضاف إليه + صفة)،
وبالألفاظ نفسها، وهي شائعة في اللغة
الأصلية، ومن ثَم فهي؛
-
(٢)
وثيقة الصلة بالثقافة الغربية، وتوحي
بها، والترجمة العربية لهذه الألفاظ
الاصطلاحية الجديدة،
-
(٣)
ليست ثابتة في زمنٍ معينٍ، أو مكانٍ
معين، وربما حلَّت محلها مصطلحات أخرى
غدًا، وربما كانت أقل دقة،
-
(٤)
أي أن هناك فقدانًا لجزءٍ من «التأثير»
أو «المعنى»، والترجمة العربية،
-
(٥)
معقَّدة ومركزة، وتكاد تكون ركيكة لقارئ
الفصحى الرشيقة الأنيقة، ولكنها مع
ذلك،
-
(٦)
دقيقة، وقد يستسيغها بعض أصحاب العلوم
المتخصصة لتدريب القراء العرب على إدراك
أسلوب هذا اللون من الكتابة العلمية؛ فهو
أسلوب مألوف في الاقتصاد مثلًا (من العلوم
الإنسانية)، وفي العلوم الطبيعية
(كالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا … إلخ).
وقد يجد بعض نقاد الأسلوب الإنجليزي أن
التعبير الأصلي ليس سلسًا بسبب التكلُّف
فيه، والنص الذي أخرجته الترجمة
الدلالية،
-
(٧)
ينقل هذه الخصيصة.
وفي مقابل ذلك، نجد أن الترجمة التوصيلية:
-
(١)
لم تتقيَّد بالبناء الأصلي للجملة؛
فاعتمد المترجم فيها على فهمه الخاص
(الذاتي) للنص، وتوجه فيه إلى القارئ
العربي وإلى ثقافته العربية، دون التزام
بأسلوب تعبيره، وهي،
-
(٢)
تقطع الصلة بأسلوب الفكر الغربي، بل
تحوِّله إلى أسلوب فكر عربي، مثل تحويل
تعبير «العمليتين المعرفتين» إلى تعبيرَي
«فهم النص» و«ترجمة معناه»، ومن ثَم، فهي
تتبع خُطى الثقافة العربية في التقسيم
والموازاة والإيضاح، وهي،
-
(٣)
ترتبط بالفصحى المعاصرة في الوطن العربي،
خصوصًا في الجناح الشرقي من الوطن العربي،
ولكنها،
-
(٤)
تنقل المعنى كاملًا، بل ربما تفوقت في
التعبير على النص الأصلي، فهي،
-
(٥)
أكثر سلاسة وبساطة ووضوحًا ويسرًا،
وأسلوبها مباشر، وهي،
-
(٦)
تنقل المعنى بدقة إلى اللغة العربية
و…
-
(٧)
لا تكترث بالتكلُّف، أو التعقيد، في النص
الأصلي؛ فتبتعد عن هذا وذاك، وتراعي معايير
التعبير العربية.
ويؤدي بنا استقراء هذه الخصائص السبع إلى ما ينتهي
إليه نيومارك من أن الترجمة التوصيلية تصلح للغالبية
العظمى من النصوص، أي النصوص غير الأدبية، والكتابات
العامة الإخبارية والمهنية والدعاية والنصوص النمطية،
وأن الترجمة الدلالية تصلح لترجمة الأدب الجاد، وأدب
السيرة الذاتية وأدب «الخاطرة» personal
effusion أو «النفثات الذاتية»،
والبيانات السياسية المهمة، أو ما يجري مجراها. ولكن
الدكتورة جانيت عطية أثبتت في مقدمتها لترجمة مجنون
ليلى (أحمد شوقي) إلى الإنجليزية أن خطوط الفصل بين
النوعين غير حاسمة، فقد يجمع النص الأدبي المترجَم بين
عناصر تنتمي إلى النوعَين معًا، وسوف أورد ترجمة مقطوعة
قصيرة للشاعر وردزورث
Wordsworth يجتمع
فيها عدد من العناصر، التي تنتمي إلى هذه الترجمة وتلك
معًا:
الحادث المثير ليس صنعتي،
وأن أجمِّد الدماء في العروق ليس في
يدي،
لكن متعتي إذا أظلَّتني ظلال الصيف
وحدي،
في عزف لحن ساذج لكل قلبٍ يهتدي!
وهذا هو الأصل الإنجليزي (النص
المصدر)
The moving accident is not
my trade,
To freeze the blood I have
no ready arts;
Tis my delight, alone in
summer shade,
To pipe a simple song for
thinking hearts!
فإذا حاولنا تطبيق نظرية الترجمة
الدلالية وحدها، وجدنا أن المترجِم لا يستمسك دائمًا
بأبنية الألفاظ، رغم أنه يحافظ على الوزن والقافية،
وهما من أهم عناصر الشعر المنظوم، بل هما عماد النَّظم،
وهو يضيف شِبه جملة في البيت الثاني إضافةً تنتمي
للترجمة الدلالية، ولا يتطلَّبها الوزن، بل هي مضافة
للإيحاء بالثقافة العربية المعاصرة، وكان يمكنه أن يقول
«وأن أجمد الدماء ليس في يدي»، مثلما يقول وردزورث، بل
إن «في يدي» نفسها ترجمة توصيلية لمعنى العبارة
الإنجليزية، وهو يضيف فعلًا في البيت الثالث طبقًا
لمقتضيات مصطلح اللغة العربية، ويستخدم تعبيرًا ذا جذور
ثقافية عميقة في ترجمة thinking
heart؛ أي أنه يتخطى الحرفية
الدلالية ليقدم صورة توصيلية للمعنى. والواضح إذن أن
الحدود التي يضعها نيومارك حدود نسبية وغير مطلَقة، وهو
لا يقول إنها مطلقة، ولكنه يرى أنها تمثِّل اتجاهَين
عامَّين، يمكن للقارئ أن يفسر في إطارهما المصطلحات
الأخرى، القديمة والجديدة، فهو يفسر بهما المصطلحَين
اللذين وضعتهما جوليانة هاوس Juliane
House، وهما الترجمة السافرة
overt والمستتِرة
covert.
ونيومارك قد تأثر، ولا شك، بكتابات نايدا في الموضوع،
غير أنه لم يجد في مذاهب علم اللغة الحديث غايته؛ فلم
يلجأ، مثل نايدا، إلى مصطلح اللغويات، وهو يقر بهذا،
فقراءته يسيرة على غير المتخصصين في اللغويات، ومن
المفارقات أن يكون هذا اليسر نفسه سببًا في إعراض دارسي
الترجمة المحدثين عن نظريته، على جاذبيتها واتفاقها مع
واقع الممارسة العملية، فلقد نبَّهني تمييزه بين
النوعين إلى السر في إجماع المترجمين الأوروبيين
(للآداب الأوروبية وغيرها) على ترجمة الشعر المنظوم
نَظمًا، والنثر نثرًا، ولديَّ خمس ترجمات إنجليزية
لمسرحية فاوست Faust، التي
أبدعها شاعر الألمانية الأكبر جوته
Goethe، كلها
منظومة، وقس على ذلك ترجمات جوته نفسه لمسرحيات شكسبير،
فهي منظومة، إن كان الأصل نَظمًا، ومنثورة في الأجزاء
المنثورة من هذه المسرحيات، وكذلك ترجمات وردزورث عن
اللاتينية (جوفينال)، وعن الإيطالية (ميكيلانجلو)
وغيرهما، وبطبيعة الحال ترجمة درايدن وبوب للملاحم
الكلاسيكية، على نحو ما سبق ذكره، وهو ما يؤكد أن
الترجمة الدلالية سادت تفكير العصرَين؛ أي عصر
الكلاسيكية الجديدة والعصر الرومانسي في القارة
الأوروبية، وما زالت سائدة في وقتنا الحالي؛ فالإخلاص
للنص الأصلي في حالة الأدب من السمات الأساسية للترجمة
الدلالية، وهل هناك ما يميز النظم أكثر من كونه نَظمًا،
وتتجلَّى أهمية ذلك بوضوحٍ كبير حين نقارنه بالاتجاه
الغالب في العربية إلى ترجمة كل شيء إلى النثر، والنثر
بالفصحى المعاصرة تحديدًا؛ فهو يدلك على أن الاتجاه
لدينا يحبِّذ الترجمة التوصيلية، التي تعتبر الأدب
كتابة عادية؛ فتنقل المعنى أو «المضمون»، دون الشكل
الفني أو الأسلوب، وأما أهمية الشكل الفني في الأدب،
فيتضح من القصيدة القصيرة التالية للشاعر الإنجليزي
وليم بليك
Blake:
O Rose! Thou art
sick!
The invisible
worm,
That flies in the
night,
In the howling
storm,
Has found out thy
bed
Of crimson
joy,
And his dark secret
love
Does thy life
destroy!
القصيدة تتكوَّن من «جملتين مفيدتين»
بلغة النقد القديم (بل والحديث)؛ فالجملة الأولى
تتكوَّن من منادَى مفرد ومبتدأ وخبر في سطر واحد،
والجملة الإنجليزية الثانية جملة مزدوجة
compound، تمتد على
مدى سبعة أسطر، وتتكوَّن من جملتَين ترتبطان بحرف العطف
and، والسطور
الثمانية تُعتبر شطرات في أربعة أبيات، لكل بيتَين منها
قافية في الشطر الثاني، فأما القافية الأولى، بين
worm
وstorm، فهي تسمى
قافية ضعيفة weak
rhyme؛ لأن الكلمتين تختلفان في النطق،
وأما القافية الثانية، فهي القافية الأساسية
joy
وdestroy، والبحر
المستعمل هو بحر «الأيامب»
iambic، الذي يسمح
بزحافات وعِلل كثيرة، أهمها دخول إيقاع «الأنابيست»
anapaest فيه،
وعِلة الحذف، وتكرار ذلك له دلالته الإيقاعية، أي أن
الشاعر يكاد يقترب من «إيقاع النبر»
stress rhythm
القديم، وهو الذي أحياه ت. س. إليوت في الشعر الحديث،
وهو الإيقاع الذي يعتمد على عدد المقاطع المنبورة
stressed syllables
في السطر، أكثر من اعتماده على عدد المقاطع في السطر
الواحد، والترجمة الدلالية إذن تقتضي نقل دلالة النَّظم
في حدود نظام الإيقاع الخاص باللغة العربية (اللغة
المستهدَفة)، إلى جانب نقل القافية في اللغة العربية
بالنسق الإنجليزي نفسه، وإلى جانب نسق بناء الجملتَين،
وهو البناء الذي يساعد الشاعر على تقديم لوحة ثابتة في
الزمن (الحاضر)، أي على الاقتراب من فن التصوير،
والابتعاد عن فن الموسيقى، الذي يعتمد على توالي
اللحظات الزمنية، فكأنما يقدم إلينا حدثًا يقع أمامنا
بتفاصيله في لحظة ثابتة! وفيما يلي ترجمة دلالية لم
تخلُ من لمسة توصيلية في البيت الأخير:
أيتها الوردة! أنت عليله!
فالدودة الخفية،
التي تطير ليلًا،
حين تعوي العاصفه،
قد عثرت على مهادك الذي،
تزينه أفراحه الورديه.
وحبها الجهم الدفين،
يمتص الحياة من عرق الوتين!
فأما المعنى الذي «يصل» إلى القارئ،
فهو تحوُّل الحب الذي يفترض الجميع أنه سبيل التكاثر،
ومن ثَم سبيل الحياة، إلى عاطفة «مدمِّرة»؛ فنجد أن حب
كائن لكائن آخر يمتص دم حياته! والاختلافات الثقافية
تمنع من النقل «الأمين» لكل شيء، مثل معاملة الشاعر
الإنجليزي للدودة معاملة المذكر، ولذلك دلالته على
افتراض أن الوردة مؤنثة؛ لارتباطها في الأدب (الإنجليزي
وغيره) بالغادة الحسناء، ومن ثَم يضيع ظلٌّ من ظلال
المعنى الذي تؤكده التورية في كلمة
bed، التي تعني حوض
الورود a bed of roses،
وتعني الفِراش أيضًا، وقد يكون المعنى الأخير هو
المقصود (قد عثرت على فراشك)، ولكن اختيار الكلمة
الأخيرة يقتضي إيجاد مذكر للدودة، أو لأي حشرة، وقد
يكون المقصود هو «الحُباحب» glow
worm ولكن «الحُباحب» تُعامَل في
المعاجم معاملة الجمع — كما في اللسان — ويقال أبو
حُباحب وأم حُباحب، يقول ابن منظور:
وقيل الحُباحب: ذباب يطير بالليل كأنه نار، له شعاع
كالسراج … قال الكميت، ووصف السيوف:
يرى الراءون بالشفرات منها
كنار أبي حُباحب
والظُّبينا
وإنما ترك الكميت صرفه لأنه جعل حُباحب
اسمًا لمؤنث. قال أبو حنيفة لا يعرف حُباحب، ولا أبو
حُباحب، ولم نسمع فيه عن العرب شيئًا، ويزعم قوم أنه
اليَراع، واليراع فراشة إذا طارت في الليل، لم يشك من
لم يعرفها أنها شررة طارت عن نار … وأم حُباحب دُويبَّة
مثل الجندب تطير، صفراء خضراء …»
وسواء كانت الحُباحب مذكرًا أو مؤنثًا، (فالمعاجم لا
تحسم المسألة)، فإن استخدام الكلمة للإيحاء بالمذكر غير
مضمون العاقبة «فإن ذلك الحُباحب الخفي/طائرًا بالليل/حين تعوي العاصفة … إلخ.» لأن الكلمة
غير شائعة، ولا
مألوفة، ومن شأنها إعاقة توصيل المعنى بسهولة ويسر،
وإذا نشأ تنازع بين «الدلالية» و«التوصيلية»؛ فلا بد من
غلبة الأخيرة، ويشهد على ذلك البيت الأخير.
ومع ذلك، فالترجمة ترجمة دلالية في المقام الأول،
لأنها تنقل الشكل بأقصى قدرٍ من الأمانة، مثلما تنقل
معنى المفارقة الشعرية التي يريدها الشاعر، والشكل
بنائي structural
وإيقاعي rhythmical،
فالبحر هو الرجز الذي يسمح بزحافاتٍ كثيرة، بل يسمح
بالإيحاء ببحورٍ أخرى، مثل إيحائه في البيت الأول ببحر
الخبب، ومثل تحوُّله إلى الهزج في التفعيلة التي تربط
بين البيتَين الأخيرين، والشكل يتضمن أيضًا أبنية
للعبارات، وهي متماثلة في النصين، باستثناء ما يتعذَّر
إيجاد المعادِل له بالعربية. وقضية التعادل ترتبط
ارتباطًا وثيقًا بقضية المقابلة
correspondence،
وهي القضية التي تعرَّض لها وكولر
Koller في ألمانيا،
أحد الذين تأثروا بمذهب نايدا تأثرًا كبيرًا.
وكولر أحد الدارسين الذين اقتبسوا مصطلح نايدا الشهير
«علم الترجمة» حتى شاع في ألمانيا
Ubersetzungswissenschaft؛
فذاعت في السبعينيات والثمانينيات أسماء فولفرام فيلس
Wolfram Wilss،
وأوتو كادي Otto Kade
وألبرت نُويبار Albert
Neuber (وكان الأخيران من ألمانيا
الشرقية قبل التوحيد)، وأما كولر، فهو أهم من أجرى
بحوثًا في قضية «المقابلة» في كتابٍ أصدره عام ١٩٧٩م،
بعنوان بحوث في علم الترجمة يفحص فيه فحصًا دقيقًا
مفهوم «التعادل» الذي سبق ذكره، والمصطلح الذي يرتبط به
ارتباطًا وثيقًا، وهو «المقابلة».
أما المقابلة
correspondence،
فتنتمي إلى مجال اللغويات التقابلية
contrastive
linguistics التي تقارن نَظم لغتين
مختلفتين، وتحدد أوجه الاختلاف والتشابه، وهو يضرب
أمثلة من التداخل بين اللغات، أو الخلط بينها، لأسبابٍ
تتعلق بالألفاظ أو التراكيب، وأما التعادل، فينتمي إلى
معادلة كلمات أو تعبيرات أو مصطلحات في لغتين محددتين
وسياقَين معينين، ومعاييره هي المعايير التي وضعها
سوسير للغة المنطوقة أو المكتوبة فعلًا، أي للكلام
parole. ويقول كولر
إنه إن كانت معرفة «المقابلات» دليلًا على الإحاطة
باللغة الأجنبية، والمقدرة فيها
competence (ولا
غرو فهي تنتمي إلى البناء اللغوي الذهني
langue)، فإن معرفة
«المعادلات»، والقدرة على استعمالها، دليل على المقدرة
في الترجمة. وأما تحديد هذه المعادلات، فيخصص له كولر
خمس صفحات تقريبًا في كتابه المذكور، ونوجز أقواله فيما
يلي:
-
(١)
التعادل التحديدي
Denotative
equivalence:
وهو يتناول
fear
الألفاظ المحددة بغض النظر عن طبيعة النص،
أي مضمون الألفاظ المحدد (الهواء
air)،
ويقول إن الدارسين الآخرين يصفون ذلك بثبات
المضمون content
invariance و
-
(٢)
تعادل ظلال المعنى
Connotative
equivalence:
وهو يتعلق باختيار لفظة دون لفظة تكاد تكون
مرادفة لها، وفقًا لما يراه المترجم من هذه
الظلال في النص الأصلي (المصدر)، والنص
المترجَم (المستهدَف)، ويقول إن الآخرين
يسمونه التعادل الأسلوبي
stylistic
equivalence (انظر
مثال ترجمة الآية من سورة النساء آنفًا)
و…
-
(٣)
تعادل النصوص
المعيارية
Text-normative
equivalence:
ويرتبط ذلك بأنماط النصوص، وكيف يختلف عمل
النص باختلاف نوعه، وهو ذو صِلة بالتقسيم
الذي وضعته كاترينا رايس لأنماط النصوص
(النص الإخباري أو التعبيري أو الداعي
مثلًا) و
-
(٤)
التعادل
التداولي: أو «التعادل
التوصيلي» وهو الموجه إلى متلقي النص أو
الرسالة، وهذا هو ما يسميه نايدا «بالتعادل
الدينامي» و
-
(٥)
التعادل الصوري
Formal
equivalence:
وهو المتعلق بشكل النص وجمالياته، بما في
ذلك حيل التورية اللفظية
word
play، والمعالم
الأسلوبية المميزة للنص الأصلي (انظر قصيدة
«الوردة العليلة» لبليك)، وهو يشير إليه في
دراساتٍ أخرى باسم «التعادل التعبيري»،
ولكننا يجب ألَّا نخلط بينه وبين المصطلح
الذي وضعه نايدا.
ويحدد كولر لكل جانبٍ من جوانب التعادل المذكورة
مجالًا للبحث؛ فمجال بحث التعادل التحديدي هو دلالة
الألفاظ، ومجال بحث تعادل ظلال المعنى هو بحث الأبعاد
الإضافية لدلالتها، مثل المستوى اللغوي (فصحى، معاصرة،
عامية … إلخ)، والاستعمال الجاري، والتأثير الأسلوبي
(قديمة حديثة، محايدة … إلخ) ودرجة الشيوع، والمدى
(الدلالة العامة أو الفنية أو الاصطلاحية … إلخ)،
وتقدير القيمة، وإثارة المشاعر، ومجال بحث تعادل النصوص
المعيارية هو اختلاف المعنى باختلاف أنماط الاستعمال،
وفقًا لنوع النص وحالات التوصيل، ومجال بحث التعادل
التداولي هو تحليل ظروف التوصيل وشرائطه بين الجماعات
المختلفة التي تتلقَّى النصَّين — الأصلي والمترجَم —
وأحوال كل جماعة، وتأثير ذلك في تشكيل النص المترجَم،
ومجال بحث التعادل الصوري هو تحليل إمكانات التعادل في
القافية والاستعارة وبحور الشعر، وغير ذلك من الجوانب
الأسلوبية والشكلية للنص. وبعد أن ينتهي كولر من تفصيل
القول في هذه الجوانب المتعددة للتعادل، يشرح فائدة
كلٍّ منها للمترجِم، ودور «نظرية الترجمة» في ذلك
قائلًا:
«عند تناول النص ككل، بل عند تناول كل جزء من
أجزاء النص، يجب على المترجم الذي يُقدِم
واعيًا على أي خيار من هذه الخيارات، أن ينشئ
بناءً هرميًّا، يحدد أولويات القِيَم التي عليه
الحفاظ عليها في الترجمة، وأن ينشئ على أساس
هذا البناء هرمًا آخر لأولويات التعادل، التي
يتطلَّبها للنص، أو لأي جزء من أجزائه، ولكن
يجب أن يسبق ذلك كله تحليل للنص من زاوية
الترجمة. ومن المهام العاجلة في نظرية الترجمة،
بل من المهام التي لم تحظَ حتى الآن إلا
بدراساتٍ مبدئية فحسب، وضع منهاجٍ، وإنشاء جهاز
نظري لهذا النوع من التحليل النصي، وتجميع
وترتيب مثل هذه التحليلات، من حيث أنماط ملامح
النص ذات العلاقة بالترجمة.»
(عن الترجمة الإنجليزية الصادرة عام
١٩٨٩م، بعنوان «التعادل في نظرية الترجمة»،
ترجمة أ. تشسترمان في الكتاب الذي حرَّره
بعنوان «قراءات في نظرية
الترجمة»)
والعبارات التي يؤكدها كولر في هذه الفقرة (وطبعت هنا
بالبنط الأسود الثقيل) بالغة الأهمية لكل مترجم، أي أن
على كل مترجم أن يضع لنفسه الأولويات الخاصة بكل نص؛
ففي إطار هذا النص نفسه كانت أولى أولوياتي في الترجمة
هي الوضوح الكامل للمعنى، فالنص الذي ترجمته مترجَم عن
الألمانية، والألمانية لغة مولعة بالتجريد، ومثل هذه
اللغة التجريدية عسيرة في العربية، لأننا لم نعتدها في
اللغة التراثية، ولاقتصار استعمالها في الفصحى المعاصرة
على لغة العلوم الحديثة، مثل السياسة والاقتصاد؛ ولذلك
لم أتردد في إضافة كلمة الأولويات مرتين في العبارات
التي أكدها كولر، فالنص الإنجليزي (المترجَم عن
الألمانية) للعبارة الأولى هو:
a hierarchy of values to be
preserved in
translation.
وقد يترجمها مترجِم آخر على هذا النحو «بناء
تنازلي/تصاعدي للقِيَم، التي لا بد من الاحتفاظ بها في
الترجمة»، أو قد يستعمِل مترجِم آخر لفظة «المراتبية»،
التي سمعتها أول مرة عام ١٩٧٥م، وربما كانت لا تزال
شائعة. أما «الأولويات»، فهي كلمة يسيرة لن ترهق القارئ
في الفهم، وهي المعنى المقصود (الأهم فالمهم)، ولم أشأ
أن أحذف أي كلمة من النص الأجنبي استنادًا إلى وضوح
تعبير «البناء الهرمي للأولويات».
كانت الأولوية هنا هي الوضوح؛ فالنص إخباري
informative، أي
ينقل الكاتب فيه «معلومات» أو «أفكارًا» معينة إلى
القارئ، والتعادل الذي أنشده في ترجمة أمثال هذا النص
هو النوع الأول (التعادُل التحديدي) (في مقابل التعادُل
الصوري الذي لا يهمني)، والنوع الرابع (التداولي)
المرتبط بالنوع الثالث (تعادُل النصوص المعيارية) (في
مقابل تعادُل ظلال المعنى)، أي أن أولوياتي هي الأول،
فالرابع، فالثالث، فالخامس، فالثاني، بمعنى أنني، حتى
إذا لم أكترث لشكل الجمل وأبنيتها (التعادُل الصوري)،
أو إذا أهملت ظلال معنى كلمة من الكلمات (كلمة جهاز
apparatus مثلًا)،
فلن يخسر النص المترجَم كثيرًا؛ لأن أولى أولوياتي، وهي
تحديد المعنى المقصود، قد تحققت في نظري.
ويختلف الأمر عند ترجمة قصيدة مثلًا، ولأضرب المثال
ثانيًا بقصيدة مشهورة من قالب «السونيت»، وسوف أوردها
بعد هذه المقدمة الموجزة: أولى الأولويات في ترجمة
الشعر هي تحقيق الغاية الشِّعرية في إطار النص
التعبيري، طبقًا للنوع الثاني (تعادل النصوص
المعيارية)، ويتضمن ذلك التعادل الصوري (النوع الخامس)،
وتعادل ظِلال الدلالات (النوع الثاني)، وبطبيعة الحال
التعادل التداولي ما دمت أوجِّه النص المترجَم إلى قارئ
العربية المعاصرة، وأخيرًا يأتي التعادل التحديدي!
ومعنى ذلك أن الأولويات اختلفت، وإن كان ذلك لا يعني
نبذ أي جانبٍ من جوانب التعادل، ولكنه يعني أنه إذا نشأ
تنازع بين أيٍّ من هذه «القِيَم» — كما يسميها كولر —
حسمت الأولويات الأمر. وهاك القصيدة التي كتبها صمويل
دانيال Samuel Daniel
في القرن السادس عشر:
Care-charmer sleep, son of
the sable night,
Brother to death, in silent
darkness born,
Relieve my languish, and
restore the light,
With dark forgetting of my
cares return.
And let the day be time
enough to mourn
The shipwreck of my
ill-adventured
youth;
Let waking eyes suffice to
wail their scorn,
Without the torment of the
night untruth.
Cease dreams, the images of
day desires,
To model forth the passions
of the morrow;
Never let rising sun approve
you liars,
To add more grief to
aggravate my
sorrow.
Still let me sleep,
embracing clouds in
vain;
And never wake to feel the
day’s disdain.
ولقد حافظتُ على الفصل بين الفقرات
stanzas لأبيِّن
أنها تنتمي إلى النوع الإنجليزي، لا الإيطالي من
السونيت sonnet؛ فالنوع
الإنجليزي أو الشيكسبيري يعتمد في بنائه على طرح فكرة
أولية في الفقرة الأولى، وقد تكون صورة أو خيطًا
فكريًّا (ثيمة)، وهي هنا مناشدة النوم أن يأتي لتخفيف
هموم العاشق الواله، ثم تطوير هذه الفكرة في الفقرة
الثانية والفقرة الثالثة، حتى يصل الشاعر إلى ذروة
يجملها في «كوبليه»
couplet أخير، ولا
بد في هذه الصورة الإنجليزية من اتِّباع نسق محدد من
القافية في كل فقرة على حدة، هو اتفاق البيت الأول مع
الثالث، والثاني مع الرابع، ثم تقفية «الكوبليه»
الأخير. وأما السونيت الإيطالية أو البتراركية، فهي
تتكوَّن مثل النوع الشيكسبيري من ١٤ سطرًا، ولكنها
تنقسم إلى صدر من ثمانية أبيات
octave، وعجز من
ستة sestet، ونسق
القافية فيها إذن يتبع ذلك النظام. كما تتميز هذه
القصيدة بصورٍ تقليدية للنوم قائمة على التشخيص
personification،
وعلى بعض الصفات المركبة (في البيتَين الأول والسادس)،
وبامتداد الجملة في حالاتٍ كثيرة على مدى سطرَين أو
ثلاثة، وبأن البحر المستخدَم هو الأيامب المنتظم؛ أي
الذي لا يتفاوت فيه عدد المقاطع، ولا عدد المنبور منها
بين الأبيات، وبأن التنويع فيه مقصور على نوعٍ واحدٍ من
الزحاف، وهو ورود تفعيلة بحر التروكي
trochee أو بحر
السبوندي spondee عادة
في مطلع البيت، فهو نظم كمِّي بطيء الحركة، تكثر فيه
حروف العِلة الممطوطة، ويستخدم بعض المحسنات القديمة؛
مثل السجع المبدئي في الألفاظ
alliteration،
وهيمنة أصوات بعض الحروف في أماكن دون غيرها.
هذا التحليل هو الخطوة الأولى التي تحدد معالم النص
للمترجِم، وقد يسرع المترجِم باختيار بحر ميسَّر على
لسان أبناء العربية، وهو الخبب الحديث، فيقول:
يا نوم أيا من تقهر بالسحر الهمَّا،
يا ابن الليل الأسود وأخا الموت،
يا من تولد في صمت الظلمات!
أقبِل، خفِّف كربي، وأعد لي نور البسمات …
إلخ.
ولكن ذلك، قطعًا، لا يحقق التعادل
الصوري المطلوب، وفقًا لما يقوله «كولر»، وإن كان فيه
ما يقرِّبه من القارئ العربي لإحالته الباطنة إلى قصيدة
الحصري الشهيرة «يا ليل! الصبُّ متى غده؟» فالمطلوب بحر
ذو إيقاع معادِل، وقد يكون ذلك هو الرمل:
أيها النوم، الذي يقهر كالسحر الهموم،
يا ابن ليل أسود اللون بهيم،
يا أخا الموت الذي يولد في صمت
الظلام،
خفف الأحزان عني وانشر الضوء العميم،
عُد، فأنسى كل كرب في دجى الليل
الحميم!
وليكن طول النهار كافيًا لأندب
الخراب؛
إذ تحطمت سفينة الشباب في وسط العباب،
وليكن في الصحو ما يكفي لتبكي يا
عيوني،
محنة الصد الذي أذكى شجوني،
دون تعذيب الليالي بالظنون!
ولتكفي يا رؤى الأحلام يا صورة أشواق النهار
الغارب،
لا تصوغي أي أشواق الغد المأمول صوغ
الكاذب،
لا تضيفي أي أحزان إلى همي بزيفك،
وليكن في مشرق الشمس غدًا تكذيب حيفك،
ليت أن النوم يطويني دوامًا حاضنًا سحب
الهباء،
دون أن أصحو؛ فألقى ما ألاقي بالنهار من عذاب
الازدراء!
النص العربي إذن تعبيريٌّ (تعادل
النصوص المعياري)، ويحقق التعادل الصوري في الوزن
والقافية وأبنية العبارات في حدود ما تسمح به طبيعة
اللغة العربية، وينقل ظلال الدلالات (النوع الثاني من
التعادل) نقلًا أمينًا، بل يسرف أحيانًا في هذا ابتغاء
الإيضاح، ووفقًا للتعادل التداولي الذي يراعي تقاليد
المتلقي، وهو هنا قارئ اللغة العربية، ثم يأتي أخيرًا
التعادل التحديدي، وهو آخر سُلم الأولويات (قاعدة
البناء الهرمي)؛ فنجد أن الترجمة لا تراعي الدقة
اللفظية في حالة أو حالتين، وقد ضحَّى المترجم به في
سبيل أولوياته التي حددها؛ فمثلًا «الظلام الصامت»
silent darkness
أصبحت «صمت الظلام»، وتعبير embracing
clouds in vain أي «أحتضن السحب
عبثًا فتذهب جهودي هباءً»، أصبحت «حاضنًا سحب الهباء»،
ولا شك أن النص لو كان إخباريًّا، لتوخَّى المترجم
الدقة في إخراج الدلالات المحددة لكل لفظة، ولكن لذلك
مبحثًا آخر سنأتي إليه فيما بعد، ولعلنا نذكِّر القارئ
بأن هذه الترجمة الدلالية، وفقًا لتعريف نيومارك، «ليست
ثابتة»، ولكل جيل أن يطلب ترجمة دلالية جديدة وفقًا
للذائقة الفنية السائدة، ولمفهومه الخاص للنص الشِّعري
أو الأدبي، مثلما فعلنا في الوطن العربي مع شيكسبير على
امتداد القرن العشرين كله، فلَكم اختلفت أولويات
«التعادل» بين مطلع القرن وآخره.
ولقد ظلَّت فكرة «التعادل» فكرة سائدة في السبعينيات
وما بعدها، ونحن نجد أن تشسترمان
Chesterman يقول،
في الكتاب الذي اقتطفنا منه ترجمة كولر إن «التعادل
يمثِّل — بوضوح وجلاء — مفهومًا أساسيًّا في نظرية
الترجمة» (١٩٨٩م، ص٩٩)، وأن «سوزان باسنيت» تخصص في
كتابها المشار إليه (۱۹۹۱م) فصلًا كاملًا لقضايا دراسات
الترجمة، يتضمن قسمًا خاصًّا بما تسميه «مشكلات
التعادل». ونجد أن «منى بيكر» في كتابها «بتعبيرٍ آخر»
(أو بكلماتٍ أخرى In Other
Words ١٩٩٢م)، وهو
الكتاب التعليمي الذي ما زال يلقى رواجًا حتى الآن،
تقسِّم فصول الكتاب وفقًا لأنواع التعادل على أسس
الألفاظ، والعبارات، والنحو، والنص، والتداولية، وما
إلى ذلك بسبيلٍ مع النص على أن التعادل يخضع «لتأثير
شتى العوامل اللغوية والثقافية، ومن ثَم، فهو يتسم
بالنسبية دائمًا» (ص٦). ولكن موضوع «التعادل» لم يسلم
من الانتقاد، وتورد موسوعة راتلدج لدراسات الترجمة
(١٩٩٧م) تلخيصًا للانتقادات الموجَّهة إلى هذا المفهوم
بقلم «د. كيني» D.
Kenny وهي تدور حول الطبيعة
«الدائرية» لهذا المفهوم، «فالمفترض أن التعادل يحدد
طبيعة الترجمة، والترجمة بدورها تحدد طبيعة التعادل»
(ص۷۷). والباحثون في المجالات غير اللغوية للترجمة أقسى
مَن هاجموا هذا المفهوم، وعلى رأسهم «سوزان باسنيت» في
كتابها المذكور، قائلة «إن مشكلات التحديد الدقيق
لطبيعة مستوى التعادل المنشود لا تبدأ في الظهور إلا
حين يبتعد المترجم عن التعادل اللغوي الوثيق» (ص٢٥)،
وربما كان من أهم هذه المشكلات ما يُسمى بالموازن
الثالث tertium
comparationis وذلك
يعني افتراض وجود عنصر ثابت يُستخدَم في قياس النصَّين،
لاكتشاف الاختلاف بينهما، أي أنه العنصر الثالث الذي
يستعمل في الموازنة بين النصَّين، أو أية أقسام من
النصَّين، وهو ثابت؛ بمعنى أنه المعيار الخارجي للقياس،
فالنص الأصلي (المصدر) هو الموازن الأول، والنص
المترجَم (المستهدَف) هو الموازن الثاني، وهذا العنصر
الخارجي هو الموازن الثالث. وقد يجد المترجِم المبتدئ
في هذه النظرية بعض الجاذبية؛ إذ ما أسرع ما يستعمل
الموازن الثالث في الحكم على الترجمة، وما أسرع ما يحكم
بالخطأ على كلمة أو عبارة استنادًا إلى ذلك المعيار،
ولكن وضع هذا المعيار نفسه كان، وما زال، مثار خلافٍ
كبير بين الباحثين، وقد ذهب الجمهور إلى أنه «ذاتي»؛
فهو يختلف من دارسٍ لدارسٍ، ومن قارئ لقارئ، وسوف نعود
إليه عند مناقشة ما أسميه بالخيط الأم
architranseme.
وهكذا رأينا كيف أدَّت نشأة علم اللغة (اللغويات) إلى
تنبيه المشتغلين بالترجمة إلى مشكلات لم يكونوا يحيطون
بها، وكيف أدَّى هذا العلم إلى إثراء هذا المجال
الجديد، ابتداءً من المصطلحَين اللذين أتى بهما
ياكوبسون عام ١٩٥٩م، وهما «المعنى»، و«التعادل»، وكيف
قام يوجين نايدا بتطوير هذين المفهومَين في كتابَيه
اللذين يتضمنان تحليلاتٍ منهجية للمعنى، ويقولان بأن
هدف الترجمة هو إخراج التأثير المعادل (أو تعادل
التأثير بين النصَّين). وعلى الرغم من الخلاف حول إمكان
تحقيق التعادل في التأثير حقًّا، فإن إنجاز نايدا
الكبير هو وضعه لأسس التفريق بين التعادل الصوري
والتعادل الدينامي؛ فخرج بدراسة الترجمة عن المناظرة
القديمة حول الترجمة الحَرفية والترجمة الحرة، بل إنه
وضع المتلقي في مركز المعادلة، وهو ما كان له تأثيره
الكبير في الدراسات التي شهدتها ألمانيا فيما بعد، ولا
بد من مواصلة البحث في تأثير علم اللغة الحديث في
دراسات الترجمة.