الفصل الرابع

نظريات الترجمة الوظيفية

بعد ما شهدته الخمسينيات والستينيات من محاولاتٍ لوضع تقسيمات تفصيلية للتغييرات اللغوية الصغيرة، التي أطلق عليها «كاتفورد» مصطلح shifts، بين النص المصدر والنص المستهدَف، والتي استند إليها «فيناي وداربلنيه» في وضع «نموذجهما» الذي أثَّر في العديد من دارسي الترجمة فيما بعد، جاءت «لويفن-زفارت» «بنموذج» آخر — وهو نموذج لغوي يتسم بالجمود static — ويعيبه ما عاب النماذج السابقة من عدم وضوح التمييز بين فئات التقسيم والاعتماد على العد والإحصاء، وإن كانت لويفن زفارت، كما رأينا، قد حاولت أن ترتفع بالقياس من مستوى «التغييرات الصغرى» إلى مستوى الكلام (الخطاب)، كما شهدت تشيكوسلوفاكيا مدخلًا آخر إلى تحليل هذه التغييرات في الستينيات والسبعينيات يوجِّه مزيدًا من الاهتمام إلى ترجمة الأسلوب (ليفي، وبوبوفيتش، وميكو).
وسرعان ما تغيَّر اتجاه البحث في السبعينيات والثمانينيات، فابتعد عن حالات الأنماط اللغوية الجامدة في دراسة التغييرات الصغرى في الترجمة، عندما نشأ وازدهر في ألمانيا المدخل الوظيفي والتوصيلي في تحليل الترجمة، ومن أهم ملامحه الدراسات الأولى التي أجرتها كاترينا رايس Katerina Reiss، عن أنماط النصوص text types ووظائف اللغة، ونظرية «فعل الترجمة» translation action التي جاءت بها يوستا هولتس-مانتاري Justa Holz-Mänttäri، ونظرية الترجمة الوظيفية التي وضعها هانز فيرمير Hans J. Vermeer، ونموذج التحليل النصي التفصيلي الذي وضعته كريستيان نورد Christiane Nord؛ فاستمر بفضله مدخل الترجمة الوظيفية في التسعينيات.
وقد بدأت «رايس» عملها في السبعينيات بالبناء على أسس مفهوم التعادل الذي ناقشناه في الفصل الثاني، ولكنها اتخذت النص، بدلًا من الكلمة أو الجملة، إطارًا لتحقيق التوصيل والتعادل؛ أي أنها جعلت مستوى النص كله مجال عمل دارس الترجمة (انظر دراستها المترجمة إلى الإنجليزية، والتي كانت قد صدرت بالألمانية عام ١٩٧٧م، في الكتاب الذي حرَّره تشسترمان عام ١٩٨٩م، وسبقت الإشارة إليه). ويهدف مدخلها الوظيفي بداية إلى «منهجة» تقييم الترجمة systematization، أي إضفاء الطابع المنهجي على دراسات تقييم النصوص المترجمة، وذلك بتقسيم النصوص إلى أنواع أو أنماط types، وقد استعارت التقسيم الذي كان كارل بوهلر Karl Bühler قد وضعه بالألمانية عام ١٩٣٤م (وأعيد نشره عام ١٩٦٥م) للفئات الثلاث لوظائف اللغة، واستندت إليها في إقامة علاقة بين كل وظيفة منها وبين «أبعادها» اللغوية، وبين أنماط النصوص، أو الحالات التوصيلية التي تستعمل فيها. وأما الخصائص الرئيسية لكل نمطٍ من أنماط النصوص، فتلخصها «رايس» على النحو التالي (من كتاب تشسترمان، ۱۹۸۹م، ص۱۰۸-۱۰۹).
  • (١)
    «التوصيل البسيط للحقائق»: مثل المعلومات، والمعارف والآراء، وما إليها، و«البعد» اللغوي المستعمَل لنقل المعلومات هو بُعد منطقي وإحالي؛ إذ إن المضمون أو الموضوع content or topic هو بؤرة التركيز الأولى في التوصيل، ونمط هذا النص «إخباري» informative.
  • (٢)
    «التأليف الإبداعي»: ويستعمل المؤلف فيه البُعد الجمالي للغة، ويحتل المؤلف أو «مرسل الرسالة» (المرسل sender) موقعًا بارزًا، أي يشغل مكان الصدارة foregrounded، وكذلك شكل الرسالة، ونمط هذا النص تعبيري expressive.
  • (٣)
    «طلب الاستجابة السلوكية»: تهدف وظيفة الدعوة the appellative function إلى دعوة قارئ النص، أو متلقي الرسالة، أو إقناعه بالقيام بعملٍ ما، وشكل اللغة حِواري dialogic، وتركيزها ينصب على الدعوة، وتُطلِق رايس على هذا النمط من النصوص مصطلح النص الداعي للعمل operative.
  • (٤)
    النصوص السمعية الوسائطية audiomedial، مثل الأفلام والإعلانات المرئية والمسموعة، وهي التي تضيف إلى الوظائف الثلاث الأخرى صورًا بصرية أو موسيقى، وما إلى ذلك بسبيل، وهذا هو النوع الرابع الذي أضافته رايس إلى ما استعارته من بوهلر، ولا يُورده شسترمان، بل يشير إليه منداي (۲۰۰۱م، ص۷۳).
وسوف نلخص ما يترتب على هذا التقسيم بالنسبة للمترجم، ولطبيعة النص المترجَم، استنادًا إلى الجدول الذي وضعه منداي (۲۰۰۱م، ص٧٤). فأما النص الإخباري، فوظيفة اللغة فيه «إخبارية»؛ أي تقتصر على تقديم الحقائق والأشياء، والبُعد اللغوي لها منطقي، كما سبق أن قلنا، والنص يركز على المضمون، ومن ثَم، فيجب أن يقتصر النص المترجم على المضمون الإحالي referential content، وأن يكون أسلوب الترجمة هو النثر البسيط مع الإيضاح التصريحي explicitation إذا اقتضى الأمر ذلك.
وأما النص التعبيري، فوظيفة اللغة فيه تعبيرية؛ أي تعبِّر عن موقف المُرسل، والبعد اللغوي له جمالي، كما سبق أن قلنا، وتركيز النص على الشكل، ومن ثَم يجب أن يقوم النص المترجَم (المستهدَف) بنقل الشكل الجمالي، وأن تتسم طريقة الترجمة بمحاكاة «منهج» النص، واتخاذ وجهة نظر النص المصدر أو المؤلف. وأما النص الداعي للعمل، فهو تخاطبي أو حواري، ويركز على ما يدعو القارئ إليه، ويجب على المترجم، من ثَم، أن يُخرج نصًّا قادرًا على تحقيق الاستجابة المنشودة، وأن تتسم طريقة الترجمة بالتطويع adaptive؛ أي بالتعديل والتحوير؛ ابتغاء تحقيق تعادل التأثير (الأثر المعادل equivalent effect).
وسوف يرى القارئ في الصفحة المقابلة خريطةً لنماذج من أنواع النصوص أو أجناسها بالألمانية Textsorte المرتبطة بكل نمطٍ من أنماط النصوص التي حددتها رايس، والتي قدمها تشسترمان في كتابه في شكلٍ توضيحي مبسَّط. فإذا تأمَّلنا هذا الشكل، وجدنا أن الكتاب المرجعي هو أصدق ما يمثِّل النمط الإخباري من النصوص، وأن القصيدة تمثِّل النص التعبيري، فهي النمط الذي يركز على الشكل، وأن الإعلان هو أوضح مثالٍ للنص الداعي؛ إذ يحاول دعوة القارئ (أو المتلقي) أو إقناعه بشراء شيء أو عمل شيء ما. وفيما بين هذه الأقطاب الثلاثة توجد مجموعة كبيرة من الأنواع الهجين من أنماط النصوص، فالكتاب الذي يروي سيرة شخصٍ ما يقع في مكانٍ ما بين النمط الإخباري والنمط التعبيري، فهو يقدم معلوماتٍ في موضوعه إلى جانب أداء الوظيفة التعبيرية (ولو إلى حدٍّ محدود) للنص الأدبي. وكذلك فإن الموعظة أو الخطبة الدينية تقدم معلومات (عن الدين)، وتقوم في الوقت نفسه بتحقيق وظيفة الدعوة، بمحاولة إقناع المستمعين باتخاذ مسلكٍ معينٍ في «العمل». وعلى الرغم من وجود هذه الأنواع الهجين — أو المختلطة — فإن «رايس» تقول: إن «نقل الوظيفة المهيمنة للنص المصدر هي العامل الحاسم الذي نحكم بمقتضاه على النص المستهدَف» (تشسترمان، ۱۹۸۹م، ص۱۰۹)، وتقترح أساليب ترجمة محددة لكل نمطٍ من أنماط النصوص، وفقًا لما أوردناه في الفقرة قبل السابقة.
figure
مفهوم رايس لأنماط النصوص وأنواعها (من كتاب تشسترمان، ۱۹۸۹م، ص١٠٥، استنادًا إلى ورقة أعدَّها رولاند فرايهوف Roland Freihoff).
والواقع أن رايس كانت قد وضعت معايير محددة للحكم على الترجمة، ومدى كفاءتها، في كتابٍ لها صدر بالألمانية عام ١٩٧١م، وصدرت ترجمته الإنجليزية عام ٢٠٠٠م من ترجمة E. F. Rhodes بعنوان نقد الترجمة: الإمكانات والحدود (انظر المراجع) وهي:
  • (١)
    المعايير اللغوية الداخلية Intralinguistic criteria: دلالية، ولفظية، ونحوية وأسلوبية.
  • (٢)
    المعايير الخارجة عن اللغة Extralinguistic criteria: الحال، ومجال الموضوع، والزمن، والمكان، والمتلقي، والمرسل، و«الإيحاءات الشعورية» (الفكاهة، والسخرية، والعاطفة، وما إلى ذلك).

ورغم الترابط فيما بين هذه المعايير، فإن أهميتها تتفاوت وفقًا لنمط النص، على نحو ما قلناه بأن ترجمة أي نصٍّ يرتكز على المضمون يجب أن تهدف أولًا إلى الحفاظ على تعادل الدلالة، ولكن «رايس» تضيف أنه إذا كان من المحتمل أن يضع مترجِم النص المستهدَف لنبأ من الأنباء المعايير النحوية في المرتبة الثانية، فمن المحتمل أن يهتم مترجِم الكتب العلمية الشعبية (المبسَّطة) بمحاكاة النص الأصلي؛ تقريبًا لمفاهيمه من القراء. وعلى غرار ذلك، تقول «رايس» إن الحفاظ على الاستعارة في الترجمة أهم في حالة النص التعبيري منه في حالة النص الإخباري المستهدَف، حيث تكفي ترجمة «القيمة الدلالية» وحدها. وهاك نماذج قصيرة لأنماط النصوص والمعايير المستعمَلة في الحكم عليها وفقًا لنظرية رايس، ومدى تداخُل هذه المعايير في الحكم على الترجمة:

صدرت عن الحكومة الإسرائيلية تصريحات أمس، تعبِّر عن «غضبها» إزاء ما أسمته بالتصريحات «غير اللائقة» التي تصدر عن مصر ضد أريل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي، وذكر راديو لندن أن شارون أصدر بيانًا أمس جاء فيه أن مصر تحاول التدخل في الشئون الداخلية لإسرائيل، مشيرًا إلى الدعوات التي وجَّهتها القاهرة إلى خمسة من أقطاب حزب العمل الإسرائيلي لزيارة مصر.

وفي ردِّه على التصريحات الإسرائيلية، أعلن أحمد ماهر وزير الخارجية أن مصر لا تتدخل في الشئون الداخلية لإسرائيل، وإنما تتدخل في شئون السلام، وقال إن حزب العمل جزء من الحكومة الإسرائيلية، وإن الذين زاروا مصر من حزب العمل هم وزيرا الدفاع والخارجية والكنيسيت.

(الأخبار، ١٢ /٨/ ٢٠٠٢م)
Statements by the Israeli government yesterday expressed anger over what it called Egyptian inappropriate statements against Ariel Sharon, Israel’s Prime Minister. London Radio said that Sharon made a statement yesterday in which he accused Egypt of trying to interfere in Israeli internal affairs, citing the invitations to visit Egypt, extended by Cairo to five leading Israeli Labour party members.
Responding to the Israeli statement, Egyptian Foreign Minister Ahmad Maher said that Egypt did not interfere in Israel’s internal affairs but rather interfered in the affairs of peace. “The Labour Party”, he said, “is part of the Israeli government, and those who visited Egypt were two Israeli cabinet ministers—of Defence and Foreign Affairs—and Knesset members.”
هذا — بوضوح وجلاء — نص إخباري، وهو يتضمن «حقائق» معينة لا بد من نقلها في النص المستهدَف بأكبر قدرٍ من الدقة، لنقل المضمون، وللمترجم أن يغيِّر ما شاء من الأبنية النحوية، وغيرها، في سبيل إخراج الدلالة، بل له أن يجور على الصياغة الاصطلاحية (الفصحى) idiomatic للغة المستهدَفة إذا اقتضى الأمر ذلك؛ فالأفضل في الإنجليزية المعاصرة أن نقول في هذا السياق described بدلًا من called، والأفضل أن نقول references to بدلًا من statements against في الجملة الأولى، والأفضل أن نقول في الجملة الثانية according to the BBC، ولكن ذلك قد يعدِّل من المعنى تعديلًا طفيفًا؛ لأن ذِكر لندن في الخبر له «إيحاءات» معينة سوف تضيع إن حذفنا الكلمة، ولكن للمترجم أن يعدِّل — كما تقول رايس — البناء النحوي، وهو ما حدث في الجملة الأخيرة، التي تحوَّلت من صيغة الحديث غير المباشر إلى صيغة الحديث المباشر، وأضافت كلمة members إيضاحًا للمعنى إلى كلمة «الكنيسيت» الأخيرة؛ فهذا هو المقصود. وهكذا تدخَّلت بعض المعايير «الأخرى» في الحكم على النص المستهدَف، أو على الترجمة. وإليك نموذجًا آخر من كتابٍ علمي مبسَّط:
We have already learnt that the stars are great spheres of incandescent gas — objects of the same general type as the sun. When we consider how much brighter the sun is than even the most brilliant star, we will naturally and correctly conclude that the stars are many times more distant from the earth than the sun is. It is possible by various methods to determine the distance of the stars with considerable accuracy.
Sidgwick, Introducing Astronomy, p. 85

سبق أن علِمنا أن النجوم كراتٌ ضخمة من الغاز المتوهج؛ أي أنها تنتمي إلى النوع العام نفسه الذي ينتمي إليه الشمس. فإذا تأمَّلنا مدى زيادة سطوع الشمس حتى عن أشد النجوم سطوعًا، استطعنا أن نتوصَّل إلى نتيجة طبيعية وصحيحة، وهي أن النجوم تبعد عن الأرض مسافة تزيد عدة مراتٍ على بُعد الشمس عنها، ويمكننا استخدام طرق مختلفة لتحديد مدى بُعد النجوم عنا بدقة كبيرة.

النص إخباري أيضًا، ولكنه مكتوب بأسلوبٍ مبسَّط؛ لأن الكتاب موجَّه إلى القارئ غير المتخصص؛ ولهذا كان لا بد — كما تقول «رايس» — من مراعاة الأسلوب المبسط في النقل، حتى مع إيلاء الأولوية القصوى للدلالة؛ أي أن معيارًا آخر قد طُبِّق هنا، وهو «البساطة»، أي أنه معيار «أسلوبي» محض، وهو يُعتبر في الواقع «إضافة» إلى معيار نقل «المضمون». ولننظر الآن إلى نماذج من النصوص التعبيرية؛ حيث يكون المعيار الأسلوبي جزءًا لا يتجزَّأ من الشكل، لا إضافة إليه، وأصدق النصوص التعبيرية هي النصوص الشعرية، وسوف أقدم مقطوعة قصيرة للشاعر ابن القرن العشرين روبرت جريفز Robert Graves، اخترتها من دراسة عميقة كتبها الأديب والباحث ماهر شفيق فريد:
Since now I dare not ask
Any gift from you, or gentle task,
Or lover’s promise – nor yet refuse
Whatever I can give and you dare choose –
Have pity on us both: choose well
On this sharp ridge dividing death from hell.
“The Love Poetry of Robert Graves,” by M. S. Farid, in Cairo Studies in English, 1999
إننا نقول إنه نصٌّ تعبيري لأنه قصيدة كُتبت بالنَّظم والقافية، وتعبِّر عن موقفٍ شعوري، ولا بد إذن أن تحافظ الترجمة على الوزن والقافية (إذا شئنا ترجمةً صادقة) وأن تُخرج الموقف الشعوري نفسه، ولكن تأمَّل معي الصياغة الدقيقة للعبارات التي تشكل نحويًّا — أي من ناحية البناء المحض — جملة واحدة، تبدأ بأداة الشرط since، وتنتهي بفعل الأمر Have، وعبارة الأمر التي تتكرر بنائيًّا بفعل أمرٍ آخر هو choose؛ أي أن السطور الستة تشكِّل فيما بينها بناءً دقيقًا، يُعتبَر جزءًا من الشكل الذي تنصح «رايس» بالحفاظ عليه في الترجمة، وتأمَّل معي ما أسميته دقة الصياغة التي تذكِّرك بالصياغة القانونية، بسبب تكرار التحديد في جملة الشرط، وتأمَّل تتابُع بدايات العبارات:
dare not – any – or – or – nor – can – can dare

ويصل الشكل إلى ذروته في العبارة الأخيرة التي لا يمكن للمترجم أن «يغيِّر» منها شيئًا؛ فالموت والجحيم هما الموت والجحيم، ولا شيء سواهما! وهذا الإحساس بالمرارة في ذلك الموقف الذي يصوِّره الشاعر في ذروة القصيدة لا بد أن يُنقل كما هو، ومن وجهة نظر النص الأصلي — كما تقول رايس — إلى قارئ النص المترجَم، ولننظر إلى الترجمة إذن:

ما دمت لا أجرؤ أن أطلب الآن منك
هدية ولا مهمة رقيقة أو عهد حب،
حتى ولا أن أحجب
ما أستطيعه مهما تجاسر اختيارك؛
فأشفقي على كلينا، أحسني اختيار مطلبك،
ونحن فوق حافة مسنونة تفصل بين الموت والجحيم!
ولكن مراعاة الشكل لا تقتصر على رسم الأبيات على الورق؛ فقد يزيد الشاعر من عدد الأبيات نشدانًا لمَا تسميه «رايس»، «بالشكل الجمالي» aesthetic form؛ فهكذا فعل فيتزجرالد في ترجمته لرباعيات الخيام؛ إذ حوَّل كل رباعية إلى فقرة كاملة تنتمي لنظم الشعر الإنجليزي في عصره، وقد يقتضي الشكل الجمالي إخراج الفقرة الإنجليزية، المكوَّنة من أربعة أسطر، في خمسة أسطر في العربية، على نحو ما فعلتُ في ترجمة سونيتة صمويل دانيال؛ إذ لم يتيسَّر إخراجها في أربعة أبيات. وإذا كانت ترجمة المقطوعة السابقة لروبرت جريفز قد حافظت على عدد الأبيات، فهذا ليس ملزمًا؛ إذ قد يقتضي «الضغط» التعبيري في النص المصدر عددًا أكبر من الكلمات في النص المترجَم، (وعددًا أكبر من السطور). وهذا مثال آخر من روبرت جريفز وجدته في مقال ماهر شفيق فريد نفسه:
With you for mast and sail and flag;
And anchor never known to drag,
Death’s narrow but oppressive sea
Looks not unnavigable to me.
(المصدر السابق)
يقول ماهر شفيق فريد، في دراسته المُشار إليها، إن القصيدة تتكوَّن من استعارة واحدة مركبة conceit ممتدة على طول الأبيات الأربعة، وتنتمي، من ثَم، إلى تقاليد القرن السابع عشر (كالشعراء الميتافيزيقيين مثلًا). وهو يقتطف رأيًا لناقدٍ يُدعى مارتن سيمور-سميث Martin Seymour-Smith يمتدح فيه البناء التقني technical الذي وصل إلى حد الكمال، ولم يبلغه شاعر آخر في اللغة الإنجليزية (ص١١٢). وهذا الإحكام التقني، أو الإحكام في فن الصنعة البنائية، هو مربط الفرس هنا؛ فالمترجِم مقيَّد بتفاصيل الصورة (الاستعارة المركبة)، حتى وهو يحاول الحفاظ على الشكل الجمالي الذي يتجلَّى في البناء والوزن والقافية، ويقتضي ذلك الجمع بين معيارَين من معايير «رايس»، هما دقة نقل الشكل (بكل عناصره)، وهو الأولوية القصوى، ودقة الصياغة التي تميز أسلوب هذا الكاتب والشاعر عن غيره. وهذه هي الترجمة العربية:
إن كنت سارية السفينه،
شراعها والراية الأمينه،
وكنت مرساة تحقق السكينه؛
فإن بحر الموت ليس شاسعًا طويلا،
حتى ولو ران على النفس ثقيلا،
ولا أرى الإبحار فيه مستحيلا.

لقد ازداد عدد الكلمات في النص العربي عنه في النص الإنجليزي (من ٢٤ إلى ٢٨)، وزاد عدد السطور من ٤ إلى ٦، ولكنني أظن أن الفكرة الكامنة في تفاصيل الصورة المترجَمة قد خرجت في شكلٍ جمالي معادل لشكل النص الأصلي، وليس النظم وحده معيار الشكل، بدليل وجود كثير من النَّظم بالعربية وبالإنجليزية، الذي لا يرقى إلى مصافِّ الشِّعر، ووجود نثر يرقى إلى تلك المصاف، ولكن المترجم مضطر إلى الالتزام بالنَّظم إن ترجم نَظمًا مهما يكن حظه من الشاعرية، وفي هذه الحالة — كما يقول بعض نقاد «رايس» — يختلط نوعان من «أنماط النصوص»؛ إذ لا يكون نصيب النص المنظوم من الشاعرية إلا الوزن والقافية، وفي هذه الحالة لا مناص من معايير أخرى للمترجِم ودارس الترجمة معًا، وانظر معي كيف ترجمتُ أبيات الحطيئة المشهورة؛ فخرج كل سطر في سطرَين، مع الحفاظ على الوزن والقافية:

الشِّعر صعبٌ، وطويل سُلمه،
والشِّعر لا يستطيعه من يظلمه،
إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه؛
زلَّت به إلى الحضيض قدمه،
يريد أن يعربه فيعجمه!
The craft of verse is difficult,
The road to the top is long;
No one can be a poet
If he gets the metre wrong!
If the uninitiated attempt
Ignorantly the hard ascent
They will certainly slip
And down to the bottom dip!
Trying to make it accessible
They make it incomprehensible!
وكنت أدرجت هذه «الترجمة» في كتابي Comparative Moments للتدليل على أنواع الزحاف المسموح بها في بحر الرجز، واصطحبت الكتاب معي في رحلة إلى الولايات المتحدة، وعندما قرأ بعض الأساتذة الأمريكيين هذه الأبيات، قال لي إنها «هجاء جميل» a beautiful satire فعجبت لأنه لم يكن سمع عن الحطيئة، بل ربما لن يسمع عنها فيما بقي له من العمر، وعندما استزدته، قال إن الشاعر يسخر من غيره من الشعراء ويهجوهم، وهو يستخدم صورة شائعة تذكِّرك بصور ألكسندر بوب Alexander Pope شاعر الكلاسيكية الجديدة في إنجلترا في القرن الثامن عشر (۱۷۸۸–١٨٤٤م)، وقد أثبتت تلك الملاحظة الأبيات في ذهني، وذكَّرتني بنمط «النص الهجين»، الذي وضعته «رايس» في مكانٍ وسطٍ، بين النص التعبيري والنص الداعي؛ فالشاعر يسخر ممن لم يتعلموا حِرفة الشِّعر، ويدعو المبتدئين إلى إحكامها، وقلت فلأستشهد بالأبيات إن احتجت إلى «نصٍّ هجين»! والمعايير التي نقيس بها جودة الترجمة في أمثال هذا النص قد تتطلب دراسة بعض الاعتبارات التي أشارت إليها «رايس»، مثل «الإيحاءات» الكامنة في بعض العبارات، (وأدرجتها في «المعايير الخارجة عن اللغة»)، مثل الفكاهة والسخرية، وربما يفيد المترجِم أيضًا من معرفة الشاعر وحياته وسائر مذهبه الشعري.
ولكن مذهب «رايس» لم يسلَم من الانتقاد، وقد تكاثرت انتقاداتها، وهي ملخصة في كتاب «فوسيت» Fawcett، الذي صدر في عام ١٩٩٧م، بعنوان «الترجمة واللغة» (انظر المراجع)، وأهمها: اقتصار تقسيم أنواع النصوص على ثلاثة، استنادًا إلى افتراض وجود ثلاثة أنواع من الوظائف للغة، وكأنما كانت كريستيان نورد Christiane Nord تشارك فوسيت هذا الانتقاد؛ إذ قالت في كتابها «الترجمة بصفتها نشاطًا هادفًا» (١٩٩٧م): إننا بحاجة إلى إضافة وظيفة رابعة للغة وهي وظيفة «إقامة الصلة» the phatic function، أي إبقاء الصلة قائمة بين المتكلم والسامع، أو بين الكاتب والقارئ (ص٤٠)، (وهي التي قال بها ياكوبسون، انظر كتابنا: «المصطلحات الأدبية الحديثة»، الذي سبقت الإشارة إليه). ويضيف منداي (۲۰۰۱م، ص٧٦) أخيرًا نقدًا يختص بالأسلوب المحدد للترجمة في كل نوعٍ من أنواع النصوص، قائلًا إن بعض النصوص الإخبارية تتضمن استعاراتٍ قد توجد في اللغات الأوروبية المتقاربة، ولا توجد في لغاتٍ أخرى؛ بحيث يكون ما أوصت به «رايس» من اتِّباع أسلوب النثر المبسَّط من قبيل التعميم الذي قد لا يصلح في جميع الحالات؛ فالاستعارات قد تنتمي إلى الاتجاه التعبيري، وينتهي بالتساؤل عما إذا كنا نستطيع التمييز حقًّا، وبسهولة، بين أنماط النصوص، قائلًا: (ص٧٦):

«إن قيام النص المصدر بعدة وظائف معًا في الوقت نفسه، واستخدام النص الواحد نفسه في عدة أغراض، دليلٌ على التداخُل الذي لا يتفق بسهولة مع التقسيمات الواضحة التي وضعتها «رايس». وأخيرًا فإن طريقة الترجمة المستعمَلة تتوقف على عوامل تزيد كثيرًا على نوع النص، مثل دور المترجم نفسه وغرضه، والضغوط الاجتماعية والثقافية …»

ويقول «منداي» (۲۰۰۱م، ٧٧) إن أهمية هذه القضية ترجع إلى الدراسات التي أجراها كلٌّ من «هولتس-مانتاري» وفيرمير في ألمانيا، وأدت إلى نشأة نظرية فعل الترجمة translation action، التي وضعتها هولتس-مانتاري، ونظرية الترجمة الوظيفية skopostheorie التي وضعها «فيرمير»، انظر كتابنا (مرشد المترجم، ۲۰۰۰م) ودراسات هذَين بالألمانية (أي لم تُترجَم إلى الإنجليزية)، فأنا أعتمد على ما ترجمه «منداي»، أو ترجمته «كريستيان نورد»، أو لخصاه منها. فأما «فعل الترجمة»، فيعتبر أن الترجمة تفاعل إنساني هادف موجَّه لتحقيق نتيجة معينة، وأنه يركز على عملية الترجمة باعتبارها «تتركب من الرسالة والمرسل» message-transmitter compounds وهي عملية مركبة، تتضمن «النقل فيما بين ثقافتين» intercultural transfer؛ إذ تقول «هولتس-مانتاري» إن الترجمة «لا تدور حول ترجمة كلمات أو جمل أو نصوص، ولكنها، في كل حالة، تدور حول توجيه التعاون المنشود عبر حواجز ثقافية ابتغاء التواصل الموجَّه إلى تحقيق وظائف معينة» (ترجمة منداي). وهي تصف الترجمة فيما بين لغتَين باعتبارها فعل ترجمة من جانب نص مصدر، وعملية تواصل تتضمن سلسلة من الأدوار و«اللاعبين»، على النحو التالي: هناك صاحب المبادرة أو المبادأة the initiator، وهو الشركة أو الشخص الذي يحتاج إلى الترجمة، ثم مصدر التكليف the commissioner، أي الفرد الذي يتصل بالمترجم لتكليفه بالترجمة، ثم يأتي منتِج النص المصدر the ST producer أي الفرد (الموظف بالشركة)، الذي يتولى كتابة النص المصدر، ولا علاقة له بالضرورة بإنتاج النص المستهدَف، ثم يأتي منتِج النص المستهدَف the TT producer، وهو المترجم، وبعده يأتي مستعمِل النص المستهدَف the TT user وهو الشخص الذي يستعمل النص المترجَم، باعتباره من المواد التعليمية مثلًا، أو من مطبوعات الدعاية للمبيعات، وأخيرًا يأتي مستقبِل النص المستهدَف the TT receiver، وهو المتلقي النهائي للنص المترجَم، مثل الطلاب في فصلٍ دراسي من فصول «مستعمِل النص المستهدَف»، أو الزبائن الذين يقرءون مطبوعات الترويج للسلعة.
ويعرض «منداي» للمثال الذي تضربه «هولتس-مانتاري» لتلك العملية (وهو طلب نص يشرح تعليمات خاصة بتركيب شيء ما)، ثم ينتهي إلى القول بأن نظرية فعل الترجمة تركز تركيزًا شديدًا على إخراج نص مترجَم قادر على أداء وظيفته التوصيلية إلى المتلقي، وهذا يعني — على سبيل المثال — أن شكل ونوع form and genre النص المترجَم يجب أن يهتدي، وينشد ما هو مناسبٌ وظيفيًّا لثقافة النص المترجَم، لا بنقل النص الأصلي فحسب. وأما ما يناسب الثقافة، فيجب على المترجِم نفسه أن يتولى تحديده؛ فهو ينهض بدور الخبير في «فعل الترجمة»، وعليه أن يتيقن أن «النقل بين الثقافتين» قد جرى على خير وجه. ويقول «منداي»: إن «هولتس-مانتاري» تستعمل مصطلح «العمليات الترجمية للنص» في وصف إنتاج النص المستهدَف، وسأُورده بالإنجليزية — من ترجمة منداي عن الألمانية translational text operations — لعل في هذا تذكيرًا للقارئ بمدى ولوع الألمان بالتعقيد؛ فهي تقول إن هذه العمليات تتضمن قيام المترجِم بتحليل النص الأصلي، من حيث بناؤه ووظائف كل جزء من أجزائه، وتصف هذه الأجزاء في إطار التقسيم القديم بين الشكل والمضمون، فأما المضمون، فتقول إنه يقوم على أسس الأبنية المنتظمة tectonics، وإنه ينقسم إلى قسمَين هما (أ) المعلومات الواقعية، و(ب) استراتيجية التوصيل العامة. وأما المضمون فتقول إنه يعتمد على أسس «النسيج» texture، وينقسم إلى (أ) المصطلحات، و(ب) عناصر الربط والتماسك cohesive elements. وتنتهي إلى القول بأن متطلبات المتلقي هي العوامل التي تحدد ما يكون عليه النص المستهدَف؛ فقد يوجد مصطلح فني في النص الأصلي يتطلب إيضاحًا في الترجمة لصالح القارئ غير الملِم به، وتحقيقًا للترابط والتماسك لا بد من ترجمة كل مصطلح في النص بنفس المقابل في النص المستهدَف، حتى لا يتشتت ذهن القارئ.
ويقول «منداي» (۲۰۰١م، ص٧٨) إن قيمة عمل «هولتس-مانتاري» ترجع إلى وضعها الترجمة (أو على الأقل الترجمة غير الأدبية الممارَسة في — شتَّى المهن — وهي المجال الذي تتحدث عنه) في سياقها الاجتماعي والثقافي، بما في ذلك علاقة المترجم بصاحب المبادرة؛ أي الجهة التي تحتاج إلى إجراء هذه الترجمة. وتُورد موسوعة راتلدج للترجمة (۱۹۹۷م) عبارة لشافنر Schaffner، يمتدح فيها هذه النظرية امتداحًا متوقعًا قائلًا:

«يُعتبر مفهوم فعل الترجمة، الذي جاءت به هولتس-مانتاري، ذا صِلة بجميع أنماط الترجمة، كما نرى أن النظرية تتضمن الخطوط الإرشادية اللازمة لكل قرارٍ يتخذه المترجِم.»

(ص٥)
ويقول «منداي» إن توسيع الإطار ليشمل القيود القائمة في حالات الترجمة التجارية الواقعية مفيدٌ في تحليل بعض القرارات التي يواجهها المترجِم وتفهُّمها، ولكن النظرية لا تخلو من المثالب، منها تعقيد مصطلحاتها، مثل مصطلح المركبات من الرسالة والمرسل message-transmitter compounds الذي ترجمناه آنفًا بتحويل الاسم إلى الفعل ابتغاء الإيضاح، فهو تعبير لا يُجدي في شرح حالات الترجمة العملية، كما أنها لا تناقش الاختلافات الثقافية التي تؤثر في «الرسالة» مناقشةً تفصيلية. وأما كريستان نورد فتنعى في كتابها الأول (١٩٩١م) تجاهل «هولتس-مانتاري» للنص المصدر، قائلة (ص٢۸) إنه إذا كانت «الوظيفية» functionality، أي أداء النص المترجَم لوظيفة النص الأصلي نفسها، هي أهم معيار للحكم على الترجمة؛ فإن ذلك لا يمنح المترجِم «رخصة مطلقة»؛ أي حرية كاملة في التصرف في النص المصدر؛ فلا بد من وجود علاقة ما بين النص المصدر والنص المستهدَف، وهذه العلاقة هي التي يحددها الغرض من الترجمة skopos.
وقد نجد نحن العرب مثالب أخرى في هذه النظرية، ولكنها مفيدة في تفسير بعض ظواهر الترجمة إلى العربية في الهيئات والمنظمات الدولية، كالأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، «فالغرض» من ترجمة وثائق هذه الهيئات هو إطلاع المندوبين العرب على آراء غيرهم المكتوبة بلغاتٍ أخرى. وقد نشأَت، على امتداد الأعوام الثلاثين الأخيرة، لغة نمطية للترجمة تحاكي الأصول الأجنبية في كل شيء؛ في البناء مثلًا، وتنظيم أجزاء النص، واستخدام الترقين punctuation؛ «فالوظيفة» أو الغرض هو إخراج صورة صادقة للنص الأجنبي، وصاحب المبادرة هو الأمم المتحدة، أو وكالتها المتخصصة، وهي أيضًا مصدر التكليف الذي يكلِّف أحد المتخصصين، أو مجموعة منهم، بكتابة الوثيقة أو التقرير، وهذا المتخصص هو منتِج النص المصدر، ويسمونه المصدر فحسب في الأمم المتحدة originator، ومنتِج النص المستهدَف هو المترجِم الذي يعمل مع المراجع، أو يراجع هو بنفسه النص (أي يتولى تنقيحه)، وأما مستعمِل النص المستهدَف، فهو الدولة الممثَّلة في الأمم المتحدة، وأما مستقبِل النص المستهدَف فهو مندوب تلك الدولة، والمترجِم يراعي دائمًا توقعات المندوبين عند الترجمة بالمحافظة على اتساق consistency المصطلحات دائمًا؛ أي عدم تغيير ترجمة مصطلح ما من وثيقة لأخرى، بل وعدم تغيير ترجمة أي كلمة شائعة من سياقٍ لآخر؛ لأن المندوب عادة ما يحيل الترجمة التي يعرفها للكلمة إلى أصلها الإنجليزي؛ فجميع المندوبين يعرفون هذه المصطلحات والكلمات الشائعة خير المعرفة، بغض النظر عن مدى إلمامهم أو تعمقهم في اللغات الأجنبية، وهكذا نرى أن أي تطويعٍ للنص الأصلي (أي المصدر)، ليتفق مع الثقافة العربية الأصيلة، مستبعد، بل يجب تطويعه ليتفق مع الثقافة الخاصة لهؤلاء المندوبين، وهي الثقافة التي تضم المعرفة بمصطلحات اللغة الأجنبية وكلماتها الشائعة، وإذن، فإن افتراض «هولتس-مانتاري» أن المترجِم دائمًا ما يرجع إلى ثقافة اللغة المستهدَفة، تحقيقًا للغرض من الترجمة، أي لأداء وظيفة النص المترجَم، افتراض ناقص، وقد ضربتُ أمثلة لذلك في كتابي مرشد المترجم، ولا أرى داعيًا هنا لضرب المزيد من الأمثلة. والواقع أن الكثيرين من رؤساء أقسام الترجمة العربية بالأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة قد تنبهوا إلى ذلك كله، ويعمل بعضهم جاهدين على التوفيق بين مرجعية الثقافة العربية الأصيلة والثقافة الخاصة للمندوبين، ولا بأس من أن أذكر بالخير جهود الأستاذ سمير عفيفي في منظمة الأغذية والزراعة، ورفعت لطفي في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف، والدكتور نبيل الزهيري رئيس قسم المؤتمرات باللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، وهم من عملت معهم على امتداد سنوات طويلة.
والواقع أن «هولتس-مانتاري» لم تكن أول الباحثين الذين تحدَّثوا عن نظرية «الوظيفة» أو «الغرض» من الترجمة؛ إذ سبقها «هانز ج. فيرمير» في السبعينيات باستعارة كلمة «سكوبوس» skopos اليونانية التي تعني الهدف aim، أو الغرض purpose، وجعلها أساسًا لنظرية أسماها «نظرية الغرض» أو ما أسميته أنا بنظرية الوظيفة skopostheorie، أو الترجمة الوظيفية في كتابي مرشد المترجِم، وهو يقول إن تحقيق الوظيفة أو الغرض هو أساس كل ترجمة. وقد أصدر في عام ١٩٨٤م كتابًا مع «كاترينا رايس» (التي سبق أن تحدَّثنا عن تقسيمها لأنماط النصوص) عنوانه «وضع أساسٍ لنظرية عامة للترجمة» ويقول فيه إن الغرض من الترجمة هو الذي يحدد طرائق و«استراتيجيات» الترجمة الكفيلة بإخراج نصٍّ يؤدي الوظيفة المنشودة، والنتيجة هي النص المستهدَف، أي المترجَم، والذي يطلِق عليه فيرمير مصطلح translatum، ومن ثَم فمن المهم للمترجِم أن يعرف — في إطار هذه النظرية — سبب ترجمة نصٍّ ما، والوظيفة المنوطة بالنص المترجَم. وسوف أورد هنا تلخيصًا لتلخيص «منداي» لذلك الكتاب (۲۰۰۱م، ص٧٩ وما بعدها):

يقول «منداي» إن كتاب «رايس» و«فيرمير» يهدف — على نحو ما يدل عنوانه — إلى وضع نظرية عامة للترجمة، يمكن تطبيقها على جميع النصوص، والجزء الأول من الكتاب مخصص للشرح التفصيلي لنظرية «فيرمير» عن الغرض، أو «الترجمة الوظيفية»، ويضم الجزء الثاني الذي يحمل عنوان «نظريات خاصة» تطويعًا لنظرية «رايس»، عن أنواع النصوص لإدراجها في النظرية العامة، وهو يضع خمس «قواعد» لهذه النظرية العامة يجملها «منداي» فيما يلي:

  • (١)
    طبيعة النص المترجَم، أي المستهدَف translatum يحددها الغرض منه. skopos
  • (٢)
    يُعتبر النص المستهدَف «عرضًا لمعلومات» an offer of information (وهي ترجمة informationsangebot الألمانية) في الثقافة المستهدَفة، وباللغة المستهدَفة بخصوص «عرض آخر للمعلومات» في ثقافة المصدر وبلغة المصدر.
  • (٣)

    لا يُعتبر النص المترجَم مُنشئًا «لعرض للمعلومات» يمكن إرجاعه بوضوحٍ إلى شيء آخر.

  • (٤)

    يجب أن يتحلى النص المستهدف بالتماسك والاتساق الداخلي

  • (٥)

    يجب أن يكون النص المستهدَف متسقًا مع النص المصدر.

  • (٦)

    القواعد الخمس المذكورة آنفًا مرتَّبة ترتيبًا تنازليًّا؛ أي أن قاعدة الغرض هي السائدة والمهيمنة.

وإزاء الغموض الذي يكتنف هذا الملخص، أجد لزامًا عليَّ أن أشرحه اهتداءً بالكتابَين اللذين وضعتهما «كريستيان نورد» (بالإنجليزية). فأما ما يعنيه «فيرمير» بتعبير «عرض المعلومات»، فهو تقديم ما يُسمَّى في علم اللغة بالمعلومات اصطلاحًا، وإن كان يعني «الإخبار عن شيء» وحسب، وكلمة «عرض» أوسع دلالةً من «تقديم» لأنها تتضمن «أسلوب التقديم»، وهكذا يمكننا أن نقول إن القاعدة الثانية تعني أن النص المترجَم يخبرنا عن أشياء معينة بلغة النص المترجم، وفي إطار ثقافته الخاصة، وأن هذه الأشياء تتعلق بما ورد في النص الأصلي، وفي إطار ثقافة مختلفة. وتعبير «تتعلق» ذو أهمية جوهرية؛ فالمطلوب وفقًا للقاعدة الخامسة هو الاتساق فحسب بين النصَّين وفقًا للوظيفة أو اتفاق الغرض، وهكذا نرى أن «فيرمير» يعهد إلى المترجِم — على نحو ما تفعل «هولتس-مانتاري» — بالمهمة الرئيسية في عملية التواصل الثقافي واللغوي في إخراج النص المترجَم. وأما القاعدة الثالثة، فتؤكد ما ذكرناه، وهو أن وظيفة النص المترجَم في إطار ثقافته الخاصة لا تنطبق انطباقًا كاملًا — بالضرورة — على وظيفة النص الأصلي في ثقافته الخاصة به. و«الانطباق الكامل» هو ما يُسمى «التماهي» هذه الأيام identity؛ أي الاتفاق الكامل «للماهية»، والماهية مصدر صناعي منحوت من «ما هو»، أو «ما هي»، بخلاف مصطلح quiddity أو essence الذي يعني الجوهر، فنفي التطابق التام أو «التماهي» معناه أن معنى النص المترجَم قد يقترب اقترابًا شديدًا من النص الأصلي دون أن يكون هو نفسه. ولذلك يقول «فيرمير» في القاعدة الرابعة والخامسة إن النص المترجَم يجب أن يتصف بالتماسك الداخلي، الذي يتيح توصيل المعنى الكامل بسهولة، وإن هذا التماسك منبعه الاتساق. ومن الطريف أن الفعل cohere بالإنجليزية له صورتان اسميَّتان؛ الأولى هي coherence، التي قد تعني التماسك أو الاتساق؛ ولذلك أصبح استخدام الكلمة والصفة منها coherent دليلًا على وضوح الكلام، وأما الاسم الثاني cohesion، فلا يعني إلا التماسك، ويُطلَق في الفيزياء على القوة التي تتماسك، بفضلها، جزيئات المادة، واستخدام الصورة الأولى في نص «فيرمير» (من ترجمة «منداي») يوحي من ثَم بوجود الاتساق والتماسك معًا، وعلى هذا ترجمت القاعدة الرابعة، واكتفيت في الخامسة بالاتساق. والقاعدتان تتعلقان بطريقة الحكم على نجاح «النقل» في الترجمة؛ فقاعدة «التماسك والاتساق» تعني تماسك النص المترجم داخليًّا، واتساقه في الوقت نفسه مع الغرض منه، وهو الذي يتحدد في ضوء وظيفته عند قارئه، وأما قاعدة الاتساق مع النص الأصلي، فتعني «الأمانة» fidelity في النقل من نصٍّ إلى نص. وإليك المزيدَ من الإيضاح:

تعني قاعدة الاتساق عند «رايس» و«فيرمير» أن يستطيع القارئ فهم النص وتفسيره بسبب اتساقه مع حاله، وبتعبيرٍ آخر يجب أن يُترجَم النص — أي نص — بطريقة تجعله مفهومًا لمن يقرؤه، في حدود الظروف الخاصة للقارئ ومعارفه.

وأما قاعدة الأمانة، فلا تعني أكثر من الاتساق بين النص المترجَم والنص المصدر، أو بصفة خاصة بين ما يلي:

  • ما يتلقَّاه المترجِم من «معلومات» من النص المصدر،

  • وتفسير المترجِم لهذه المعلومات،

  • والمعلومات التي يقوم بتشفيرها encoding لمن يتلقَّى النص المستهدَف.
ومع ذلك، فإن ترتيب القواعد الخمس السابقة، وفقًا لأولويات «فيرمير»، يعني أن الاتساق بين النص الأصلي والنص المترجَم (القاعدة الخامسة) يقل في أهميته عن الاتساق الداخلي في النص المترجَم (القاعدة الرابعة)، وهو بدوره ثانوي بالنسبة للغرض من النص المترجَم أو الترجمة (القاعدة الأولى)، كما أن خفض مكانة النص الأصلي أو «خلعه من العرش»، بتعبير فيرمير dethroning — انظر «معجم مصطلحات الترجمة الوظيفية» الملحَق بكتابي مرشد المترجم (القاهرة، ۲۰۰٠) — يُعتبر عنصرًا مشتركًا بين نظرية «فعل الترجمة» والترجمة الوظيفية أو «الغرضية».

ومن أهم مزايا النظرية الغرضية، أو الوظيفية، هي أنها تسمح بإمكان ترجمة نصٍّ واحدٍ بعدة طرق وفقًا للغرض من الترجمة ووظيفتها، ووفقًا للمهمة التي كُلِّف بها المترجِم، ويُورد فينوتي في كتابه المُشار إليه دراسةً لفيرمير (بالإنجليزية)، يقول فيها:

تقول النظرية الغرضية إن على المترجِم أن يترجم، واعيًا، وبصورة متسقة، وفق مبدأ من المبادئ بخصوص النص المستهدَف، ولا تفصح النظرية عن هذا المبدأ، بل لا بد أن يتحدد وفقًا لكل حالة على انفراد.

(من كتاب فينوتي، ٢٠٠٠م، ص٢٢٨)

ويضرب فيرمير المثل بورود عبارة غامضة في وصية تركها أحدهم، فإذا كانت الترجمة لازمة لهذه الوصية، كأن تكون ثروة المُتوفى في بلدٍ أجنبي، وعُهد بتنفيذ الوصية إلى محامٍ أجنبي، فلا بد من ترجمتها حرفيًّا، على غموضها، مع إضافة حاشية في الهامش تشرح أسباب الغموض، أو تزيل بعضه. وأما إذا وردت الوصية في سياق عملٍ روائي، فقد يرى المترجِم أنه من الأفضل البحث عن «مثال» مختلف للغموض، ولو كان الاختلاف طفيفًا؛ بحيث «يتسق» مع اللغة المستهدَفة، دون الحاجة إلى حاشية في الهامش، وحتى لا تمثِّل «مقاطعة» للقراءة.

وتنتمي إلى هذا الباب شتَّى ضروب التورية، وهي شائعة في اللغة الإنجليزية المعاصرة شيوعًا لافتًا، فعندما فازت إنجلترا بكأس العالم في كرة القدم عام ١٩٦٦م، وكنت في لندن آنذاك، صدرت إحدى الصحف المسائية بعنوانٍ يقول England on top of the world!، ومعناها بالعامية الإنجليزية أن الفريق أو إنجلترا في غاية السعادة، ولكن التورية واضحة، وهي أن الفريق على القمة، فإن ورد هذا النص في كتابٍ تعليمي أوردتُ المعنى الأصلي، وشرحتُ التورية في الهامش، وإن ترجمتُه للصحافة قلت إن الفريق في قمة السعادة! وأذكر أنني كنت أشاهد تمثيلية في التليفزيون البريطاني تتضمن مشهدًا يُبلِّغ فيه أحد الأشخاص بنبأ حصوله على ثروة لا بأس بها من تركة خلفها له أحد أقربائه، فقال له مَن أبلغه النبأ: It’s a heaven-sent opportunity!، فإن ورد النص في كتابٍ تعليمي ترجمته «إنها فرصة أتاحتها العناية الإلهية» مع هامش يشرح التورية في heaven، وإن ورد في عمل أدبي بالعامية لقلتُ «أنت حظك من السما!» دون حاجة إلى الهامش؛ فالفارق طفيف بين التورية في كلٍّ من المثالَين، ولكن كل صورة من صورتَي النص العربي تقتضيها «وظيفة» النص، أو الغرض الذي يُترجم النص من أجله، وفي كل الحالات تكون للنص المترجَم الأولوية، مع «اتساق» المعنى مع معنى النص المصدر.
ويقول «فيرمير» (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص٢٢٨) إن ملاءمة «فعل الترجمة» لكل حالة من الحالات يتطلَّب التصريح بالغرض من الترجمة، أو الإيحاء به في غضون «التكليف» بالعمل، فالذي تكلِّفه الأمم المتحدة بترجمة نصٍّ ما يعرف، ضمنًا، أن عليه الالتزام بمصطلحاتها، وقد يكون بعضها لم يشع بعدُ في البلد العربي الذي ينتمي إليه المترجِم (أو في أي مكان في الوطن العربي)، وأن الهدف من الترجمة إتاحة ذلك النص بالعربية المعاصرة للمندوبين العرب، لا لعامة القراء، وأنه لا بد أن يلتزم بالموعد المحدَّد لإنجاز الترجمة، ويقبل الأجر المرصود للعمل، وهذان هما الشرطان اللذان يحددهما «فيرمير» أي (١) الهدف goal ، (٢) الشروط، وقد يكون للمترجم في هذه الحالة قبول الشروط أو رفضها، كلها أو بعضها، ولكن المهم في رأي «فيرمير» هو أن طبيعة النص المترجَم تتحدد أساسًا في ضوء الغرض منه، أو التكليف الصادر بترجمته (فينوتي، ٢٠٠٠م، ٢٣٠). وهكذا يحل مبدأ الكفاية adequacy محل مبدأ التعادل equivalence (انظر المعجم الموجز الملحَق بمرشِد المترجِم، ٢٠٠٠م). ويقول «منداي» إن «رايس» و«فيرمير» في كتابهما (بالألمانية) يقولان «إن الكفاية أو الكفاءة adäquatheit تصف العلاقات بين النص المصدر والنص المستهدَف، باعتبار أنها من ثمار مراعاة الغرض في أثناء عملية الترجمة» (۲۰۰۱م، ص٨٠). وبتعبيرٍ آخر، لا يحقق النص المترجَم الكفاية الوظيفية والتوصيلة إلا إذا حقق الغرض المحدَّد في «التكليف»، وقد يصبح التعادل مقصورًا على الاتساق الوظيفي بين النص المصدر والنص المستهدَف، حينما تتفق وظيفة النصَّين، أو الغرض الذي يسعيان إلى تحقيقه، وإن كان الباحثان يعتبران هذه حالات استثنائية.

وتناقش «كريستيان نورد» في كتابها الأخير (١٩٩٧م) مثلما يناقش «شافنر» (في موسوعة راتلدج للترجمة، ١٩٩٧م) بعض الانتقادات التي وُجِّهت إلى نظرية الغرض، أو نظرية الترجمة الوظيفية التي وضعها «فيرمير»، وأهمها:

  • (١)

    يزعم الباحثان أن النظرية «عامة»، ولكنها في الواقع لا تصلح إلا للنصوص غير الأدبية، وأما النصوص الأدبية فهما يريان إما أنها لا ترمي إلى تحقيق غرضٍ محددٍ، أو أنها تتميز بأساليب أشد تعقيدًا من غيرها.

  • (٢)

    منهج «رايس» في الفصل بين أنواع النصوص، أو أنماطها، يُعتبَر منهجًا وظيفيًّا، والمنهج الذي يقوم على «نظرية الغرض» عند «فيرمير» وظيفي كذلك، ولكنهما يتناولان ظاهرتَين وظيفيتَين مختلفتين، ومن العسير الجمع بينهما في إطارٍ نظري واحد.

  • (٣)
    «نظرية الغرض» لا تُولي الاهتمام الكافي بالطبيعة اللغوية للنص الأصلي، ولا إلى إعادة إخراج (نقل/ترجمة) ملامحه على المستوى الجزئي/الصغير microlevel في النص المترجَم، وهكذا فحتى لو تحقق «الغرض»، بالكفاية المطلوبة، فقد لا تتحقق فيه الكفاية على المستوى الأسلوبي أو الدلالي لشرائح بعينها من النص.
ويقول منداي (۲۰۰۱م، ص٨١) إن النظرية تعرَّضت لانتقاداتٍ أخرى شبيهة بالانتقادات التي وُجهت إلى «هولتس-مانتاري»، ومنها أن المصطلحات الجديدة (مثل translatum = العمل المترجَم) لا تضيف الكثير إلى نظرية الترجمة ما دامت لدينا مصطلحات تفي بالغاية، ومنها أن النظرية تغفل النظر في القضايا والاختلافات الثقافية، على أهميتها في تحديد طرائق تحقيق الغرض، إن كان من الممكن تحقيقه أصلًا.
ولكن «فيرمير» كان قد رد على الانتقاد الأول الخاص بالأدب في دراسة نُشرت بالألمانية عام ١٩٨٩م (وهي التي تُرجمت إلى الإنجليزية، ونشرها فينوتي عام ٢٠٠٠م)، قائلًا إن الأهداف والأغراض والوظائف والمقاصد «تُنسَب إلى» attributed to الأفعال، وهكذا فإن مترجِم قصيدة ما قد تكون له أهدافه المتمثلة في نشر ترجمته translatum أي القصيدة، والاحتفاظ بحقوق النشر وكسب المال مثلًا، وقد يكون راغبًا في إبداع شيء يوجد لذاته، وقد نضيف نحن أبناء العربية إلى هذا الرد أغراضًا ثقافية لا تتضمن الربح المادي، بل وبعض الأغراض الفنية الخالصة، مثل الاستمتاع برؤية القصيدة في ثوبها الجديد، أو المقارنة بين النصَّين لتأمُّل براعة المترجِم في التحويل والتبديل، مثلما كان الكلاسيكيون يقولون إن متأمِّل العمل الفني يجد متعة في تأمُّل براعة الفنان في التصوير و«المحاكاة»! وقد تكون هناك أغراض تثقيفية، أو تعليمية، من وراء ترجمة الأدب، ولكن بعض النقاد لا يرَون في «الغرض» إلا الجانب المادي!

وأما الانتقاد الثاني فلم يلقَ الرد المناسب من أحد، أي: إلى أي مدى يمكن أن يحدد نوع النص طريقة الترجمة؟ وما هي العلاقة المنطقية بين نوع النص والغرض من الترجمة؟ وأما الانتقاد الثالث فقد تعرضت له داعية من دواعي النظرية الوظيفية — التي أومن بها — وهي «كريستيان نورد»، في كتابَيها (۱۹۹۱م و۱۹۹۷م)، وأهم ما تعرض له في الكتاب الأول — كما يدل عنوانه — هو تحليل النص من وجهة نظر الترجمة، والعنوان طويل بالإنجليزية (انظر المراجع)، وكان الكتاب قد صدر أولًا بالألمانية، في عام ١٩٨٨م، وسبق لي أن أشرت إليه بعنوانٍ مختصر هو تحليل النصوص في الترجمة (١٩٩١م).

ويتضمن هذا الكتاب منهاجًا وظيفيًّا مفصلًا، يتضمن عناصر من تحليل النصوص، وهو يفحص ما يُسمَّى بتنظيم النص text organization، إما على مستوى الجملة، أو على مستوى أعلى من ذلك. وتبدأ «نورد» بالتمييز بين نوعَين أو نمطَين أساسيَّين من أنماط النصوص المترجَمة وعملية الترجمة، وهما الترجمة الوثائقية documentary translation، والترجمة الهادفة instrumental translation، ولما كنت قد أسهبت في كتابي مرشد المترجم (٢٠٠٠م) في الحديث عن كل نوع (في المعجم الموجز في ذيل الكتاب) فسوف أقتصر هنا على تلخيص الفكرة العامة دون الاستطراد في التفاصيل، ودون تكرار الأمثلة.

تقول كريستيان نورد إن الترجمة الوثائقية «وظيفتها تقديم وثيقة توصيل لثقافة «مصدرية» بين المؤلف ومتلقي النص المصدر»، وهو ما نراه، مثلًا، في الترجمة الأدبية؛ حيث يتيح النص المترجَم (المستهدَف) لمن يقرؤه أن يطَّلع على أفكار كاتب النص المصدر، وهو يعي كل الوعي أن ما يقرؤه مترجَم. وهاك مثالًا ناصعًا يوضح ما تعنيه: يقول براوننج:

Oh, to be in England
Now that April is there,
And whoever wakes in England
Sees, some morning, unaware
That the lowest boughs and the brushwood sheaf
Round the elm-tree hole are in tiny leaf,
While the chaffinch sings on the orchard bough
In England—now!

وهاك الترجمة العربية:

يا ليت أني كنتُ في إنجلترا،
الآن إذا حلَّ الربيع،
وكل من يصحو بإنجلترا،
في أي صبح بديع،
ودون أن يدري يرى،
أدق أفنان على الأشجار،
وحزمة الهشيم حول دوحة الدردار،
قد أورقت براعمًا صغار،
بينا يغني طائر الحسون في البستان،
على الأغصان،
هناك في إنجلترا … الآن!

وتعتبر «نورد» أن ترجمة مثل هذه القصيدة وثيقة لثقافة أجنبية، وأرجو أن يُقرأ النص العربي بمراعاة همزة القطع في إنجلترا حتى يستقيم الوزن، فهذا ما فعله أحمد شوقي:

نالت به وحده إنجلترا شرفًا
ما لم تنل بالنجوم الغر جوزاء
وأن هذه الوثيقة تنقل ثقافة إنجليزية إلى القارئ العربي، ولا أظن أن قارئًا عربيًّا، مهما يكن، سوف يتصور أن هذه ليست ترجمة. وسوف أرجع إلى هذه القصيدة في غضون عرضي لآراء «نورد»، التي تحدد عدة أنواع للترجمة الوثائقية، فمنها ترجمة كل سطر بسطرٍ واحد interlinear translation، وتعني ترجمة كل كلمة بكلمة من كلمات السطر (وقد سبق الحديث عنها في ترجمة النصوص اليونانية إلى اللاتينية، خصوصًا نص الكتاب المقدس)، ومنها الترجمة الحَرفية literal translation، وهي الترجمة التي يحوِّل فيها المترجِم النص الأصلي إلى تراكيب نحوية اصطلاحية خاصة باللغة المستهدَفة، حتى وهو ينقل الكلمات نفسها، وهي تُسمَّى أحيانًا grammar translation، أي ترجمة تراعي أصول الكتابة والنحو، ومنها ما يُسمَّى ترجمة العلماء learned translation، أو حتى الترجمة الفقهية philological translation، وهي الترجمة التي تهدف إلى تقريب نص قديم إلى أذهان القراء المعاصرين، بإضافة شروح للكلمات الخاصة بتاريخ اللغة المصدر أو ثقافتها في الهوامش marginalia، أو الحواشي endnotes/notes، أو في ثبت ألفاظ ملحق بالنص، على نحو ما يفعل محقِّقو النصوص الأصلية القديمة، مثل نصوص أبي العلاء المعري، أو حتى مثل نصوص شيكسبير، ومنها الترجمة التي تؤكد الغرابة أو التغريب exoticizing أو foreignizing، والمصطلح الأخير هو الذي سبق وروده في الحديث عن منهج فينوتي، وسوف نعود للحديث عنه، ويكفي أن يكون المثال عليه من ترجمة قصيدة براوننج السابقة، فإن تحديد أنواع النباتات والطيور غير الشائعة في مصر (كم عدد مَن شاهدوا الحسون في مصر؟) يوحي بالجو الأجنبي، وإن كنت في ترجمتي — لعدم إيماني بالتغريب — قد أرفقت كلمة توضيحية بكل لفظٍ غير مألوف — فقلت «بينا يغني طائر الحسون في البستان» والأصح أن أقول «ويصدح الحسون في البستان»؛ أي أن إضافة «طائر» تخفف من أثر التغريب، وكذلك حوَّلت «إبريل/نيسان» إلى «الربيع»، وذلك أيضًا لكسر حدة التغريب، فالشهر المذكور لا يعادل الربيع عندنا مثلما يعادله عندهم، فأنا من أنصار التقريب لا التغريب، وهو ما سوف نناقشه فيما بعد.
الترجمة الهادفة Instrumental translation وتقول «نورد» إن «وظيفتها هي القيام بمهمة أداة مستقلة لنقل الرسالة في إطار فعل توصيلي جديد في الثقافة المستهدَفة، والقصد منها تحقيق غرضها التوصيلي دون أن يدرك المتلقي أنه يقرأ أو يسمع نصًّا استُعمل من قبل، بشكلٍ مختلف، في سياقٍ توصيلي مختلف» (ص٧٣)؛ أي أن متلقي النص المترجَم يقرؤه كأنه نص أصلي كُتب بلغته الأصلية، ولم يُترجَم عن نصٍّ أجنبي.
وقد تتفق الوظيفة التي يؤديها النص المترجَم مع الوظيفة التي يؤديها النص الأصلي، وفي هذه الحالة تُوصَف الترجمة بأنها مماثِلة وظيفيًّا equifunctional، والمثال على ذلك ترجمة كتيب إرشادات استعمال جهاز من الأجهزة الكهربائية، أو الكمبيوتر. وهي تشرح التماثل الوظيفي بأنه الترجمة التي تحافظ على وظيفة النص الأصلي، أما إذا اختلفت الوظيفة، وُصفت الترجمة بأنها مغايرة وظيفيًّا heterofunctional. والواقع أن التماثل والتغاير في الوظيفة من المسائل النسبية التي يتعذر إصدار أحكام مطلَقة بشأنها، خصوصًا في الترجمة الأدبية، بسبب العامل الذي يهمله معظم مَن كتبوا في نظرية الترجمة الحديثة، ألَا وهو قارئ النصوص الأدبية.
لقد أدى انشغال النقاد بهذا العامل في السنوات الأخيرة إلى تخصيص فرعٍ كاملٍ من فروع النقد الأدبي له، وهو يُسمى نقد استجابة القارئ reader-response criticism، وتصدى له الأمريكي ستانلي فيش Fish من بعد الألمانيَّين ياوس Jauss وإيزر Iser، وظهرت، في غضون هذا الفرع، تقسيماتٌ كثيرة لأنواع «القراء»، رصدتُها، أو رصدت معظمها، في كتابي «المصطلحات الأدبية الحديثة»، وأضيف هنا كلمة بخصوص الفرق بين القارئ الأوروبي للأدب الأجنبي المترجَم عن لغة أوروبية، وبين الأوروبي الذي يقرأ أدبًا مترجَمًا عن لغة غير أوروبية، فالأرجح أن يجد الأول تماثلًا في الوظيفة بين أدبه المكتوب بلغته القومية، والأدب المترجَم من لغة أوروبية إليها، بسبب تقارب الثقافات والمجتمعات، بل واللغات، مثل قارئ الترجمات التي أبدعها الشعراء الألمان مثل جوته لشيكسبير، ومثل الترجمات الحديثة لمسرحية فاوست لجوته إلى الإنجليزية، وقِس على ذلك التراث الأوروبي المترجَم إلى الإنجليزية؛ فالقارئ الإنجليزي يقرأ روايات «دستويفسكي» الروسي، أو «زولا» و«فلوبير» (الفرنسيَّين)، مثلما يقرأ روايات «ديكنز» و«هاردي» الإنجليزيَّين، وهو ما تسميه «نورد» الترجمة المجانسة homologous، ولكنه لا يجد أن الروايات المترجَمة عن الصينية أو اليابانية أو العربية تؤدي الوظيفة نفسها — بمفهوم «نورد» — بسبب الاختلافات الثقافية التي تؤثر تأثيرًا واضحًا في الترجمة. وقِس على ذلك الاختلاف بين القارئ العربي الذي يقرأ شعرًا مترجَمًا عن إحدى اللغات الشرقية (الفارسية أو التركية أو الأوردية)، وبين القارئ العربي الذي يقرأ شعرًا مترجَمًا عن الإنجليزية، أو غيرها من اللغات الأوروبية الحديثة. ففي الحالة الأولى تقترب الترجمات من التماثُل الوظيفي، وفي الثانية تبتعد عنه مهما بلغت براعة المترجِم. ومن الغريب أن نلحظ تفضيل الشعراء العرب (والقراء العرب) للشاعر «شلي»، إبان الحركة الرومانسية العربية في الثلاثينيات، على غيره من الشعراء الإنجليز الرومانسيين، مثل «وردزورث»، فكأنما كان القارئ العربي (حتى إزاء الأدب المترجَم من لغة واحدة، وفي إطار ثقافة واحدة، هي الإنجليزية) يواجه — واعيًا أو دون وعي — درجة ما من التماثل الوظيفي في شعر شلي، ودرجة ما من المغايرة الوظيفية في شعر وردزورث، لكن ذلك مشكوك فيه. ولقد شُغلت بالبحث في سبب ذلك في الثمانينيات، وبعدها فلم أجد أنه يرجع إلى أن «شلي» يعالج موضوعات إنسانية عامة، أو إلى أن «وردزورث» يعالج موضوعات فردية خاصة، وإن كان ذلك صحيحًا إلى حدٍّ كبير، مع ما نعلمه من أن التجربة الفردية ذات الأبعاد الإنسانية أساسية عند كل الرومانسيين، ومن أن شعر كلٍّ من الشاعرَين لم يكن يؤدي الوظيفة التي يؤديها الشعر العربي التراثي، أي المكتوب أصلًا باللغة القومية؛ أي أن شعر كلٍّ منهما كان يتضمن قدرًا ما من المغايرة الوظيفية، وقد يرجع تفسير ذلك لسببٍ بسيطٍ، وهو أن المترجمين العرب أخرجوا ترجمات منظومة مقفاة لشلي، تحافظ على أشكال الشعر العربي التراثي (وعلى رأسهم الشاعر علي محمود طه)، أو تقترب منها إلى حدٍّ كبير، وتجاهلوا إلى حدٍّ كبير ترجمة غيره من الشعراء الرومانسيين! فلم يكن تماثُل وظيفة شعر شلي ومغايرة وظيفة شعر وردزورث هو السبب الوحيد، إن كان ذلك حقًّا من أسباب إقبال شعراء مدرسة «أبوللو» على محاكاة «شلي». وسوف أضرب مثالًا من قصيدتَين؛ أولاهما لشلي، والثانية لوردزورث للتدليل على صحة ما أقول؛ يقول شلي:
And what art thou? I know, but dare not speak,
Time may interpret to his silent years.
Yet in the paleness of thy thoughtful cheek,
And in the light thine ample forehead wears,
And in thy sweetest smiles, and in thy tears,
And in thy gentle speech, a prophecy
Is whispered, to subdue my fondest fears,
And through thine eyes, even in thy soul I see
A lamp of vestal fire burning internally.

وهذه هي الترجمة (من المتقارب):

وماذا تكونين؟ أعرف لكن لساني سجين،
فليت الزمان تولى الحديث؛ فبدَّد صمت السنين.
ولكنني أسمع الهمس في فكر وجنتك الشاحبة،
وفي نور جبهتك العالية،
وفي أعذب البسمات، وفي العبرات،
ورقة ألفاظك الحانية،
فهمس النبوءة يطمس كل مخاوفي الساذجة،
ومن كوة المقلتين أرى داخل النفس نورا،
ومصباح ضوء تُوقد في القلب نارًا طهورا.
(من مختارات من الشعر الرومانسي، القاهرة، ۲۰۰۲م، ص۱۰)

وفيما يلي أبياتٌ للشاعر وردزورث (في «موضوع» مماثل)، ولا تزيد كثيرًا في طولها:

يقول وردزورث:

She was a phantom of delight
When first she gleamed upon my sight;
A lovely apparition, sent
To be a moment’s ornament;
Her eyes as stars of twilight fair;
Like twilight’s, too, her dusky hair;
But all things else about her drawn
From May-time and the cheerful dawn;
A dancing shape, an image gay,
To haunt, to startle, and way-lay.

وهذه هي الترجمة (من الرمل):

كانت الطيف الذي،
هلَّ بالفرح عليَّا،
عندما لاح السنا في ناظريَّا.
طيف حُسنٍ من وراء الغيب مرسل،
رصَّع اللحظة بالدر جليَّا،
مقلتاها في جمال نجمتَين،
تسطعان في الأفق.
شعرها مثل الشفق،
لونه من الغسق،
ما عدا ذاك لديها مستقًى من الربيع،
وابتسامة السحر.
قل خيال راقص حولك،
صورة ذات مراح تسكنك،
فتنة قد تتربص … أو تفاجئك!
(المصدر السابق، ص٦٠-٦١)

وأظن ظنًّا أن وردزورث لو كان تُرجم ترجمةً وظيفية إلى العربية في الثلاثينيات، أو قبلها، لنافس شلي في مكانته في قلوب قراء الشعر الأجنبي المترجَم، الذي يؤدي وظيفة مغايرة إلى حدٍّ ما للوظيفة التي يؤديها الشعر العربي المكتوب أصلًا بالعربية، وسوف نعود إلى هذا الموضوع بالتفصيل في فصلٍ لاحق. وقضية الوظيفة من القضايا التي ينبغي أن تشغل بال كلِّ مترجِم؛ ولذلك توسَّعت في عرض آراء أصحابها، وها أنا ذا ألخص آراء «نورد».

فالواقع أن كتاب «نورد» الأول (١٩٩١م) يهدف أساسًا إلى تقديم منهجٍ لتحليل النص المصدر، يقبل التطبيق على جميع أنواع النصوص أو أنماطها، وفي جميع حالات الترجمة على اختلافها. وهو منهج يستند إلى مفهوم وظيفي (كما سبق أن قلنا)، يتيح تفهم وظيفة شتى معالم النص المصدر، واختيار استراتيجيات الترجمة المناسبة لتحقيق الغرض المنشود من الترجمة، وهذا هو ما تقوله «نورد» في الصفحة الأولى من كتابها المذكور، وهكذا فإنها تشارك «رايس» و«فيرمير» بل و«هولتس-مانتاري» كثيرًا من آرائهم، ولكنها تُولي اهتمامًا أكبر بجوانب النص المصدر، ومنهجها يتضمن تحليل سلسلة معقدة من العوامل النصِّية الخارجية extratextual، والداخلية intratextual. وأما في كتابها الثاني (١٩٩٧م)، فهي تقدم صورة تتميز بالمزيد من المرونة في هذا المنهج؛ فهي تضم وتجمع بين كثيرٍ من العناصر التي سبق وصفها في هذا الفصل، وتركز على «ثلاثة جوانب للمداخل الوظيفية ذات الأهمية في تدريب المترجم» (ص٥٩) وهي:
  • (١)
    أهمية التكليف بالترجمة commission، وهي تطلق عليها تعبير مهمة الترجمة translation brief (انظر مرشد المترجم، ص۲۹۰).
  • (٢)

    دور تحليل النص المصدر.

  • (٣)

    هرم الأولويات الوظيفية لمشكلات الترجمة.

وسوف نفصل القول في كلٍّ منها.

  • أولًا: فأما أهمية التكليف بالترجمة (١٩٩٧م، ص٥٩–٦٢)، فتعني أن علينا أن نقارن، قبل الترجمة، بين الملامح أو السِّمات العامة للنص المصدر والنص المستهدَف المتوقع؛ للاهتداء إلى ما قد يختلف فيه النص المترجَم عن النص الأصلي، واستكشاف «ظروف» التكليف بالترجمة قادرٌ على إحاطتنا بالمعلومات التالية عن كِلا النصَّين:

    (أ) الوظائف المقصودة لكلٍّ من النصَّين.

    (ب) المتخاطبان (المُرسِل والمستقبِل).

    (ﺟ) مكان وزمن استقبال النص.

    (د) الوسائط (الكلام الشفهي أو الكتابة).

    (ﻫ) الدافع (سبب كتابة النص المصدر، وسبب ترجمته).

    وهذه المعلومات تتيح للمترجِم أن يحدِّد الأولويات الخاصة بما سوف يدرجه في النص المترجَم، وهي تضرب مثالًا من التكليف بترجمة كتيبٍ عن الاحتفال بالذكرى الستمائة لإنشاء إحدى الجامعات، قائلة إن الأولوية تُولى بوضوحٍ إلى وقائع الاحتفالات التي ستقام بهذه المناسبة.

  • ثانيًا: دور تحليل النص المصدر (ص٦٢–٦٧) بعد مقارنة الجوانب السابق ذِكرها، يمكن للمترجِم أن يشرع في تحليل النص المصدر لتحديد الأولويات اللازمة في استراتيجية الترجمة. والقائمة التي أوردتها «نورد» في كتابها الأول (١٩٩١م) للعوامل الداخلية في النص تصلح لهذا التحليل، وهي:
    (أ) الموضوع أو المادة Subject matter.
    (ب) المضمون Content: بما في ذلك ظلال المعاني والاتساق.
    (ﺟ) الافتراضات المسبقة Presuppositions: وتعني العوامل الواقعية الخاصة «بالموقف التوصيلي»، أي بظروف تلقِّي النص المترجَم، والتي يُفترض أن المشاركين يعرفونها سلفًا.
    (د) التكوين Composition: بما في ذلك البناء الجزئي microstructure والبناء الكُلي macrostructure.
    (ﻫ) العناصر غير اللفظية Non-verbal: أي الأشكال التوضيحية وأبناط الحروف، وما إليها.
    (و) العناصر اللفظية Lexic: بما في ذلك اللهجات الخاصة، والمصطلحات الفنية بالنطاق الخاص بالنص register، وما إلى ذلك.
    (ز) ملامح النص الفوقية Suprasegmental features: وهي الملامح الممتدة عبر تقسيمات النص (انظر مرشد المترجم، ص٣٠٥)، وتتضمن النبر stress، والإيقاع rhythm، و«الترقين الأسلوبي» stylistic punctuation.
  • ثالثًا: هرم الأولويات الوظيفية لمشكلات الترجمة
    The functional hierarchy of translation problems

    تقيم «نورد» هرمًا للأولويات الوظيفية الواجب مراعاتها عند القيام بالترجمة، وهي:

    (أ) يجب تحديد الوظيفة المقصودة للترجمة (وثائقية أم هادفة).

    (ب) ويجب بعدها تحديد العناصر الوظيفية التي لا بد من تطويعها لتناسب حالة المخاطبين the addressees’ situation باللغة المستهدَفة (بعد تحليل تكليف الترجمة، أو «مهمة الترجمة» في أولًا عاليه).

    (ﺟ) ويجب أن يتولى نوع الترجمة، أو نمطها، تحديد أسلوب الترجمة (موجَّهة إلى ثقافة المصدر، أم إلى الثقافة المستهدفة).

    (د) ويجب بعد ذلك التصدي لمشكلات النص على المستوى اللغوي الجزئي (على نحو ما ورد في تحليل النص المصدر في ثانيًا أعلاه).

ولا بد من أمثلة لتوضيح هذا المنهج الذي يتميز بمرونة كبيرة؛ فهو يجمع بين نظرية «هولتس -مانتاري» بخصوص «اللاعبين»، أي المشاركين في «فعل الترجمة» (على نحو ما سبق إيضاحه)، وبين نظرية «الغرض» عند «رايس» و«فيرمير»، والتي تتجلَّى عند «نورد» في رصدها لوظائف النص، دون إيلاء الأولوية القصوى «للغرض»، كما أن تحليل النص المصدر عند «نورد»، وهو الذي تأثرت فيه بنظرية «رايس»، يُولي الاهتمام الواجب للوظيفة التوصيلية، ومعالم النوع genre الذي ينتمي إليه النص المصدر واللغة، دون أن يشوبه الجمود الذي يشوب نُظم التقسيم والتصنيف الأخرى. وأما المثال الأول، فهو من صحيفة الأهرام القاهرية (٢٩ /٧ /۲۰۰۲م):
اللجنة العُليا المصرية-السودانية تؤكد:
ضرورة إحياء مؤسسات التكامل بين مصر والسودان
توقيع ۲۱ اتفاقية وبروتوكولًا للتعاون المشترك غدًا

أكدت اللجنة العُليا المصرية-السودانية في اجتماعها أمس اقتناعها الكامل بأن السلام العادل والشامل، المرتكِز على قرارات الشرعية الدولية، هو السبيل الوحيد لاستقرار الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط. ووجَّه علي عثمان طه، النائب الأول للرئيس السوداني، الشكر لمصر لحرصها على وحدة السودان وأمنه واستقراره، وتحقيق الوفاق بين بنيه لبلوغ حلٍّ سياسي عادل عن طريق التفاوض، وقال إننا نثق أن مصر ستواصل دعمها لمسيرة الوحدة والسلام في السودان.

وإذا طبَّقنا ما يُسمَّى بنموذج «نورد» في التحليل النصي للترجمة، وفقًا لما جاء في القسم الأول (أولًا) عن «مهمة الترجمة»، وجدنا أن وظيفة النص «إخبارية»، وهي تتضمن أيضًا عناصر تعبيرية من خلال تكرار كلمة السلام مرتين، مرة في سياق الحديث عن منطقة الشرق الأوسط بأسرها، مما يعني إدراج «مسألة فلسطين» إيحاءً، ومرة في سياق الحديث عن مشكلة جنوب السودان، وتكرار كلمة الاستقرار في هذَين السياقَين، وتكرار كلمة الوحدة في سياق الحديث عن السودان.

وأما الذين يخاطبهم النص العربي، فهم قرَّاء الأهرام في مصر أولًا، وخارجها ثانيًا، وهم على الأرجح يعرفون مشكلة جنوب السودان، ومن المؤكد أنهم يعرفون قضية فلسطين؛ ولذلك فإن الكلمات المجردة ليست عسيرة الفهم لديهم، وأما زمن استقبال النص ومكانه، فإذا كانت الترجمة ستُنشَر في الأهرام ويكلي مثلًا، وهي الصحيفة الإنجليزية التي تحمل اسم الأهرام، وتصدر أسبوعيًّا، فلن يتأخر زمن النشر عن أيامٍ معدودة، مما يُخرجه من دائرة اعتباراتنا، ومكان النشر واحد، وهو القاهرة، وأما الوسائط، فالأغلب أن تُنشَر الترجمة في صحيفة أو في صحف؛ أي أن «الوسيط» (الكتابة) لن يتغير، وقد تستعمل الإذاعة الخبر؛ فيتغير الوسيط (الكلام الشفهي)، وقد يستعمله التليفزيون (شفهي مع صور)، وقد يقتضي ذلك مراعاة بعض العناصر الخاصة ﺑ «البناء الجزئي»، مثل أطوال العبارات، وما إليها. وأما الدافع، فهو إخباري في المقام الأول، وقد يُضاف إليه عنصرٌ سياسي، أو دعائي، في الحدود العادية، وفي نطاق المعمول به؛ والخلاصة أن الترجمة المطلوبة وثائقية.

وإذا طبَّقنا نموذج «نورد» في القسم الثاني (ثانيًا)، لم نجد فيه ما يضيف جديدًا في حالة هذا النص، فالموضوع سياسي في النص القائم، وفي الترجمة المتوقعة، وكذلك المضمون، بل والافتراضات المسبقة، إلا إذا ظن المترجِم أن القارئ الأجنبي غير محيط بمشكلة جنوب السودان. وأما عن التكوين، فإن لغة الأخبار العربية تتبع، في تكوينها، النظام العالمي للغة الأخبار. وأما العناصر غير اللفظية، فغير موجودة، وأما العناصر اللفظية، فقد عرضنا لها في سياق تكرار بعض الكلمات وما لها من ظلال المعاني، ولا شك أن ملامح النص الفوقية سوف تكون تابعة للصياغة المعتادة عالميًّا لمثل هذه الأخبار:

وهكذا يمكن أن تكون الترجمة على النحو التالي:

Egyptian-Sudanese Integration Institutions Need to be Revived, says the Supreme Egyptian-Sudanese Commission.
21 mutual cooperation agreements and protocols to be signed tomorrow.
Meeting yesterday, the Supreme Egyptian-Sudanese Commission confirmed it was fully convinced that only just and comprehensive peace, based on the UN resolutions, could lead to stability in the Middle East. The Sudanese first Vice-President, Ali Othman Taha, thanked Egypt for being so eager to maintain the territorial integrity, security and stability of Sudan, as well as conciliation among all Sudanese citizens with a view to reaching a negotiated, just political solution. ‘We are confident that Egypt will continue to support Sudan’s advance towards unity and peace in Sudan,’ he said.

ودراسة التغييرات الجزئية — أي على مستوى الصياغة اللغوية — سوف تؤكد إمكان الموازنة بين النصَّين وفقًا للنظرية الوظيفية، فتغيير كلمة «الوحدة» في الجملة الثانية إلى تعبير «وحدة الأراضي» يقتضيه تغيير «المخاطَب»، كما أن تعبير «أبناء السودان» المحمَّل بدلالاتٍ عاطفية (والمقصود به الإيحاء بأن أبناء جنوب السودان هم أبناء للسودان في آخر الأمر) قد تحوَّل إلى تعبير «مواطني السودان» ليلائم المتلقي الأجنبي، وأما الاحتفاظ بالتعبير الخاص بالعربية، وهو «مسيرة الوحدة والسلام» الذي تُرجم بالإنجليزية إلى «تقدُّم السودان نحو الوحدة والسلام»، فالمقصود به الحفاظ على طابع الفكر في الأصل، وكان يمكن أن يُترجَم إلى «جهود السودان لتحقيق الوحدة والسلام»، وهكذا أدى التحليل النصي إلى هذه الترجمة، وهي صورة تقوم على مفهوم معين، وقد يستتبع مفهومٌ آخر صورةً أخرى.

والنص الإنجليزي ينهض بالوظيفة نفسها التي كُلِّف بها النص العربي، وهذا في الواقع هو ما تعنيه «نورد» بالتكليف أو المهمة، وما تختلف فيه عن «هولتس-مانتاري» بعض الشيء، والنص الإنجليزي وفقًا لهذا التكليف ينقل الوثيقة الإخبارية نقلًا دقيقًا وفقًا لمتطلبات القارئ الأجنبي، أي أن الترجمة الوظيفية هنا وضعت نصب عينيها قارئ النص المترجَم، وأما التعبير الذي لا يزال يحتفظ بمذاق الأصل، فالهدف منه في الحقيقة إبراز المعنى الخبيء في استعارة «المسيرة»، ألَا وهو أن السودان «يسير» فعلًا نحو تحقيق الوحدة والسلام (بإنهاء مشكلة الجنوب)، والنص الإنجليزي الحالي إذن — وهو Sudan’s advance towards unity and peace — أقرب إلى Sudan’s unity and peace process منه إلى التعبير الأصلي Sudan’s unity and peace march فكلمة march كلمة عسكرية، وهي — طبقًا لمبدأ الحفاظ على النطاق register — تُستخدَم في الحرب، لا في السلام، ومن ثَم، فحتى لو كانت تُستخدَم بالعربية في سياق السلام، فإن دلالاتها الإنجليزية أقرب إلى تقدم الصفوف في ساحة الوغي، ونحن نذكر البيت الافتتاحي لقصيدة تنيسون الشهيرة «هجوم اللواء الخفيف» The charge of the light Brigade، وهو:
Marching into the valley of death …

أي أن الجنود انطلقوا في وادي الموت/بدأوا المسيرة في وادي الموت.

وعندما تُستخدَم الكلمة في وصف المسيرات الشعبية في الشوارع، عادة ما تسبقها الصفة peaceful لنبذ أي ارتباطٍ بينها وبين السياق الحربي، ومثل هذه المسيرات، عادة، ذات طابع «نضالي» campaigning والنضال حرب، وكلمة campaign تعني «حملة»، وعلاقتها بكلمة camp (أي معسكر)، وأصلها «ميدان» — وكلاهما عسكري — أوضح من أن تحتاج إلى تعليق؛ ولذلك أقول إنني أفضِّل ترجمة العبارة إلى Sudan’s efforts to achieve unity and peace على ما في هذا من إزالة للغموض في التعبير العربي؛ فمسيرة الوحدة والسلام قد لا تعني أن الوحدة والسلام غائبان، بل ربما كانت تعني — على ما في ذلك من شطط في التفسير — أنها مسيرة ترفع لواء الوحدة والسلام! وإنما أطلتُ هذا التحليل في إحدى الجزئيات النصية حتى أبيِّن أن الترجمة الوظيفية لها نفعها العملي في درس الترجمة.
وأما المثال الثاني، فهو قصيدة لشاعرٍ معاصر، هو ويليم بطلر ييتس Yeats، وهي نموذج للشعر الحديث بكل سِماته حقًّا! إنها مكتوبة بلغة غير نمطية (على عكس اللغة الشعرية عند الكلاسيكيين، بل والرومانسيين، انظر قصيدة شلي أعلاه)، وتتميز بالقصد في التعبير وبالإيجاز الشديد، ولا تحتفل بنَظم القافية التقليدية، ولا بأطوال الأبيات، بل تقدِّم موقفًا آنيًّا مركزًا يصل في تتابُع لاهث إلى ذروة بديعة. يقول ييتس:
How can I, that girl standing there,
My attention fix
On Roman or on Russian
Or on Spanish politics?
Yet here’s a travelled man that knows
What he talks about,
And there’s a politician
That has read and thought,
And may be what they say is true
Of war and war’s alarms,
But O that I were young again
And held her in my arms!

فإذا اتَّبعنا خطوات «نورد»، وجدنا أن تحليل النص سيؤدي بنا إلى عكس ما قيل تمامًا في الترجمة الوثائقية؛ فنحن أمام نصٍّ تعبيري خالص، يتطلب الترجمة الهادفة؛ أي التي تُخرج نصًّا معادلًا وظيفيًّا من وجهة نظر قارئ الترجمة وحده، فالموضوع (أو المادة) يتصل بموقفٍ شعوري ذاتي، هو الحنين للشباب، الذي أثاره وجه حسناء، والمضمون هو التناقض بين العالم الواقعي القبيح (الحرب التي توشك أن تندلع) وعالم الإحساس الجميل (المنفصل عن مشكلات الزمان)، ولا توجد هنا افتراضاتٌ مسبقة إلا فيما يختص بطبيعة المواجهة المحتومة بين العالم الخارجي والعالم الداخلي، والتكوين تصاعدي، من خطواتٍ إلى ذروة تأتي مفاجأة، رغم التمهيد لها في المطلع، وهو ما يهب القصيدة وحدتها وتماسُكها واتساقها، وكلها مصطلحات سبقت مناقشتها، ولا توجد عناصر غير لفظية، وأما العناصر اللفظية، فهي محددة بالموضوع، ولا تخرج عنه، وأما ملامح النص الفوقية، فهي تكتسب هنا أولوية غلَّابة بسبب طبيعة الشِّعر؛ فالإيقاع دفَّاق يوحي ببحر المتقارب في الشعر العربي، والنبر ينقل المعاني إلى حيث يتكئ الشاعر على اللحظات التي تبرز التناقض، والترقين الأسلوبي يتطلَّب عباراتٍ متوازية ومتداخلة معًا، حتى يمكن الوصول إلى الذروة بيُسر.

وهكذا، فنحن أمام وظيفة محددة هي نقل موقف يشبه المواقف الدرامية، يتميز بالتركيز الشديد، وبالاقتصاد في اللغة — كما قلنا — وإن كان أسلوب الإيجاز والحذف في العربية لا يصلح عادة في الترجمة بسبب اختلاف المخاطَب؛ فالعربي يحب الوضوح والقول الصريح، وينفر من الغموض والالتواء!

وهكذا نجد أن المترجِم مكلَّف بنقل موقف بما يكافئه وظيفيًّا؛ أي يقوم بوظيفة تعادل الوظيفة التي يقوم بها نص الشاعر «ييتس» بالنسبة للقارئ أو السامع الإنجليزي. وربما بدأ المترجِم استلهامه لإيقاعٍ عربي يشد السامع مثلما تشده بداية قصيدة «ييتس»، وربما لم يجد خيرًا من «ألَا» الافتتاحية لاستهلال الترجمة؛ وهكذا قد يذكر قصائد شوقي من المتقارب «نجا وتماثل ربانها/ودق البشائر ركبانها»، و«جعلت حلاها وتمثالها/عيون القوافي وأمثالها»، فإذا تيسر ذلك، قال:

ألَا كيف ينصبُّ فكري،
وتلك الفتاة قبالة بصري،
على مشكلات السياسة في كل قطر؟
سياسات روما وروسيا وإسبانيا،
وإن كان ذاك الخطيب خبيرًا بها،
وكم جاب آفاقها،
وذاك السياسي يعرف ما في الصحائف،
فذُّ القريحة وقادُها!
أقول، وقد يصدق الراويان بشأن القتال،
وإطلال حرب بأوزارها!
ولكن عيني سَبَتها الفتاةُ،
فيا ليتني عدت شابًّا ليهنأ صدري بأحضانها!
وأعتقد أن مقارنة النصَّين كفيلة بإبراز التقارب في أداء الوظيفة المنوطة بكلٍّ منهما، ومدى الدور الذي تنهض به الوظيفة في تحديد استراتيجية الترجمة؛ فمناطق «الافتراق» divergence عن النص الأصلي مناطق تفرضها الوظيفة المنوطة بالنص الجديد، ولا يكاد القارئ العربي يشعر بالغربة في هذه الترجمة بسبب الحفاظ على النطاق اللفظي الخاص بهذه الأفكار register باللغة العربية، وأعتقد أن هذَين المثالَين كافيان.
ونخرج من هذا العرض، وهذَين المثالَين، إلى أن منهج «نورد» يسمح بإمكان تحديد العناصر المهمة في عملية الترجمة، وهو منهج يركز على النص المصدر تركيزًا أكبر من تركيز مناهج أصحاب النظرية الوظيفية الآخرين؛ فهو يتيح للمترجِم أن يتعرَّف على ملامحه التي قد تمثِّل له مشكلة ما، وأن يوجه جهوده لحل مثل تلك المشاكل. وهكذا فإن نظريات الترجمة الوظيفية والتوصيلية التي وُضعت في ألمانيا في السبعينيات والثمانينيات قد خطت بدراسة الترجمة خطوةً جديدة؛ فنقلتها من دراسة المظاهر اللغوية الثابتة إلى دراسة الترجمة، باعتبارها تواصلًا فيما بين الثقافات. فأما «رايس»، فقد أدَّت جهودها الأولى إلى إقامة الروابط بين وظيفة اللغة، ونمط النص، و«النوع» genre، وبين استراتيجية الترجمة. وما لبث مذهب «رايس» أن اجتمع مع نظرية «الغرض»، التي وضعها «فيرمير»، وأحدثت تأثيرًا مدوِّيًا، وهي التي تقول بأن استراتيجية الترجمة تحددها وظيفة النص المستهدَف (المترجَم)، في الثقافة المستهدَفة. وتعتبر نظرية «الغرض» كذلك جزءًا من منهج «فعل الترجمة»، الذي اقترحته «هولتس-مانتاري»، التي وضعت ترجمة المحترفين في سياقٍ ثقافي اجتماعي، مستخدمةً مصطلحات رجال الأعمال والإدارة. فهي ترى أن الترجمة من المعاملات التوصيلية communicative transaction تتضمن صاحب المبادرة، وصاحب التكليف، والمنتجين، والمستعملين والمستقبلين لكلٍّ من النص الأصلي والنص المترجَم. ويتضمن هذا «النموذج» ما يُسمَّى خلع النص الأصلي عن العرش؛ بحيث يتحوَّل معيار الحكم على الترجمة من مذهب «تعادل المعنى»، إلى مبدأ «الكفاية أو الكفاءة التوصيلية»؛ أي إلى «مدى قدرة» النص المترجَم على تحقيق الغاية الوظيفية المطلوبة، وهي التي سبق تحديدها عند التكليف بالترجمة. وأما «نورد»، فهي كما رأينا تجمع بين شتى عناصر هذه المذاهب في منهجٍ موحدٍ يركز على الوظيفة، ويُولي اهتمامًا أكبر لتحليل النص المصدر، وإن كان ذلك في إطار تعريف رايس القديم لأنواع النصوص أو أنماطها، ولكن تحليل النص المصدر ساعد الباحثين، في علم اللغة، على تقديم منهجٍ جديد لدراسة الترجمة، يستمد مبادئه من علم تحليل الكلام، وهو ما لا بد من أن ننظر فيه الآن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦