الفصل الخامس

مداخل علوم اللغة الحديثة

أبدأ هذا الفصل بملاحظة ما فتئت أشير إليها، وهي أن صعوبة ترجمة المصطلحات الجديدة في العلوم الإنسانية، وخصوصًا في العلوم الوليدة، أو الناشئة منها، لا ترجع إلى كثرتها المفرطة، وتداخُل معانيها فحسب، بل ترجع أيضًا إلى اختلاف معنى المصطلح الواحد عند الباحثين، ولو في الفرع نفسه؛ فلقد شهدنا في الفصل السابق، مثلًا، كيف اختلف معنى التكليف commissioning عند «كريستيان نورد»، عما كان عليه عند «هولتس-مانتاري»، فالأخيرة تعني به تكليف المترجِم بإعداد نصٍّ بلغة أخرى، طبقًا لمنهجها الخاص بتحليل الترجمة في ضوء المعاملات التجارية، وهي التي ضربنا لها مثلًا من الترجمة إلى اللغة العربية لحساب منظمة دولية، مثل الأمم المتحدة أو إحدى وكالاتها المتخصصة، وأما «نورد»، فتعني بالمصطلح ما «يُكلَّف» النص المترجَم به من أداء وظيفة معادلة لوظيفة النص الأصلي، سواء كانت الترجمة وثائقية أو هادفة، ويواجهنا في هذا الفصل مصطلحٌ آخر من المصطلحات الحديثة، يُستعمَل في النقد الأدبي، بمعنى «نطاق الأعراف» (انظر كتابي المصطلحات الأدبية الحديثة)، ويُستخدَم في علم اللغة بمعنى «نطاق اللغة»، ألَا وهو register. وسوف أشرحه تفصيلًا عند الحديث عنه في سياقه، وأشير إليه بمصطلح «النطاق» وحسب، وإنما أحببت أن أبيِّن استحالة تثبيت ترجمة واحدة لكل مصطلح تريح المترجِم والقارئ معًا؛ لأن علوم اللغة لا تزال في مراحل التغيُّر، وأبعد ما تكون عن الثبات، وناقل هذه العلوم إلى العربية لا يملك إلا متابعة هذا التغيُّر.
ولقد فضَّلت في القسم الأول من هذا الفصل أن أستعمل «تحليل الكلام» بدلًا من «تحليل الخطاب» ترجمةً لتعبير discourse analysis، ليس فقط لأن هذه هي الترجمة التي وضعها أساتذة اللغة العرب، وعلى رأسهم الدكتور سعد جمال الدين، الأستاذ النابه في جامعة القاهرة، بل لأن كلمة discourse هنا أقرب إلى المعنى الذي وضعه سوسير Saussure، وطوَّره هاليداي Halliday؛ من حيث وظيفته التوصيلية والاجتماعية منها إلى المعنى الذي أرساه فوكوه Foucault، والذي لا ضير من ترجمته ﺑ «الخطاب» نظرًا لشيوع المصطلح بالعربية، ولدلالته التي تضم الفكر والتفكير إلى جانب الألفاظ والتعابير المستعمَلة، وهذا هو ما استعملته في القسم الثاني من هذا الفصل، والمصطلح إذن مصطلح مشكل، ولكنني أرجو أن أوضح في عرضي الموجز لتأثير منهج تحليل الكلام في دراسة الترجمة أسباب اختياري لهذه الصورة العربية أولًا.
فلقد برزت في التسعينيات اتجاهاتٌ ترمي إلى الربط بين منهج تحليل النص الذي وضعته «كريستيان نورد» وبين مناهج تحليل الكلام، وجميعها مناهج تدعو إلى فحص النص على مستوياتٍ أشمل وأعم من مستوى الجملة المفردة، ولكن منهج تحليل النص عند «نورد» عادة ما يركز على وصف طرائق «تنظيم» النصوص داخليًّا (بناء الجملة، والتماسك … إلخ)، وأما تحليل الكلام، فينظر في طرائق توصيل اللغة للمعنى، وما ينبئ ذلك كله عنه من علاقاتٍ اجتماعية وعلاقات السلطة، أو «القوة» في المجتمع (وهو مشترك في هذا الملمح الأخير، على خفوته، مع المصطلح بمعنى «الخطاب»). وأما منهج تحليل الكلام الذي أثَّر، أكثر من غيره، في البحوث الجارية في هذا الحقل، فهو ما يُسمَّى بالنموذج الوظيفي المنهجي الذي وضعه هاليداي systemic functional model، وهو مبني على ما أسماه هاليداي بالنحو الوظيفي المنهجي systemic functional grammar الذي وضعه لدراسة اللغة، من حيث هي أداة توصيل؛ فاختلف في ذلك عن المناهج السابقة لتحليل اللغة (عند تشومسكي مثلًا) من حيث هي مبانٍ ثابتة، ودون إقامة علائق دينامية بينها وبين غيرها من النظم؛ أي أن النحو الوظيفي يوسِّع من دائرة المعنى، فيجده في الاختيارات اللغوية للكاتب، ويضع أسسًا منهجية لعلاقة هذه الاختيارات بالإطار الثقافي والاجتماعي الواسع. والدور الأساسي الذي اضطلع به النحو الوظيفي المنهجي هو وضع مصطلحات نحوية دقيقة لتحليل الكلام؛ أي أنه يدرج التوصيف اللغوي المحدد في الإطار العام للغة، باعتبارها أداة توصيل، وتعبيرًا عن الحركة الاجتماعية الثقافية. ومن الطريف أن «منداي» (۲۰۰۱م، ص٢٠٠) لم يفته التعليق على معنى «تحليل الكلام» قائلًا إنه مصطلحٌ واسع الدلالة «ويختلف استعماله فيما بين الباحثين»، ومهما يكن الأمر فلا بد لنا من التعرض له، ولجذوره، في النحو الوظيفي — ولو بإيجازٍ — وإن كنا سوف نقتصر في عرضنا لتأثير هذا الفرع الجديد في دراسات الترجمة على جانبَين فقط في هذا الفصل، وهما:
  • (١)

    تحليل النص باعتباره نصًّا متكاملًا، وهو ما يُسمَّى بالتحليل على مستوى النص (باستعمال أدوات النحو الوظيفي المنهجي).

  • (٢)

    وما يتعلق بهذا من تحليلٍ للتواصل الاجتماعي، وعلاقات السلطة التي يعبِّر عنها النص باعتباره فعلًا توصيليًّا.

ويستعير هذا المنهج من «بوهلر» Bühler، الذي سبقت الإشارة إليه في سياق عرض نظرية «كاترينا رايس»، تقسيمه الثلاثي لوظائف اللغة الذي ناقشناه في الفصل السابق، وهي الإخبار والتعبير والدعوة. ويقيم هاليداي علاقة تداخل قوية بين الإطار الثقافي الاجتماعي للغة، وبين تحقيق هذه الوظائف على المستوى الظاهر، وهو الذي أشرنا إليه من قبل في سياق تشومسكي باسم المستوى السطحي، وهو المستوى الذي يقابلنا عند قراءة اللغة، أو الاستماع إليها، لا ما يُسمَّى بالمستوى العميق الذي يُفترَض وجوده «تحت» هذا المستوى؛ أي أن البناء اللغوي المعتاد يحقق هذه الوظائف الثلاث التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإطار الثقافي الاجتماعي للغة نفسها، وهو الارتباط الذي يناقشه ويشرحه شرحًا واضحًا كتاب إجينز Eggins، بعنوان مقدمة للغويات الوظيفية المنهجية (١٩٩٤م)، وفكرته الأساسية هي أن البيئة الثقافية الاجتماعية تؤثر في النوع genre، بل تتحكم في حالته وأشراطه، والمقصود بالنوع اللغوي هنا نمط النص text type الذي يرتبط بوظيفة توصيلية معينة، وفقًا للتعريف التقليدي، ووفقًا لما سبق شرحه عند عرض نظرية «رايس»، مثل الخبر الصحفي أو الخطبة السياسية، أو القصيدة، أو الخطاب، أو الخطاب المرسل من شركة إلى شركة، أو إلى أحد العملاء … إلخ، و«النوع» هو الذي يحدد عناصر أخرى في الإطار اللغوي المنهجي، وهو الذي يطلق عليه systemic framework فحسب، وأول هذه العناصر هو ما سبق أن أسميناه بالنطاق register، وهو يتضمن ثلاثة عناصر متغيرة، هي المجال field، وهو الموضوع الذي يتناوله النص، والثاني هو الاتجاه tenor (أي من يوجِّه الكلام إلى من؟) والثالث هو الطريقة mode (كتابةً أو شفاهًا … إلخ)، فإذا طبَّقنا هذه المتغيرات على خبر صحفي، وجدنا أن المجال هو الحادثة المنشورة، والاتجاه هو من المحرر إلى القارئ، والطريقة هي الكتابة والنشر، وإذا طبَّقناها على الخطبة السياسية، وجدنا أن المجال قد يكون إنجازات الحزب مثلًا، والاتجاه هو من الزعيم إلى أعضاء الحزب، والطريقة هي الإلقاء الشفهي، وإذا طبَّقناها على خطاب «تجاري»، فقد يكون المجال تسليم البضاعة.
والاتجاه من مندوب المبيعات إلى أحد العملاء، والطريقة هي الكتابة. ولكل عنصر من هذه المتغيرات ارتباطٌ بشريحة من شرائح المعنى، فإذا جمعنا الشرائح بعضها إلى بعض، وجدنا أنها تشكِّل، فيما بينها، ما يُسمى بالدلالة الكلامية للنص، أو علم دلالة الكلام في النص discourse semantics، وترتبط بها ثلاث وظائف رئيسية metafunctions وهذه هي الوظيفة الخاصة بالفكرة ideational، وفيما بين الأشخاص interpersonal، والوظيفة النصية textual.
وسوف أُورِد مقتطفًا مترجمًا عن موسوعة اللغويات The Linguistics Encyclopedia التي حرَّرتها كيرستين مالمكيار Kirsten Malmkjær (١٩٩١–١٩٩٦م)، ومن الدراسة التي كتبتها هي نفسها عن النحو الوظيفي في هذه الموسوعة:
«يقوم النحو الوظيفي عند هاليداي على افتراض أن اللغة لها عند مَن يستعملها وظيفتان رئيسيتان two major functions, metafunctions؛ فهي وسيلة لتأمُّل الأشياء، ووسيلة للعمل بصدد هذه الأشياء … ويسمي هاليداي هاتَين الوظيفتَين وظيفة «المضمون»، الخاص بالفكرة، والوظيفة القائمة فيما بين الأشخاص، وتعتمد هاتان الوظيفتان على وظيفة ثالثة، وهي الوظيفة النصيَّة، التي تسمح بتحقيق هاتين الوظيفتين … وتمثل الوظيفة النصية قدرة تكوين النص الكامنة عند كل مستعمل للغة.»
(ص١٤٢)

والواقع أن النظرية المنهجية التي يقوم عليها النحو الوظيفي عند هاليداي — كما يقول هاليداي نفسه في كتابه عن النحو الوظيفي (١٩٨٥م) — «هي نظرية للمعنى باعتباره اختيارًا» ويرى هاليداي دائمًا أن النحو له معنًى، قائلًا:

«اللغة نظام لإنشاء المعاني، فهو نظام دلالي «يعمل» مع نظم أخرى «لتشفير» encoding المعاني التي تُخرجها اللغة، ومصطلح «الدلالة» لا يشير فحسب إلى معاني الألفاظ، بل إنه النظام الكامل لمعاني لغة من اللغات، ويعبِّر عنه النحو مثلما تعبِّر عنه الألفاظ، وأما «شفرات» المعاني في الواقع، فهي التشكيلات اللفظية، أي المتتابعات النحوية أو المركبات اللفظية syntagms، والتي تتكوَّن من عناصر من النوعَين، من العناصر اللفظية مثل معظم الأفعال والأسماء، والعناصر النحوية مثل أداة التعريف «اﻟ»، وأداة الإضافة of (في الإنجليزية)، وأداة الشرط «إذا»، إلى جانب أدواتٍ أخرى من نمط يقع فيما بين النمطَين in between، مثل حروف الجر.»
(ص١٧) p. xvii
وإذن، فإن الوظائف الخاصة بالفكرة، وفيما بين الأشخاص، والنصية تعتبر مكونات وظيفية للنظام الدلالي الذي نسميه اللغة، والنحو يتيح للوظائف الثلاث أن تعمل معًا في كل موقعٍ من مواقع النص؛ فالنحو يتلقَّى المعاني من كل مكوِّن component، ويربطها معًا في التشكيلات اللفظية، على نحو ما يبيِّن هاليداي في شرحه للجملة المفيدة البسيطة clause في اللغة الإنجليزية، ويقول إنه اختارها لأنها تمثِّل الوحدة النحوية التي نرى فيها «ثلاثة أبنية متميزة، يعبِّر كلٌّ منها عن أحد أنواع التنظيم الدلالي، وقد انتظمت معًا، واشتركت في إخراج تشكيل لفظي واحد» (١٩٨٥م، ص۳۸).
ولا داعي للإفاضة في تقسيم هاليداي للجملة؛ فالتحليل المعقَّد الذي يضعه يمكن أن يخرج بنا عن الهدف المحدد لهذا الكتاب؛ ولذلك فسوف نجمل ما انتهى إليه في كلماتٍ موجزة، وهو أنه يجمع بين الألفاظ والنحو في مصطلحٍ واحدٍ، يمكن ترجمته بمصطلحٍ منحوتٍ جديد هو «النحولفظي» lexicogrammar، ويفسره بأنه اختيار الألفاظ والبناء التركيبي لها معًا، وأما الروابط، فيمكن تلخيصها بصفة عامة كما يلي (عن إجينز، ١٩٩٤م، ص۷۸):
يرتبط المجال في النص بالمعنى الخاص بالفكرة، وهو يتحقق عمليًّا في اللغة من خلال ما يُسمى بأنساق التعدي؛ أي transitivity، مثل أنماط الأفعال على اختلافها، والأبنية للمعلوم أو المجهول، والأطراف المشاركة في عملٍ ما، وما إلى هذا بسبيل. وأما اتجاه النص، فيرتبط بالمعنى فيما بين الأشخاص، وهو يتحقق من خلال أنساق الأسلوب الإنشائي modality (في مقابل الخبري)، والتي تتضمن الأفعال المساعدة (في الإنجليزية طبعًا)، والصفة أو جملة الصفة، والحال أو جملة الحال، وأشباه الجمل (مثل: «وكلي أمل»، «مع الشكر»، «من باب عطفكم وكرمكم»، «رجاءً» أو «من فضلك»)، وبعض الألفاظ التي تتضمن قيمة تعبيرية مثل «الجميل» و«الرهيب» وما إلى ذلك. وأما الطريقة الخاصة بالنص، فترتبط بالمعنى النصي textual، وهو الذي يتحقق من خلال هياكل الأبنية الداخلية والمعلومات thematic and information structures، وبصفة أساسية بترتيب العناصر في الجملة وبنائها، ومن خلال التماسك cohesion، أي شكل الترابط اللفظي في النص، بما في ذلك استخدام الضمائر، والإيجاز بالحذف، والتصاحب اللفظي collocation، والتكرار وما إلى ذلك.
وقبل الانتقال إلى تطبيق هذا النظام في تحليل الكلام، أجد لزامًا عليَّ أن أشير إلى أن كتابًا لاحقًا على كتاب «إجينز» المُشار إليه، وهو كتاب باحث يُدعى جيف طومسون Geoff Thomson بعنوان مقدمة للنحو الوظيفي، صادر عام ١٩٩٦م Introducing Functional Grammar، يبدأ تقسيمه للوظائف الرئيسية بالوظيفة «الخاصة بالفكرة» في مصطلح هاليداي ideational، ولكنه يُطلِق عليها اسمًا آخر، ما لبث أن أصبح مصطلحًا، ألَا وهو experiential؛ أي «الخاصة بالخبرة»، وقد قرأت الفصل الذي يتناول فيه هذه الوظيفة الرئيسية (ص٧٦–١١٥)، فلم أجد فارقًا يُذكَر بين تعريف هاليداي لها وتعريف طومسون المذكور، ولكن كتابه ذو طابعٍ تعليمي مبسَّط، وزاخر بالأمثلة، ويغري بالقراءة، ولا بد أنه استفاد من كل ما كتب في الموضوع، واستفاد من تدريس المادة، كما يقول في التصدير، للطلاب والمعلمين والباحثين. وهو يضيف في الواقع وظيفة رابعة إلى ما جاء به هاليداي، ويسميها الوظيفة المنطقية the logical metafunction، وتختص بالقواعد المنطقية للربط بين الجمل؛ أي أنه يتجاوز تركيز هاليداي على الجملة المفيدة clause، رغم أنه يخصص لتحليلها معظم الكتاب؛ لمناقشة الرابطة أو الروابط المتاحة للكاتب، حتى يصل الجمل بعضها بالبعض، وما دام الاختيار قائمًا، فهو يصبُّ في صلب نظرية النحو الوظيفي، وليتنا نوجِّه لها الاهتمام اللازم في مجال اللغة العربية، خصوصًا عند الترجمة.
ويعتبر تحليل هذه الوظائف الأساسية ذا أولوية مطلَقة في هذا «النموذج»؛ فالعلاقات الوثيقة القائمة بين الأنساق «النحولفظية» وبين الوظائف الأساسية تعني أن تحليل أنساق «التعدي» والأساليب الإنشائية والتركيب الموضوعي والتماسك في نصٍّ من النصوص يكشف عن طرائق تحقيق تلك الوظائف، وطرائق إخراج النص لمعناه (إجينز ١٩٩٤م، ص٨٤)، ولكن التعقيد الذي يتسم به مذهب النحو الوظيفي يحتم علينا أن نقتصر على الجوانب ذات العلاقة بالترجمة، وسوف نتوقف إذن عند تحليل النطاق، وهو المفهوم الرئيسي في منهج جوليانه هاوس Juliane House، التي سبقت الإشارة إليها من قبل، ولن أخفي على القارئ بدايةً أنني أختلف معها، ولكن الموضوعية تقتضي أن أعرض منهجها بأمانة.
كتبت جوليانه هاوس كتابَين؛ الأول عام ١٩٧٧م، بعنوان نموذج لتقييم جودة الترجمة؛ فتعرَّض للنقد الشديد بسبب طبيعة فئات التحليل التي تستخدمها، وتعقيدها دون داعٍ، والمصطلحات التي أتت بها، وعدم اعتدادها بأي عنصرٍ شاعري، أو جانب جمالي للغة (فهي لا تناقش الأدب مطلقًا)، وهلمَّ جرًّا، وقد تصدَّت «هاوس» لهذه الانتقادات؛ فنقَّحت كتابها، ونشرته من جديدٍ عام ١٩٩٧م (وهي النسخة المتاحة لنا)، وأعادت النظر في بعض النقاط، دون أن تغيِّر من موقفها الأساسي، وهو رفض النظرية الوظيفية؛ لأنها تميل إلى ترجيح كفة النص المترجَم، بمعنى أنها موجهة إلى القارئ، وهي ترى أن في ذلك ضلالًا جوهريًّا fundamentally misguided؛ ولذلك تضع نموذج تقييم جودة الترجمة الخاص بها، والذي يبيِّن نقاط «الاختلاف» في النص المترجَم عن النص الأصلي، و«الأخطاء» التي يرتكبها المترجِم حين يسمح لنفسه «بالاختلاف». والنص المُنقَّح — فيما أرى — يعرض نموذجًا للتحليل (وأقصد به تحليل النصوص المترجَمة، ومقارنتها بالتحليل المقابل للنصوص الأصلية)، يقوم صراحةً على مذهب هاليداي في تحليل النطاق، من خلال فحص المجال والاتجاه والطريقة. وأما النظام الذي تتَّبعه، أو ما تسميه «النموذج المقارن»، فيقوم على مقارنة النصَّين باستخدام شتَّى التقسيمات والتصنيفات، التي كثيرًا ما تتسم بالتعقيد، وإن كنا نستطيع اختصاره في صورة تحليل النطاق لكلٍّ من النصَّين — الأصلي والمترجَم — وهو الذي يتحقق من خلال الوسائل اللفظية والبنائية والنصية. وأما الوسائل النصية، فتشير إلى ديناميات ابتداء الجمل theme-dynamics، وتعني قواعد تحديد البداية في الجملة، وقواعد تماسكها، وإلى الروابط بين الجمل clausal linkage (وهي التي يدرجها طومسون في الوظيفة المنطقية)، مثل حروف العطف أو الاستدراك وأدواتهما، والروابط الأيقونية iconic linkage، مثل توازي أبنية العبارات في النص.
وربما لاحظ القارئ ترجمتي لكلمة theme على هذا النحو، فإذا كان غير ملمٍّ بالنحو الوظيفي، فربما طالب بأن تُترجَم بالموضوع، وهو مصيب في ذلك؛ لأن هذا أحد معاني الكلمة، بل أكثر معانيها شيوعًا، ومن العجيب أن يكون ذلك معنى الكلمة الاشتقاقي قبل أن يكون معناها الاصطلاحي؛ فهي ترجع في أصلها البعيد إلى thema اليونانية، التي تعني ما هو مطروح، أو موضوع من الفعل tithenai الذي يعني «يضع»، ونحن نفرِّق بين هذا المعنى العام الذي تحوَّل في العربية المعاصرة إلى «محور» (للحديث/للنقاش/للبحث)، وبين المعنى الخاص في الأدب بمعنى خيط الفكرة، أو الصورة الشعرية التي قد تتلوَّن وتتخذ أشكالًا مختلفة، استيحاءً لمعنى الكلمة في الموسيقى، وأما إذا كان القارئ ملمًّا بالنحو الوظيفي، فسوف يتساءل عن ملاءمة تلك الترجمة للمقابلة التي يقيمها هاليداي بين theme وrheme، وكنت حين قرأت كتابه أول مرة أتصور أنه يعني بهما في بناء الجملة معنًى قريبًا مما نعنيه بالعربية «بالمسند إليه» و«المسند»، فهو يصِف ما يأتي في بداية الجملة، سواء أكان اسمًا أم لم يكن، بأنه «المسند إليه» (كأنه موضوع الجملة حقًّا)، بل يقول في الطبعة الأولى من كتابه «مقدمة إلى النحو الوظيفي» (١٩٨٥م) إن theme هو مدار القول في الجملة (ص٣٩)، ثم قرأت في شروح هاليداي — ومنها كتاب طومسون المذكور (ص١١٩) — أن ذلك وهمٌ، فما يأتي في بداية الجملة قد لا يكون «مسندًا إليه»، وقد لا يكون موضوع الجملة أو محورها أو مدار القول فيها، فقد يكون شبه جملة ظرفية أو حاليَّة … إلخ، ولهذا يقترح طومسون تعريف theme — وقد عرَّبناها في الستينيات إلى «ثيمة» — بأنها تعني «نقطة انطلاق الرسالة» أو the starting-point for the message، استنادًا إلى ما قاله هاليداي فيما بعد، أي في الطبعة الثانية من كتابه عام ١٩٩٤م، أي the ground from which the clause is taking off p. 38، وتعني حرفيًّا «الأرض التي تنطلق منها الجملة»، وإذن فلا يمكن ترجمتها «بالمبتدأ» وترجمة rheme بالخبر؛ لأن المبتدأ بالعربية دائمًا اسم، فهل يمكن ترجمته بنقطة البداية؟ وهل «البداية» وحدها تكفي؟ وإذا صحَّ ذلك، فهل نترجم rheme بتعبير «سائر الجملة» أو «بقية العبارة»؟ وإنما أوردتُ هذه المشكلة لأننا سوف نعود إليها في سياق «تحليل الكلام» و«الترجمة».
وتضيف «هاوس» في منهجها عناصرَ جديدة إلى مفهوم النطاق، أقصد عناصر لم يتضمنها تعريف هاليداي له صراحة؛ فتقول إن المجال يعني مادة الموضوع، وكذلك «الفعل الاجتماعي» social action، ويتضمن الخصائص النوعية للعناصر اللفظية. وأما الاتجاه، فنقول إنه يتضمن «الأصول الزمنية والجغرافية والاجتماعية للمخاطَب (أي لمتلقي النص)، إلى جانب موقفه الفكري أو العاطفي أو الشعوري» (أي وجهة نظره الشخصية) (ص١٠٩). وهي تعني «بالموقف الاجتماعي» الأسلوب الفصيح formal، وأسلوب المشاورة consultative، وأسلوب الألفة informal الذي قد يكون «عاميًّا». ويتميز في ذلك بطابعٍ فردي؛ أي يختص به كل فردٍ عن سواه، مثلما يتميز «الموقف» الاجتماعي. وأخيرًا، فإنها تعني بالطريقة قناة التوصيل (كتابةً أو شفاهًا … إلخ)، ودرجة المشاركة بين المخاطِب (بكسر الطاء) والمخاطَب (بفتحها) (مناجاة، حوارًا … إلخ) (الصفحة نفسها).
وتقترح هاوس على مَن يقوم بتطبيق منهجها أن يضع صورةً كاملةً لنطاق النص المصدر، يحدد فيها النوع الذي ينتمي إليه النص، طبقًا لذلك النطاق، ثم يستند إلى النطاق والنوع معًا في تحديد الوظيفة التي يؤديها النص، بما في ذلك العناصر الخاصة بالفكرة، وفيما بين الأشخاص، أو بعبارة أخرى، تحديد المعلومات التي يقدمها النص، وعلاقة المُرسِل بالمستقبِل، ثم يكرر ذلك كله مع النص المترجَم، ويقارن بين الصورتين، ويضع قائمةً بنقاط التفاوت mismatches، أو الأخطاء errors، ثم يصنِّف هذه في فئاتٍ طبقًا للنوع، ولأبعاد النطاق والنوع، في كل حالة، وهي تشير إلى الأخطاء الخاصة بالأبعاد المذكورة بتعبير «الأخطاء المستترة» covertly erroneous errors، تمييزًا لها عن «الأخطاء السافرة» overtly erroneous errors، وهي الأخطاء في معاني الألفاظ المحددة، أو الأخطاء في «النظام» اللغوي للغة المستهدَفة، ويلي ذلك الحكم على جودة الترجمة، وأخيرًا يمكن تصنيف الترجمة بوضعها في فئةٍ من فئتَين؛ هما: «الترجمة السافرة» و«الترجمة المستترة».
وأما الفئة الأولى، فهي فئة النصوص المترجَمة التي لا تزعم أنها نصوص كُتبت أصلًا باللغة المستهدَفة (ص٦٦)؛ أي التي لا تحاول إقناع القارئ أو المستمِع أنها موجَّهة إليه، أو كانت موجَّهة إليه أصلًا. ولما كانت هاوس تعتقد بضرورة نشدان التعادل على مستوى اللغة، أو النص، ومستوى النطاق والنوع، وتعتقد أيضًا استحالة تحقيق التعادل بين وظيفة نصٍّ بعينه، ووظيفة نصٍّ آخر بسبب اختلاف «عالم الكلام»، الذي «يعمل» فيه أحدهما، عن «عالم» الآخر؛ فإنها تقترح نشدان ما تسميه «بالتعادل الوظيفي على المستوى الثاني» a second-level functional equivalence؛ بحيث يتيح النص المستهدَف للقارئ استشعار أو إدراك وظيفة النص المصدر؛ أي بحيث يسمح لمن يتلقَّون النص المستهدَف بأن يسترقوا السمع eavesdrop، على ما يدور في النص المصدر.
وأما الفئة الثانية، فهي فئة «الترجمة التي تتمتع بمكانة نص مصدر أصلي في الثقافة المستهدفة» (ص٦٩)، فالنص المصدر في هذه الفئة لا يرتبط ارتباطًا خاصًّا بثقافة النص المصدر أو بجمهوره، فكل من النص المصدر والنص المستهدَف يخاطب جمهوره مباشرة، والهدف من الترجمة «المستترة» إعادة القيام بوظيفة النص الأصلي في النص المترجَم أو تمثيله، وهي تفعل ذلك دون أن تنقل قارئ النص المترجَم إلى «عالم» النص الأصلي، ومن هنا فلا بد من التعادل على مستوى النوع، ووظيفة كل نص على حدة، وإن كان على المترجِم أن يستعمل ما تسميه هاوس «بالمرشح الثقافي» cultural filter القادر على تعديل العناصر الثقافية إلى الحد اللازم للإيحاء بأنها تنتمي إلى ثقافة النص المستهدَف، ومن ثَم، بأن النص المترجَم نصٌّ أصلي. وهي تضرب أمثلة على الفئتَين من الألمانية والإنجليزية.

وتحرص «هاوس» حرصًا شديدًا على تبيان أن التمييز بين الترجمة السافرة والمستترة تمييزٌ في الدرجة فحسب؛ فهما ليسا في نظرها نوعَين متقابلَين، أو ثنائية متعارضة الأطراف، وإيضاحًا لذلك كله سنضرب أمثلة من العربية والإنجليزية، فترجمة رواية لدستويفسكي من الروسية إلى العربية تنتمي إلى الترجمة السافرة؛ فالمترجم قد يحافظ على كل ما أوصت «هاوس» بالمحافظة عليه، وقد تكون لغته العربية ناصعة، ولكن «عالم الكلام»، على حد تعبير «هاوس» يختلف في دستويفسكي اختلافًا شاسعًا عن «عالم الكلام» في العربية، حتى لو كانت الترجمة بالعربية المعاصرة، التي اقتبست الكثير من الطرائق «العالمية» في التعبير؛ ولذلك فلن نجد من يتصور (ولو أخفينا اسم المؤلف) أن نصًّا مترجمًا لذلك العملاق الروسي نصٌّ كتبه أديب عربي أصلًا، وقِس على ذلك ترجمة نجيب محفوظ إلى اللغات الأجنبية، وأما الترجمة المستترة، فعادة ما تكون من نوع الترجمة التي تصطبغ فيها جميع عناصر التحليل عند «هاوس» بالحياد، بمعنى أن الجوانب الثقافية الاجتماعية، التي تحدد النطاق، مشتركة بين اللغتين، وقِس على ذلك سائر العناصر، مثل الترجمات الوثائقية (وفقًا لتعريف نورد)، أي ترجمة الدراسات الاقتصادية مثلًا، فإذا كان المترجم بارعًا ظننت أن النص كتبه كاتب أو باحث عربي، وقِس على ذلك الكتابة العلمية «البحتة»، فكتابات الدكتور أحمد مستجير في الهندسة الوراثية بالعربية لا تختلف في مذاقها عن ترجماته إلى العربية، وإذا ترجمنا دراسة له إلى الإنجليزية، لم يستطع القارئ أن يدرك أنها ترجمة، لا بسبب جودتها فحسب، بل بسبب اتفاق الأصل والترجمة في المجال والنطاق اتفاقًا يكاد يكون تامًّا.

وسوف نضرب أمثلة لكلٍّ من النوعَين (مع التحليل الذي أوصت به جوليانه هاوس)، قبل أن ننتقل إلى نقطة أخرى، والمثال الأول مأخوذٌ من نص إنجليزي معاصر، وهاك إياه:

Comparative literature is being re-defined in this age of globalization and acculturation, as well as the paradoxically intensifying clash of cultures. The old models of comparing individual works or examining possible influences are increasingly felt to be inadequate: new horizons have opened to include intertextuality across different cultures, the study of cultural constants and variables in literature, conglomerations of primes and universals, and even translation.
(from the blurb of The Comparative Impulse, M. Enani ed., Cairo, 2001)
نبدأ بالتحليل من القاعدة إلى القمة bottom-up، فنرى أن المجال هو معنى الأدب المقارن؛ فهذا هو موضوع الفقرة، وأن الاتجاه هو مِن باحثٍ إلى غيره من الباحثين (أو إلى الطلاب)، وأن العوامل الاجتماعية لا تكاد تلعب أيَّ دورٍ في هذا أو ذاك، وأن الطريقة تُعتبَر بسيطة؛ فالوسيط هو الكتابة، والأسلوب مباشر، والمشاركة المتوقعة بسيطة، فهي لا تتجاوز تأمُّل ما يُقال، دون انتظار «فعل» من جانب القارئ، وتؤدي هذه العوامل الثلاثة إلى تحديد النطاق، وهو يتكوَّن، على المستوى اللفظي من مصطلحاتٍ نقدية وثقافية حديثة، تكاد تكون عالمية، بمعنى أنها مشتركة بين اللغات الحديثة جميعًا، ومنها العربية المعاصرة، فمجال الأفعال بعيدٌ عن صيغة التعدي، فالأبنية في الجمل تعتمد على البناء للمجهول، والزمن aspect هو إما الحاضر التام، أو الحاضر المستمر، والطرائق المُتبعة في ترتيب عنصرَي كل جملة thematic structure (وسوف نعود لهذا) متماثلة، فالجملة تبدأ بمدار القول، أي أن بداية كل جملة نحويًّا تتفق مع بدايتها الدلالية، مما يساعد على اتساق الدلالة وانتظامها، ويساعد في التماسك الداخلي للنص، ودراسة النطاق تؤدي إلى اعتبار النص نصًّا علميًّا محايدًا، أي أن النوع الذي ينتمي إليه هو النوع الإخباري، وهو ما يحدد أيضًا وظيفته؛ فهي نقل معلومات معينة إلى القارئ، وهكذا نجد أن الغرض الخاص بالنوع يحدد الوظيفة العامة، وهذه هي التي تحدد طريقة الترجمة المطلوبة. فما هي هذه الطريقة؟ إنها — بوضوح — الترجمة المستترة، أي التي لا يشعر معها القارئ بأنه يقرأ نصًّا مترجمًا، وهذا معناه استعمال أدوات التماسك cohesion markers في ربط الجمل داخليًّا في النص العربي، والإتيان بأفعالٍ لازمة لتمثيل ابتعاد النص عن صيغة التعدي، والالتزام بالزمن الحاضر في العربية (المضارع البسيط)، وتحويل المبني للمجهول إلى مبني للمعلوم؛ فذلك أقرب إلى طرائق العربية المعاصرة، وما إلى هذا بسبيل.

وسوف أورد ترجمتَين، ألتزم في الأولى منهما بما ذكرت، وأبتعد في الثانية بعض الشيء عن توصيات «هاوس»، حتى يضاهي القارئ بين الطريقتَين، وإن كانتا تنتميان إلى الترجمة «المستترة»:

  • (١)

    تجري في هذا العصر إعادة تعريف الأدب المقارن — عصر العولمة والتثاقف، ومن المفارقات أن يكون أيضًا عصر اشتداد الصراع بين الثقافات — إذ يزداد إحساس الدارسين بعدم كفاية الطرائق القديمة المُتبعة في الأدب المقارن، مثل مقارنة أعمال أدبية معينة بعضها ببعض، وتنفتح أمامهم آفاق جديدة، تتضمن دراسة التناص عبر شتَّى الثقافات، ودراسة الثوابت والمتغيرات الثقافية في الأدب، ومجموعات العناصر الأولية والعالمية، بل وحتى الترجمة.

  • (٢)

    يتعرَّض تعريف الأدب المقارن للتغيير المستمر في هذا العصر، الذي نسميه عصر العولمة والتثاقف، وإن كان في الواقع عصر اشتداد الصراع بين الثقافات، وهذه من المفارقات؛ إذ ازداد إحساس الدارسين عمقًا بقصور الطرائق القديمة القائمة على مقارنة الأعمال الأدبية بعضها ببعض؛ فانفتحت أمامهم آفاق جديدة تتضمن دراسة التناص فيما بين الثقافات المختلفة، ودراسة الثوابت والمتغيرات الثقافية في الأدب، ومجموعات خاصة من العناصر الأولية والعالمية، بل والترجمة أيضًا.

    الطول واحد تقريبًا (٦٤ و٦٧ كلمة)، ولكن بعض المعاني قد تغيرت؛ فالمترجم في كل حالة لا ينقل نصًّا لغويًّا، بل ينقل مفهومه لمعناه، والمفهوم يتطلب شكلًا جديدًا ما دام يوجِّه كلامه الآن إلى مستمع أو قارئ مختلف؛ فهذا هو سر الترجمة المستترة التي يقتضيها تحليله للنص، ولو شاء أن ينقل النص بأسلوب الترجمة السافرة لنقل العبارات الأولى مثلًا على النحو التالي:

  • (٣)

    يُعاد تعريف الأدب المقارن في هذا العصر، عصر العولمة والتثاقف، وعصر اشتداد الصراع بين الثقافات أيضًا، وهذه من المفارقات. ويزداد الإحساس بعدم كفاية الطرائق القديمة في مقارنة الأعمال … إلخ.

وسوف أترك التعليق على هذه الترجمة — على صدقها وأمانتها للنص الإنجليزي — إلى ما بعد الأمثلة، ويكفي أننا أوضحنا أن منهج «هاوس» ليس المنهج الوحيد القادر على إخراج ترجمة مستترة؛ فما دام المترجِم هو الفرد المنوط به تحويل النطاق الأجنبي إلى نطاق اللغة المحلية، فلا مناص من الاختلاف بين طرائق هؤلاء الأفراد. وفيما يلي نص عربي تنطبق عليه خصائص النص الإنجليزي كلها تقريبًا، وإن كان الموضوع اقتصاديًّا، وهو منشور في صحيفة الأهرام القاهرية (١٧ /٨ /٢٠٠٢م) وموجَّه إلى القارئ المصري أولًا، والعربي ثانيًا، والنطاق مقصور على المصطلحات العالمية الطابع، والتراكيب «إعلامية» أي خبرية، والزمن هو الحاضر والمستقبل، وهذا هو النص:

برنامج للإصلاح المالي بإعادة هيكلة الدين العام
وتحديث الهيئات الاقتصادية
الالتزام برعاية محدودي الدخل
ونقل ملكية ٣٣ هيئة إلى بنك الاستثمار القومي

انتهت الحكومة من إعداد برنامج شامل للإصلاح المالي، عن طريق إعادة هيكلة الدين العام، وتطوير وتحديث إدارة الهيئات الاقتصادية والاستثمارات العامة، وكشفت دراسة أعدَّتها الحكومة في الفترة الأخيرة عن مجموعة من المقترحات تستهدف تحويل صافي حقوق ملكية الخزانة العامة في ٣٠ هيئة اقتصادية … والبالغة ٤٦ مليار جنيه إلى بنك الاستثمار القومي، مقابل تخفيض مديونية الخزانة العامة للبنك بقيمة هذا المبلغ.

ولقد تعمَّدت — كما هو واضح — أن آتي بنصٍّ يتناول مادة مصرية «محلية» حتى أبيِّن الاختلاف بين مفهوم المجال (الموضوع)، والمادة (المضمون)؛ فالموضوع اقتصادي؛ ولذلك فهو محايد، ويتطلب الترجمة المستترة وفقًا لتعريف «هاوس» مهما بلغت محلية المضمون ودلالاته الثقافية الخاصة، فتعبير «الهيئة» اسم كلي عربي جديد، وُضع ليشمل المؤسسات والشركات (بل والمصالح الحكومية أحيانًا، مثل «هيئة البريد» the postal service) (انظر مرشد المترجم، ٢٠٠٠م)، ولا مثيل له في الإنجليزية المعاصرة بالدلالة نفسها (حتى لو قلنا entity أو establishment؛ فالنظم الاقتصادية مختلفة)؛ ولذلك فسوف يشعر القارئ حتمًا بأنه (باعتباره جزءًا من المضمون) أجنبي، ولكن ذلك لا يمنع من أن يحس القارئ أن النص المترجم مكتوب أصلًا له، ولو تناول ما يجري في البلاد الأجنبية، وسأقدِّم الترجمة، وأترك للقارئ مهمة المقارنة:

A Financial Reform Programme involving the Restructuring of Public Debt and the Modernization of Economic Establishments.

Continued Welfare measures for the lower-income groups, a government commitment.
Public property rights in 33 establishments to be transferred to the National Investment Bank.
The government has finalized a comprehensive financial reform programme involving the restructuring of public debt, management development and modernization in economic establishments and public investments. A recent government study has unveiled a package of proposals for the transference of the net Treasury property rights in 33 establishments, totalling LE 46 m. to the National Investment Bank, in return for a reduction in the Treasury’s debt by the same amount.

الواضح أن هناك فروقًا بين النصَّين، ولكن النص محايدٌ في نطاقه، والإضافات والتغييرات في النص المترجَم لا تُعَد من قبيل الأخطاء (سافرة كانت، أو مستترة)؛ فهي أساسية لإيضاح المعنى دون إسراف؛ فتعبير «الالتزام» يقصد به التزام الحكومة، ومن ثَم فإن إضافة كلمة «الحكومة» ليست في الحقيقة «إضافة»، وهكذا فإن القارئ يعرف أنه يقرأ عن بلدٍ أجنبي، ولكنه مطمئن إلى أنه هو الذي يُخاطَب في «المستوى الأول»، لا «المستوى الثاني»، وفقًا للمصطلح الذي وضعته «هاوس».

ولكي ندرك مدى حياد النصَّين السابقَين، سأُورد نصَّين «غير محايدَين»، من روايتَين للكاتب البريطاني ﻫ. أ. بيتس H. E. Bates والكاتب العربي نجيب محفوظ. أما الأول، فمن رواية عنوانها «عندما تضحك الغابات الخضراء» When the Green Woods Laugh وهو مكتوب بالإنجليزية الدارجة (وخصوصًا في الحوار)، ويتناول موضوعًا مشبعًا بالدلالات الثقافية المحلية، وأما مضمون الفقرة، فيتعلق بما يُسمى رياضة صيد الثعلب the hunt، وفيها يخرج المتريضون على ظهور الخيل، وأمامهم كلاب الصيد hounds ونافخو أبواق المسير، ويطاردون الثعلب حتى يجدوه، وإن كان الركوب في ذاته هو الرياضة المقصودة. وسوف نرى في نطاق النص ألفاظًا وتراكيب تشتبك مع المجال في خلق «عالم كلامي» خاص بالثقافة الإنجليزية في بريطانيا وحدها، وتقتصر في الغالب على أبناء الطبقة الراقية، ويروي المؤلف الرواية دائمًا من وجهة نظر إحدى الشخصيات، بحيث نحس كأنما نستمع نحن مباشرة إلى ما يعبِّر عن فكر الشخصية بلغته (الوظيفة فيما بين الأشخاص)، كما نلاحظ أن التماسُك في النص مردُّه إلى الاتصال في النطاق العامي للغة بين الوصف والسرد والحوار.
Pop didn’t answer. The hunt really didn’t interest him this season. He was very busy and the present crowd were pretty rag-tag-and-bobtail. The country, too thickly wooded, with too many orchards, wasn’t really good for hunting either.
Nor did Mrs Perigo interest him very much. Nobody could say he wasn’t interested in women; he was ready and willing for them any time you cared to name. But Mrs Perigo wasn’t quite his kind. Something about her, more especially the voluptuous glances, irked him. He didn’t want to go hunting with her either, one way or the other.
“Well, anyway, even if I can’t go,” she said, “you could drop in for a stirrup-cup in the morning, before you went, couldn’t you?”
“Never drink in the mornings.”
“No? Simply can’t believe it.”
pp. 80-81

وها هي الترجمة «السافرة»، أي التي تطلعنا على ما يصوِّره بيتس في روايته، دون أن تنسينا، ولو للحظة واحدة، أنها ترجمة، مهما أحكمنا الصياغة العربية:

لم يُجِب «بوب»؛ فلم يكن يهتم برياضة الصيد في هذا الموسم، بسبب مشاغله الكثيرة، إلى جانب إحساسه بأن المشاركين هذه المرة من الطبقة الدنيا، كما كانت تلك المنطقة الريفية تكتنفها الغابات اللَّفاء، وتنتشر في أرجائها البساتين؛ فتجعلها غير صالحة لرياضة الصيد.

بل ولم يكن يُولي اهتمامًا كبيرًا للسيدة بيريجو، ولا يعني ذلك أنه لم يكن يهتم بالنساء، بل لقد كان دائمًا مستعدًّا لهن، وراغبًا فيهن، في أي وقت شئت، ولكن السيدة بيريجو لم تكن من النوع الذي يحبه، بل لقد كان يضيق بشيء ما فيها، خصوصًا لَفتاتها ونظراتها المثيرة، ولم يكن يريد أن يخرج للصيد بصحبتها بأي حال من الأحوال.

وقالت له «طيب! حتى إذا لم أتمكن أنا من الخروج، فلماذا لا تمر عليَّ في المنزل لشرب قدح من النبيذ قبل الركوب في الصباح، أقصد قبل الخروج؟»

«لا أشرب مطلقًا في الصباح.»

«حقًّا؟ لا أصدق ذلك.»

وإذا طبَّقنا منهج «هاوس» وجدنا أن على دارس الترجمة هنا أن يرى كيف اختلفت عناصر النطاق (وهو الذي يحدد النوع genre) اختلافًا شاسعًا بين النصَّين، حتى مع الحفاظ على «المعنى الإحالي» للألفاظ، ولكن المعنى لا بد أن يبدو لنا ناقصًا وفقًا لنظريات «تحليل الكلام» القائمة على النحو الوظيفي، وما تضيفه «هاوس» إليها من أبعادٍ ثقافية اجتماعية، ومن ثَم، فمن المُحال أن نعتبر أن هذه الفقرة قد كتبها كاتب عربي لقارئ عربي، بغض النظر عن صحة الألفاظ، وصحة التراكيب النحوية؛ فالنطاق مختلف، وقد تقترب العامية العربية من نقل بعض ما استعصى نقله بالفصحى، مثل كلمة «يهتم»، والأقرب لها «غاوي» العامية، و«الطبقة الدنيا»، يمكن إبدالها بكلمة «بلدي»، وكلمة «يحبه» يمكن إبدالها بتعبير «تدخل مزاجه»، وهكذا، فحتى في السرد، نجد أن نطاق الفصحى يعجز عن خلق الجو الخاص الذي يجعل الترجمة مقبولة أدبيًّا، فهي ترجمة، والقارئ يعرف أنه يقرأ نصًّا مترجمًا؛ ولذلك فإن هاوس تطلق عليها تعبير «الترجمة السافرة».

ولكن هناك سببًا آخر لم تذكره «هاوس»، وإن كانت قد ألمحت إليه في غضون ذِكرها للعوامل الثقافية الاجتماعية، وهو أن طرائق التفكير والكلام تختلف باختلاف الثقافة والمجتمع، وهكذا فإن المترجِم، مهما ينجح في تطويع «طرائق» النص حتى تتلاءم مع «طرائق» اللغة المستهدَفة، فلن يستطيع أن ينجح نجاحًا كاملًا في الإيحاء بأن الفكر الذي يتحقق، أي يتجسَّد في البناء «النحولفظي»، فكرٌ عربي، وقد يجد القارئ العربي أن النص المترجَم الحالي صحيح لغويًّا، أي قد يجده نصًّا عربيًّا سليمًا، ولكنه لا بد أن يشعر بأنه ثمرة ذهنٍ أجنبي لا وصف لموقفٍ أجنبي فقط، والقراء العرب الذين اعتادوا قراءة الترجمات يعرفون أنها تمثِّل فكرًا غير عربي، وإن كانت الكلمات والأبنية عربية، بل لو كانت تتحدث عن مواقف عربية، وهذا هو ما ناقشته في كتابي «مدخل ثقافي لترجمة اللغة العربية» (٢٠٠٠م)، الذي كتبته بالإنجليزية (ص٥٣–٦٨).

وربما كان أنصع مثال على تأثير العامل الثقافي الاجتماعي في البناء «النحولفظي» — وهو كما سبق أن أوضحنا يتضمن الأبنية النحوية والألفاظ؛ فالأبنية لها معنًى مثلما تحمل الألفاظ معانيها — هو استخدام نجيب محفوظ للحوار بالفصحى في رواياته. إنه يحوِّل الفكر وأبنيته من العامية إلى الفصحى، أحيانًا بتحويل البناء والألفاظ لتتفق مع الفصحى، وأحيانًا دون تغيير البناء، استنادًا إلى أن الألفاظ فصحى. وها هو مقتطف من مشهدٍ حواري من زقاق المدق:

قالت لها دون أن تحوِّل عنها عينيها:

– مولودة في ليلة القدر والحسين!

فأمسكت حميدة عن تمشيط شعرها الأسود اللامع، وسألتها ضاحكة:

– لمه؟ ماذا وراءك؟ هل من جديد؟

فخلعت المرأة ملاءتها، وطرحتها على الكنبة، ثم قالت بهدوء، وهي تتفرَّس في وجهها لتمتحن أثر كلامها فيه:

– عروس جديد!

فلَاح في العينين السوداوين اهتمام ويقظة تخالطهما دهشة، وتساءلت الفتاة:

– أتقولين حقًّا؟

– عروس كبير المقام يتمنع عن الأحلام يا بنت الكلب.

– من عساه يكون؟

– خمني …

– من؟

– السيد سليم علوان على سن ورمح.

– سليم علوان صاحب الوكالة؟

– صاحب الوكالة، وصاحب الأموال التي لا يفنيها المحيط.

– يا خبر أسود!

– يا خبر أبيض، يا خبر مثل اللبن والقشدة.

وها هي الترجمة وسأترك للقارئ مهمة المقارنة:

Fixing her eyes on her, she said:
– By Al-Hussein! you must’ve been born in the night of power!
Hamida stopped combing her glossy black hair and asked with a laugh:
– What for? What’ve you got? what’s new?
The woman took off her milaya and flung it on to the sofa. Quietly, with her eyes fixed on Hamida’s face to see the impact of her words, she said:
– A new suitor!
In the black eyes a glint of interest and eagerness shone, mixed with surprise, as the girl cried:
– It isn’t true!
– A suitor in a great position, not to come by in dreams, you, daughter of a bitch!
– Who could it be?
– Make a guess?
– Who?
– Selim Olwan, the great man, himself!
– Selim Olwan who owns the wikalah?
– Who own the wikalah and has as much money as oceans have water!
– Awful, isn’t it?
– Rather wonderful, happy, delightful!

وأرجو أن يلاحظ القارئ في المقارنة كيف تختلف أبنية العبارات، لا الألفاظ فقط في عملية التحويل، سواء في هذه القطعة، أم في القطعة السابقة، وهذا ما تعتبره «هاوس» عيبًا أو خطأً، ربما لأن نماذجها هي الألمانية والإنجليزية أساسًا، واختلافات الأبنية بين اللغات الأوروبية اختلاف سطحي؛ لأنه لا يعكس اختلافاتٍ جوهرية في أبنية الفكر، التي هي وليدة الثقافة، ومن ثَم، كان اختلافي مع منهج «هاوس».

والواقع أن منهج «هاوس» معقد، وهو يطالب دارس الترجمة بعملٍ مضنٍ شاق، وإن كانت مزيته هي التأكيد على العامل الثقافي الاجتماعي في تطبيقه لمنهج هاليداي في النحو الوظيفي؛ ولذلك فهي تُعتبَر رائدة في هذا المجال، وإن لم تصل شهرتها إلى شهرة منى بيكر، التي سبقت الإشارة إليها، والتي وضعت كتابًا تعليميًّا، كان ولا يزال ذا تأثير كبير في دراسة الترجمة وعنوانه هو «بعبارة أخرى»، أو في كلمات أخرى In Other Words، (۱۹۹۲م)، وتحاول فيه دراسة التعادل على عدة مستويات يأخذ بعضها برقاب بعض؛ فالأول هو الكلمة، يتلوها ما بعد الكلمة، أو ما فوقها، ثم النحو، فالبناء الترتيبي للجملة، والتماسُك والتداولية، ويهمنا هنا أن ننظر في تطبيقها لمنهج النحو الوظيفي في دراسة التماسُك والبناء الترتيبي thematic structure (لاحظ كيف ترجمت الصفة الإنجليزية، وانظر مناقشة ترجمة theme وصاحبتها rheme في فقرة سابقة).
وتُعتبَر منى بيكر نموذجًا لكثيرٍ من الباحثين في الترجمة، الذين يعتمدون اعتمادًا كبيرًا وتفصيليًّا على مصطلحات النحو الوظيفي وتحليل الكلام؛ فهي توجِّه جُل اهتمامها للوظيفة النصِّية، وهي تتعلق — كما قلنا — بديناميات بناء الجملة من حيث «البداية» theme، و«سائر العبارة» rheme، وقواعد التماسك، والواضح أن بعض الدارسين الذين فُتنوا بقواعد النحو الوظيفي، وجمال التحليل الذي نصادفه في الكتب التي تتناوله (وإن كنت لم أطلع إلا على عددٍ محدود منها)، حاولوا تطبيق هذه القواعد على لغاتٍ أخرى (غير الإنجليزية)، ومنها لغات قد تبدأ بالفعل، لا بالاسم، وقد يختلف فيها شكل الفعل باختلاف الفاعل، وقد يختلف نظام الجملة فيها عن الإنجليزية، وقد تختلف، من ثَم، نظم التأكيد فيها على عنصر من عناصر الجملة، والتأكيد (أو التميز) في مصطلح هاليداي هو markedness، ومعنى التأكيد إذن هنا «تمييز» هذا العنصر بوضعه في موقعٍ «بارز» في الجملة، كأن يُقدَّم على غيره في البناء؛ فتكون له الصدارة، وقد يختلف هذا من لغة إلى لغة، والحكم بمعيار البناء الإنجليزي وحده لا يصلح في جميع الأحوال. وهاك ما يقوله منداي (۲۰۰۱م، ص٩٦).
«الحقيقة هي أن نموذج هاليداي في تحليل الترتيب thematic analysis يعتمد على اللغة الإنجليزية، وهي حقيقة لا بد أن تثير بعض الشك في صلاحية هذا النموذج للترجمة. وتقبل مني بيكر هذه الحقيقة (ص١٦٠–١٦٧)، كما تضع الخطوط العريضة لنموذجٍ بديلٍ لبناء الجملة، هو المنظور الوظيفي للجملة functional sentence perspective، وهو يأخذ في اعتباره ما يُسمَّى ﺑ «الدينامية التوصيلية» إلى جانب ترتيب الكلمات، ومن ثَم، فقد يكون أصلح للتطبيق في اللغات التي يكثر فيها الابتداء بالفعل قبل الفاعل، ومع ذلك، فإن منى بيكر تخلص (ص١٤٠) إلى أن إحدى المزايا المهمة للمدخل الوظيفي المنهجي هي أنه أيسر في التطبيق وأقل التواء، فالموقع الأول يأتي فيه «موضوع» الجملة theme، وليكن ما يكون.»
وللتدليل على عدم صلاحية تطبيق ذلك «النموذج» على العربية، سأُورد العبارة التي أوردها طومسون في كتابه المذكور (١٩٩٦م، ص۱۱٨-۱۱۹) لشرح ما يعنيه هاليداي ببناء البداية وسائر الجملة theme and rheme (انظر مناقشة ترجمة المصطلحَين أعلاه)؛ إذ يقول إنه رأى جملة وردت في إحدى الصحف البريطانية تقول:
(1) For centuries, yellow canaries have been used to test the air in mining.
(١) (على مدى قرون، كانت طيور الكناريا الصفراء تُستخدَم، وما تزال «لاختبار» الهواء في المناجم)، ويضيف قائلًا إن العبارة الاستهلالية «إضافية»، أو «إضافة وصفية» adjunct، وهي قد تُعرب وفقًا لنظمٍ مختلفة ظرفًا أو حالًا أو صفة، ولكنها تشغل نقطة البداية، وتعتبر، من ثَم، «موضوع» الجملة theme، وينتقل بعد ذلك إلى تقديم أشكال أخرى للجملة نفسها يغير فيها من موقع هذه العبارة:
(2) Yellow canaries have been used to test the air in mining for centuries.

(٢) كانت طيور الكناريا الصفراء تُستخدَم في «اختبار» الهواء في المناجم على مدى قرون طويلة.

(3) Miners have used yellow canaries to test the air for centuries.

(٣) كان عمال المناجم يستخدمون طيور الكناريا الصفراء في اختبار الهواء على مدى قرون طويلة.

(4) In mining, yellow canaries have been used to test the air for centuries.

(٤) في المناجم كانت طيور الكناريا الصفراء تُستخدم «لاختبار» الهواء على مدى قرون طويلة.

(5) To test the air in mining, yellow canaries have been used for centuries.

(٥) بغية اختبار الهواء في المناجم، كانت طيور الكناريا الصفراء تُستخدَم على مدى قرون طويلة.

(6) The air has been tested in mining for centuries by using yellow canaries.

(٦) كان الهواء «يُختبَر» في المناجم، على مدى قرون طويلة، باستخدام طيور الكناريا الصفراء.

وهو يعلق على ذلك قائلًا (ص١١٩) إنه بدأ الرسالة في كل مرة من نقطة مختلفة، أي إنه اختار موضوعًا أو بداية theme مختلفة لكل صورة من صور الجملة المذكورة، ويمضي بعد ذلك في تحليل أهمية موقع البداية قائلًا إن الجملة (١) تجعل «على مدى قرون» موضوعها؛ فهي تتناول الموضوع من وجهة نظر تاريخية، ولكن الجملتين (۲) و(۳) توحيان بأن «طيور الكناريا الصفراء»، أو «عمال المناجم»، هما موضوع الجملة، وأما الجملة (٤)، فتوحي بنقطة بداية «أضيق»، وكذلك شأن الجملتين (٥) و(٦). وتعليقنا على ذلك أنه موجَّه إلى البناء في اللغة الإنجليزية وحدها، ولكن مقارنة الترجمات العربية التي تحاكي البناء الإنجليزي قدر الطاقة تثبت أن بعض الأبنية الواردة لا تتفق وطبيعة اللغة العربية، فأما الأبنية التي تتفق معها، فهي التي تبدأ بالفعل «كان» أو «كانت»، سواء كان الفعل بعدها مبنيًّا للمعلوم (٣)، أو للمجهول (۲)؛ ولذلك؛ فإن الحكم على نقطة البداية — باعتبارها الموضوع — وما يستتبع ذلك من تأكيدٍ له، أمرٌ غير موثوق به في العربية، وفي الترجمة منها وإليها.
وسوف أضرب الآن مثلًا إيضاحيًّا موجزًا: إن جميع دارسي النحو الوظيفي، بلا استثناء، يركزون على بناء الجملة البسيطة clause، وقد تكون هذه الجملة جزءًا من جملة طويلة sentence، قد تتكوَّن من عدة جمل بسيطة أو أشباه جمل وعناصر لفظية أخرى، وإن لم تبدُ كذلك لأول وهلة، فإذا طبَّقنا ذلك على اللغة العربية، وجدنا اختلافاتٍ ترجع إلى الفارق بين طبيعة العربية والإنجليزية، فالجملة البسيطة بالإنجليزية لا بد من وجود فعل فيها، وفي العربية قد توجد أفعال لا مقابل لها بالإنجليزية (مثل «يعدل» و«يجهل»؛ أي to be just/fair و to be ignorant)، ومن ثَم تستحيل المضاهاة بنائيًّا بين اللغتين. انظر ما قاله مندوب كسرى حين رأى عمر بن الخطاب نائمًا بلا حرسٍ عند المسجد: «حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر!» إنها مجموعة من الجمل البسيطة المتوالية (يربطها رباط التتابع أولًا، ثم رباط السببية، الذي يسميه طومسون «منطق» الربط)، ولا سبيل إلى تغيير بناء هذه الجملة الطويلة وفقًا لقواعد النحو الوظيفي، إلا إذا شئنا الابتداء بحرف النداء والمنادى! وليس هذا بالتغيير الكبير!
You have ruled, (have) been just, (have) felt safe, and so (have) slept, O Omar!

أي إن دينامية البناء هنا محكومة بتسلسل المعاني، واستناد بعضها إلى بعض، وانظر إلى التغيير الذي أحدثه حافظ إبراهيم حين أخرج هذه المعاني نَظمًا:

أمنت لما أقمت العدل بينهمو
فنمت نوم قرير العين هانيها
You feel safe, having established justice among your people, and now sleep with an easy conscience and a happy heart.
لقد غيَّر حافظ إبراهيم من تسلسل «الأفعال»، التي هي جوهر كل «جملة بسيطة»، وحذف الفعل الأول (حكمت) لأنه مضمر في إقامة العدل؛ إذ لا يعدل إلا مَن يحكم. وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (النساء: ٥٨) و«العادل» هو من يعدل في حكمه؛ لأن كلمة الحكم لا تعني السُّلطة، بل تعني الفصل في الأمور، ومنها الفتوى (وكلاهما بالإنجليزية هو ruling) — وأضاف حافظ ما اقتضاه الشعر من وصف لهناء السريرة والعين القريرة — ولكن تغيير حافظ لتسلسل الأفعال لم يغيِّر من المعنى، وإن كان قد غيَّر من الصورة النثرية المضغوطة؛ فحوَّلها إلى صورة شعرية مبسوطة.
وهذا يدلنا على أن لكل لغة بنيانها، كما يدلنا على أن التغيير في العربية لم يُحدث تأثيرًا كبيرًا في المعنى، وإن كان له تأثيره فيما يُسمى «بجماليات النص»، وهو ما نستفيده من هذا المنهج الجديد، بل إنه يعتبر أهم ما أتى به تطبيق منى بيكر لمنهج النحو الوظيفي، أي دفع المترجِم إلى إدراك التميُّز أو التأكيد النسبي relative markedness لعناصر البناء، أي لما يُسمَّى بالمعلومات وتنظيمها في الجملة. وهي تقول (ص١٢٩) إن من شأن ذلك تعميق الوعي بالاختيارات ذات الدلالة التي يتخذها الكُتَّاب والمتحدثون في أثناء عملية التوصيل، ولكن ذلك لا يعني — في رأيي — أن ما يتميز في لغةٍ ما بسبب موقعه في الجملة، سوف يتميز حتمًا في الموقع نفسه إذا اختلفت اللغة، والترجمة الصادقة لا تعني إخراج نسخٍ طبق الأصل في البناء وترتيب الألفاظ، وإلا وجدنا أننا نرجع القهقرى إلى عصر ترجمة الكلمة بالكلمة (انظر الفصل الأول)، ولكننا نستفيد من المنهج فحسب في الاهتداء إلى ما في النص الأصلي من مواطن التميُّز أو التأكيد الراجع إلى مواقع الكلمات دون الالتزام بالحفاظ على تلك المواقع في اللغة العربية. وانظر مطلع قصيدة كنيسة تِنْتِرن Tintern Abbey للشاعر ووردزورث:
Five years have passed; five summers, with the length
Of five long winters! and again I hear
These waters, rolling from their mountain-springs
With a soft inland murmur.
خمسة أعوام سَرَبَت، خمسة أصياف في طول الأشتاء الخمسة،
وإذا بي ثانية أسمع هذه الأمواه المنحدرة،
من بعض ينابيع الجبل،
باعثة همسات الرقة في جنبات الأرض!
إن الترجمة العربية تحافظ على موقع البداية في البيت الأول، ربما بسبب التميُّز الواضح في موقع الاسم هنا ودلالته على الزمن، وكان يمكن أن تقول «مرَّت خمسة أعوام» أو «سربت خمسة أعوام» دون الإخلال بالمعنى أو بالوزن، ولكن الشعر تطلَّب التميُّز نفسه، وكذلك حافظت الترجمة على الترتيب في الجملة الثانية، وكان يمكن أن نقول «وإذا بي أسمع ثانية»، دون إخلال بالمعنى أو الوزن، ولكن ذلك ليس قاعدة عامة؛ فقد لا يصلح في النثر، بل قد تقتضي الترجمة الشِّعرية نفسها تغيير البناء والابتداء بالفعل حين يفرض «التفسير» الشعري هذا التغيير، وانظر إلى مطلع قصيدة The Rainbow (أي قوس قزح/قوس المطر/قوس الغمام) للشاعر نفسه:
My heart leaps up when I behold
A rainbow in the sky.

إن للمترجم أن يحافظ على الفاعل في موقع الابتداء، كأن يقول «قلبي يرقص طربًا …» أو «قلبي يتواثب في صدري/إن لاح لنا قوس المطر» وله أن يقول أيضًا، وفقًا لتفسيره الخاص:

ما زال قلبي يستخفه الفرح،
إذا رأيت في السما قوس قزح.
وتعرَّضت كتب كثيرة، كما يقول منداي (٢٠٠١م، ص٩٦)، إلى العيوب الكامنة في محاولة فرض نظام الجملة الإنجليزي على الترجمات إلى اللغات الأخرى، مثل كتاب فاسكويز-أيورا Vazquez-Ayora (بالإسبانية)، وكتاب جيرزيميش-أربوجاست Gerzymisch-Arbogast (بالألمانية)، ويقول الكتاب الأول الصادر في عام ١٩٧٧م (وفقًا لما يقوله منداي): إن المحاكاة الصارمة لبناء الجملة الإنجليزية عند الترجمة إلى الإسبانية، وهي لغة تبدأ الجملة بالفعل قبل الاسم، يؤدي إلى إخراج نصٍّ رتيب مفتعَل، وتقول مؤلفة الكتاب الثاني (الصادر في عام ١٩٨٦م) إن محاكاة نظام الجملة الإنجليزية المشطورة cleft sentences تؤدي إلى ركاكة الأسلوب بالألمانية. ويضيف منداي أن هذه الانتقادات تصوِّر المعضلة التي تتمثَّل في محاولة إيجاد التوازن بين «ديناميات الإخبار» (أي صور التغيير في عناصر الإخبار عن شيء ما في الجملة)، وبين الاهتمام المشروع بأنساق البناء الأساسية في اللغة المستهدَفة (النصوص المترجَمة).
ويقول منداي (٢٠٠١م، ص٩٦–٩٧)، بعد عرضه للآراء المعارضة لهذا المنهج، إن السبب في تركيز الباحثين في نظرية الترجمة على «الوظيفة النصِّية» وخصوصًا على البناء الداخلي للجملة قد يُعزى إلى الكتب التي وُضعت في مبحث لغويات النص، من وجهة نظر لغة واحدة monolingual، والتي اهتمت بهذه الوظيفة دون غيرها، وكان لها تأثيرها الواسع المدى، وخصوصًا كتاب إنكفيست Enkvist (۱۹۷۸م)، وكتاب بوجراند ودرسلر Beaugrande and Dressler (۱۹۸۱م)؛ إذ كان لهذَين الكتابَين تأثير كبير في أصحاب نظريات الترجمة (انظر قائمة المراجع)، ولكن بعض الباحثين قد نظروا أيضًا في التماسُك، وهو العنصر الآخر من عنصرَي الوظيفة النصية، مثل الدراسات التي قامت بها س. بلوم-كولكا S. Blum-Kulka، ونشرتها أول مرة عام ١٩٨٦م، وأدرجها فينوتي في كتابه المُشار إليه (۲۰۰۰م)، بعنوان «التغيُّرات في التماسُك والاتساق في الترجمة»، وهي تفترض في هذه الدراسة أن المترجِم عادة ما يزيد عند ترجمته من أدوات الربط والتماسُك، وهي — في رأيي — على صواب؛ فالمترجِم دائمًا ما يساوره القلق على تماسُك النص الذي «يكتبه»، بغض النظر عن الاختلافات الطبيعية بين اللغات، وهو لذلك حريص على ألَّا ينقطع خيط الفكرة بانتهاء الجملة، وقد خبرت ذلك بنفسي في الترجمة من الإنجليزية أو إليها.
ولكن أدوات الترابُط والتماسُك قد تختلف فيما بين اللغات، وهو ما تشير إليه منى بيكر (ص٢٠٦)، وتؤيده بنصوصٍ من البرتغالية والعربية وترجمتها؛ فالعربية تفضِّل تكرار اللفظة نفسها على تكرار المعنى بلفظة مختلفة، وهذا صحيح إلى حدٍّ كبير، ولكنه يصدق على العربية المعاصرة فحسب، وهي على أي حال اللغة المستعمَلة في الترجمة. وأما الاتساق النابع من التماسُك، فهو يرجع في رأي منى بيكر إلى «الوظيفة التداولية» pragmatics، وهي تنظر في شتَّى جوانب «التعادل التداولي» في الترجمة، وتطبق المفاهيم اللغوية المناسبة على الترجمة، وتبدأ بتعريفها «للتداولية» قائلة إن مبحث التداولية يدرس استعمال اللغة، فهو يختص بدراسة المعنى، لا المعنى الذي «يولِّده» النظام اللغوي، بل المعنى الذي يقوم المشاركون في «موقف توصيلي» بإخراجه وتوصيله والتحكم فيه. (ص٢١٧)، وأما المفاهيم اللغوية التي تدرسها، والجديرة بالنظر في هذا الكتاب، فهي مفهوم الاتساق coherence، والافتراض المسبَق presupposition، والإضمار implicature.
وتقول منى بيكر (ص٢١٩) إن اتساق النص، الذي يرجع إلى التماسُك، «يعتمد على توقعات السامع أو المستقبِل، وخبرته بالدنيا»، وهو ما قد يختلف فيه قارئ النص الأصلي عن قارئ النص المترجَم؛ ولذلك فقد يميل المترجِم إلى إضافة ما يحتاج إليه النص المترجَم من معلومات (على نحو ما فعلتُ عندما أضفت كلمة «طائر» إلى «الحسون» في القصيدة المترجَمة عن براوننج، وتحاشيتُ استعمال «الحُباحب» في ترجمة قصيدة بليك في الفصل السابق). ويتصل الافتراض المسبق اتصالًا وثيقًا بالاتساق، وهو يعني ما يفترضه المتحدث أو الكاتب سلفًا في السامع أو القارئ من علمٍ أو خبرة بالموضوع، وقد يكون ذلك خارج نطاق النص أو داخله، أي قد يكون لغويًّا، أو خارج نطاق اللغة extralinguistic، وتعرِّفه منى بيكر (ص٢٥٩) بأنه القدرة على «الاستنباط التداولي» pragmatic inference بمعنى قدرة السامع أو القارئ على استنباط المعنى، لا من سياق النص وحده، بل من ظروف القول، شفاهةً أو كتابةً، فعندما يشير محمد سلماوي في مقالٍ له في الأهرام إلى «نواب القروض»، فهو يفترض، سلفًا، أن القارئ يحيط بقضية الذين اقترضوا ملايين الجنيهات من البنوك دون ضمانات، وصدرت عليهم أحكام رادعة، ولكنه إن ترجم هو نفسه مقاله إلى الإنجليزية أو الفرنسية، وهو يجيدهما إجادة تامة، فقد يضطر إلى «إضافة» ما يفسر قوله لصالح القارئ الأجنبي. والذي يراجع ترجمتي للخبر الخاص بالمحادثات بين مصر والسودان لن يجد أي إضافات بسبب ثقتي في معرفة القارئ الأجنبي بمشكلة جنوب السودان.
ومنى بيكر تناقش هذا الجانب مناقشةً موجزة، ولكن فوسيت Fawcett، الذي سبقت الإشارة إلى كتابه الصادر عام ١٩٩٧م، يخصص له فصلًا كاملًا، ويضرب أمثلة من ترجمة بعض نصوص اللغة المجرية إلى اللغة الإنجليزية، لإثبات ضرورة وعي المترجِم باختلاف خلفية متلقي النص المترجَم عن متلقي النص الأصلي، وعدم توازي الافتراضات المسبَقة في الحالتين. وقريب من أمثلته مَن يضطر إلى ترجمة عبارة بالعامية المصرية مثل «معلهش! أصله صعيدي»؛ فاستعمال الصفة هنا قد يوحي بمعنى «السذاجة»، ولكن عبارة أخرى «كلام نهائي! أنا صعيدي!» تجعل الصفة تحمل معنى صلابة الرأي أو العناد، وهكذا يجد المترجِم أن عليه أن يرجع إلى افتراضاتٍ مسبَقة خارج النص عن تلك الصفة، ثم يترجمها بما يتفق مع السياق، أي مع النص. وأذكر أن زميلنا المترجِم إبراهيم ثابت (في الأمم المتحدة في جنيف) كان حين يغضب من الأجانب، أو يشتبك معهم في نقاش، تعلو نبرته وتحتد، يصيح قائلًا بالإنجليزية: I am upper-Egyptian!، فيحارون في فهم مقصده، وكم ضحك زميلنا المترجِم النابه رفعت لطفي (الذي كان رئيسًا لقسم الترجمة العربية) من هذه الصيحة!
وأما الإضمار implicature، فقد ناقشته تفصيلًا في كتابي المصطلحات الأدبية الحديثة (ص١٠٢)، في غضون مناقشة نظرية فعل الكلام speech act theory، وعرضت لآراء جرايس Grice (١٩٧٥م)، وما أضافه براون وليفنسون Brown and Levinson (۱۹۸۷م)، ولذلك فلن أتعرَّض له هنا، رغم إفاضة «منى بيكر» فيه، إلا فيما يتعلق بالترجمة، فهي تقول إن مراعاة المبادئ الأربعة التي وضعها جرايس (الكم والكيف والصلة والطريقة)، والمبدأ الخامس الذي أضافه الكتاب الأخير (١٩٨٧م)، وهو مبدأ «التأدُّب» أو «مراعاة الذوق العام»، تحكم علاقة المتحدِث بالمخاطَب، ولا بد أن يكون المترجِم على وعي بها، أي على ما يُسمى «بمبادئ التعاون»، التي قد تتفاوت فيما بين اللغات والثقافات (ص٢٣٦). ولأضرب لها مثلًا من خبرتي الشخصية، فإذا طلبت طلبًا من إنجليزي (بريطاني)، وقال لك — بغض النظر عن النبرة — I’ll see what I can do فإنه غالبًا يفيد الموافقة؛ فالسامع إن كان إنجليزيًّا (بريطانيًّا) سوف يتوقع — وفقًا لمبدأ الطريقة — أن يجيبه المسئول إلى طلبه، ولكن المترجِم العربي الذي لا يتوافر له مبدأ التعاون نفسه، يمكن أن يصوغها على هذا النحو «سأرى ما أستطيع أن أفعل»، أو يجد لها ما يظنه مقابلًا بالعامية، وهو «ربنا يسهل»، أو «إن شاء الله خير!» والأخيرتان تنتميان لمبدأ التأدُّب عادة، ومن ثَم قد لا تتضمنان الوعد بالإنجاز، وقس على هذا شتى أساليب التخاطب في العربية والإنجليزية، وهي التي تنتمي إلى النظم الثقافية والاجتماعية التي تحكم استعمال اللغة، مما يجعلنا مرغَمين على النظر إلى اللغة باعتبارها «خطابًا» بالمعنى العام discourse، الذي يتضمن الفكر واللغة معًا.
وكان هاليداي نفسه من أوائل من تعرَّضوا لهذا الجانب في كتابه الذي أصدره عام ١٩٧٨م، بعنوان اللغة باعتبارها نظام علامات اجتماعي Language as Social Semiotic، وقد انتفع به دارسان اشتركا معًا في تأليف كتابَين كان لهما تأثير واسع النطاق، والدارسان هما باسل حاتم وإيان ماسون Basil Hatim & Ian Mason اللذان يعملان في مركز الترجمة بجامعة هيريوت واط Heriot-Watt في إدنبرة باسكتلندا، وأما الكتابان فهما «الخطاب والمترجِم» Discourse and the Translator (۱۹۹۰م) و«المترجم بصفته مُوصِّلًا» The Translator as Communicator وهما يبديان اهتمامًا زائدًا في غضون دراسة الدلالة الكلامية للنص (أو ما يمكن تسميته على ضوء منهجهما بدلالة الخطاب في النص discourse semantics) بدراسة الوظيفة الخاصة بالفكرة ideational والوظيفة فيما بين الأشخاص interpersonal في الترجمة (بدلًا من الاقتصار على الوظيفة النصية)، ويدرجان في منهجهما مستوًى جديدًا «للخطاب»، يسميانه مستوى العلامات، أو المستوى السيميوطيقي a semiotic level of discourse، وهما يحللان نماذج من الترجمة من الفرنسية لإثبات أن التغييرات التي طرأت في الترجمة على «وظيفة التعدي» transitivity function، التي تتجلى في اللغة الفرنسية في الأفعال التي تفيد القصد والعمد وإيجابية الحركة (وهو المقصود بالتعدي هنا)، قد أثرت في الوظيفة الخاصة بالفكرة في النص، عندما تحوَّلت في الترجمة الإنجليزية إلى أفعال أحداث events شِبه لازمة، أقرب ما يماثلها بالعربية أفعال المطاوعة، والمثال من العربية هو تحويل «صفقت الباب» إلى «انصفق الباب»، وإذا كان الباب يُوصَف بأنه فاعل هنا، فهو ليس الفاعل الحقيقي، بل هو ما يُوصَف بأنه patient وهو أقرب الحالات إلى نائب الفاعل. والمثال الآخر قولك «جهَّز الرجال أنفسهم، وشرعوا يسيرون»، التي قد تتحول في الترجمة إلى «تجهز الرجال، وبدأت مسيرتهم»، ويرى الباحثان أن مثل هذه التغييرات تؤثر في وظيفة التعدي؛ بمعنى أنها تقلل من صفة العَمد لدى الفاعل، فليس المقصود بالتعدي أن يكون الفعل متعديًا، وهو ما يوحي به اشتقاق الكلمة الإنجليزية (والعربية)؛ فالفعل «شرع» لازم، ولكنه يفيد الفعل العامد، وكذلك الفعل «يسير» فهو لازم، ولكنه يوحي بأنه فعل إرادي. وأما في الجملة الثانية، فإن درجة العمد والإرادة تقل — في نظر الباحثين — وإن لم يختلف المعنى، مما يؤثر في الدلالة العامة للنص بسبب التغير في الوظيفة الخاصة بالفكرة. ويقول الباحثان إننا إذا وجدنا نسقًا pattern كاملًا من هذه التغييرات في ترجمة رواية ما، فقد يدل ذلك على تغيير من وجهة النظر الثقافية أو الاجتماعية، وسواء كان هذا التغيير مقصودًا أو غير مقصود، فلا بد من دراسته.
ويتعرض الباحثان أيضًا للتغيير في الطريقة modality، وهي التي تتصل بالوظيفة فيما بين الأشخاص، وتتبدَّى أكثر ما تتبدَّى في ترجمة الأفعال وأزمنتها، وليتهما ضربا أمثلة من العربية (فأحدهما عربي)، والعربية زاخرة بالأمثلة، ولكنهما يقتصران على اللغات الأوروبية، وبخاصة الفرنسية، وسوف أقدم نموذجًا أو اثنين لتوضيح ما يعنيان. جاء في الحديث الشريف «لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع»، فالحرف «لو» ينفي قطعًا إمكان الاطلاع على الغيب، وهو يختلف عن الحرف «إذا» أو «إن» (انظر المثال السابق من القرآن الكريم)، وقد يترجم على النحو التالي:
If you had knowledge of the unseen, you would prefer your present state.

ولكنه كثيرًا ما يُترجَم كما يلي:

If you (could) know the unseen, you would prefer the present state.
والوظيفة المُشار إليها تتأثر قطعًا هنا؛ فالنحو له معنًى، وطريقة بناء زمن الفعل عنصرٌ أساسي من عناصر الطريقة modality، وسواء أضفنا could إلى المثال السابق، أو لم نضِفها، فالتغيير واقع، ولكن الطريقة في رأي الباحثين قد تتجلَّى أيضًا في اختياراتٍ لفظية، قد يلجأ إليها المترجِم دون وعي كامل. وانظر ترجمة هذه الفقرة من أحد كتب التاريخ الحديثة، وقد وردت الترجمة في سياق كتاب تاريخ أجنبي، يقول النص العربي:

عندما علم أبناء البلد بنبأ تعيين خورشيد باشا، ثاروا واتَّجهوا إلى منزل محمد علي ونادوه، وكان القنصل الإنجليزي على اتصالٍ بالباب العالي، فأخبره بثورة أبناء القاهرة، وهو ما كان يخشاه؛ لأن الثورة تعني اضطراب الأحوال.

وهذه هي الترجمة المنشورة:

When the natives heard that Khorshid pasha had been appointed ruler they rose up in revolt. They went to Muhammad Ali’s house and called on him. The British consul had been in contact with La Porte Haute: he now broke the news of the natives’ revolt fearing that any disturbances would lead to instability.
إن اختيار المترجِم لتعبير natives في ترجمة «أبناء البلد» (على صحتها)، وموازاتها «بأبناء القاهرة»، يدل على وجهة نظرٍ أوروبية في تناول الحدث؛ فقد ارتبطت الكلمة في العهد الاستعماري بإطلاقها على أبناء الشعوب المستعمَرة، وكان من العبارات الشائعة (ولا تزال) عبارة the natives are restless أي أن أبناء الشعب في قلق، والمقصود بها الشعب الخاضع للاستعمار، وكان يمكن للمترجِم أن يقول Egyptians، أو Cairenes، أو citizens، وربما تصوَّر أن أبناء البلد تعني العامة من الصناع والتجار (جمع «ابن بلد» العامية)، ولكن ذلك مردودٌ عليه بوجود إشارة أخرى إليهم، باسم «أبناء القاهرة»، وانظر أيضًا إلى ترجمة لكلمة الثورة الثانية بكلمة disturbances التي تحُط من قدر الثورة، وكان يمكن أن يقتصر على instability فحسب؛ فهي تفي بالغرض، ولكن الترجمة تؤكد وجهة النظر الأوروبية Eurocentric في ترجمة الفقرة.
وهكذا، ترى أن ما يسميه حاتم وماسون بالأُسس اللازمة لوضع نموذجٍ لتحليل النصوص (۱۹۹۷م، ص١٤–٣٥) أسس تتضمن، وإن كانت تتخطى تحليل النطاق عند هاوس، والتحليل التداولي عند منى بيكر، فهي أسس تجمع بين التحليل من القاعدة إلى القمة، وبين التحليل من القمة إلى القاعدة، عند النظر في المستوى السيميوطيقي للنص، فهما يريان أن اللغة والنصوص تجسيدٌ لرسائل ثقافية اجتماعية وعلاقات السلطة أو «القوة»، وهي التي تمثِّل الخطاب بأوسع معانيه، فهما يعرِّفانه بأنه طرائق الحديث، أو الكتابة، التي تتعلق بفئاتٍ اجتماعية معينة، وتتميز باتخاذ موقفٍ خاص إزاء مجالات النشاط الثقافي والاجتماعي، كأن يكون هناك خطاب عنصري، أو لغة بيروقراطية، وما إلى ذلك (١٩٩٧م، ص٢١٦)، وأما المستوى السيميوطيقي فيتخطى التحليل الدقيق — أي على المستوى الجزئي الأصغر microlevel إلى التحليل الكلي، وهما يضربان المَثل بحديث «إلايزا دولتيل» Elisa Dolittle في مسرحية بيجماليون لبرناردشو باعتباره دليلًا على الانتماء إلى طبقة معينة، هم أبناء لندن (ولاد البلد)، واستحالة ترجمته إلى العربية الفصحى لأنه — كما يقول — المستوى اللغوي الذي لا يقبل غيره في الترجمة الأدبية العربية (ص٩٠)، ولكن هذا يتضمن إغفال الترجمات العامية التي أنجزها البعض لبعض المسرحيات الإنجليزية، فبعضها حديثٌ مثل مسرحية «البيت» لدافيد ستوري David Storey، التي ترجمها كاتب هذه السطور إلى العامية المصرية (انظر ثلاثة نصوص من المسرح الإنجليزي)، وبعضها قديم مثل ترجمات سمير سرحان ونعمان عاشور ومصطفى صفوان لشيكسبير إلى العامية المصرية، ولكن حاتم وماسون محقَّان، على أية حال، في التنبيه إلى هذا المستوى السيميوطيقي، فنقل العامية اللندنية إلى العامية القاهرية (ولو كانت عامية المثقفين، وفقًا لتعريف الدكتور السعيد بدوي) محفوف بالمخاطر، ويتضمن تحويلاتٍ في نظم العلامات لم يتعرض لها، في حدود علمي، إلا باحث أو باحثان، وأحدثهم هو الدكتورة هدى شكري عياد، التي أعدَّت دراسة عن ترجمات عطيل إلى الفصحى والعامية.

ويقول منداي (۲۰۰۱م، ص١٠١) إن حاتم وماسون يقترحان أسسًا لنموذجٍ خاص بتحليل النصوص، ولكنهما يتعرَّضان في الواقع لعددٍ كبيرٍ من المفاهيم، وإنه يشك في كون منهجهما نموذجًا يصلح للتطبيق — بالمعنى المألوف للكلمة — وإن كان من الممكن الرجوع إلى تلك المقترحات باعتبارها مجموعة من العناصر التي على الدارس أن يأخذها في اعتباره، فهما يركزان مثلًا (ص٢٧–٣٥) على تحديد العناصر «الدينامية» و«الثابتة» في النص، وهي عناصر يتصل بعضها بالبعض، وتتصل باستراتيجية الترجمة؛ فالعناصر الثابتة تتطلَّب الترجمة الحَرفية، والعناصر الدينامية تتطلب التصرف. وقد سبق أن أوضحنا أن أمثال هذه الأحكام قد تخضع لوجهة نظر المترجِم، وسوف تظل ذاتية مهما اكتست الثوب العلمي. وليس ذلك هو النقد الوحيد الذي يوجَّه إلى مناهج تحليل الكلام والنطاق في الترجمة، على ما سنرى.

من أهم الانتقادات التي وُجِّهت إلى تطبيق «النماذج» (أي المناهج الثابتة) لتحليل الكلام في دراسة الترجمة، وهي القائمة على «نموذج» هاليداي، ما سبق أن قيل عن التعقيد المفرط الذي يتسم به النموذج الأخير في تقسيم الفئات النحوية وتصنيفها، وما يبدو للدارسين من جموده في نسبة معنًى معين لكل بناء على حدة، على نحو ما جاء في دراسة فيش Fish المُشار إليها؛ فذلك الجمود من شأنه أن يجعله عاجزًا عن تحليل الأشكال الأدبية «التجريبية»، وكان ذلك ما دعا فاولر Fowler إلى اتخاذ موقف يتسم بالمرونة في تطبيقه لذلك «النموذج» (انظر كتابه النقد اللغوي ١٩٩٦م، ١٩٨٦م)، وكذلك فعل كتاب سيمسون Simpson، وعنوانه «اللغة والأيديولوجيا ووجهة النظر» (۱۹۹۳م)؛ فالكتابان يقتصران على تطبيق بعض العناصر المفيدة، ويدرجان بعض عناصر النقد الأدبي في التحليل اللغوي. وأما كتاب «جات» Gutt بعنوان «الترجمة والصلة: المعرفة والسياق» (۲۰۰۰/۱۹۹۱م) فينقضُّ على «نموذج» جوليانه هاوس، ويبيِّن بعض أوجه القصور التي ألمحنا إليها في تحليلنا لمذهبها، في تبيان التفاوت بين النص الأصلي والنص المترجَم.
وسوف أورد الآن النقد الذي وجَّهه منداي (۲۰۰۱م، ص١٠٠-١٠١) إلى هذه المناهج جميعًا؛ فهو يقول إن أطر التحليل اللغوي، التي وضعها أصحاب نظريات الترجمة، الذين افتتنوا بمذهب هاليداي، تقوم جميعًا على اللغة الإنجليزية، وهو يصفها بأن لها توجُّهًا إلى اللغة الإنجليزية English-language oriented، وهو يقول إن ذلك يتسبب في مشكلات جمة عندما يتعرض الدارس للغات الأخرى، خصوصًا في تحليل الأبنية، على نحو ما سبق إيضاحه، ويضيف قائلًا:

«وأما اللغات الأوروبية التي تتسم بأبنية مرِنة وتصاريف للأفعال تتغيَّر بتغيُّر الفاعل، مثل البرتغالية والإسبانية؛ فلا بد من تطبيق نظم مختلفة في تحليلها، وتزداد هذه المشكلة خطورةً إذا حاول أحدهم فرض مثل هذا اللون من التحليل التقابلي على لغات غير أوروبية؛ إذ قد يختلف بناء مفاهيمها اختلافات جوهرية.»

وقد تكون اللغة العربية من تلك اللغات الأخرى، كما سبق لي أن أوضحت في كتبي عن الترجمة بالعربية والإنجليزية؛ فالاختلافات بين اللغات محتومة، وهي تتصل دون شك بالاختلافات الثقافية، وقد أفاض الدكتور زكي نجيب محمود في الحديث عن ذلك في مقالاته الأخيرة، ويُعتبَر لورانس فينوتي (انظر كتابه فضائح الترجمة: نحو شرعة الاختلاف، ۱۹۹۸م) من النقاد الذين يرَون أن المناهج القائمة على علوم اللغة تفرض «نموذجًا محافظًا للترجمة، من شأنه وضع القيود — دونما داعٍ — على الدور الذي يضطلع به «المترجم» في التجديد والتغيير الثقافي» (ص۲۱). ولنضرب نموذجًا من هجوم فينوتي على المبادئ التي وضعها جرايس (انظر ما ذكرناه عن الإضمار)؛ فهو يقول إنها لا تصلح إلا للترجمة في مجالاتٍ معينة، مثل ترجمات الوثائق القانونية والتقنية، والواقع أن منى بيكر قد أثبتت وعيها بالانحياز الثقافي في هذه المبادئ «إلى العالم الناطق بالإنجليزية» (۱۹۹۲م، ص٢٣٧).

ولا بد لنا — إنصافًا لحاتم وماسون — أن نذكر أنهما قد بذلا جهدًا كبيرًا لإدراج فكرة أو أفكار هاليداي عن الثقافة والأيديولوجيا في تحليلهما للترجمة، بل إنهما يخصصان فصلًا كاملًا للأيديولوجيا في كتابهما الأخير (١٩٩٧م، ص١٤٣–١٦٣)، وذلك على الرغم من تركيزهما المتوقَّع على اللغة، سواء في المصطلحات التي يستخدمانها، أو في الظواهر التي يحلِّلانها، ولقد ضربنا من الأمثلة العربية التي توضح منهاجهما ما يكفي لإيضاح جوانبه الإيجابية.

وإذا كان هذا التطور نحو إخراج دراسات الترجمة من الأطر اللغوية الضيقة قد ازدهر في التسعينيات، فلقد ساعد عليه اتجاهٌ نشأ في السبعينيات، ولم يلقَ حظه من الاهتمام حتى عهدٍ قريب، وهو يتميز بتوسيع نطاق النظرة إلى الترجمة والأدب المترجَم، وربط ظواهرها بغيرها من الظواهر الثقافية والاجتماعية، ونعني به نظرية تعدُّد النظم polysystem theory، التي نشأت في ذلك الوقت، وأدَّت إلى تغييرات لا بد من رصدها، وأهمها الاتجاه الثقافي العام في دراسات الترجمة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦