الفصل الثالث

مناهج قياس التغيير في الترجمة

أدَّى الاتجاه المنهجي المتَّبع في دراسات الترجمة من الناحية اللغوية إلى وضع مصطلحاتٍ كثيرة، عرضنا لأهمها، وهي مصطلحات تستند إلى مفاهيم متغيرة، وغير ثابتة المعنى، لا لأنها تتطور وفقًا لمكتشفاتٍ جديدة، على نحو ما تتميز به العلوم الطبيعية، ولكن لأن نظرات الباحثين تختلف وفقًا لخبراتهم الخاصة بالنصوص؛ ولذلك وجدت صعوبة كبيرة في وضع المقابلات العربية (ولا أقول «المعادلات») للألفاظ المستخدَمة في وصف التغيير الذي يحدث عند الترجمة، وكان المعنى العام للتغيير (وهو المُضمَر في مصطلح shift الذي وضعه كاتفورد عام ١٩٦٥م، ويقصد به أي تغيير صغير في ترجمة النص المصدر) فاتحة لتقسيماتٍ وتحليلاتٍ وتصنيفاتٍ كثيرة، والتقسيم taxonomy من سِمات أي علم، فتولَّدت مصطلحات كثيرة تفيد التغيير، وكيفية قياسه، وسوف نعرض لأهمها هنا، وهي:
  • (١)

    مذهب التقسيم في الكتاب الذي وضعه فيناي وداربلنيه عام ١٩٥٨م، وتُرجم إلى الإنجليزية عام ١٩٩٥م، بعنوان «الأسلوبيات المقارنة للإنجليزية والفرنسية: منهجية للترجمة»، ونُشر منه مقتطف بعنوان «منهجية للترجمة» في كتاب فينوتي المذكور (۲۰۰۰م)، ويُعتبَر النموذج الكلاسيكي الذي امتد تأثيره على نطاقٍ واسع.

  • (٢)
    مذهب علم اللغة الذي وضعه كاتفورد عام ١٩٦٥م، وقدَّم فيه لأول مرة مصطلح «التغيير» shift في الترجمة.
  • (٣)
    النموذج الحافل بالتفصيلات، الذي وضعته كيتي فان لويفن زفارت (۱۹۸۹م و١٩٩٠م)، والذي يستهدف تحليل المفهوم الأساسي للتغييرات على «المستوى الأصغر» microlevel في الترجمة، وقياس آثارها على المستوى الأكبر macrolevel (والأعم).
أعاد فيناي وداربلنيه النظر في كتابهما الذي نُشر بالفرنسية عام ١٩٥٨م، وتجلَّت ملامح «إعادة النظر» في الترجمة الإنجليزية التي نُشرت عام ١٩٩٥م؛ ولذلك فقد أصبحت الأخيرة هي الصورة التي نعتمد عليها لذلك الكتاب، وإن كانت الطبعة الفرنسية قد أثرت في تفكير كثير من الدارسين الأوروبيين، الذين وضعوا دراساتٍ موازية في عِلم الأسلوب المقارن (بين الإنجليزية والألمانية، وبين الإنجليزية والإسبانية مثلًا)، وهكذا فإن الكتاب يتضمن جوهرًا يمكن الاستفادة به خارج نطاقه المحدد (وهو مقارنة الإنجليزية بالفرنسية). وأهم ما يسميه الباحثون «الاستراتيجيات العامة للترجمة» التي وضعها هذان الباحثان، استراتيجيتان هما الترجمة المباشرة direct translation، والترجمة غير المباشرة oblique translation، وهما تذكِّراننا بالترجمة الحَرفية والترجمة الحرة، بل إن المؤلفَين يستخدمان المصطلح نفسه «الحَرفية» موازيًا، بل مرادفًا، للترجمة المباشرة. وتتضمن هاتان الاستراتيجيتان سبعة مناهج، يخص «المباشرة» منها ثلاثة، هي:
  • (١)
    الاقتراض Borrowing: وهي ما نسميه «التعريب» لدينا، أي إدخال الكلمة الأجنبية كما هي، ورسمها بحروف عربية، وهو ما نلجأ إليه في تعريب العلوم الطبيعية والمصطلحات التقنية. ويُجرى الاقتراض من العربية للغات الأخرى أيضًا؛ فتُكتب كلمة انتفاضة بحروفٍ لاتينية، وتجري مجرى الكلمات المستعارة في اللغات الأوروبية. ويطلق العلماء العرب على الألفاظ «المقترَضة» مصطلح الدخيل، وقد يدخل «الدخيل» بعد فترة في عداد الفصحى، أو يظل في إطار العامية.
  • (٢)
    النقل بالمحاكاة Calque: أصل المصطلح هو نقل كلمة ذات دلالة خاصة بترجمة أجزائها لوضع كلمة تحاكي المصدر، ثم تكتسب معنًى مستقلًّا، مثل كلمة masterpiece الإنجليزية التي نترجمها بتعبير «عمل فني رائع» وجمعها «الروائع» فحسب، فهي مبنية على الألمانية meisterstück، ولكن المؤلفَين يعنيان بالمصطلح شيئًا آخر، قائلَين إنه «نوع خاص من الاقتراض» (ص٨٥ من كتاب فينوتي، ٢٠٠٠م)، يُنقَل فيه التعبير أو البناء، عن طريق الترجمة الحَرفية، من اللغة المصدر إلى اللغة المستهدَفة، مثلما نفعل في العربية عندما ننقل تعبيرًا مثل «في التحليل الأخير» in the final analysis بدلًا من ترجمته إلى الفصحى المعيارية بتعبير «في آخر المطاف» أو «المحصلة هي» … إلخ. وكما نقل بعضهم تعبير «طراد الإوز البري» a wild goose chase بدلًا من ترجمته إلى الفصحى المعيارية بتعبير «محاولة لا طائل من ورائها»، وقد تصبح مثل هذه الأبنية بعد فترة من الزمن جزءًا لا يتجزَّأ من المصطلح اللغوي للغة المستهدَفة، وقد توحي بمعنًى غير المعنى المقصود؛ فتصبح مضللة (وهو ما يطلق عليه مصطلح «الأصدقاء الخونة» false friends).
  • (٣)
    الترجمة الحَرفية Literal translation: (ص٨٦–٨٨) من كتاب فينوتي، وهي الترجمة التي تلتزم بالكلمات نفسها في اللغتين، ويقول المؤلفان إنها أكثر أنواع الترجمة شيوعًا فيما بين اللغات التي تنتمي إلى العائلة اللغوية ذاتها، والثقافة نفسها، وهما يضربان لها مثالًا من الإنجليزية والفرنسية (بطبيعة الحال) وهو:
    I left my spectacles on the table downstairs.
    J’ai laissé mes lunettes sur la table en bas.
    • «تركت نظارتي (عويناتي) على المنضدة في الطابق الأسفل.»

    ويحبِّذ المؤلفان الترجمة الحَرفية باعتبارها أفضل طرائق الترجمة، قائلين إنها لا يجب التضحية بها إلا للضرورات البنائية والثقافية، وبعد التأكد من أن المعنى لم تضِع منه ذرة واحدة، وهو ما يذكِّرنا بما قاله «نايدا» و«نيومارك» (انظر الفصل السابق)، ولكن المترجم قد يجد أن الترجمة الحَرفية «غير مقبولة» في الحالات التالية:

    • (أ)

      إذا أدت إلى معنًى مختلف.

    • (ب)

      أو لم يكن لها معنًى.

    • (جـ)

      أو كانت مستحيلة لأسبابٍ «بنائية».

    • (د)

      أو إذا لم يكن هناك تعبير مقابل في إطار ثقافة اللغة المستهدَفة.

    • (هـ)

      أو إذا كانت مقابلة لشيء على مستوًى لغوي مختلف.

    وهكذا ينتهي فيناي وداربلنيه إلى أنه إذا تعذَّر إخراج ترجمة حَرفية، فعلى المترجِم أن يلجأ إلى الترجمة غير المباشرة، وهي تتضمن أربعة مناهج أخرى:

  • (٤)
    الإبدال الصرفي Transposition: (فينوتي ۲۰۰۰م، ص٨٨)، ومعناه إبدال الصورة الصرفية للكلمة في النص الأصلي (المصدر) بصورة صرفية أخرى، دون تغيير المعنى، وقد يكون الإبدال لازمًا أو اختياريًّا، فهو:
    لازم obligatory حين تقتضي أعراف اللغة المستهدَفة ذلك، كترجمة التعبير الإنجليزي as soon as she got up بالعربي «فور استيقاظها»، وبالفرنسي des son lever.
    واختياري عندما تسمح أعراف اللغتين بذلك، فقد نترجم التعبير العربي «فور استيقاظها» بتعبير the minute she got up، أو بالفرنسي dès qu’elle s’est levé، أو بالتعبيرَين الإنجليزي والفرنسي السالفَين.

    ويرى فيناي وداربلنيه أن الإبدال الصرفي قد يكون أكثر أنواع التغيير البنائي شيوعًا بين المترجمين، وأنا أوافقهما على ذلك — استنادًا إلى خبرتي الشخصية — وقد سبق لي أن ضربت المثل ببعض نماذج من الترجمات التي قرأتها أو قمت بها، والمثل الذي يحضرني هو قول إبليس بعد سقوطه (في الفردوس المفقود):

    Better to rule in hell than serve in heav’n.

    إذ ترجمتها بالإبدال الصرفي قائلًا:

    سيد في جهنم خير من عبد في الجنة.

    إذ تحوَّل الفعل (في صيغة المصدر الإنجليزية) إلى اسم بالعربية، ولم يكن ذلك إبدالًا صرفيًّا اختيارًا، بل كان لازمًا، بسبب المعنى الذي يريد ميلتون لإبليس أن يبلغه، إلى جانب ما في النص العربي من محاولة إخراج «التعادل» في البناء والتأثير. ويعدد المؤلفان فئات الإبدال الصرفي، وأظنها لا تقل عن عشر فئات، مثل تحويل الفعل إلى اسم، أو الحال إلى فعل، وهلمَّ جرًّا.

  • (٥)
    تغيير النظرة Modulation: وهو التحوُّل الذي يطرأ على الدلالة على وجهة النظر القائمة في النص الأصلي (المصدر) وصياغتها، والمصطلح الأجنبي يطلق أصلًا على أي تغيير أو «تعديل» لإخراج الصورة المطلوبة في أي شيء؛ ففي الموسيقى يكون بتغيير «المقام» key، وفي المخاطبة بتعديل «النبر» stress، أي الضغط على المقاطع accent، أو رفع الصوت بها pitch، أو الارتفاع بنغمتها tone، وفي العَروض يوازي «الزحاف» بالعربية، وفي الراديو يوازي تغيير «الموجة»، ولكن المؤلفَين يستعملانه هنا للدلالة على تغييرٍ في صياغة النص، يؤدي إلى «ضبط النظرة» في حدود اللغة المستهدَفة، وقد يكون ذلك إلزاميًّا أو اختياريًّا:
    فهو إلزامي، حين تستدعيه طبيعة اللغة المستهدَفة، وهما يضربان المثل من ترجمة the time when إلى الفرنسية بتعبير le moment où التي تعني حرفيًّا the moment where أي تغيير «حين» إلى «حيث» تبعًا لقواعد اللغة الفرنسية، وإن كانت تبدو غير منطقية لنا، ﻓ «الوقت» أو «اللحظة» تقتضي «حين»، لا «حيث»، ونحن نفعل ذلك بالعربية استنادًا إلى حدس المترجم وحده، وانظر المثال التالي:
    Playing the lute is his favourite hobby, but singing is where he excels.

    أي: عزف العود هوايته المفضَّلة، ولكنه يتفوق في الغناء.

    وقد يصر البعض على ترجمة معنى where قائلين «ولكن الغناء هو مجال تفوقه»، بل قد يقول البعض «ولكن الغناء هو حيث يتفوق»، أي أننا أبدلنا «حيث» بحرف الجر «في»، وانظر مثالًا آخر:
    The killing of civilians in time of war is, while inevitable, usually condemned.

    عادة ما يُدين الناس قتلَ المدنيين في زمن الحرب، وإن كان ذلك محتومًا (= على حتمية ذلك).

    أي أننا أبدلنا while بتعبير «وإن»؛ فهذا هو معنى التعبير الإنجليزي، وهو كما يقول المتخصصون even though، والطريف أن يصر البعض على ترجمة while بكلمة «بينما»، وعندما كثر التنبيه على خطأ الاستعمال العربي لهذه الأداة في هذا الموقع، أبدلوها بشِبه جملة، هي «في حين»، بل إن الأخيرة قد شاعت حتى كادت تكتسب معنى «وإن»، والتعبير العربي «وهو» يفي بمعنى الحال كما هو معروف، وقد ينقل معنى النص الإنجليزي أيضًا؛ فإذا كان المثال الحالي لا يكاد يسمح باستعمال «بينما» أو «في حين» (بينما ذلك محتوم! في حين أن ذلك محتوم!)؛ فإنه قد يسمح باستعمال «وهو» «الحالية».

    فالواو هي «واو الحال» أو «الواو الحالية»، ومثالها من المتنبي:

    ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن
    يسيء لي فيه كلب وهو محمود
    I never thought I’d live up to a time when/A cur would wrong me while praising him.
    أي إنك إن كنت تريد الإفادة عن معنى while، سواء كانت بمعنى الحال، أو بمعنى الاستدراك (وإن كان ذلك)، فعليك إبدال «بينما» أو «في حين» بتعبيرٍ آخر. وتغيير النظرة قد يكون اختياريًّا حين يكون من ثمار فكر المترجم (أي قراءته للنص)، أو أسلوبه، مثل اختيار المترجم أن يقول «ليس من الصعب» بدلًا من «يسهل»، أو «من السهل»؛ فالتعبيران ليسا مترادفَين، والعربية تقبلهما، ولكن المترجم قد يرى أن النص الأصلي «يوحي» بالتعبير الذي اختاره، أو لأنه يفضِّله أسلوبيًّا، ويبرره المؤلفان لسببٍ آخر، وهو أن يكون التعبير في الترجمة الحَرفية — على دقته — غير متفق كل الاتفاق مع مصطلح اللغة المستهدَفة، أو إذا رأى المترجم أنه ركيك، أو قلق فيها (فينوتي، ٢٠٠٠م، ٨٩). ويؤكد فيناي وداربلنيه أهمية تغيير النظرة تأكيدًا شديدًا، قائلين إنه المحك الذي يدل على تمكُّن المترجِم من صنعته، وأما الإبدال الصرفي، فلا يدل إلا على إتقان اللغة المستهدَفة، في نظرهما. وهما يقسمان تغيير النظرة على مستوى «الرسالة» إلى أقسام فرعية على النحو التالي:
    • تحويل المجردات إلى مجسدات.

    • العِلة والمعلول.

    • الجزء والكل.

    • الجزء وجزء آخر.

    • نفي النقيض (نفي النفي).

    • تحويل المبني للمعلوم إلى مبني للمجهول (والعكس).

    • التعبير بالمكان عن الزمن.

    • إعادة صياغة الفواصل والحدود (زمنيًّا ومكانيًّا).

    • تغيير الرمز (بما في ذلك الاستعارات الثابتة والجديدة).

    وهكذا فإن الفئة الأخيرة تشمل ضروبًا منوعة — بل بالغة التنوع — من الظواهر اللغوية.

  • (٦)
    التعادل Equivalence: يستعمل فيناي وداربلنيه هذا المصطلح (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص٩٠) في الإشارة إلى الحالات التي تصِف فيها اللغات المختلفة حالة معينة بوسائل أسلوبية أو بنائية مختلفة. و«التعادل» هنا ذو فائدة كبرى في ترجمة المصطلح اللغوي، مثل ترجمة upper hand باليد الطولى، لا اليد العُليا (فالأخيرة تتصل بالتصدق كما في الحديث الشريف)، وترجمة He’s high and dry بمصطلح لقد تقطعت به السبل، وترجمة He got off scot-free بمصطلح أفلت من العقاب، أو كُتبت له السلامة (انظر كتابي Dictionaries for the Translator)؛ إذن فإن المعنى المحدد للتعادل عند هذَين المؤلفَين يختلف عن الاستعمال النظري الشائع الذي ناقشناه في الفصل السابق.
  • (٧)
    التطويع Adaptation: ومعناه تغيير الإحالة الثقافية الواردة في النص الأصلي إلى ما يقابلها في ثقافة النص المستهدَف، وقد يكون ذلك على مستوى اللفظ المفرد، وقد يكون على مستوى مفهوم أوسع؛ فالإدام بالعربية ما يؤتدَم به، أي ما يُستمرأ به الخبز (كالجبن أو اللحم)، ولكن هذا المفهوم لا معادل له، ولا بد من تطويعه بإيجاد المقابل، مثل «الزبد»، فعندما يقول حافظ إبراهيم في وصف حال الفقير:
    إن أصاب الرغيف من بعد كدٍّ
    صاح من لي بأن أصيب الإداما

قد يرى المترجِم أن يحوِّل مفهوم الإدام إلى الزبد:

Hard-winning a loaf of bread, he’d cry ‘How can I get any butter to go with it?’

ويقول المؤلفان إن الفئات السبع المذكورة لها ثلاثة مستويات، هي مستوى الألفاظ ومستوى الأبنية (التراكيب) ومستوى الرسالة، وهما يتوسَّعان في التقسيم والتصنيف، مما لا حاجة بنا إلى تلخيصه، لأنه في معظمه تكرار لما سبق، ولو بألفاظٍ ومصطلحات أخرى، ولكنهما ينتهيان إلى وضع خمس خطوات ينصحان المترجم باتخاذها عند الانتقال من النص الأصلي إلى النص المترجَم، وهي:

  • (١)

    تحديد وحدات الترجمة.

  • (٢)

    فحص النص المصدر مع تقييم المضمون الوصفي والعاطفي والفكري للوحدات.

  • (٣)
    إعادة بناء السياق غير اللغوي (metalinguistic) للرسالة.
  • (٤)

    تقييم الآثار الأسلوبية.

  • (٥)

    إعداد الترجمة وتنقيحها.

ويتبع المؤلفان الخطوات الأربع الأولى في تحليل بعض الترجمات المنشورة، وعندما يتعرضان للمسألة الأولى (وهي القضية الأساسية)، يرفضان أن تكون وحدة الترجمة هي الكلمة المفردة، بل يريان أن وحدة الترجمة تتكوَّن من مزيجٍ من الوحدة اللفظية lexicological unit و«الوحدة الفكرية» unit of thought، وهما يعرِّفانها في كتابهما (ص٢١ من الترجمة الإنجليزية، ١٩٩٥م) بأنها «أصغر شريحة من الكلام المنطوق، ترتبط العلامات فيها بروابط تُلزم المترجِم بألَّا يترجم أيًّا منها على انفراد». والطبعة الإنجليزية تختلف عن الأصل الفرنسي (١٩٥٨م) في أن المؤلفين أصبحا يعتبران هذه الوحدات «مجموعات فكرية مترابطة»، وتسهيلًا للمقارنة يقترحان أن يضع الباحث أرقامًا مسلسلة لها ولمقابلاتها في النص المترجم؛ حتى يمكنه إعداد جدول يضاهي النص المستهدَف فيه بالأصل وحدةً وحدةً.
وإذا كان فيناي وداربلنيه لم يستخدما كلمة «التغيير» shift في مناقشة التغييرات التي تحدث في الترجمة، فإنهما قد سبقا كاتفورد Catford إلى هذا المفهوم، حتى وإن كان يُنسَب إليه؛ لأنه هو الذي استخدم المصطلح في كتابه الصادر عام ١٩٦٥م (انظر المراجع). وكاتفورد يتبع في كتابه المذهب الذي وضعه فيرث Firth وهاليداي Halliday من اعتبار اللغة وسيلة توصيل، وهو يحلل اللغة باعتبارها «جهازًا» يؤدي وظيفة محددة في سياقٍ محدَّد، وعلى عدة مستويات؛ منها مستوى الأصوات phonology، ورسم الأصوات كتابةً graphology، والنحو grammar، والألفاظ lexis، ومن خلال مراتب ranks مختلفة، مثل الجملة، وشِبه الجملة، ومجموعة الألفاظ، والكلمة، والمورفيم … إلخ. وهذا التقسيم هو الذي أصبح أساس الدراسة التي يُطلَق عليها اليوم تحليل الكلام discourse analysis في جامعاتنا، ويطلِق عليها البعض «تحليل الخطاب».
وأما فيما يتعلق بالترجمة، فإن كاتفورد يفرِّق بين التقابل الصوري formal correspondence والتعادل النصِّي textual equivalence، وهو التفريق الذي طوَّره كولر فيما بعد، وسبقت مناقشته في الفصل السابق.

فأما التقابل الصوري، فمعناه توازي موقع أي عنصر من عناصر الترجمة في اللغة المستهدَفة، مع موقع هذا العنصر في اللغة المصدر، وهذا هو التعريف الذي يورده كاتفورد في صفحة ٢٧، وسوف أورده بالعربية والإنجليزية معًا؛ حتى يرى القارئ كيف يلجأ هذا الكاتب إلى التعقيد لإضفاء الطابع «العلمي» على كتابته، وربما كان ذلك التعقيد نفسه من أسباب غروب شمس نظريته؛ فهو تعقيد لا مبرر له. يقول كاتفورد إن التقابل الصوري ينشأ إذا وجدنا:

«فئة من (فئات تقسيم) اللغة المستهدَفة (على مستوى) (الوحدة مثلًا أو الطبقة أو عناصر البناء … إلخ) يمكن القول بأنها تشغل في «اقتصاد» اللغة المستهدفة «نفس» الموقع، إلى أقصى حدٍّ ممكن، الذي تشغله الفئة نفسها من (فئات تقسيم) اللغة المصدر في اللغة المصدر.»

any TL category (unit, class, element of structure, etc.) which can be said to occupy, as nearly as possible, the same place in the economy of the TL as the given SL category occupies in the SL.

وقد وضعت الكلمات التي أضفتها في الترجمة العربية بين أقواس، ابتغاء الإيضاح، ومع ذلك، فما زلت أتصور أن عبارتي الاستهلالية في هذه الفقرة أشد وضوحًا على قصرها، وأما التعادل النصي، فهو «تعادل أي نص في اللغة المستهدَفة، أو أي جزء من هذا النص مع نص من نصوص اللغة المصدر، أو أي جزء من هذا النص.»

وهكذا فإن التعادل النصي يقتصر على وجود نصَّين معًا — وهما المصدر والمستهدَف — أي المترجَم منه، والمترجَم إليه. وأما التعادل الصوري، فهو مفهوم أعم وأشمل، يقوم على «النظام» القائم بين لغتين. ويقول كاتفورد إن افتراق المفهومَين when the two concepts diverge أي عدم تطابق التقابل الصوري مع التعادل النصي، معناه أن «التغير» shift الخاص قد وقع، وهو يعرِّف هذه التغييرات قائلًا إنها «حالات ابتعاد عن التقابل الصوري في غضون الانتقال من اللغة المصدر إلى اللغة المستهدَفة» (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص١٤١).

وكاتفورد يبحث في نوعَين من «التغيير»، هما تغيير المستوى، وتغيير الفئة.

  • (١)
    أما تغيير المستوى Level shift: (فينوتي، ۲۰۰۰م، ص١٤١–١٤٣)، فمعناه التعبير عن شيء بتركيبٍ نحوي في لغة ما، والتعبير عن نفس الشيء في لغة أخرى بلفظة واحدة، كقولك بالعربية «كان حائرًا! ماذا عساه أن يفعل؟» وكلمة «عسى» تترجم بتركيب نحوي في الإنجليزية:
    (He was perplexed! What was he to do?/what could he do?)
    أو التعبير بالماضي عن شيء في لغة، وبالحاضر عن نفس الشيء في لغة أخرى مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (الإسراء: ١٨)، وترجمتها في يوسف علي:
    If any do wish
    For the transitory things
    (of this life), We readily
    Grant them - such things
    As we will, to such persons
    As we will: in the end
    Have we provided Hell
    For them: they will burn
    Therein, disgraced and rejected.
  • (٢)
    وأما تغييرات الفئة Category shifts: فهي التي تستحوذ على معظم تحليلات كاتفورد (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص١٤٣–١٤٧)، وهو يقسمها إلى أربعة أقسام فرعية، هي:
    • (أ)
      التغييرات البنائية Structural shifts: يقول كاتفورد إن هذه أكثر ألوان التغيير شيوعًا، وإنها تتضمن، في معظم الأحوال، تغييرًا في البناء النحوي. فالبناء المعهود في الإنجليزية، وهو الفاعل ثم الفعل ثم المفعول (وفي الفرنسية أيضًا)، ينقلب إلى أبنية أخرى في لغاتٍ أخرى، فعبارة I like jazz الإنجليزية، ونظيرتها الفرنسية j’aime le jazz، تنقلب إلى مفعول به ثم فعل وفاعل في الإسبانية والإيطالية me gusta el jazz; mi piace il jazz، وإلى فعل وفاعل ومفعول بالعربية (أحب موسيقى الجاز).
    • (ب)
      التغييرات في الطبقة Class shifts: وتتضمن هذه تغييرات من شكل (اسم، فعل، حرف)، إلى شكل آخر للكلمة، ويضرب كاتفورد المثل بالعبارة الإنجليزية: a medical student، التي تتحوَّل في الفرنسية إلى un etudiant en médecine بتحويل الصفة إلى شِبه جملة حالية، والمعروف أننا نحوِّلها بالعربية إلى مضاف ومضاف إليه؛ أي إلى اسمَين: «طالب طب» أو «دارس للطب» (لام التقوية).
    • (جـ)
      تغيير الوحدة أو تغيير الرتبة Unit shift or rank shifts: ومعناه أن يكون «المعادل» المترجَم في اللغة المستهدَفة من رتبة تختلف عن رتبته في اللغة المصدر، والرتبة rank هنا تشير إلى الوحدات اللغوية في بنائها التنازلي من حيث الحجم، من الجملة إلى شِبه الجملة إلى مجموعة الكلمات إلى الكلمة ثم المورفيم. ولا يضرب كاتفورد أمثلة لها لأنها أوضح في رأيه من أن تحتاج إلى أمثلة، ولكن الأمثلة لازمة، فإذا ترجمت عبارة تتكوَّن من صفة، وموصوف مثل linguistic scholar دون تغيير في الرتبة قلت «باحث لغوي» (أو حتى عالم لغوي)، ولكنك قد ترفع الرتبة بتحويل الصفة إلى شِبه جملة «باحث في الدراسات اللغوية»، وقد ترفعها إلى رتبة أعلى، فتقول باحث يدرس «علم» اللغة (أو «اللغة» فحسب)؛ فهنا نجد جملة من فعل وفاعل (مستتر) ومفعول به، وهي في موقع الصفة أيضًا، ولكنها أعلى رتبة. والملاحَظ أن الترجمة العربية تميل في النصوص العلمية الحديثة إلى الجمع بين الحفاظ على الرتبة، إما عن طريق التعريب (وهو ما أسميناه الاقتراض آنفًا)، أو عن طريق ترجمة المصطلحات العلمية حتى تشيع، وتُغنينا عن «رفع الرتبة» (وهو الذي يكون عادة بمثابة شرح أو إيضاح explicitation)، وبين رفع الرتبة حين تتعذَّر «المحاكاة بالنقل» calque، والمثال على ذلك من الإنجليزية هو ما ورد في نص علمي حديث ترجمته منذ عهدٍ قريب:
      Ecology is any integrated environment system: a system-based, target-oriented approach is needed for the creation of a commercially viable wild-life conservation strategy.

      «يُقصد بالنظام البيئي (الإيكولوجيا) أي نظام بيئي متكامل، ونحن في حاجة إذن إلى منهاجٍ قائم على هذا النظام، وموجَّه لتحقيق أهداف محددة حتى نضع استراتيجية ناجحة تجاريًّا للحفاظ على الحياة البرية (النباتات والحيوانات في بيئتها الطبيعية).»

      فهذه ترجمة تجمع بين المصطلحات العلمية التي شاعت، واتُّفق عليها، وبين رفع رتبة «مجموعات الكلمات» إلى مراتب شِبه الجملة، أو العبارة المبسوطة، وقد وضعتُ بين أقواسٍ ما قد يفضِّله غيري من المترجمين.

    • (د)
      التغييرات داخل النظام Intra-system shifts: ويُقصَد بها التغييرات التي تُجرى عندما تشترك اللغة المصدر واللغة المستهدَفة في معظم مظاهر نُظمها، وعندما يضطر المترجم إلى اختيار ما لا تتفقان فيه في ترجمته (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص١٤٦)، وهو يضرب المثال لذلك بالإنجليزية والفرنسية اللتين تتفقان في نظم العدد وأداتَي التعريف والتنكير، ولكن النظامين يختلفان أحيانًا، وهكذا فإن advice (النُّصح/النصائح) لفظة مفردة بالإنجليزية، وتقابلها بالفرنسية des conseils وهي جمع، وأداة التعريف الفرنسية la في جملة Il a la jambe cassée تقابلها بالإنجليزية أداة التنكير a في جملة He has a broken leg (أي رجله مكسورة).
ويقول «منداي» (۲۰۰۱م، ص٦١) إن كتاب كاتفورد يُعتبَر محاولة مهمة لتطبيق التطورات الحديثة في علم اللغة على الترجمة تطبيقًا منهجيًّا، ثم ينتقد مذهبه في تحليل «التغييرات داخل النظام» نقدًا شديدًا قائلًا إنه يخلص إلى نتائج توحي لقارئها بالمنهج العلمي (خصوصًا بسبب استخدامه النسب المئوية)، ويبرر ذلك بأنه يرتبط بازدياد الاهتمام في تلك الآونة بالترجمة الآلية machine translation، وقد انتقده «ديليل» Delisle في كتابه بالفرنسية الصادر عام ١٩٨٢م (وتُرجم إلى الإنجليزية عام ١٩٨٨م، بعنوان الترجمة: منهج تفسيري) نقدًا شديدًا بسبب منهجه الذي يتسم بالجمود في الدرس اللغوي المقارن، كما انتقده ر. هنري عام ١٩٨٤م (انظر المراجع) في مقالٍ عرض فيه الكتاب وعرَّض به، وانتهى إلى أنه لم تعُد له سوى أهمية تاريخية «أكاديمية» بمعنى «نظرية»، وإن كان قد امتدح الفصل الأخير عن حدود قابلية الترجمة.
وإنصافًا لكاتفورد نقول إنه يؤكد في كتابه أن التعادل في الترجمة يعتمد على بعض العناصر التوصيلية، مثل الوظيفة function والصِّلة relevance والحالة situation والثقافة culture، لا على المعايير اللغوية الصورية فحسب، ولكنه يشير في صفحة ٩٤ إلى أن تحديد ما له «صِلة وظيفية» في حالة من الحالات يخضع حتمًا للرأي؛ أي يختلف باختلاف الآراء. ويقول منداي (۲۰۰١م، ص٦٢) إن محاسن كتاب كاتفورد يمكن إجمالها في أنه وجَّه الاهتمام إلى الوظيفة التوصيلية للنص باللغة المصدر، وأنه أرسى مصطلحاته على أسس المنهج الوظيفي في تحليل اللغة. ويجمل مثالب الكتاب في أن أمثلته دائمًا مخترعة invented؛ أي موضوعة وغير مستقاة من الترجمات الفعلية، بل إنها دائمًا ما تُقدم خارج سياقاتها. والواقع أن كاتفورد لا ينظر في أي نصٍّ كامل مطلقًا، بل ولا إلى ما ترتفع «رتبته» عن رتبة الجملة المفردة.
وإذا كان كتاب كاتفورد يكتسب أهميته من تركيزه على الجانب التوصيلي، ويفتقر إلى الجانب التعبيري، فلقد برز في الستينيات والسبعينيات مَن اهتموا بالجانب التعبيري للغة، بل وعالجوا الترجمة على مستوى النص كله، لا على مستوى الجملة أو العبارة وحدها، وكان في طليعة هؤلاء جيري ليفي Jiri Levy في تشيكوسلوفاكيا (قبل انقسامها)؛ إذ كتب كتابًا عن الترجمة الأدبية تُرجم إلى الألمانية عام ١٩٦٩م، وهو ذو صلاتٍ حميمة بمدرسة براغ لمنهج البنيوية اللغوي، ويركز في كتابه على البناء السطحي surface structure لنصوصٍ أصلية ومترجَمة، مع الاهتمام بصفة خاصة بترجمة الشعر، وهو يرى أن الترجمة الأدبية نشاط يتضمن جانبَين، الجانب الأول جانب «إعادة الإنتاج» reproduction، والجانب الثاني جانب «العمل الخلَّاق» creative labour، الذي يهدف إلى إحداث تأثير جمالي معادل. وهو يقدم أيضًا تقسيمًا لفئات مظاهر النص التي تتطلَّب معادلتها في الترجمة. وهي؛ المعنى المحدد denotative meaning، وظلال المعاني connotations، والترتيب الأسلوبي stylistic arrangement، والتركيب syntax، والتكرار الصوتي (الإيقاع وما إليه).sound repetition (rhythm, etc.)، وأطوال حروف العِلة vowel length، والربط articulation. ويقول إن أهميتها للترجمة تتوقف على نوع/نمط النص type of text. وقد أثَّر هذا الكتاب في تطور نظرية الترجمة في بلده، ثم في البلدان الأخرى، إلى جانب مقالته التي سبقت الإشارة إليها، وأعاد فينوتي نشرها عام ٢٠٠٠م؛ فهي التي يقيم فيها العلائق بين «التغيير الدلالي التدريجي» للاختيارات اللغوية للمترجمين، وبين نظرية الحساب الرياضي للمكسب والخسارة في اللعب أو التجارة، وهي ما يُطلَق عليها game theory (بسبب علاقة كلمة game بالميسر؛ فهي تعني ذلك فيما تعنيه). وهكذا يرى ليفي الذي تُوفي في شبابه أن ممارسة الترجمة في عالم الواقع نشاطٌ براجماتي، قائلًا:
«إن المترجم يقرر اختيار حلٍّ من الحلول المتاحة، إذا كان ذلك الحل يبشِّر بإحداث أقصى تأثير بأدنى جهدٍ ممكن، أي أنه، استنادًا إلى حدسه وحده، يقرر انتهاج ما يُسمى باستراتيجية الأقصى بالأدنى Minimax Strategy
(من كتاب فينوتي،٢٠٠٠م، ص١٥٦)
والغريب أن النقاد لم يهتموا بهذا المقال، ولم ينصفه إلا فينوتي، الذي أدرجه (في كتابه المذكور) بين مشاهير علماء الترجمة، ولا يقدِّر المقال حق قدره إلا المترجم المحترف، الذي يحسب حسابًا للوقت، وهو الحساب الذي لا يأبه له «علماء» الترجمة النظرية، الذين لا يدركون أن المترجم قد يقضي وقتًا طويلًا (بل أطول مما ينبغي) بحثًا عن مقابلٍ لكلمة أو تعبير؛ فيفقد، في غضون ذلك، الإحساس بالنص، أو قد يخرج من «الحالة» اللازمة لإخراج نص متكامل. والحل الذي اقترحه فيناي وداربلنيه هو «العودة» إلى النص للمراجعة، أو بتعبيرٍ أدق للتنقيح، فكثيرًا ما يجد المترجم عند هذه العودة أن الكلمة التي كان يمكن أن تستهلك وقته قد جاءت «طواعية»، ولكم خبرت ذلك بنفسي؛ ففي ترجمة أبيات للشاعر وردزورث Wordsworth كنت أبحث عن كلمة تفيد النوم والغفلة معًا، أو النوم وحده، إذا استعصى الجمع بينهما، وذلك في ترجمة مطلع الفقرة الخامسة من «خاطرات الخلود» وهو:
Our birth is but a sleep and a forgetting.

وكتبت: ما مولد الإنسان إلا غمضة؛ نوم ونسيان!

ولم أجد في كلمة «غمضة» ما يفي بالغرض، فغيَّرتها إلى «رقدة» في النص المطبوع (انظر مختارات من الشعر الرومانسي الإنجليزي، القاهرة، ٢٠٠٢م)، وصدر الكتاب، ولكن الكلمة ظلَّت تقلقني حتى كنت في مرحلة تنقيح حكاياتٍ من الواحات (وهي الجزء الرابع من سيرتي الذاتية «واحات العمر»)، ووجدتني أشير إلى نفس القصيدة والمطلع، ووجدت الكلمة المنشودة وهي «غفوة»! فخرجت القصيدة بصياغة مختلفة في الكتاب الأخير! وتذكرت ما قاله ليفي في هذا الصدد، وقلت إن ذلك هو التطبيق العملي لاستراتيجية «الأقصى بالأدنى»!

ويتضمن كتاب هولمز Holmes المُشار إليه (۱۹۷۰م) دراستَين أخريين لكاتبَين تشيكيين، الأول هو فرانتيشيك ميكو Frantisek Miko، الذي يناقش التغييرات في «التعبير»، أو في «الأسلوب»، في الترجمة، قائلًا إن الحفاظ على الطابع التعبيري (أي أسلوب) النص الأصلي هو المقصد الأول (وربما كان المقصد الوحيد)، الذي يرمي إليه المترجم (ص٦٦)، ويقترح ميكو تحليل الأسلوب من عدة زوايا، هي ما يسميه الفعالية operativity، والأيقونية iconicity (أي الصور النمطية) والذاتية subjectivity، والتصنُّع أو التكلُّف affectation، والإبراز prominence، والتضاد أو التقابل contrast.
والدراسة الأخرى في الكتاب المذكور للكاتب أنطون بوبوفيتش Anton Popovic الذي يؤكد، لأول مرة، أهمية مفهوم التغيير في التعبير قائلًا:

«إن تحليل التغييرات في التعبير، إذا طُبِّق على جميع مستويات النص، من شأنه الكشف عن النظام العام للترجمة بعناصره السائدة والثانوية.»

(ص٨٥ من كتاب هولمز)
وأقول «لأول مرة»، لأن التغيير هنا يتعلق بالتعبير، وهو الذي يتضمن عناصر جمالية لا تستطيع دراسة التغييرات في المظاهر النحوية أن تُفصِح عنها، كما أنها تغييرات تتعلق بخلفية المترجم التعليمية والثقافية، وجو عصره ومفاهيمه السائدة، ومن ثَم، فهي تكشف عن «نظام المعايير» الذي يحكم عملية الترجمة في عملٍ ما، أو مجموعة أعمال معاصرة، وسوف نناقش ذلك تفصيلًا فيما بعد. وعلينا ألَّا ننسى أن بوبوفيتش وليفي قد كتبا ذلك الستينيات؛ فهما من الرُّواد إذن في هذه «المعالجة الجمالية» للنصوص المترجمة؛ ولذلك، فنحن لا ندهش حين نراهما يبديان التأثُّر بالمقابلة القديمة بين الترجمة الحَرفية والترجمة الحرة، وكان بوبوفيتش يعتبر أن الصراع بين الاتجاهَين ناشئ من الجهود التي يبذلها المترجم واعيًا؛ لإخراج الصورة الجمالية الكلية للأصل إخراجًا أمينًا. وقد طوَّر بوبوفيتش مذهبه بعد هذه المقالة بعدة سنواتٍ في كتابٍ صغيرٍ، أسماه معجم تحليل الترجمة الأدبية (١٩٧٦م)؛ حيث يوازي بين كفاية الترجمة adequacy of translation، وبين «الأمانة للأصل»، و«التعادل الأسلوبي في الترجمة»، ويعرِّف «التعادل الأسلوبي» في ذلك المعجم قائلًا إنه «التعادل الوظيفي للعناصر في الأصل والترجمة، وهو التعادل الذي يهدف إلى التطابق التعبيري بينهما، مع ثبات عنصر آخر، وهو مطابقة المعنى في الترجمة للمعنى في الأصل» (ص٦٣ في كتاب منداي ٢٠٠١م)، ولكننا لا نجد في كتابات ليفي أو بوبوفيتش أي تطبيقاتٍ لمناهجهما في تحليل النصوص المترجمة، ولم يبدأ ذلك إلا على أيدي نايدا ونيومارك، وقد سبق الحديث عنهما، وعلى يدَي باحثة تُدعى كيتي فان لويفن-زفارت، وهي من أمستردام، وقد اتخذت نقطة انطلاقها من بعض «الفئات» التي اقترحها فيناي وداربلنيه، ومن قبلهما ليفي، وجعلت تطبقها على التحليل الوصفي للترجمة، في محاولة لوضع أسس المقارنة المنهجية، وبناء إطار لتحليل الكلام (الخطاب)، يتجاوز مستوى الجملة المفردة.
وكانت فان لويفن-زفارت قد نشرت رسالتها للدكتوراه باللغة الهولندية عام ١٩٨٤م، ثم نشرت ملخصًا لها بالإنجليزية في مجلة تارجت Target في مقالَين عامَي ۱٩٨٩م و۱۹۹۰م؛ فأصبحا المرجع المعتمَد لبحوثها في هذا المجال. وهي تقول إن «النموذج» الذي وضعته في الرسالة «يُقصد منه وصف الترجمات المتكاملة لنصوص القصص الخيالية»، وهو نموذج يتكوَّن من نموذجَين فرعيَّين؛ الأول نموذج مقارن a comparative model، والثاني نموذج وصفي descriptive model. وهي تعتقد، مثل بوبوفيتش، أن هذَين النموذجَين المتكاملين يحددان الاتجاهات التي تشير إلى معايير الترجمة التي يهتدي بها المترجم. أما خصائص كل نموذج، فهي كما يلي:
  • (١)
    النموذج المقارن: (۱۹۸۹م، ص١٥٥–١٧٠) يعني إجراء مقارنة تفصيلية بين النص المصدر والنص المستهدَف، وتصنيف لجميع التغييرات على المستوى البنائي الصغير microstructure (في الجمل والعبارات وأشباه الجمل)، ومنهجها هو:
    تبدأ الباحثة بتقسيم قطع مختارة إلى «وحدات نصِّية مفيدة (أي لها معنًى مفهوم)» تسمى «الخيوط» (أو الترانسيمات إن شئت) transemes، ونحن نترجمها هنا بالخيوط؛ لأن النسيج النصي يتكوَّن منها، وإذن فالخيط النصي هو في نظرها أي «وحدة» لها معنًى مستقل، فجملة he quickly ran off تُعتبَر خيطًا، (ترانسيم) ومقابلتها (في إحدى الترجمات لديَّ) «وانطلق يعدو» (وهي، ونقولها عرضًا، ترجمة مقبولة، ومترجمها ضليع له مكانته الراسخة في قلوب أبناء العربية.)
    ثم تعرِّف الباحثة ما تعنيه بالخيط الأم architranseme، وهو الجوهر الثابت للمعنى في الخيط في النص المصدر، وهو الذي سوف يستعمل في الموازنة بين اللغتَين، أو ما يُسمى بالموازن الثالث tertium comparationis (انظر الفصل السابق)، ويعتبر في المثال الذي ضربناه هنا فعل «العدو» أو الجري (أو الفرار).

    وبعد ذلك تقارن الباحثة بين كل خيط على انفراد، وبين الخيط الأم، وتحدد، على ضوء ذلك، العلاقة بين الخيطَين.

    فإذا كان الخيطان يتسمان بعلاقة الترادف مع الخيط الأم، انتهت الباحثة إلى أنه لم يحدث أي «تغيير» shift، أما إذا غاب الترادف، فذلك يشير إلى تغيير في الترجمة. وهي تقسم التغيير إلى ثلاث فئات رئيسية، والعديد من الفئات الفرعية، فأما الفئات الرئيسية، فهي تختار لها مصطلحات سبقها غيرها إلى استعمالها بمعانٍ مختلفة، وكان ذلك من الصعوبات التي واجهتُها في تقريبها إلى قارئ العربية، فكثرة المصطلحات وتضاربها في هذا العلم/المبحث الجديد قد اشتكى منها نيومارك، ونشتكي نحن منها لأننا نسعى إلى الوضوح، وتقريب أسس شتى النظريات الجديدة إلى قارئ لم يألفها بعد. وأما المصطلحات التي وضعتها «كيتي فان لويفن-زفارت» لهذه الفئات الثلاث، فهي تغيير النظرة modulation. (انظر فيناي وداربلنيه، المنهج الخامس)، والتعديل modification، والتحوُّل mutation. وهاك تعريفًا لكلٍّ من هذه الفئات وفقًا لهذه الباحثة؛ فأما تغيير النظرة فيعني أن أحد الخيطَين، يتفق مع الخيط الأم، ويختلف الخيط الآخر معه، إما في الدلالة، أو في الأسلوب، والمثال الذي ضربناه آنفًا، وهو «انطلق يعدو»، يُعتبَر من الشواهد على تغيير النظرة، لأنه يحذف quickly، وكان يمكن أن يبقيها، وإن كان المترجم قد استعاض عنها بالفعل العربي الموحي بالقوة، دون أن يوحي بالسرعة، وفي التراث لا يوحي الفعل بالسرعة (انظر قصة موسى عليه السلام في سورة الكهف).
    وأما التعديل، فيعني أن الخيطَين — في النص الأصلي والنص المترجم — يختلفان اختلافًا شديدًا عن الخيط الأم، دلاليًّا أو أسلوبيًّا أو تركيبيًّا أو تداوليًّا، أو في عددٍ من هذه العناصر معًا، ومعنى هذا أن الخيط الأم نفسه غير واضح، حتى إذا اتفق الخيطان في عنصرٍ من العناصر السالفة الذكر. وقد يرجع عدم وضوح الخيط إلى أسبابٍ تتعلق بصياغة الخيط المصدر، كأن يتسم بالغموض، أو يشتمل على تورية، أو يتضمن انحرافًا عن مصطلح اللغة المصدر، وقد يتضمن الخيط المترجم هنا تعديلًا لما اعوج في الخيط المصدر؛ بحيث يطمئن الدارس إلى ما يوحي به، ويضع على أساسه «الخيط الأم»، وبهذا يستطيع الباحث أن يحكم بأن تعديلًا ما قد وقع. والمثال الذي يضربه الشراح لهذا اللون من التعديل هو خيط to take arms against في مونولوج هاملت الشهير، في مسرحية هاملت لشيكسبير؛ إذ إن الخيوط المقابلة له في الترجمات الفرنسية (انظر ست ترجمات فرنسية لهاملت) Romy Heylen, Translations, Poetics and the Stage: Six French Hamlets توحي بخيط أم أوحد هو «السلاح»، وأما الخيوط في النصوص الفرنسية، فتتفاوت بين «رفع السلاح» و«حمل السلاح» ويقول الباحثون إن التعديل هنا محتوم لأن نص شيكسبير يحيل القارئ إلى عادة اسكندنافية قديمة، وهي أن البطل المغوار حين يُهزم يعجز عن مواجهة المجتمع؛ فينتحر بأن يحمل سلاحه كاملًا، ويلقي بنفسه في البحر، وهذا بالمناسبة هو ما أوحى به لورانس أوليفييه عندما جعل هاملت يطل من علٍ على البحر أثناء إلقائه هذا المونولوج. إذن فإن «الخيط الأم» يرشدنا، أو يساعدنا في إدراك التعديل الذي أجراه المترجمون الفرنسيون والعرب، وقد فعلته أنا نفسي، وهذه هي الأبيات التسعة الأولى من ذلك المونولوج:
    To be, or not to be: that is the question:
    Whether ’tis nobler in the mind to suffer
    The slings and arrows of outrageous fortune,
    Or to take arms against a sea of troubles,
    And by opposing end them? To die: to sleep;
    No more; and by a sleep to say we end
    The heart-ache and the thousand natural shocks
    That flesh is heir to, ’tis a consummation
    Devoutly to be wished. To die, to sleep;
    III. i. 56–64
    أكون يا تُرى … أم لا أكون؟ هذا هو السؤال!
    فهل من الأشرف للإنسان أن
    يكابد السهام والنبال عندما ترمي بها أقداره الرعناء؟
    أم يحمل السلاح، ثم يلقي نفسه في لجة الأهوال،
    فينتهي النزال بالهلاك، أي بموتٍ لا يزيد عن رقاد؟
    وبالرقاد تنتهي، كما يقال، أوجاع الفؤاد،
    وألف صدمة مما تورث الطبيعة،
    لهذه الأجساد!
    نهاية ما أجدر الإنسان أن يطلبها: موت هو الرقاد!
    وإذا طبَّقنا مبدأ التعديل هنا استنادًا إلى التفاوت بين الخيوط، فسوف نتوقف عند المطلع (إذا كان الخيط الأم هو «الوجود»)، وعند السطر الرابع، فالتعبير الإنجليزي a sea of troubles يعني البحر الهائج (انظر حواشي الجزء الرابع من الفردوس المفقود، ۲۰۰۲م). ولكن الشُّراح قد يذهبون إلى أن الخيط الأم هو «البحر»، فيجدون اختلافًا بين الخيوط جميعًا!

    وأما التحوُّل، فيحدث عند استحالة تحديد «خيط أم» مشترك بين الخيط المصدر والخيط المستهدَف، إما بسبب كثرة الإضافات أو الحذف، أو ما تسميه الباحثة «بالتغيير الجذري في المعنى». وأظن ذلك هو ما نصِفه في العربية بالابتعاد عن النص؛ فالتحويل الذي يخرج عن «الأصل» كثيرًا، ليس من مناهج الترجمة المقبولة، مهما تكن دوافعه، ونحن نثبت فحسب ما قالته الباحثة.

    وتقول الباحثة إن تحديد التغييرات على هذا المستوى «البنائي الصغير» وتصنيفها، يتلوه إحصاء لعدد تواتر كل فئة، وإصدار حكم على التأثير التراكمي باستخدام نموذج وصفي على النحو التالي:

  • (٢)
    النموذج الوصفي The descriptive model: هو نموذج للبناء الكبير macrostructure، ويهدف إلى تحليل الأدب المترجَم، وهو يستند إلى مفاهيم مستقاة من علم السرد narratology، وعلم الأسلوب (ليتش وشورت، ۱۹۸۱م) Leech and Short، ويحاول أن ينسج معًا خيوط المفاهيم الخاصة «بمستوى الكلام» (الخطاب discourse level)، ومعناها التعبير اللغوي عن العالم الخيالي، وأن يمزج بينها وبين المفاهيم الخاصة «بمستوى القصة» story level ومعناها سرد الأحداث في النص، بما في ذلك وجهة نظر السرد، والنظر إلى ثلاث وظائف رئيسية metafunctions للغة (فيما بين الأشخاص interpersonal وخاصة بالأفكار ideational ونصية textual). وهي تدعم ما تقول بخرائط معقدة (في المقالة الثانية، ١٩٩٠م) لا سبيل إلى إيرادها هنا، بل سنكتفي بمثالٍ توضيحي واحد من ترجمة عربية جميلة لإحدى القصص الإنجليزية:
    [He] bore no grudge against anybody, nor ever felt he hated a single person; he rather disliked to see what had become of him. It was nobody’s fault that he lost all his possessions, and he knew it to be an inevitable outcome of a certain social transformation. This was behind the behaviour of those people; they were, like him, victims of transformations attributable only to fate. It was this consciousness that helped him reach peace with all about him.

    لم يكن يحمل في نفسه حقدًا على أحد، ولم يكن يكُنُّ ضغينة لمخلوق، بل كان يكره فحسب ما آل إليه حاله، دون أن يحمِّل أحدًا إثم ما حدث؛ فهو يعلم أن فقدانه الثروة كان نتيجةً محتومة لتحوُّل ما في المجتمع، وأن ذلك التحوُّل هو الذي جعل الناس تسلك هذا السبيل، وأنهم ضحايا مثله للتحولات التي لم يستطع أن ينسبها إلَّا إلى الأقدار، وكان في هذا الوعي مرساة الطمأنينة التي أحس بها إلى من حوله.

أهم ما يمكن رصده، وفقًا لخريطة «لويفن-زفارت» المُشار إليها، هو التحولات الطفيفة slight shifts في وجهة النظر؛ فالجملة الثانية مقدمة من وجهة نظر «البطل»، دون التصريح بذلك، وإن كانت بقيتها (الجملة التي تلي الفاصلة المنقوطة) تؤكد ذلك، وكان يمكن للمترجم أن ينقلها كما هي، مع إضافة «قال في نفسه» مثلًا، لكنه حوَّل العبارة المباشرة إلى تعبير غير مباشر reported speech، وهذا مألوف في العربية، مثلما هو مألوف في الإنجليزية، ويتبدَّى تأثير ذلك بوضوحٍ أكبر في الجملة الثالثة التي لا تتضمن في الإنجليزية أي إشارة إلى أنها من وجهة نظره، وإن كنا واثقين بذلك، واستخدام التعبير غير المباشر indirect speech بعطفها على الجملة العربية السابقة يتضمن تحويلًا طفيفًا في وجهة النظر، أو في التعبير عن وجهة النظر؛ إذ يجعل العبارات العربية الثلاث المبدوءة بالحرف «أن» مرتبطة بالفعل يعلم، وفي هذا «تفسير» للمعنى الكامن في النص الإنجليزي، وإن لم يكن تفسيرًا خاطئًا، ولكن كل هذه التعديلات الطفيفة، في رأي لويفن-زفارت، تغيِّر من التأثير العام للنص، وهي تؤكد صحة ما انتهت إليه في بحوثها التي استعانت فيها بطلاب الدراسات العليا من أن كثيرًا من الترجمات الأدبية الحديثة موجهة للقارئ؛ بمعنى أنها تراعي أولًا تقبُّل القارئ للترجمة، بل تسعى إليه جاهدة، وهي تصفها بأنها «موجهة إلى اللغة المستهدَفة» TT-oriented. ويقول منداي (٢٠٠١م، ٦٥) إن هذه الخطوة التي خطتها «لويفن-زفارت» «بإقامة علاقة بين نتائج التحليل، وبين مستوى أعلى من الاعتبارات النصية، وبمحاولة تحديد المعايير المطبَّقة، تعني أن نموذجها يتخطَّى المقارنات التي تقوم أساسًا على وجهة النظر اللغوية، وهي التي اتَّسم بها عمل «فيناي وداربلنيه» وعمل «كاتفورد»، وهذا تطور مهم يرتبط بما سوف يفعله «توري» في مجال المعايير، ومدى تقبُّل الترجمة.»
ويقدم منداي — مع ذلك — انتقاداتٍ مهمة (۲۰۰١م، ص٦٦) لنموذج «لويفن-زفارت»، وهي انتقادات تتعلق بنظم التقسيم بصفة عامة، وأولها أن النموذج المقارن بالغ التعقيد، وهو ما تعترف به «لويفن-زفارت» إلى حدٍّ ما، وهناك صعوبات عملية في «تسمية» أو «تحديد» أو تقسيم أنواع التغيير shift تقسيمًا موضوعيًّا؛ فهي تقدم ثماني فئات من هذا التغيير وسبعًا وثلاثين فئة فرعية، وهي لا تتميز بوضوحٍ عن بعضها البعض، ولنرجع إلى المثال الذي ضربته من العربية، تدليلًا على صحة انتقاد منداي؛ فالفئة التي وضعت فيها تحليلي لاختلاف وجهة النظر فئة واسعة عريضة، تتضمن فئات فرعية تتضمن استخدام الضمائر المختلفة، والأفعال المختلفة، والأسماء … إلخ، ففي أي فئة فرعية يمكننا أن ندرج النوع المحدد من تغيير وجهة النظر في تلك الفقرة؟ إن النص الإنجليزي يتضمن سبعة ضمائر him, he، والنص العربي يتضمن خمسة — أربعة منها ضمائر متصلة — ولكننا لا نحسب في هذا الإحصاء الضمائر المستترة، وهي من خصائص العربية، فإذا حسبناها، مهما يكن عددها، ومهما يكن مكانها، وقلنا — مثل لويفن-زفارت — إن ذِكر الضمائر يساعد في تحديد وجهة النظر؛ وجدنا أن زيادة عددها في العربية عنه الإنجليزية يؤكد «وجهة النظر»، وهي نتيجة لا تنطبق على ما توصَّلنا إليه من فحص التراكيب أو أبنية الجمل، وعلينا إذن أن نضع أولويات بين التغييرات الجزئية؛ أي في البناء الجزئي microstructure، فنرجح بعضها على البعض الآخر، حتى نتوصَّل إلى نتائج مقنعة بخصوص البناء الكُلي أو البناء الكبير macrostructure.

وينتقد منداي هذا المنهج أيضًا (٢٠٠١م، ص٦٦) بسبب صعوباتٍ عملية أو تطبيقية، قائلًا إن فحص نص طويل لاستخراج التغييرات الجزئية عسير، ويقترح حلًّا لها هو الاستعانة بالكمبيوتر، والاستناد إلى الإحصاءات الإلكترونية، ولكنني لا أعرف إذا كان الكمبيوتر قد تعلَّم إحصاء الضمائر المستترة، وربما لا تزال مستترة عليه حتى الآن! وفي ذلك تنبيه إلى أن ما يصلح للغات الأوروبية قد لا يصلح في جميع الأحوال للغة العربية.

ويقدم منداي انتقادًا ثالثًا لهذا المنهج (۲۰۰۱م، ص٦٦) بسبب اعتماده على ما أسميناه «الخيط الأم»؛ فهو لا يصلح في رأيه — وهو محق — معيارًا لقياس التعادل، على نحو ما رأينا في ترجمة مونولوج هاملت الشهير؛ فهو يخضع لنفس العيب الذي يشوب استعمال الموازن الثالث tertium comparationis، الذي سبق ذكره، فكيف نضع «خيطًا أمًّا» للسؤال الاستهلالي «أكون أم لا أكون؟» هل يكون ذلك استنادًا إلى أن هاملت يسأل نفسه «هل أظل حيًّا أم أنتحر؟» أم إلى أنه يسأل سؤالًا عامًّا عن الوجود والعدم؟ إنه شخصية في مسرحية، ويقول النقاد إننا يجب ألَّا نحكم على أقواله إلا في حدود تلك الشخصية في مواقفها الدرامية المحددة، ولكنَّ نقادًا آخرين يقرءون أشعاره كأنما هي شعر غنائي، أي يعبِّر عن فكر الشاعر مباشرة، ودون المرجعية الدرامية، وعلينا إذن أن نقرر ما إذا كان «الخيط الأم» سوف يكون «الوجود أم العدم؟» وفقًا للتفسير الأخير، أم سيكون «أكون أم لا أكون؟» فتحديد «الخيط الأم» إذن ليس معيارًا يتسم بالموضوعية اللازمة في مبحثٍ علمي مثل «دراسات الترجمة».
وآخر انتقاد يوجهه منداي (في الصفحة نفسها من الكتاب نفسه) يتعلق بمنهج الإحصاء نفسه، وهو انتقاد سبقه إليه «راجوف» Rugoff في كتابه عن الصور الشعرية عند جون دَنْ؛ إذ انتقد مذهب «كارولاين سبيرجون» Caroline Spurgeon في عد مصادر الصور الشعرية وإحصائها وتقسيمها والخلوص منها بنتائج عن الشاعر. فالعد والإحصاء يوازي بين الصورة المهيمنة dominant images وبين غيرها، وقد تكون الصورة «مهيمنة» إما بسبب «موقعها» أو بسبب تأثيرها غير المباشر في غيرها، ولقد تكرر هذا الهجوم على المنهج الإحصائي المُتبع في علم الأسلوب عدة مرات، بدأت بهجوم «فيش» Fish عام ١٩٨١م في دراسة نُشرت في كتابٍ بعنوان مقالات في علم الأسلوب الحديث من تحرير Freeman، ثم بهجوم فيلي فان بير Willie van Peer بعنوان «الدراسات الكمية للأدب»، نشرت في مجلة الحاسوبات والإنسانيات عام ١٩٨٩م، وها هو منداي في كتابه (۲۰۰۱م) يكرر الهجوم نفسه، ويطالب بوضع نقد تحليلي، أو ما يسميه «بالتحليل النقدي لتأثير التغييرات الجزئية أو الصغرى microshifts في تحقيق الحالة التوصيلية والبناء السردي» (ص٦٦).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦