مناهج قياس التغيير في الترجمة
-
(١)
مذهب التقسيم في الكتاب الذي وضعه فيناي وداربلنيه عام ١٩٥٨م، وتُرجم إلى الإنجليزية عام ١٩٩٥م، بعنوان «الأسلوبيات المقارنة للإنجليزية والفرنسية: منهجية للترجمة»، ونُشر منه مقتطف بعنوان «منهجية للترجمة» في كتاب فينوتي المذكور (۲۰۰۰م)، ويُعتبَر النموذج الكلاسيكي الذي امتد تأثيره على نطاقٍ واسع.
-
(٢)
مذهب علم اللغة الذي وضعه كاتفورد عام ١٩٦٥م، وقدَّم فيه لأول مرة مصطلح «التغيير» shift في الترجمة.
-
(٣)
النموذج الحافل بالتفصيلات، الذي وضعته كيتي فان لويفن زفارت (۱۹۸۹م و١٩٩٠م)، والذي يستهدف تحليل المفهوم الأساسي للتغييرات على «المستوى الأصغر» microlevel في الترجمة، وقياس آثارها على المستوى الأكبر macrolevel (والأعم).
-
(١)
الاقتراض Borrowing: وهي ما نسميه «التعريب» لدينا، أي إدخال الكلمة الأجنبية كما هي، ورسمها بحروف عربية، وهو ما نلجأ إليه في تعريب العلوم الطبيعية والمصطلحات التقنية. ويُجرى الاقتراض من العربية للغات الأخرى أيضًا؛ فتُكتب كلمة انتفاضة بحروفٍ لاتينية، وتجري مجرى الكلمات المستعارة في اللغات الأوروبية. ويطلق العلماء العرب على الألفاظ «المقترَضة» مصطلح الدخيل، وقد يدخل «الدخيل» بعد فترة في عداد الفصحى، أو يظل في إطار العامية.
-
(٢)
النقل بالمحاكاة Calque: أصل المصطلح هو نقل كلمة ذات دلالة خاصة بترجمة أجزائها لوضع كلمة تحاكي المصدر، ثم تكتسب معنًى مستقلًّا، مثل كلمة masterpiece الإنجليزية التي نترجمها بتعبير «عمل فني رائع» وجمعها «الروائع» فحسب، فهي مبنية على الألمانية meisterstück، ولكن المؤلفَين يعنيان بالمصطلح شيئًا آخر، قائلَين إنه «نوع خاص من الاقتراض» (ص٨٥ من كتاب فينوتي، ٢٠٠٠م)، يُنقَل فيه التعبير أو البناء، عن طريق الترجمة الحَرفية، من اللغة المصدر إلى اللغة المستهدَفة، مثلما نفعل في العربية عندما ننقل تعبيرًا مثل «في التحليل الأخير» in the final analysis بدلًا من ترجمته إلى الفصحى المعيارية بتعبير «في آخر المطاف» أو «المحصلة هي» … إلخ. وكما نقل بعضهم تعبير «طراد الإوز البري» a wild goose chase بدلًا من ترجمته إلى الفصحى المعيارية بتعبير «محاولة لا طائل من ورائها»، وقد تصبح مثل هذه الأبنية بعد فترة من الزمن جزءًا لا يتجزَّأ من المصطلح اللغوي للغة المستهدَفة، وقد توحي بمعنًى غير المعنى المقصود؛ فتصبح مضللة (وهو ما يطلق عليه مصطلح «الأصدقاء الخونة» false friends).
-
(٣)
الترجمة الحَرفية Literal translation: (ص٨٦–٨٨) من كتاب فينوتي، وهي الترجمة التي تلتزم بالكلمات نفسها في اللغتين، ويقول المؤلفان إنها أكثر أنواع الترجمة شيوعًا فيما بين اللغات التي تنتمي إلى العائلة اللغوية ذاتها، والثقافة نفسها، وهما يضربان لها مثالًا من الإنجليزية والفرنسية (بطبيعة الحال) وهو:I left my spectacles on the table downstairs.J’ai laissé mes lunettes sur la table en bas.
-
«تركت نظارتي (عويناتي) على المنضدة في الطابق الأسفل.»
ويحبِّذ المؤلفان الترجمة الحَرفية باعتبارها أفضل طرائق الترجمة، قائلين إنها لا يجب التضحية بها إلا للضرورات البنائية والثقافية، وبعد التأكد من أن المعنى لم تضِع منه ذرة واحدة، وهو ما يذكِّرنا بما قاله «نايدا» و«نيومارك» (انظر الفصل السابق)، ولكن المترجم قد يجد أن الترجمة الحَرفية «غير مقبولة» في الحالات التالية:
-
(أ)
إذا أدت إلى معنًى مختلف.
-
(ب)
أو لم يكن لها معنًى.
-
(جـ)
أو كانت مستحيلة لأسبابٍ «بنائية».
-
(د)
أو إذا لم يكن هناك تعبير مقابل في إطار ثقافة اللغة المستهدَفة.
-
(هـ)
أو إذا كانت مقابلة لشيء على مستوًى لغوي مختلف.
وهكذا ينتهي فيناي وداربلنيه إلى أنه إذا تعذَّر إخراج ترجمة حَرفية، فعلى المترجِم أن يلجأ إلى الترجمة غير المباشرة، وهي تتضمن أربعة مناهج أخرى:
-
-
(٤)
الإبدال الصرفي Transposition: (فينوتي ۲۰۰۰م، ص٨٨)، ومعناه إبدال الصورة الصرفية للكلمة في النص الأصلي (المصدر) بصورة صرفية أخرى، دون تغيير المعنى، وقد يكون الإبدال لازمًا أو اختياريًّا، فهو:لازم obligatory حين تقتضي أعراف اللغة المستهدَفة ذلك، كترجمة التعبير الإنجليزي as soon as she got up بالعربي «فور استيقاظها»، وبالفرنسي des son lever.واختياري عندما تسمح أعراف اللغتين بذلك، فقد نترجم التعبير العربي «فور استيقاظها» بتعبير the minute she got up، أو بالفرنسي dès qu’elle s’est levé، أو بالتعبيرَين الإنجليزي والفرنسي السالفَين.
ويرى فيناي وداربلنيه أن الإبدال الصرفي قد يكون أكثر أنواع التغيير البنائي شيوعًا بين المترجمين، وأنا أوافقهما على ذلك — استنادًا إلى خبرتي الشخصية — وقد سبق لي أن ضربت المثل ببعض نماذج من الترجمات التي قرأتها أو قمت بها، والمثل الذي يحضرني هو قول إبليس بعد سقوطه (في الفردوس المفقود):
Better to rule in hell than serve in heav’n.إذ ترجمتها بالإبدال الصرفي قائلًا:
سيد في جهنم خير من عبد في الجنة.
إذ تحوَّل الفعل (في صيغة المصدر الإنجليزية) إلى اسم بالعربية، ولم يكن ذلك إبدالًا صرفيًّا اختيارًا، بل كان لازمًا، بسبب المعنى الذي يريد ميلتون لإبليس أن يبلغه، إلى جانب ما في النص العربي من محاولة إخراج «التعادل» في البناء والتأثير. ويعدد المؤلفان فئات الإبدال الصرفي، وأظنها لا تقل عن عشر فئات، مثل تحويل الفعل إلى اسم، أو الحال إلى فعل، وهلمَّ جرًّا.
-
(٥)
تغيير النظرة Modulation: وهو التحوُّل الذي يطرأ على الدلالة على وجهة النظر القائمة في النص الأصلي (المصدر) وصياغتها، والمصطلح الأجنبي يطلق أصلًا على أي تغيير أو «تعديل» لإخراج الصورة المطلوبة في أي شيء؛ ففي الموسيقى يكون بتغيير «المقام» key، وفي المخاطبة بتعديل «النبر» stress، أي الضغط على المقاطع accent، أو رفع الصوت بها pitch، أو الارتفاع بنغمتها tone، وفي العَروض يوازي «الزحاف» بالعربية، وفي الراديو يوازي تغيير «الموجة»، ولكن المؤلفَين يستعملانه هنا للدلالة على تغييرٍ في صياغة النص، يؤدي إلى «ضبط النظرة» في حدود اللغة المستهدَفة، وقد يكون ذلك إلزاميًّا أو اختياريًّا:فهو إلزامي، حين تستدعيه طبيعة اللغة المستهدَفة، وهما يضربان المثل من ترجمة the time when إلى الفرنسية بتعبير le moment où التي تعني حرفيًّا the moment where أي تغيير «حين» إلى «حيث» تبعًا لقواعد اللغة الفرنسية، وإن كانت تبدو غير منطقية لنا، ﻓ «الوقت» أو «اللحظة» تقتضي «حين»، لا «حيث»، ونحن نفعل ذلك بالعربية استنادًا إلى حدس المترجم وحده، وانظر المثال التالي:Playing the lute is his favourite hobby, but singing is where he excels.
أي: عزف العود هوايته المفضَّلة، ولكنه يتفوق في الغناء.
وقد يصر البعض على ترجمة معنى where قائلين «ولكن الغناء هو مجال تفوقه»، بل قد يقول البعض «ولكن الغناء هو حيث يتفوق»، أي أننا أبدلنا «حيث» بحرف الجر «في»، وانظر مثالًا آخر:The killing of civilians in time of war is, while inevitable, usually condemned.عادة ما يُدين الناس قتلَ المدنيين في زمن الحرب، وإن كان ذلك محتومًا (= على حتمية ذلك).
أي أننا أبدلنا while بتعبير «وإن»؛ فهذا هو معنى التعبير الإنجليزي، وهو كما يقول المتخصصون even though، والطريف أن يصر البعض على ترجمة while بكلمة «بينما»، وعندما كثر التنبيه على خطأ الاستعمال العربي لهذه الأداة في هذا الموقع، أبدلوها بشِبه جملة، هي «في حين»، بل إن الأخيرة قد شاعت حتى كادت تكتسب معنى «وإن»، والتعبير العربي «وهو» يفي بمعنى الحال كما هو معروف، وقد ينقل معنى النص الإنجليزي أيضًا؛ فإذا كان المثال الحالي لا يكاد يسمح باستعمال «بينما» أو «في حين» (بينما ذلك محتوم! في حين أن ذلك محتوم!)؛ فإنه قد يسمح باستعمال «وهو» «الحالية».فالواو هي «واو الحال» أو «الواو الحالية»، ومثالها من المتنبي:
ما كنت أحسبني أحيا إلى زمنيسيء لي فيه كلب وهو محمودI never thought I’d live up to a time when/A cur would wrong me while praising him.أي إنك إن كنت تريد الإفادة عن معنى while، سواء كانت بمعنى الحال، أو بمعنى الاستدراك (وإن كان ذلك)، فعليك إبدال «بينما» أو «في حين» بتعبيرٍ آخر. وتغيير النظرة قد يكون اختياريًّا حين يكون من ثمار فكر المترجم (أي قراءته للنص)، أو أسلوبه، مثل اختيار المترجم أن يقول «ليس من الصعب» بدلًا من «يسهل»، أو «من السهل»؛ فالتعبيران ليسا مترادفَين، والعربية تقبلهما، ولكن المترجم قد يرى أن النص الأصلي «يوحي» بالتعبير الذي اختاره، أو لأنه يفضِّله أسلوبيًّا، ويبرره المؤلفان لسببٍ آخر، وهو أن يكون التعبير في الترجمة الحَرفية — على دقته — غير متفق كل الاتفاق مع مصطلح اللغة المستهدَفة، أو إذا رأى المترجم أنه ركيك، أو قلق فيها (فينوتي، ٢٠٠٠م، ٨٩). ويؤكد فيناي وداربلنيه أهمية تغيير النظرة تأكيدًا شديدًا، قائلين إنه المحك الذي يدل على تمكُّن المترجِم من صنعته، وأما الإبدال الصرفي، فلا يدل إلا على إتقان اللغة المستهدَفة، في نظرهما. وهما يقسمان تغيير النظرة على مستوى «الرسالة» إلى أقسام فرعية على النحو التالي:-
تحويل المجردات إلى مجسدات.
-
العِلة والمعلول.
-
الجزء والكل.
-
الجزء وجزء آخر.
-
نفي النقيض (نفي النفي).
-
تحويل المبني للمعلوم إلى مبني للمجهول (والعكس).
-
التعبير بالمكان عن الزمن.
-
إعادة صياغة الفواصل والحدود (زمنيًّا ومكانيًّا).
-
تغيير الرمز (بما في ذلك الاستعارات الثابتة والجديدة).
وهكذا فإن الفئة الأخيرة تشمل ضروبًا منوعة — بل بالغة التنوع — من الظواهر اللغوية.
-
-
(٦)
التعادل Equivalence: يستعمل فيناي وداربلنيه هذا المصطلح (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص٩٠) في الإشارة إلى الحالات التي تصِف فيها اللغات المختلفة حالة معينة بوسائل أسلوبية أو بنائية مختلفة. و«التعادل» هنا ذو فائدة كبرى في ترجمة المصطلح اللغوي، مثل ترجمة upper hand باليد الطولى، لا اليد العُليا (فالأخيرة تتصل بالتصدق كما في الحديث الشريف)، وترجمة He’s high and dry بمصطلح لقد تقطعت به السبل، وترجمة He got off scot-free بمصطلح أفلت من العقاب، أو كُتبت له السلامة (انظر كتابي Dictionaries for the Translator)؛ إذن فإن المعنى المحدد للتعادل عند هذَين المؤلفَين يختلف عن الاستعمال النظري الشائع الذي ناقشناه في الفصل السابق.
-
(٧)
التطويع Adaptation: ومعناه تغيير الإحالة الثقافية الواردة في النص الأصلي إلى ما يقابلها في ثقافة النص المستهدَف، وقد يكون ذلك على مستوى اللفظ المفرد، وقد يكون على مستوى مفهوم أوسع؛ فالإدام بالعربية ما يؤتدَم به، أي ما يُستمرأ به الخبز (كالجبن أو اللحم)، ولكن هذا المفهوم لا معادل له، ولا بد من تطويعه بإيجاد المقابل، مثل «الزبد»، فعندما يقول حافظ إبراهيم في وصف حال الفقير:إن أصاب الرغيف من بعد كدٍّصاح من لي بأن أصيب الإداما
قد يرى المترجِم أن يحوِّل مفهوم الإدام إلى الزبد:
ويقول المؤلفان إن الفئات السبع المذكورة لها ثلاثة مستويات، هي مستوى الألفاظ ومستوى الأبنية (التراكيب) ومستوى الرسالة، وهما يتوسَّعان في التقسيم والتصنيف، مما لا حاجة بنا إلى تلخيصه، لأنه في معظمه تكرار لما سبق، ولو بألفاظٍ ومصطلحات أخرى، ولكنهما ينتهيان إلى وضع خمس خطوات ينصحان المترجم باتخاذها عند الانتقال من النص الأصلي إلى النص المترجَم، وهي:
-
(١)
تحديد وحدات الترجمة.
-
(٢)
فحص النص المصدر مع تقييم المضمون الوصفي والعاطفي والفكري للوحدات.
-
(٣)
إعادة بناء السياق غير اللغوي (metalinguistic) للرسالة.
-
(٤)
تقييم الآثار الأسلوبية.
-
(٥)
إعداد الترجمة وتنقيحها.
فأما التقابل الصوري، فمعناه توازي موقع أي عنصر من عناصر الترجمة في اللغة المستهدَفة، مع موقع هذا العنصر في اللغة المصدر، وهذا هو التعريف الذي يورده كاتفورد في صفحة ٢٧، وسوف أورده بالعربية والإنجليزية معًا؛ حتى يرى القارئ كيف يلجأ هذا الكاتب إلى التعقيد لإضفاء الطابع «العلمي» على كتابته، وربما كان ذلك التعقيد نفسه من أسباب غروب شمس نظريته؛ فهو تعقيد لا مبرر له. يقول كاتفورد إن التقابل الصوري ينشأ إذا وجدنا:
«فئة من (فئات تقسيم) اللغة المستهدَفة (على مستوى) (الوحدة مثلًا أو الطبقة أو عناصر البناء … إلخ) يمكن القول بأنها تشغل في «اقتصاد» اللغة المستهدفة «نفس» الموقع، إلى أقصى حدٍّ ممكن، الذي تشغله الفئة نفسها من (فئات تقسيم) اللغة المصدر في اللغة المصدر.»
وقد وضعت الكلمات التي أضفتها في الترجمة العربية بين أقواس، ابتغاء الإيضاح، ومع ذلك، فما زلت أتصور أن عبارتي الاستهلالية في هذه الفقرة أشد وضوحًا على قصرها، وأما التعادل النصي، فهو «تعادل أي نص في اللغة المستهدَفة، أو أي جزء من هذا النص مع نص من نصوص اللغة المصدر، أو أي جزء من هذا النص.»
وكاتفورد يبحث في نوعَين من «التغيير»، هما تغيير المستوى، وتغيير الفئة.
-
(١)
أما تغيير المستوى Level shift: (فينوتي، ۲۰۰۰م، ص١٤١–١٤٣)، فمعناه التعبير عن شيء بتركيبٍ نحوي في لغة ما، والتعبير عن نفس الشيء في لغة أخرى بلفظة واحدة، كقولك بالعربية «كان حائرًا! ماذا عساه أن يفعل؟» وكلمة «عسى» تترجم بتركيب نحوي في الإنجليزية:(He was perplexed! What was he to do?/what could he do?)أو التعبير بالماضي عن شيء في لغة، وبالحاضر عن نفس الشيء في لغة أخرى مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (الإسراء: ١٨)، وترجمتها في يوسف علي:If any do wishFor the transitory things(of this life), We readilyGrant them - such thingsAs we will, to such personsAs we will: in the endHave we provided HellFor them: they will burnTherein, disgraced and rejected.
-
(٢)
وأما تغييرات الفئة Category shifts: فهي التي تستحوذ على معظم تحليلات كاتفورد (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص١٤٣–١٤٧)، وهو يقسمها إلى أربعة أقسام فرعية، هي:
-
(أ)
التغييرات البنائية Structural shifts: يقول كاتفورد إن هذه أكثر ألوان التغيير شيوعًا، وإنها تتضمن، في معظم الأحوال، تغييرًا في البناء النحوي. فالبناء المعهود في الإنجليزية، وهو الفاعل ثم الفعل ثم المفعول (وفي الفرنسية أيضًا)، ينقلب إلى أبنية أخرى في لغاتٍ أخرى، فعبارة I like jazz الإنجليزية، ونظيرتها الفرنسية j’aime le jazz، تنقلب إلى مفعول به ثم فعل وفاعل في الإسبانية والإيطالية me gusta el jazz; mi piace il jazz، وإلى فعل وفاعل ومفعول بالعربية (أحب موسيقى الجاز).
-
(ب)
التغييرات في الطبقة Class shifts: وتتضمن هذه تغييرات من شكل (اسم، فعل، حرف)، إلى شكل آخر للكلمة، ويضرب كاتفورد المثل بالعبارة الإنجليزية: a medical student، التي تتحوَّل في الفرنسية إلى un etudiant en médecine بتحويل الصفة إلى شِبه جملة حالية، والمعروف أننا نحوِّلها بالعربية إلى مضاف ومضاف إليه؛ أي إلى اسمَين: «طالب طب» أو «دارس للطب» (لام التقوية).
-
(جـ)
تغيير الوحدة أو تغيير الرتبة Unit shift or rank shifts: ومعناه أن يكون «المعادل» المترجَم في اللغة المستهدَفة من رتبة تختلف عن رتبته في اللغة المصدر، والرتبة rank هنا تشير إلى الوحدات اللغوية في بنائها التنازلي من حيث الحجم، من الجملة إلى شِبه الجملة إلى مجموعة الكلمات إلى الكلمة ثم المورفيم. ولا يضرب كاتفورد أمثلة لها لأنها أوضح في رأيه من أن تحتاج إلى أمثلة، ولكن الأمثلة لازمة، فإذا ترجمت عبارة تتكوَّن من صفة، وموصوف مثل linguistic scholar دون تغيير في الرتبة قلت «باحث لغوي» (أو حتى عالم لغوي)، ولكنك قد ترفع الرتبة بتحويل الصفة إلى شِبه جملة «باحث في الدراسات اللغوية»، وقد ترفعها إلى رتبة أعلى، فتقول باحث يدرس «علم» اللغة (أو «اللغة» فحسب)؛ فهنا نجد جملة من فعل وفاعل (مستتر) ومفعول به، وهي في موقع الصفة أيضًا، ولكنها أعلى رتبة. والملاحَظ أن الترجمة العربية تميل في النصوص العلمية الحديثة إلى الجمع بين الحفاظ على الرتبة، إما عن طريق التعريب (وهو ما أسميناه الاقتراض آنفًا)، أو عن طريق ترجمة المصطلحات العلمية حتى تشيع، وتُغنينا عن «رفع الرتبة» (وهو الذي يكون عادة بمثابة شرح أو إيضاح explicitation)، وبين رفع الرتبة حين تتعذَّر «المحاكاة بالنقل» calque، والمثال على ذلك من الإنجليزية هو ما ورد في نص علمي حديث ترجمته منذ عهدٍ قريب:Ecology is any integrated environment system: a system-based, target-oriented approach is needed for the creation of a commercially viable wild-life conservation strategy.
«يُقصد بالنظام البيئي (الإيكولوجيا) أي نظام بيئي متكامل، ونحن في حاجة إذن إلى منهاجٍ قائم على هذا النظام، وموجَّه لتحقيق أهداف محددة حتى نضع استراتيجية ناجحة تجاريًّا للحفاظ على الحياة البرية (النباتات والحيوانات في بيئتها الطبيعية).»
فهذه ترجمة تجمع بين المصطلحات العلمية التي شاعت، واتُّفق عليها، وبين رفع رتبة «مجموعات الكلمات» إلى مراتب شِبه الجملة، أو العبارة المبسوطة، وقد وضعتُ بين أقواسٍ ما قد يفضِّله غيري من المترجمين.
-
(د)
التغييرات داخل النظام Intra-system shifts: ويُقصَد بها التغييرات التي تُجرى عندما تشترك اللغة المصدر واللغة المستهدَفة في معظم مظاهر نُظمها، وعندما يضطر المترجم إلى اختيار ما لا تتفقان فيه في ترجمته (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص١٤٦)، وهو يضرب المثال لذلك بالإنجليزية والفرنسية اللتين تتفقان في نظم العدد وأداتَي التعريف والتنكير، ولكن النظامين يختلفان أحيانًا، وهكذا فإن advice (النُّصح/النصائح) لفظة مفردة بالإنجليزية، وتقابلها بالفرنسية des conseils وهي جمع، وأداة التعريف الفرنسية la في جملة Il a la jambe cassée تقابلها بالإنجليزية أداة التنكير a في جملة He has a broken leg (أي رجله مكسورة).
-
(أ)
وكتبت: ما مولد الإنسان إلا غمضة؛ نوم ونسيان!
ولم أجد في كلمة «غمضة» ما يفي بالغرض، فغيَّرتها إلى «رقدة» في النص المطبوع (انظر مختارات من الشعر الرومانسي الإنجليزي، القاهرة، ٢٠٠٢م)، وصدر الكتاب، ولكن الكلمة ظلَّت تقلقني حتى كنت في مرحلة تنقيح حكاياتٍ من الواحات (وهي الجزء الرابع من سيرتي الذاتية «واحات العمر»)، ووجدتني أشير إلى نفس القصيدة والمطلع، ووجدت الكلمة المنشودة وهي «غفوة»! فخرجت القصيدة بصياغة مختلفة في الكتاب الأخير! وتذكرت ما قاله ليفي في هذا الصدد، وقلت إن ذلك هو التطبيق العملي لاستراتيجية «الأقصى بالأدنى»!
«إن تحليل التغييرات في التعبير، إذا طُبِّق على جميع مستويات النص، من شأنه الكشف عن النظام العام للترجمة بعناصره السائدة والثانوية.»
-
(١)
النموذج المقارن: (۱۹۸۹م، ص١٥٥–١٧٠) يعني إجراء مقارنة تفصيلية بين النص المصدر والنص المستهدَف، وتصنيف لجميع التغييرات على المستوى البنائي الصغير microstructure (في الجمل والعبارات وأشباه الجمل)، ومنهجها هو:تبدأ الباحثة بتقسيم قطع مختارة إلى «وحدات نصِّية مفيدة (أي لها معنًى مفهوم)» تسمى «الخيوط» (أو الترانسيمات إن شئت) transemes، ونحن نترجمها هنا بالخيوط؛ لأن النسيج النصي يتكوَّن منها، وإذن فالخيط النصي هو في نظرها أي «وحدة» لها معنًى مستقل، فجملة he quickly ran off تُعتبَر خيطًا، (ترانسيم) ومقابلتها (في إحدى الترجمات لديَّ) «وانطلق يعدو» (وهي، ونقولها عرضًا، ترجمة مقبولة، ومترجمها ضليع له مكانته الراسخة في قلوب أبناء العربية.)ثم تعرِّف الباحثة ما تعنيه بالخيط الأم architranseme، وهو الجوهر الثابت للمعنى في الخيط في النص المصدر، وهو الذي سوف يستعمل في الموازنة بين اللغتَين، أو ما يُسمى بالموازن الثالث tertium comparationis (انظر الفصل السابق)، ويعتبر في المثال الذي ضربناه هنا فعل «العدو» أو الجري (أو الفرار).
وبعد ذلك تقارن الباحثة بين كل خيط على انفراد، وبين الخيط الأم، وتحدد، على ضوء ذلك، العلاقة بين الخيطَين.
فإذا كان الخيطان يتسمان بعلاقة الترادف مع الخيط الأم، انتهت الباحثة إلى أنه لم يحدث أي «تغيير» shift، أما إذا غاب الترادف، فذلك يشير إلى تغيير في الترجمة. وهي تقسم التغيير إلى ثلاث فئات رئيسية، والعديد من الفئات الفرعية، فأما الفئات الرئيسية، فهي تختار لها مصطلحات سبقها غيرها إلى استعمالها بمعانٍ مختلفة، وكان ذلك من الصعوبات التي واجهتُها في تقريبها إلى قارئ العربية، فكثرة المصطلحات وتضاربها في هذا العلم/المبحث الجديد قد اشتكى منها نيومارك، ونشتكي نحن منها لأننا نسعى إلى الوضوح، وتقريب أسس شتى النظريات الجديدة إلى قارئ لم يألفها بعد. وأما المصطلحات التي وضعتها «كيتي فان لويفن-زفارت» لهذه الفئات الثلاث، فهي تغيير النظرة modulation. (انظر فيناي وداربلنيه، المنهج الخامس)، والتعديل modification، والتحوُّل mutation. وهاك تعريفًا لكلٍّ من هذه الفئات وفقًا لهذه الباحثة؛ فأما تغيير النظرة فيعني أن أحد الخيطَين، يتفق مع الخيط الأم، ويختلف الخيط الآخر معه، إما في الدلالة، أو في الأسلوب، والمثال الذي ضربناه آنفًا، وهو «انطلق يعدو»، يُعتبَر من الشواهد على تغيير النظرة، لأنه يحذف quickly، وكان يمكن أن يبقيها، وإن كان المترجم قد استعاض عنها بالفعل العربي الموحي بالقوة، دون أن يوحي بالسرعة، وفي التراث لا يوحي الفعل بالسرعة (انظر قصة موسى عليه السلام في سورة الكهف).وأما التعديل، فيعني أن الخيطَين — في النص الأصلي والنص المترجم — يختلفان اختلافًا شديدًا عن الخيط الأم، دلاليًّا أو أسلوبيًّا أو تركيبيًّا أو تداوليًّا، أو في عددٍ من هذه العناصر معًا، ومعنى هذا أن الخيط الأم نفسه غير واضح، حتى إذا اتفق الخيطان في عنصرٍ من العناصر السالفة الذكر. وقد يرجع عدم وضوح الخيط إلى أسبابٍ تتعلق بصياغة الخيط المصدر، كأن يتسم بالغموض، أو يشتمل على تورية، أو يتضمن انحرافًا عن مصطلح اللغة المصدر، وقد يتضمن الخيط المترجم هنا تعديلًا لما اعوج في الخيط المصدر؛ بحيث يطمئن الدارس إلى ما يوحي به، ويضع على أساسه «الخيط الأم»، وبهذا يستطيع الباحث أن يحكم بأن تعديلًا ما قد وقع. والمثال الذي يضربه الشراح لهذا اللون من التعديل هو خيط to take arms against في مونولوج هاملت الشهير، في مسرحية هاملت لشيكسبير؛ إذ إن الخيوط المقابلة له في الترجمات الفرنسية (انظر ست ترجمات فرنسية لهاملت) Romy Heylen, Translations, Poetics and the Stage: Six French Hamlets توحي بخيط أم أوحد هو «السلاح»، وأما الخيوط في النصوص الفرنسية، فتتفاوت بين «رفع السلاح» و«حمل السلاح» ويقول الباحثون إن التعديل هنا محتوم لأن نص شيكسبير يحيل القارئ إلى عادة اسكندنافية قديمة، وهي أن البطل المغوار حين يُهزم يعجز عن مواجهة المجتمع؛ فينتحر بأن يحمل سلاحه كاملًا، ويلقي بنفسه في البحر، وهذا بالمناسبة هو ما أوحى به لورانس أوليفييه عندما جعل هاملت يطل من علٍ على البحر أثناء إلقائه هذا المونولوج. إذن فإن «الخيط الأم» يرشدنا، أو يساعدنا في إدراك التعديل الذي أجراه المترجمون الفرنسيون والعرب، وقد فعلته أنا نفسي، وهذه هي الأبيات التسعة الأولى من ذلك المونولوج:To be, or not to be: that is the question:Whether ’tis nobler in the mind to sufferThe slings and arrows of outrageous fortune,Or to take arms against a sea of troubles,And by opposing end them? To die: to sleep;No more; and by a sleep to say we endThe heart-ache and the thousand natural shocksThat flesh is heir to, ’tis a consummationDevoutly to be wished. To die, to sleep;III. i. 56–64أكون يا تُرى … أم لا أكون؟ هذا هو السؤال!فهل من الأشرف للإنسان أنيكابد السهام والنبال عندما ترمي بها أقداره الرعناء؟أم يحمل السلاح، ثم يلقي نفسه في لجة الأهوال،فينتهي النزال بالهلاك، أي بموتٍ لا يزيد عن رقاد؟وبالرقاد تنتهي، كما يقال، أوجاع الفؤاد،وألف صدمة مما تورث الطبيعة،لهذه الأجساد!نهاية ما أجدر الإنسان أن يطلبها: موت هو الرقاد!وإذا طبَّقنا مبدأ التعديل هنا استنادًا إلى التفاوت بين الخيوط، فسوف نتوقف عند المطلع (إذا كان الخيط الأم هو «الوجود»)، وعند السطر الرابع، فالتعبير الإنجليزي a sea of troubles يعني البحر الهائج (انظر حواشي الجزء الرابع من الفردوس المفقود، ۲۰۰۲م). ولكن الشُّراح قد يذهبون إلى أن الخيط الأم هو «البحر»، فيجدون اختلافًا بين الخيوط جميعًا!وأما التحوُّل، فيحدث عند استحالة تحديد «خيط أم» مشترك بين الخيط المصدر والخيط المستهدَف، إما بسبب كثرة الإضافات أو الحذف، أو ما تسميه الباحثة «بالتغيير الجذري في المعنى». وأظن ذلك هو ما نصِفه في العربية بالابتعاد عن النص؛ فالتحويل الذي يخرج عن «الأصل» كثيرًا، ليس من مناهج الترجمة المقبولة، مهما تكن دوافعه، ونحن نثبت فحسب ما قالته الباحثة.
وتقول الباحثة إن تحديد التغييرات على هذا المستوى «البنائي الصغير» وتصنيفها، يتلوه إحصاء لعدد تواتر كل فئة، وإصدار حكم على التأثير التراكمي باستخدام نموذج وصفي على النحو التالي:
-
(٢)
النموذج الوصفي The descriptive model: هو نموذج للبناء الكبير macrostructure، ويهدف إلى تحليل الأدب المترجَم، وهو يستند إلى مفاهيم مستقاة من علم السرد narratology، وعلم الأسلوب (ليتش وشورت، ۱۹۸۱م) Leech and Short، ويحاول أن ينسج معًا خيوط المفاهيم الخاصة «بمستوى الكلام» (الخطاب discourse level)، ومعناها التعبير اللغوي عن العالم الخيالي، وأن يمزج بينها وبين المفاهيم الخاصة «بمستوى القصة» story level ومعناها سرد الأحداث في النص، بما في ذلك وجهة نظر السرد، والنظر إلى ثلاث وظائف رئيسية metafunctions للغة (فيما بين الأشخاص interpersonal وخاصة بالأفكار ideational ونصية textual). وهي تدعم ما تقول بخرائط معقدة (في المقالة الثانية، ١٩٩٠م) لا سبيل إلى إيرادها هنا، بل سنكتفي بمثالٍ توضيحي واحد من ترجمة عربية جميلة لإحدى القصص الإنجليزية:[He] bore no grudge against anybody, nor ever felt he hated a single person; he rather disliked to see what had become of him. It was nobody’s fault that he lost all his possessions, and he knew it to be an inevitable outcome of a certain social transformation. This was behind the behaviour of those people; they were, like him, victims of transformations attributable only to fate. It was this consciousness that helped him reach peace with all about him.
لم يكن يحمل في نفسه حقدًا على أحد، ولم يكن يكُنُّ ضغينة لمخلوق، بل كان يكره فحسب ما آل إليه حاله، دون أن يحمِّل أحدًا إثم ما حدث؛ فهو يعلم أن فقدانه الثروة كان نتيجةً محتومة لتحوُّل ما في المجتمع، وأن ذلك التحوُّل هو الذي جعل الناس تسلك هذا السبيل، وأنهم ضحايا مثله للتحولات التي لم يستطع أن ينسبها إلَّا إلى الأقدار، وكان في هذا الوعي مرساة الطمأنينة التي أحس بها إلى من حوله.
وينتقد منداي هذا المنهج أيضًا (٢٠٠١م، ص٦٦) بسبب صعوباتٍ عملية أو تطبيقية، قائلًا إن فحص نص طويل لاستخراج التغييرات الجزئية عسير، ويقترح حلًّا لها هو الاستعانة بالكمبيوتر، والاستناد إلى الإحصاءات الإلكترونية، ولكنني لا أعرف إذا كان الكمبيوتر قد تعلَّم إحصاء الضمائر المستترة، وربما لا تزال مستترة عليه حتى الآن! وفي ذلك تنبيه إلى أن ما يصلح للغات الأوروبية قد لا يصلح في جميع الأحوال للغة العربية.