الفصل السادس

المداخل العامة والثقافية

وُلدت نظرية تعدُّد النظم Polysystem theory في أواخر السبعينيات، وكان صاحبها هو إيتامار إيفن-زوهار Itamar Even-Zohar، الذي اعتمد فيها على بعض نظريات أصحاب المدرسة الشكلية في النقد الأدبي في روسيا، إبان العشرينيات، الذين بحثوا في طرائق كتابة تاريخ الأدب literary historiography، وأهم ما قالوا به هو أن العمل الأدبي لا يجب أن يُدرس وحده، بل باعتباره جزءًا من «نظام أدبي» وهو المصطلح الذي وضعه تينيانوف Tynjanov عام ۱۹۲۷م — في دراسة تُرجمت إلى الإنجليزية في ١٩٧٨م (منداي ٢٠٠١م، ص۱۰۹)، ويعني به «هيكل الوظائف المنوطة بالنظام الأدبي، والتي تتداخل علاقاتها على الدوام مع الوظائف المنوطة بالنظم الأخرى.» وهكذا يمكن اعتبار الأدب جزءًا من الإطار الاجتماعي والثقافي والأدبي والتاريخي، وأما المفهوم الأساسي هنا، فهو مفهوم النظام system، الذي يشهد حركة تغيُّر داخلي، أو ما أسميناه بالتحوُّل اصطلاحًا mutation، وهي حركة دائمة، وتتضمن أيضًا صراعًا دائبًا من أجل احتلال الموقع الأول في الأدب المعتمد the literary canon، ويقصد «تينيانوف» بذلك، طبقًا لما يقوله الشُّراح، أن التغيرات في الأدب (كالصراع بين القديم والجديد، في الشكل أو في المضمون) ترتبط بالنظام الذي تتداخل وظائفه، وتتشابك، مع وظائف النظم الأخرى؛ فقد يتغلب الشكل الجمالي للقصة أو للرواية، ويحتل موقع الصدارة في الأدب المعتمد، حين تكون الأمة مشغولة بالتاريخ وكتابته، وحين يزدهر فن القص، ويكتسب ملامح جمالية تراثية، فالعلاقة بين النظامَين تدعم وضع نوع أدبي معين وجمالياته.
ولكن إيفن-زوهار يعترض في مقاله المنشور عام ١٩٧٨م، بعنوان «موقع الأدب المترجَم داخل النظام المتعدد» (فينوتي، ٢٠٠٠م)، على ما يسميه «خرافات المدخل الجمالي التقليدي»، وهي التي كانت تركز على ما يُسمَّى بالأدب «الرفيع» high، وتتجاهل نُظمًا أو أنواعًا أدبية أخرى تعتبرها غير مهمة، مثل أدب الأطفال، وروايات الإثارة، ونظام الأدب المترجَم برمته؛ فهو يؤكد أن الأدب المترجَم يزاول تأثيره باعتباره نظامًا من زاويتَين اثنتَين، الأولى هي ما تختاره اللغة المستهدَفة للترجمة إليها، والثانية هي مدى تأثير النظم الأخرى في معايير الترجمة، وطرائقها وسياساتها. وهو يركز، من ثَم، على العلائق بين جميع هذه النظم، في إطار المفهوم الجديد الذي وضعه، والذي أطلق عليه المصطلح الجديد «النظام المتعدد»، أو ما ترجمناه من قبل «بتعدُّد النظم»، فالمعنى هو وجود نظام تتعدد داخله النظم، أي نظام متعدد النظم، وهو ما يشرحه شتلورث وكوي Shuttleworth & Cowie في معجم دراسات الترجمة (١٩٩٧م) على النحو التالي:

المفهوم من مصطلح «النظام المتعدد» أنه تركيب موحد (أو نظام) غير متجانس العناصر، وذو بناء هرمي، يتكوَّن من عدة نظم، تتفاعل فيما بينها؛ فيؤدي تفاعلها إلى توليد حركة تطور دينامية دائبة داخل النظام المتعدد كله.

(ص١٧٦)
وأما البناء الهرمي المُشار إليه، فهو المواقع الخاصة بالطبقات المختلفة للنظام المتعدد وتفاعلها فيما بينها في لحظة تاريخية معينة، فإذا كان أرفع موقع يشغله نوع أدبي «تجديدي»، فالأرجح أن تشغل المواقع الدنيا الأنواع الأدبية «المحافظة». وأما إذا كانت الأنواع المحافظة تشغل المواقع العُليا، فالأرجح أن يأتي التجديد والابتكار من المواقع الدنيا التي تشغلها الأنواع الأدبية الأخرى، وإلا سادت الأدب فترة ركود، وهكذا فإن «حركة التطور الدينامية»، ذات أهمية حيوية في النظام المتعدد، فهي تعني أن العلاقات بين النظم التجديدية والنظم المحافظة في تغيُّر مستمر، وتنافس فيما بينها، وهو ما يصفه الباحث بتعبير الفيض flux، أي التدفُّق المستمر، ويقول إنه السبب الذي يفسر عدم ثبات موقع الأدب المترجَم، فقد يشغل موقعًا أوَّليًّا، وقد يشغل موقعًا ثانويًّا في النظام المتعدد، فإذا كان في الموقع الأوَّلي «شارك مشاركةً فعالةً في تشكيل مركز النظام المتعدد» (فينوتي، ۲۰۰۰م، ص۱۹۳)، والأرجح أن يكون تجديديًّا ومتصلًا بالأحداث الكبرى في التاريخ الأدبي في أثناء وقوعها، وكثيرًا ما يقوم كبار الكُتَّاب بإصدار أهم الترجمات، والترجمات التي تُعتبر من العوامل الرئيسية في تشكيل نماذج جديدة للثقافة المستهدَفة، فيقدمون أُسسًا فنية وشِعرية وفنون صنعة جديدة. ويقول إيفين-زوهار إن هناك ثلاث حالات رئيسية يشغل فيها الأدب المترجَم الموقع الأول:
  • (١)
    إذا كان هناك أدب «حديث العهد» young، يسعى إلى توطيد أقدامه، ويتطلع إلى نماذج جاهزة في الآداب «الأقدم».
  • (٢)

    إذا كان الأدب «هامشيًّا» أو «ضعيفًا»، ويلجأ إلى استيراد الأنماط الأدبية التي يفتقر إليها. وقد يحدث هذا عندما تخضع أمة صغيرة لهيمنة ثقافة أمة كبيرة، بل إن إيفين-زوهار يذهب إلى القول بأن «جميع ألوان الأدب الهامشي قد تتكوَّن في تلك الحالات من الأدب المترجَم» (فينوتي، ۲۰۰۰م، ص١٩٤)، ويحدث ذلك على شتَّى المستويات، فالمناطق الصغرى في إسبانيا (مثل غاليثيا) تستورد ترجمات الأدب الإسباني الرئيسي (القشتالي)، وتستورد إسبانيا الآداب المعتمدة وغير المعتمدة من بلدان العالم الناطق بالإنجليزية.

  • (٣)

    إذا كان هناك منعطف حاسم في التاريخ الأدبي، أدى إلى إشاعة الإحساس بأن النماذج الراسخة لم تعُد كافية، أو حين تنشأ فجوة في أدب بلدٍ من البلدان. فإذا لم يكن لواء الزعامة بأيدي نوعٍ أدبي محدد، أصبح من اليسير على النماذج الأجنبية أن تشغل مكان الأولوية.

وإذا كان الأدب المترجَم يشغل موقعًا ثانويًّا، فإنه يمثِّل نظامًا هامشيًّا في إطار النظام المتعدد، ويكون تأثيره ضعيفًا في «النظام الرئيسي» central system، بل إنه قد يصبح عنصرًا من عناصر الاتجاه المحافظ؛ إذ يحافظ على الأشكال التقليدية، ويتمشَّى مع المعايير الأدبية للنظام المستهدَف. ويشير إيفن-زوهار (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص١٩٦) إلى أن هذا الموقع الثانوي هو الموقع «الطبيعي» للآداب المترجمة، ومع ذلك، فإن الأدب المترجَم نفسه قد يتكوَّن من طبقاتٍ متفاوتة (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص١٩٥)، فبعضه قد يكون ثانويًّا، وبعضه (المترجَم من مصادر أدبية كبرى) قد يكون أوليًّا، وهو يقول إن موقع الأدب المترجَم في «النظام المتعدد» يتحكم في استراتيجية الترجمة. فإذا كان يشغل موقعًا أوَّليًّا لم يشعر المترجمون بالضغط عليهم للالتزام بالنماذج الأدبية في لغة الترجمة، وأبدوا الاستعداد لكسر قيود الأعراف والتقاليد الأدبية، وهكذا فكثيرًا ما يخرجون نصوصًا مترجَمة تعتبر قريبة إلى أقصى حدٍّ من النصوص الأصلية، من حيث «التعادل» (انظر الفصل الثاني)، والعلاقات النصية (انظر الفصل الخامس)، بل إن ذلك — كما يقول الكاتب — قد يؤدي إلى نماذج جديدة باللغة المصدر. وأما إذا كان الأدب المترجَم ثانويًّا، فسوف يميل المترجمون إلى استلهام النماذج الحاضرة باللغة المستهدَفة في صياغة ترجماتهم، وإخراج ترجمات تتميز بالمزيد مما يسميه إيفن-زوهار «عدم الكفاية» non-adequate (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص١٩٧)، وهو يحدد معنًى محددًا للكفاية، يختلف عن المعنى الذي تستخدم «نورد» المصطلح نفسه فيه، على نحو ما سوف نبيِّن.

وإذا شئنا تطبيق ما يقوله هذا الباحث على الترجمة في الوطن العربي، ولو من باب الإيضاح وضرب الأمثلة فحسب، وجدنا أن حركة الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية كانت، حتى مطلع القرن العشرين، تكاد تستثني الأدب أو تغفله، وقد يكون ذلك راجعًا في عصر المأمون إلى أن الآداب الكلاسيكية (اليونانية واللاتينية) كانت وثنية، وهو السبب الذي يقدمه بعض الباحثين، ولكنني أرى سببًا آخر، وهو اعتزاز العربي على مدى تاريخه بأدبه، واستمساكه بمفاهيم ذلك الأدب، وعندما حلَّت فترة النهضة العربية في القرن التاسع عشر في عهد محمد علي، فازدهرت الترجمة، كان كل ما ترجم حصرًا في العلوم الطبيعية والإنسانية، دون الأدب، ورفاعة الطهطاوي يستمسك بتقاليده الأدبية العربية، ويكتب الشعر (أيًّا كان حكمنا عليه) دون أن يستشعر حاجة إلى أن يأخذ شيئًا منه عن الغرب، وهو يملأ صفحات كتابه «تخليص الإبريز» بمقتطفاتٍ من الأدب العربي القديم، كأنما ليؤكد هُويته العربية وأصالة انتمائه إلى ثقافة أدبية لا تحتاج إلى غيرها مما اطَّلع عليه في فرنسا. ولقد قرأت ذلك الكتاب مرتين، وكنت في المرتين أعجب لذلك العربي «بين ثقافتين» — إذا استعرنا تعبير زكي نجيب محمود — الذي ينهل من مناهل ثقافة كاملة غربية، ثم لا يلتفت مطلقًا إلى الأدب.

وقد نضيف إلى هذه العوامل عاملًا آخر لا يقل أهمية، وهو أن النظام «الأدبي»، إذا استعرنا تعبير إيفن-زوهار، لم يكن يشغل موقعًا رفيعًا في الثقافة العربية نفسها؛ إذ كان يتصل اتصالًا مباشرًا آنذاك — نتيجة عصور الحكم الأجنبي الطويلة — بتعلُّم اللغة العربية، وحفظ التراث العربي (حفاظًا على الهُوية العربية)، وإتقان الصياغة اللفظية للأفكار، وكان تعبير الأديب يوازي الكاتب، ولو لم يكن يكتب أدبًا بالمعنى المفهوم، أي الأدب الذي ينتمي إلى أحد الأنواع الأدبية المعترَف بها عالميًّا، فوجدنا من يصف الدكتور أحمد زكي بأنه الأديب العالِم أو العالِم الأديب؛ لأنه كان يكتب أسلوبًا عربيًّا ناصعًا، وإن كنت دائمًا ما أحسست فيه بعض الافتعال (كإصراره على الفصل بين الصفة والموصوف … إلخ) وكان أسلوبه يوصَف بأنه الأسلوب الأدبي العلمي، أو العلمي الأدبي، ولم يبدأ مفهوم الأدب في التغيُّر إلا في القرن العشرين، ومن ثَم بدأ يشغل موقعًا قريبًا من الموقع الحقيق به بين «النظم» الأخرى، ولكن الترجمة كانت قد بدأت وازدهرت.

أقول إن اعتزاز العربي بتراثه الأدبي كان عاملًا أدى إلى تأخر ترجمة الآداب الأجنبية، لكن النهضة التي وصلت إلى ذرًا جديدة في القرن العشرين، جعلت من المحتوم ترجمة بعض تلك الآداب، وربما يكون الدافع في البداية هو «طلب المعرفة»، أو «الاستطلاع»، فما عسى أن ينتج هؤلاء الغربيون من آداب؟ تراها توازي آدابنا العربية التي صاحبت سيادتنا على العالم قرونًا طويلة؟ ترى هل استطاعوا أن يكتبوا شعرًا يجاري الشعر العربي في جزالته وبلاغته؟ وما فن «المسرح» الجديد، وما «المسرحية» (التي كانت تُسمى «اللعبة» في مطلع القرن) وما «الرواية»، وهل تختلف عن فن القص العربي ورواية الأخبار وأيام العرب؟ وهكذا بدأت حركة الترجمة، فصدرت، في عام ١٩٠٠م، أول ترجمة عثرت عليها لشيكسبير، وفي العقد الأول من القرن العشرين صدرت ترجمات أخرى له، وتوالت ترجماته في العشرينيات والثلاثينيات، وإن كان المترجمون يحاولون الربط بين الترجمة وبين الغرض النافع، فهو إما لاحتوائها على دروس وعِظات أخلاقية، وإما لأنها جزء من المنهج الدراسي في المدارس التابعة لوزارة المعارف.

ومن المنطقي أن يؤدي ذلك، أو يساهم، في تحوُّل مصدر الترجمة من فرنسا إلى إنجلترا، في الأدب على الأقل، ولكن الأمر لم يكن كذلك، على نحو ما سنبيِّن، فلقد كان في كلية الحقوق بالجامعة المصرية القديمة قسم للترجمة يمنح الدارس دبلومًا بعد سنتين، وهو ما حصل عليه شوقي الشاعر في الترجمة الفرنسية، بل وترجم قصيدة عن الفرنسية (سعيد الجهر والهمس/قضى الواجب بالأمس)، ولكن نظام التعليم العام كان تحت إشراف سُلطة الاحتلال، وكان من الطبيعي أن يتضمن منهج تعليم اللغة الإنجليزية نماذجَ من الشعر الإنجليزي، قديمه وحديثه، وبعض مسرحيات شيكسبير وبرنارد شو وغيرهما. ولكن ذلك لم يغيِّر من اعتزاز العربي بأدبه وتقاليده الأدبية؛ فكانت الترجمات الرائعة التي أخرجها إبراهيم عبد القادر المازني لبعض ما أعجبه في الشعر الإنجليزي أقرب إلى الشعر العربي الذي كان يكتبه، سواء في أوزانه أو في لغته (أي فيما أسمينا «النطاق» وهو نظامه «النحو اللفظي») وأحيانًا ما كنت تجد أنه «تصرف» بأكثر مما ينبغي؛ فأخرج نصوصًا موجَّهة للقارئ لا أمينة مع الأصل، وإن كانت تعتبَر ترجمات، بل ترجمات جميلة على أي حال.

ولكن الاعتزاز بالتراث الأدبي العربي لم يحل بين العرب — في مصر والشام — وبين ترجمة المسرحيات الفرنسية (أساسًا) وتمصيرها، أو اقتباسها؛ مما ولَّد إحساسًا بأن في الأدب الغربي ما يمكن تقديمه بالعربية، فيضاف إلى التراث دون أن ينتقص منه، أي أن النظام الأدبي المهيمن كان لا يزال تراثيًّا، وهو ما تجلَّى في مدرسة الإحياء بزعامة البارودي وشوقي وحافظ، وأتباعهم ممن رصدهم العقاد في كتابه العظيم شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، فتزامن الشعر العربي الذي يستلهم الماضي العربي مع الترجمات المسرحية التي كانت الفِرق تقدمها في مطلع القرن، وكان عزيز عيد قادرًا — كما تقول فاطمة رشدي في مذكراتها (مجلة المسرح القاهرية، ١٩٦٤-١٩٦٥م) — على ترجمة المسرحية عن الفرنسية في ليلة واحدة! وقد يكون في هذا مبالغة، ولكن الواقع هو أن الترجمة اللغة الفرنسية في المسرح رجحت كفتها عن كفة الترجمة عن الإنجليزية، وكانت ترجمات شيكسبير تتعرض لتعديلات تكاد تخرج بها عن معناها قبل تقديمها على المسرح، فتحويل روميو وجوليت، إلى «كوميديا» غنائية، وإن كانت تنتهي بالموت بعنوان شهداء الغرام، وغناء الشيخ سلامة حجازي للمقطوعات الشعرية فيها، يظهر مدى سيطرة «النظام» الأدبي العربي التراثي، وهامشية الترجمة.

وقد تكون ضآلة الترجمة عن الإنجليزية في تلك الفترة راجعة أيضًا إلى الصراعات السياسية، وعلى رأسها الاحتلال الإنجليزي، وإرغام مصر على الانحياز إلى إنجلترا في الحرب العالمية الأولى، وعلى معارضة المعارضين. ورغم ازدهار ما يُسمى بالحركة القومية، فكان الصراع بين أصحاب الثقافة الفرنسية (مثل هيكل وطه حسين) وأصحاب الثقافة الإنجليزية (مثل العقاد والمازني)، أو ما يُسمَّى بالنزاع بين اللاتينيين والسكسونيين، من ساحات النزال التي لم تسلم من تأثير العوامل الخارجية.

ولم يُكتَب للترجمة عن اللغات الأوروبية في الأدب أن يشتد ساعدها حتى كتب طه حسين مقدمته الشهيرة لكتاب أحمد أمين فجر الإسلام، وأعلن فيها اختلاف مفهوم الأدب في العالم عن مفهومنا التراثي القديم، الذي ساد عصور المماليك والحكم العثماني، ورأى فيه شباب الأدباء بارقة أمل؛ فهو يسمح لهم بمحاكاة الأنواع الأدبية الغربية الحديثة، دون أن يُتهموا بأنهم غير أدباء، والأهم من ذلك — من وجهة نظر هذا الكتاب — هو أنه سمح باستخدام اللغة المعاصرة التي أشاعتها الصحافة في الترجمة. وسرعان ما حسم الأمر عاملان، أعتبرهما أهم العوامل: الأول هو كتابة أحمد شوقي للمسرح الشِّعري، والثاني هو كتابة توفيق الحكيم رواية عودة الروح، وكلاهما في العشرينيات. كان العاملان معًا يمثِّلان قبولًا ضمنيًّا للأدب الغربي وأجناسه الجديدة؛ فالمسرح منذ نشأته فنٌّ شعري، رغم التحوُّل إلى النثر في أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا على أيدي هنريك إبسن وأوغسط سترندبيرج، ومن بعدهما برنارد شو وأوسكار وايلد، وكان شوقي «يحاكي» شيكسبير واعيًا؛ فمجنون ليلى معالجة لقصة من التراث العربي تحاكي روميو وجوليت الإنجليزية، ومصرع كليوباترا معالجة من وجهة نظر مصرية لموضوع أنطونيو وكليوباترا، التي كتبها شيكسبير، وموضوعاته التاريخية الأخرى محاكاة لمذهب الكلاسيكية في الدراما، وكذلك فعل عزيز أباظة من بعده، وفي هذا كله إقرار بأن المسرح الشعري أدب، أو هو جدير بأن يُضاف إلى «النظام» الرئيسي للأدب العربي، وأما توفيق الحكيم، فقد كتب رواية يتبع فيها المذهب الواقعي الأوروبي باللغة العربية المعاصرة؛ ففتح الطريق أمام مَن يريدون أن يترجموا عن ذلك الأدب باللغة نفسها، فالشكل شكل أدبي معترَف به، واللغة لغة أدبية (وإن خلت من ظواهر الأدب القديم)، ومعترَف بها، ومن ثَم، بدأ التحوُّل الذي كان في رأيي محتومًا.

وقد تولى بعض أساتذة الأدب الأجنبي دراسة ما تُرجم منه إلى اللغة العربية على امتداد القرن العشرين (مثل الدكتورة أنجيل بطرس سمعان، والدكتورة نور شريف، والدكتورة كوثر عبد السلام، انظر المراجع)، ودراسة تأثيره في الأدب العربي، وليس هذا مدار القول هنا، بل إننا نريد توسيع نطاق تطبيق نظرية إيفن-زوهار بعض الشيء؛ بحيث تتجاوز لغة الأدب إلى اللغة باعتبارها تجسيدًا لطرائق التفكير، وهو ما لم يوفِّه الدارسون العرب حقَّه البحث والتمحيص، فلقد سبق أن أشرنا إلى ما أسميناه «لغة الترجمة» translationese، وهي اللغة التي تأثرت بأساليب الفكر الغربي، لا من ناحية من تعريب المصطلحات الفنية ومصطلحات الحضارة الحديثة، وهو ما ناقشه الدكتور ضاحي عبد الباقي وغيره، أو من ناحية «الدخيل» من الألفاظ والتعبيرات المستخدَمة، وهو ما ناقشه الدكتور إبراهيم السامرائي (۲۰۰۰م) رحمه الله، سواء كان الدخيل لفظًا مفردًا، أو عبارة أجنبية كاملة، بل أقصد أبنية الفِكر المتجسِّدة في الأبنية اللغوية؛ إذ إن حركة الترجمة التي امتدت عقودًا طويلة — منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى أواسط القرن العشرين — أتت معها بطرائق في التفكير والتعبير لم نعتدها في العربية التراثية، وكان أهم ما تتميز به هذه الطرائق هو النزوع إلى استخدام «المجردات» التي ولَّدتها لغة العلوم الحديثة؛ فالتطور العلمي في أوروبا منذ القرن السابع عشر كان (ولا يزال) ينزع إلى استخدام «المجردات»، الكلية منها والجزئية، والكثير منها جديد على العربية، والنزوع كذلك إلى أبنية الجمل المركبة comlex والمزدوجة compound (بالمصطلح اللغوي القديم)، ومظاهر الحذر والحيطة في التعبير (مثل «معظم»، «في الغالب»، «على الأرجح»، «من المحتمل»، «فيما يبدو»، «يمكن القول»، «يميل إلى» … إلخ)، وأساليب الاستدراك والاستثناء والتحديد، وما إلى ذلك من بعض ما مَر بنا من نصوصٍ قصيرة ترجمناها للإيضاح، ووصفناها بالتعقيد في الكتابة العلمية الحديثة.

وما لبث أسلوب الترجمة أن شاع وامتزج بأساليب العربية التراثية، وذاب فيها ذوبانًا شبه كامل؛ لأنه أصبح جزءًا من جهاز التفكير العربي عند الكاتب والمتلقي، وإليك مثالًا عليه من كتاب حديث عن محمد القصبجي (الملحن):

بالرغم من نجاحه الذي حقَّقه في تلحين الأغاني العاطفية والاجتماعية، إلا أنه لم يفته خدمة الحركة الوطنية والإشادة بمصر؛ حيث لحَّن عشراتٍ من الألحان الوطنية التي شدا بها أعظم المطربين والمطربات، بداية بعام ۱۹۲۲م، حيث غنَّت له منيرة المهدية (شال الحمام حط الحمام)، مرورًا بصالح عبد الحي، الذي غنَّى (وطني أنا بالروح أفديه)، وحتى (يا دعاة الحق) لفايدة كامل، و(ثورة النور) للمطربة نازك، سنة ١٩٥٨م.

(د. إيزيس فتح الله، القصبجي، ١٩٩٦م)
إنها جملة واحدة، سلسلة طويلة من الجمل البسيطة clauses المربوطة بأسماء الموصول (الذي/التي/الذي)، وظرفَين (حيث/حيث)، وبناءَين يهدفان إلى إضفاء التماسُك على النص العربي هما (بالرغم من … إلا أنه) و(مرورًا ﺑ … وحتى). والظاهرة الواضحة هنا هي محاكاة الأسلوب «العلمي»، الذي جاءت به الترجمة وأشاعته؛ فأصبح جزءًا من التفكير — كما سبق أن قلت — والطريف أن تلك الحيل الأسلوبية المستخدَمة في الربط ظاهرية فحسب، أي أنها لا معنَى لها — إذا طبقنا منهج النحو الوظيفي — إذ لا يوجد مجال حقيقي للحديث عن «الرغم» (أو الإرغام) بالمعنى التراثي هنا، وإنما هو أسلوب حديث مقتبَس من الترجمة، وقد يكون الأصل فيه لا although، بل while، أو for all …، وإليك ما أقصده فيما أتصوره الأصل البنائي لهذا التركيب بالإنجليزية مثلًا:
(1) For all his success in composing the music … he did not fail to …
(2) Having been so successful in composing the music … etc.

أي أن التناقض الذي يوحي به التركيب العربي المعاصر وهمي، وكان باستطاعة المؤلف أن يقول:

  • (١)

    حقق القصبجي نجاحًا في تلحين الأغاني العاطفية، وهو إلى ذلك لم يهمل.

  • (٢)

    لم يفت القصبجي أن يخدم الحركة الوطنية، على نجاحه في تلحين الأغاني العاطفية.

  • (٣)

    جمع القصبجي إلى نجاحه في تلحين الأغاني العاطفية، اهتمامًا بالحركة الوطنية.

  • (٤)

    إن نجاح القصبجي في تلحين الأغاني العاطفية لم يشغله عن خدمة الحركة الوطنية.

والطريف أيضًا أننا حين نترجم ذلك النص إلى الإنجليزية، سنجد أننا مضطرون إلى تقسيم الجملة الطويلة إلى جملٍ مستقلة تتمتع بالتماسُك دون حاجة إلى أدوات التماسُك الظاهرة، أو ما يُسمى cohesion markers:
Having been so successful in composing the music for love lyrics, and others with a social message, al-Qasabgi did not fail to serve the nationalist movement. Dozens of patriotic songs glorifying Egypt were set to music by him and sung by the greatest singers, from 1922–1953. The first, “Doves fly: Doves come Down!” was sung by Munirah Al-Mahdiyah. Others included “My life for my homeland” by Salih Abdul-Hayy, Faydah Kamel’s “O Advocates of Right!,” and Nazek’s “Revolution of Light.”

فما الذي حدث؟ لقد حُذِفت «أسماء الموصول» لأنها إما زائدة (بالرغم من نجاحه الذي حققه) (احذف الكلمتين الأخيرتين فهما من قبيل الحشو)، أو تحل محل حرف عطف بسيط (عشرات الألحان الوطنية التي شدا بها أعظم المطربين) (استبدل «وقد» ﺑ «التي»)، أو تحل محل إضافة بسيطة (صالح عبد الحي الذي غنى) (قل أغنية صالح عبد الحي)، أما «حيث» التي تكررت مرتين، فتحل محلها نقطة أو فاصلة، يتلوها حرف عطف بسيط (الواو أو الفاء) وتعبير «مرورًا ﺑ … حتى» من باب الحشو الصريح، بل والركيك.

تأثير الترجمة هنا بنائي محض؛ لأن الأفكار كلها عربية صحيحة، وما أكثر من يفضِّلون أن يقولوا إن فلانًا ليس ذكيًّا فقط، بل ومجتهد أيضًا، محاكاة لأسلوب الترجمة، بدلًا من أن يقولوا إنه يجمع بين الذكاء والاجتهاد، أو كما يقول القدماء إنه ذكي ومجتهد، دون حاجة حتى إلى «بل» بينهما، بل قد تجد مَن يقول «إنه مجتهد بقدر ما هو ذكي»، أو «بقدر ما هو مجتهد بقدر ما هو ذكي»، ونحن قد لا نستسيغ هذه الأبنية «المستوردة»، لكنها من «حقائق الحياة»، كما يُقال بالإنجليزية وصفًا لكل ما هو مُر ولا مناص من مذاقه!

وسوف يتضح الفارق بين هذا الأسلوب والأسلوب العربي العلمي الأصيل عند الجاحظ، فتأمل معي هذه السطور من كتاب الحيوان:

الحيوان على أربعة أقسام، شيء يمشي، وشيء يطير، وشيء يسبح، وشيء ينساح. إلا أن كل طائر يمشي، وليس الذي يمشي ولا يطير يُسمَّى طائرًا، والنوع الذي يمشي على أربعة أقسام، أناس وبهائم وسباع وحشرات.

Animals may be classified into four categories: Those that run, fly, swim or creep. While every bird can run, it must be able also to fly to be a bird. Running animals are subdivided into people, beasts of burden, wild animals and insects.

فانظر إلى استواء العبارة، وتوازي الأبنية دون محاولة الربط بأدوات مقحمة، ونحن نعجب بهذا القصد في التعبير ودقته، ونحسد ذلك الرجل على تلك القدرة، وانظر الحرية التي يتمتع بها مترجمه إلى الإنجليزية، عندما يواجه ذلك الإيجاز:

(1) Animals may be categorized into
(2) Animals are of four kinds …
(3) There are four kinds of animals …

أو، فانظر إلى بعض أساليب العربية التراثية في رواية الأحداث، وكيف تتميز بصفاء الفكرة ودقة الصياغة، والمثال الذي سأضربه يتناول موضوعًا يُعتبَر في صميم العلوم الإنسانية، والفقرة تجمع بين الحديث المباشر وغير المباشر، وتربط العبارات ربطًا طبيعيًّا، لا أثر فيه لما ساءني في النموذج الأول:

وحضر عندي في بعض الأيام رجل من اليهود، وكنت في الديار المصرية، وكان لليهود في هذا الرجل اعتقاد، لمكان علمه في دينهم وغيره، وكان كذلك. فجرى ذكر اللغات، وأن العربية هي سيدة اللغات، وأنها أشرفهن مكانًا، وأحسنهن وضعًا، فقال ذلك الرجل: كيف لا تكون كذلك وقد جاءت آخرًا؛ فنفت القبيح من اللغات قبلها، وأخذت الحَسن، ثم إن واضعها تصرَّف في جميع اللغات السالفة؛ فاختصر ما اختصر، وخفَّف ما خفَّف، فمن ذلك اسم الجمل، فإنه عندنا في اللسان العبراني «كوميل»؛ فجاء واضع العربية، وحذف منها الثقيل المستبشع، وقال جمل، فصار خفيفًا حسنًا، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة.

(ابن الأثير، المثل السائر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، الجزء الأول، ص۱۹۱)
Whilst in Egypt, I was visited by a Jew in whom the people of his faith believed because of his vast knowledge of their religion and other matters, which was true. Turning to languages, Arabic was said to be the queen of them all, the highest in status and best in verbal moulds. “Why shouldn’t it be so”, the man exclaimed, “when it is the most recent, and has thus shunned the bad and adopted the good features of all its antecedents.” “Judiciously adapting the older languages,” he added, “the authors of the Arabic tongue reduced some lexical forms and simplified others. Take the word for camel in Hebrew — Coumeel. By removing the ugly cumbersome vowels, it became the lovely, easy-to-pronounce Arabic Gamal. The authors of Arabic similarly dealt, he said, with many other words which he mentioned.
إن الترجمة الإنجليزية تتبع الأسلوب الأجنبي الذي قد يبدأ بجملة ظرفية، وهي هنا عبارة «تقترب من شبه الجملة الظرفية»، وتضم الجملتَين «رجل من اليهود … وكان» باستخدام اسم الموصول whom تبعًا لبناء الفكرة في الجملة المترجمة، ولو ترجم أحد هذا النص ما كتب ما كتبه ابن الأثير، بل ربما اتَّبع نمط البناء الأجنبي، وهاك الترجمة العكسية back translation للعبارات الأولى:

بينما كنت في مصر زارني أحد اليهود، الذي كان أهل دينه يجلُّونه (يعتقدون فيه) بسبب معرفته الواسعة بدينهم وغير ذلك، وهو صحيح.

وكذلك تحوَّلت الجملة البسيطة «فجرى ذِكر اللغات» إلى عبارة ظرفية، فهذا من طرائق الإنجليزية، وقِس على ذلك تحويل الكلام المباشر إلى الصيغة المعروفة في الإنجليزية من استخدام علامات التنصيص وما إليها، وأقول، عرضًا، إنني لم أتوقف في الترجمة إلا عند كلمة «الوضع» و«واضعو العربية»، فالوضع الأولى لا تعني ما نعنيه بها اليوم — أي الحال أو الموقف — بل تعني الصياغة، والثانية تعني أصحاب اللغة الذين صاغوها على مَر الزمان قبل نزول القرآن، والمترجِم يواجه — كما سبق أن ذكرت — مشكلة تغيُّر معنى الكلمة ما بين لغة التراث واللغة العربية المعاصرة، وعليه أن يعيها؛ فهي من صميم عمله، كما ألمحت في كتابي عن المدخل الثقافي لترجمة العربية (٢٠٠٠م) بالإنجليزية.

وإذن فإن الترجمة قد أثرت في اللغة العربية باعتبارها مباني أفكار، قبل أن تكون مباني ألفاظ، إلى الحد الذي نستطيع معه أن نميز بين ما يكتبه كاتب حديث بأسلوبه هو، وبين ما ينقله عن القدماء، وإن لم يستخدم علامات التنصيص، استنادًا فقط إلى الأبنية اللغوية؛ فلا منجاة للكاتب الحديث مهما استوعب اللغة التراثية (إلى حد التفكير بها أحيانًا) من استخدام اللغة المعاصرة، حين يكتب كتابة وليدة فكره. وانظر إلى الفقرة التالية المقتطفة من كتاب عربي صدر عام ١٩٩٨م:

لمَّا غزا مروان القرظ بن زنباع قبيلة بكر بن وائل وقع في الأسر؛ فطلب من آسره أن يذهب به إلى خماعة بنت عوف بن محلم، وكان مروان قد أسدى لها يدًا فيما سلف من دهرها، فلما ذهبوا به إليها أجارته من كل مكروه. وكان مروان قد أساء إلى عمرو بن هند ملك العرب وطاغية الحيرة، فأقسم عمرو على ألَّا يعفو عن مروان، حتى يضع يده في يده (أي يملكه من نفسه)، وكان عمرو إذا ملك فتك، فلما علم بمستقره من عوف أرسل إليه ليأتيه به، فقال عوف: قد أجارته ابنتي، وليس إليه من سبيلٍ إلا العفو، فأجابه عمرو إلى ما طلب وعفا عن مروان، وما كان ليعفو عنه بعد أن ظفر به، لولا أن أجارته المرأة.

(د. محمود عرفة محمود، العرب قبل الإسلام، ص۳۹۲-۳۹۳)
When Marwan Al-Quraz Ibn Zinba’ invaded the tribe of Bakr Ibn Wa’il, he was captured and taken prisoner. He asked his captor to take him to (Lady) Khom’ah bint Awf ibn Muhlim, to whom he had once done a favour; and when he was taken to her she declared that he would be under her protection and that she would shield him from any possible threats. Meanwhile, the Arab King and tyrant of Al-Heerah, Amr Ibn Hind, had once been wronged by Marwan and had taken an oath never to forgive him until Marwan surrendered to him. Amr was known, however, to be in the habit of killing his captives. Learning from Awf about Marwan’s whereabouts, he sent word to him asking for Marwan to be handed over. “Well, my daughter has granted him protection”, Awf said, “there is nothing you can do now but to grant him forgiveness”. Amr granted his request and forgave Marwan. He would never have forgiven Marwan, now he was so close at hand, had not the woman given him protection.

هذا أسلوب القدماء، فكأنه منقول من كتابٍ قديم، ومن العجب أن يسيطر الأسلوب القديم على فكر أستاذ شاب؛ فيجعله يستخدم الأبنية القديمة التي تزخر بها الفقرة، وإن كان هذا مألوفًا لدى الدارسين الذين يتشرَّبون الأساليب القديمة حتى تصبح جزءًا من «جهاز التفكير» لديهم، ولكن انظر إليه حين يتحدث بلسانٍ عصري فيعبِّر عن مفاهيم عصرية بأبنية عصرية، وفي الصفحة نفسها من الكتاب المذكور:

كانت المرأة العربية تتحمَّل مسئولياتها نحو قومها بالتدخُّل الإيجابي في إطفاء نار الحرب إذا ما استمرت طويلًا، وكثر فيها القتلى والجرحى. فمن ذلك أن الحارث بن عوف المري — سيد العرب — قال …

(المرجع نفسه، ص۳۹۳-٣٩٤)
Arab women shouldered their responsibilities towards their people by positively intervening to extinguish the fire of war if too prolonged and if the casualties were too many. As an illustration, Al-Harith Ibn Awf Al-Morry, the Arab potentate once, said …
الفارق واضح بين النصَّين، فجملة «تتحمَّل مسئولياتها» تدين بالمعنى والمبنى للنصوص المترجمة، والمصدر الصناعي نفسه حديث، وكذلك «التدخل الإيجابي»، فهو تعبير عن مفهوم جديد (انظر كتابي مرشد المترجم، ۲۰۰۰م). بل إن الصفة نفسها positive مأخوذة من أساليب المترجمين، وهي — حتى في هذا السياق — «حشو»؛ فالتدخل وحده عمل «إيجابي»، ولا يكون التدخل سلبيًّا أو سلبًا وإلا ما كان تدخلًا، كما أوضحت في كتابي المذكور، سواء كان الأصل الأجنبي له passive أو negative.

ولقد بدأت الأمثلة بفقرة عن الموسيقى، تجلَّت فيها الأبنية الحديثة المتأثرة بالترجمة، ولا تكاد تخلو صحيفة عربية منها في هذه الأيام، ولطالما قلت لطلابي أن يحذروا من «أسماء الموصول» العربية التي توحي بالربط ظلمًا، فهي من الآثار السيئة لمحاكاة أساليب الترجمة، ولكنني الآن أورد نموذجًا طيبًا للكتابة العربية التي تأثرت بالفكر الحديث، وما تُرجم عنه دون أن تنجرف إلى محاكاته محاكاةً غير طيبة، الموضوع اقتصادي، وهو زاخر بالمفاهيم المترجمة، ولكنه لا يتجاوز الأبنية الحديثة التي يقبلها المثقف العربي:

القطاع العام (الإنتاج العام) ليس الصورة الوحيدة لتدخُّل الدولة، وربما ليس الصورة المُثلى لدور الدولة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي؛ ولذلك فإن تقليص دور القطاع العام — في الحدود التي تبرر ذلك — ليس بالضرورة تقليصًا لدور الدولة. وعلى العكس، فقد يؤدي ذلك إلى استرجاع هيبة الدولة وفاعليتها عندما تتخصص فيما أُهلت له، وهو استخدام سيادتها لوضع السياسات العامة، وقواعد السلوك، واستخدام سياسات الإنفاق (وليس الإنتاج) كوسيلة لتحقيق أهدافها.

(حازم الببلاوي، التغيير من أجل الاستقرار، ۱۹۹۸م، ص١٤٠-١٤١)
The Public Sector (public production) is not the only form of state intervention. It may not even be the ideal form of the role of the state in socio-economic activities. Within the limits that justify it, a reduction of the role of the public sector is not necessarily a reduction of the role of the state. It may, on the contrary, result in a recovery of the prestige and effectiveness of the state. It could help the state perform its proper functions, namely to use its sovereign powers in policy formulation, establishing codes of ethics, and in employing expenditure (rather than production) policies as a means of achieving its objectives.
الأبنية اسمية nominal structures، وهو ما يوحي، طبقًا لقواعد النحو الوظيفي، بأن الموضوع يأتي أولًا theme، وهو الشكل الشائع في الكتابة العلمية، والفقرة خالية من ظواهر التعدي transitivity، مما يشير إلى أن الحقائق الواردة تشكِّل جوهر المضمون الإخباري، وهو لذلك ليس مقصورًا على اللغة الإنجليزية، بل من خصائص اللغة العلمية في العربية أيضًا، على نحو ما رأينا في النص المقتبَس من الجاحظ؛ ولذلك فهو مقبول في اللغتين، وترجمته يسيرة، من أي اللغتين شئت، ولكن شتَّان بين هذا الأسلوب الذي اعتدناه، لقرب مفاهيمه منا، وبين الأسلوب «الاسمي» التجريدي في العلوم الإنسانية!
وسوف أورد نموذجًا لهذا الأسلوب التجريدي من تعريف «للتواصل» في علم الاجتماع، ورد في معجم مصطلحات علم الاجتماع، بالإنجليزية، وتوقفت عنده طويلًا متسائلًا ماذا عسانا أن نفعل في ترجمته، على قصره، وقد اخترته لأن بعض كُتَّابنا يكتبون بهذا الأسلوب، أو هم يترجمون دون أن يعترفوا بذلك، وأخطر ما فيه هو المصطلحات الشائعة في الكتابة العلمية الغربية اليوم — مثل «نموذج» — التي أكثرت من استخدامها — أنا نفسي — في هذا الكتاب حتى أمثل للفكر الجديد في هذا المبحث الجديد، ولقد ترجمت هذا النص ترجمتين؛ الأولى وثائقية (أو ما كان يُسمى «حَرفية»)، وهو المنهج المُتبع في ترجمات الأمم المتحدة والوثائق السياسية، كما سبق أن أوضحنا، باعتبار النص إخباريًّا محضًا، والثانية هادفة بمفهوم «نورد» instrumental (أو ما يسميه نيومارك بالترجمة التوصيلية communicative)، فالهادفة موجَّهة إلى القارئ العربي، دون الابتعاد عن النص الأصلي، ودون المساس بمصطلحاته الأساسية. وهذا هو النص:
Aristotle saw the state as a community involving communication between a multiplicity of individual perspectives. Whereas this concerns individual purposive action in the political sphere, Aquinas introduced into medieval Christian thought a broader theoretical conception in which God’s nature is communicated in the creation of his creatures. This model led to the generalization of the concept of communication to all human beings and at the same time to a differentiation, which became central for modernity, between the particular (political) and the universal (social) communication community.

وأرجو أن يقرأ القارئ هذا النص جيدًا قبل قراءة الترجمة الحَرفية، ثم يقارن بينهما قبل الانتقال إلى الترجمة التوصيلية؛ حتى يدرك ما أعنيه بأسلوب الترجمة:

(أ) كان أرسطو يرى أن الدولة مجتمع يجري فيه التواصل بين العديد من المنظورات الفردية. وإذا كان ذلك يتعلق بالأفعال الفردية الهادفة في المجال السياسي، فإن الأقويني أدخل في الفكر المسيحي في العصور الوسطى تصورًا نظريًّا أوسع، يقول إن طبيعة الله يجري توصيلها في عملية خلق مخلوقاته. وأدى هذا النموذج إلى تعميم مفهوم التواصل؛ ليشمل جميع البشر، وفي الوقت نفسه إلى تفرقة أصبحت أساسية للحداثة، أي التفرقة بين مجتمع التواصل الخاص (السياسي)، ومجتمع التواصل العام (الاجتماعي).

(ب) كان أرسطو يعتبر الدولة مجتمعًا يجري فيه التواصل بين العديد من وجهات النظر الفردية، وكان يعني به التواصل بين الأفعال الفردية المتعمدة في المجال السياسي. ثم جاء طوما الأقويني فأدخل في الفكر المسيحي في العصور الوسطى تصورًا نظريًّا أوسع نطاقًا؛ إذ قال بأن عملية الخلق تتضمن توصيل صفات الله أو طبيعته إلى المخلوقات، مما أدى إلى تعميم مفهوم التواصل؛ بحيث أصبح يشمل جميع أفراد الجنس البشري، وإن كان قد أدى، في الوقت نفسه، إلى تفرقة أصبحت تحتل مكانة أساسية في الفكر الحديث، وهي التفرقة بين التواصل الخاص (في المجتمع السياسي)، والتواصل العام (في المجتمع الإنساني).

وأنا أدعو القارئ، الذي يريد الغوص في تحليل هذا النص وترجمته، أن يرجع إلى كتابي: Graduated Exercises in Translation from Arabic into English.

الذي نشرته مكتبة الأنجلو المصرية عام ١٩٩٨م (ص٤٧–٤٩)؛ فليس هذا مجال التحليل النصي، فكل ما أبغيه إلقاء الضوء على أسلوب الترجمة الذي أثر في أساليب العربية المعاصرة، والنص عسير بأي لغة كتبته؛ بسبب المجردات وهذا هو مدار حديثي. ولا بد أن أؤكد هذه الظاهرة في الكتابة العربية الحديثة بالإشارة إلى ميل المترجمين، خصوصًا في الثلاثين عامًا الأخيرة، أي منذ أصبحت اللغة العربية لغة عالمية رسمية في الأمم المتحدة، إلى ترجمة كل كلمة بكلمة يتصورونها مرادفة لها، ويجهدون أذهانهم في العثور لها على مقابل، والغريب أن يسود هذا التفكير (انظر فاتحة الفصل الخاص بنظريات المعنى في هذا الكتاب) حتى بين الباحثين العرب؛ فهم يقرءون ويترجمون، ويضيقون ذرعًا بالمصطلحات المجردة، ويضجُّون بالشكوى طالبين مصطلحات مقابلة (معادلة)، وقد يضعونها في صورة ما؛ فتستعصي على القارئ العربي أي استعصاء، على نحو ما فعل عبد الرحمن بدوي في الفلسفة، وفعل غيره حتى في مجالات أقرب مأخذًا من الفلسفة. ولنواصل إذن قراءة هذا التعريف للتواصل، ونرى بعض عجائبه:

This idealizing extension of the concept of communication to all human beings, and its simultaneous differentiation into political and social communication, made it a favoured point of reference for modern sociology and social philosophy.
المشكلة هنا — كما هو واضح — تكمن في كلمة idealizing، ولقد رجعتُ إلى معانيها في المعاجم الإنجليزية الموسعة، وانتهيت إلى أنه لا بد من ترجمتها بجملة كاملة، وهاك الترجمة التي أراها مفهومة (إلى حدٍّ ما):

وهذا التوسُّع في مفهوم التواصل الذي يرقى به إلى مستوى «المثال»؛ بحيث يشمل أبناء البشر جميعًا، مع تقسيمه، في الوقت نفسه، إلى تواصُل سياسي وتواصل اجتماعي، هو الذي جعله نقطة مرجعية مفضَّلة لعلم الاجتماع الحديث والفلسفة الاجتماعية الحديثة.

ويؤكد ما انتهيت إليه ما جاء بعد ذلك في الفقرة نفسها عن «التواصل» المثالي، وهاك بقية النص الإنجليزي وترجمته العربية:

Marx, in the Grundrisse, uses the differentiation between political and social communication to turn Aristotle’s zoon politikon into a society of individuals acting and speaking together. C. S. Peirce analyses the scientific community from the perspective of an (idealized) communication community and G. H. Mead brings the social processes of individualization by means of socialization into the framework of a universal discourse.

كان كارل ماركس يستعمل التمييز بين التواصل السياسي والتواصل الاجتماعي، في كتابه «الخطة الأساسية»، للقول بأن «الحيوان الاجتماعي» الذي تحدَّث عنه أرسطو ليس في الحقيقة سوى مجموعة من الأفراد الذين «يعملون معًا، ويتحدثون معًا»، وأما بيرس، فقد قام بتحليل مجتمع العلماء من منظور مجتمع التواصل المثالي (أو من منظور التواصل المثالي في مجتمعٍ ما)، وكذلك نرى أن ج. ﻫ. ميد يضع عمليات التفرد الاجتماعية (أي اكتساب كل فرد وعيَه بفرديته في المجتمع) في إطار ما يُسمى بالكلام العالمي (أو التواصل أو الخطاب العالمي) بفضل عملية الانتماء الاجتماعي.

وأنا أضع بين الأقواس شروحًا أو ترجماتٍ بديلة لعبارات هذا النص العسير، وإذا نظرنا ثانيًا فيه، لم نعجب من الكتابات التجريدية في الكتب العلمية العربية، بل وفي الصحف اليومية؛ فالترجمة لم تأتِ بمصطلحاتٍ أو أبنية جديدة فحسب، بل أتت بثقافة علمية جديدة — وسوف نعرض لذلك فيما بعد — وأختتم هذه الأمثلة (التي أكثرتُ منها في كتابٍ يُفترض أنه يناقش النظرية لا الممارسة، وإن كانت الأمثلة لا بد منها لشرح النظرية) بنموذجَين من كتاب واحد، يوحي الأول بأن كاتبه يعبِّر فيه عن فكرٍ أصيل، ويوحي الثاني بأنه ترجمه عن مصدر أجنبي، أو نقله من ترجمة ما لذلك المصدر، وبعدها سوف أُورد ترجمتي الخاصة لذلك الأصل الأجنبي المفترَض، قبل العودة إلى الأدب، وهو ما بدأنا الفصل به. يقول المؤلف في المقدمة:

وتبقى كلمة: هي أن المؤلف لا يجد فارقًا كبيرًا بين مجتمعٍ كان يقبل بوجود علاقات استرقاق داخله في عصور سابقة، ومجتمع آخر يسمح بالبغاء وينظمه، ويفرض عليه ضرائب كخدمة معترَف بها، أو مجتمع يعمل فيه أفراده مقابل أجر لا يقيم أود الحياة.

إن وضع الجارية لا يختلف كثيرًا عن وضع البغي، كما أن وضع العامل الذي تعطيه جهة عمله أجرًا يكفيه فقط لأن يبقى على قيد الحياة، ليستأنف عمله في اليوم التالي، ليس أفضل كثيرًا من العبد الذي يكفله سيده لنفس السبب؛ إن العالم لم يتحضر بعد.

(محمد مختار، الأوضاع الاجتماعية للرقيق في مصر ٦٤٢–١٩٢٤م، القاهرة، ١٩٩٦م)

وهذه هي الترجمة:

One last word: the present writer sees no great difference between a society that had accepted, in ages long gone, relations of slavery, and a society which allows, organizes and taxes prostitution as a recognized service, or, indeed, a society whose members receive no more than subsistence wages.
The status of a slave girl does not differ much from that of a harlot. The status of a worker who receives from his employer enough wages for survival, so as to resume work in the following day, cannot be different from that of a slave supported by his master for the same purpose. The world is as yet uncivilized.

إن الأفكار واضحة، والجمل منتظمة، تدل على أن الكاتب قد فكر طويلًا قبل أن يخرج أفكاره في صورة لغوية متناسقة، وعلى طول الجملة الأولى فإن التنسيق يهبها الاتساق في الفكر والتماسُك النصي، كما أن قِصر الجملة الافتتاحية والجملة الختامية في الفقرة الثانية يدل على تمكُّن الكاتب من فكرته وثقته بما يريد أن يقول، وهو ما يختلف عن النص التالي؛ إذ يقول المؤلف نفسه في صفحتَي ١٥٨-١٥٩ من الكتاب ذاته:

ولم تبدأ الجهود المصرية للقضاء على تجارة الرقيق في الأقاليم التابعة لمصر، وحتى داخل مصر نفسها، تأخذ شكلًا جديًّا إلا مع قدوم الخديو إسماعيل، والذي استغل الرغبة القوية التي ظهرت في الغرب للقضاء على النخاسة لخدمة ما كان يسعى إلى تحقيقه من تطويرٍ لحركة الكشوفات المصرية في الأقاليم الاستوائية، وضم المناطق الجديدة، التي يتم اكتشافها، إلى الممتلكات المصرية، وهو ما دفع به إلى عقد اتفاقٍ مع السير صموئيل بيكر في ٢٧ مارس سنة ١٨٦٩م للقيام بقيادة حملة عسكرية في هذه المناطق بدعمٍ من الحكومة المصرية، كان أحد أهدافها القضاء على الميليشيات المسلحة التي كان يديرها أشخاص من العرب والبرتغاليين لصيد الرقيق، ثم استغلال الرقيق الذي تم صيده في نقل كميات العاج التي يتم نهبها حتى الساحل، ثم تصدير الصنفَين معًا، أو بيعهما للتجار المحليين.

إن الجملة الافتتاحية تتضمن فاعلًا طال؛ فأمعن في الطول، والأرجح أنه كان مبتدأ، أي كان يحتل موقع البداية في الأصل الأجنبي (انظر بناء الجملة من حيث الابتداء thematic structure في الفصل السابق)، وأن المترجم اتَّبع نصيحة أحدهم بضرورة الابتداء بالفعل في اللغة العربية، فبدأها بتقسيم الفعل إلى أجزاء جعل أولها في البداية، وآخرها بعد الفاعل (لم تبدأ/تأخذ)، كما أنه لجأ إلى ترجمة المبني للمجهول إلى الفعل تَمَّ + المصدر (يتم اكتشافها/تم صيده)، إلى جانب ربط الجمل بأسماء الموصول، على نحو ما رأينا في النص الخاص بالموسيقى، (الذي، التي، التي، التي، الذي، التي)، وهناك تعابير لا بد أن تُنسَب إلى أسلوب الترجمة، مثل التعبير الركيك «خدمة تطوير» و«كان يديرها»؛ فكلها تشير إلى احتمال كون النص مترجمًا، وحاولت، من ثَم، إرجاعه إلى الأصل (وقد افترضت أنه بالإنجليزية)؛ فوجدت ذلك بالغ اليسر:
Egyptian efforts to combat the slave trade in the territories under Egyptian control, even in Egypt itself, did not begin in earnest until Khediv Ismail came to power. Taking advantage of the strong desire in the West to abolish the slave trade, he hoped to develop the Egyptian exploration of the equatorial zone and to annex any newly explored territory to the Egyptian dominions. An agreement was therefore made with Sir Samuel Baker, on 27 March 1869, to lead a military expedition in that region, with support from the Egyptian government. One of its aims was to disband the armed militias run by a number of Arab and Portugese merchants who captured slaves, used them in transporting the ivory they had plundered to the coast, then exported or sold both slaves and ivory to local traders.

وهاك ترجمة مقترحة تخفي معالم أسلوب الترجمة المذكورة:

أما الجهود المصرية لمكافحة تجارة الرقيق في المناطق الخاضعة لمصر، بل وفي مصر نفسها، فلم تبدأ بدايةً جادةً حتى تولى الخديو إسماعيل حُكم مصر؛ إذ إنه استغل ما أبداه الغرب من رغبة قوية في إلغاء تجارة الرقيق في تنمية حركة الكشوف الجغرافية في المناطق الاستوائية، وضم ما يُكتشَف من أراضٍ جديدة إلى الممتلكات المصرية. وهكذا عقد الخديو اتفاقًا مع السير صموئيل بيكر في ٢٧ مارس ١٨٦٩م لقيادة حملة عسكرية في تلك المناطق بدعمٍ من الحكومة المصرية. وكان من أهداف هذه الحملة تشتيت العصابات المسلحة، التي كانت تحت إمرة عددٍ من التجار العرب والبرتغاليين، وكانوا يستخدمونها في صيد الرقيق، ويستخدمون هذا الرقيق نفسه في نقل العاج الذي نهبوه إلى الساحل، ثم يصدِّرون الرقيق والعاج معًا إلى الخارج، أو يبيعون هذا وذاك إلى التجار المحليين.

وأعتقد أن الاختلاف واضح، ولو أن النص — مهما كانت صورته — لا بد أن يشي بأسلوب الترجمة بسبب أبنية الفكر التي تتحكم في أبنية العبارات، وفي تماسك النص، بصفة عامة، تماسكًا يوحي بالثقافة العلمية الغربية، وأعتقد أن هذه المسألة قد اتضحت.

ومعنى ذلك كله — في إطار نظرية النظام المتعدد — أن الترجمة كانت مسئولة عن وضع طرائق جديدة للكتابة ما لبثت أن أحدثت تأثيرها في الأدب، فبدأ في الابتعاد عن أساليب الزركشة اللفظية، واتِّباع ما دعا إليه طه حسين من تصوير الإنسان في صورٍ «جمالية» لا تكمن في الصياغة اللفظية، بل في دقائق الصورة وصدقها، وهو ما فعله توفيق الحكيم، ومن اتَّبعه من كُتَّاب الرواية والقصة القصيرة، وكُتَّاب «الخاطرة» خصوصًا؛ فازدهر النثر العربي الحديث، واتخذ له طريقًا جديدًا، وكان الرائد الأول هو نجيب محفوظ، الذي تطور تطورًا مذهلًا، تعرضت له في دراستي بالإنجليزية عن تطور اللغة لديه (انظر نجيب محفوظ في عيون العالم، ٢٠٠٢م)؛ ومن ثَم، فلن أعرض لذلك التطور، بل سألمح فحسب إلى أن تيار الكتابة الواقعية في الفترة التي تطور فيها كانت تصاحبه ترجمات لعيون الأدب العالمي، وأن التيارَين كانا يمِّثلان «نظامَين» متجاورَين — وفقًا لتعريف «إيفن-زوهار» — يغذي كلٌّ منهما الآخر، وأذكر عندما صدرت في الخمسينيات ترجمة العجوز والبحر لهيمنغواي، تعجَّب الكثيرون كيف يحصل ذلك الكاتب ذو الأسلوب «العادي» على جائزة نوبل!

ويؤكد جنتزلر Genztler في كتابه المُشار إليه آنفًا (١٩٩٣م) أن نظرية تعدد النظم (أو النظام المتعدد) تمثِّل تقدمًا مهمًّا في دراسات الترجمة (ص۱۲۰–۱۲۱؛ ص١٢٤–١٢٥)، وهو يعدد هذه المزايا قائلًا إن أولاها هي إتاحة دراسة الأدب نفسه إلى جانب القُوى الاجتماعية والتاريخية والثقافية، وثانيتها أن إيفن-زوهار يبتعد عن دراسة نصوص مفردة بمعزلٍ عن بعضها البعض، ويقترب من دراسة الترجمة في إطار النظامَين الثقافي والأدبي، اللذين تتحقق وظيفتها فيهما، وثالثتها هي أن تعريفها للتعادل والكفاية بريء من وضع القواعد، أي (non-prescriptive)، ومن ثَم، فهو يسمح بالاختلافات وفقًا لموقف النص تاريخيًّا وثقافيًّا.

ويؤيده منداي (۲۰۰۱م، ص۱۱۱) قائلًا إن المزية الأخيرة قد هيَّأت لنظرية الترجمة مهربًا من «الحُجج اللغوية المتكررة التي كانت قد بدأت تتابع بإصرار مفهوم التعادل في الستينيات والسبعينيات». ولكن جنتزلر في الواقع يلمح إلى بعض مثالب في هذه النظرية، وهي ميلها إلى التعميم دون أدلة كافية، وأعتقد أنني أتيت بشواهد كثيرة تدحض هذا الزعم، كما أنه ينعى عليه استلهامه للمنهج الشكلي القديم، قائلًا إنه قد لا يصلح لأدب السبعينيات، والرد على ذلك يسير؛ ففي السبعينيات، حين ازدهرت في العالم العربي ترجمات النصوص التجريبية في المسرح والشِّعر والقصة، استجاب الأدباء العرب؛ فأخرجوا نماذج تجريبية في شتى الأنواع الأدبية تضاهي تلك الترجمات، وازدهرت حركات التجديد، وهذا ما يبطل انتقادات «جنتزلر» الأخرى لنظرية تعدد النظم، فلقد كانت الترجمات المذكورة سندًا وإلهامًا للثائرين من شباب المبدعين، الذين خرجت إبداعاتهم في إطار معارضة بعض ما اختلفوا معه من «نظم» اجتماعية وثقافية، بل وسياسية، فكانت بشائر ذلك جماعة «إضاءة ٧٧»، ومن بعدها «الجراد»، إلى آخر ما ازدهر حقًّا في السبعينيات، وعندما ترجمتُ مختاراتٍ من شعر هؤلاء، وقدمتها للنشر في أمريكا، رحَّب بها كبار النقاد، ورأوا فيها امتدادًا لروح السبعينيات الثورية، وكانت اللغة (ولا تزال في ظني) لغة استكشافية تحاكي ما قدمته الترجمات، وما كان يبدو من إبداع كبار الأدباء — مثل أدونيس — كأنه ترجمة عن لغة أوروبية.

وأعتقد أن نظرية «تعدد النظم» كانت من وراء كثيرٍ من الاتجاهات الحديثة في التسعينيات التي حررت دراسة الترجمة من التركيز الممل على الحوار القديم بين ترجمة الألفاظ وترجمة المعاني، وكان لها تأثيرها الكبير في معظم مَن كتبوا بعده، ومنهم «جدعون توري» Gideon Toury، الذي بدأ عمله مع «إيفن-زوهار» في دراسة العوامل الثقافية الاجتماعية، التي تحدد مسار ترجمة الأعمال الأدبية الأجنبية، ثم افترق عنه، وأخرج في عام ١٩٩٥م كتابه الشهير بعنوان «دراسات الترجمة الوصفية وما بعدها»، والذي يحاول فيه وضع نظرية عامة للترجمة. وهو يطالب في هذا الكتاب (ص١٠) بإنشاء فرعٍ وصفي منهجي حقيقي لهذا المبحث، بدلًا من الدراسات الفردية المتفرقة التي شاعت. ويقول في صفحة ٣:

«إننا لا نفتقر إلى المحاولات الفردية التي تمثِّل ثمارًا لطاقة الحدس الفذة، وتقدِّم نظراتٍ عميقة بديعة (إذ يتوافر ذلك في كثير من الدراسات الحالية)، ولكننا نحتاج إلى فرعٍ منهجي، تكون نقطة انطلاقه افتراضات واضحة، وبحيث يكون مسلحًا بالمنهج العلمي وطرائق البحث العلمي، وبحيث يتميز بالنص على ذلك كله صراحةً، وتكون له مبرراته الكافية داخل إطار دراسات الترجمة نفسها. ولا يستطيع إلا فرع كهذا أن يضمن إمكان اختبار ومقارنة نتائج الدراسات الفردية فيما بين الدارسين، وبحيث يمكن تكرار إجراء أمثال هذه الدراسات.»

ويبدأ توري كتابه المذكور بأن يؤكد أن الترجمات تشغل موقعًا ما في النظم الاجتماعية والأدبية للثقافة المستهدَفة، وأن ذلك الموقع يحدد استراتيجيات الترجمة المطبقة، وهو بهذا يبني نظريته على أساس نظرية «تعدد النظم»، وما سبق أن قاله في أعماله السابقة (۱۹۷۸م، ۱۹۸۰م، ١٩٨٥م، ۱۹۹۱م)، ولكنه يقترح الآن منهجًا علميًّا يتكوَّن من ثلاث مراحل للدراسات الوصفية المنهجية للترجمة (وسوف أشير إليها فيما يلي باسم الدراسات الوصفية فحسب)، تتضمن وصف العمل المترجَم، والدور الواسع النطاق للنظام الثقافي الاجتماعي: أما المرحلة الأولى، فهي وضع النص في إطار نظام الثقافة المستهدَفة، والنظر إلى دلالته أو قبوله، والمرحلة الثانية هي مقارنة النص المصدر بالنص المستهدَف لتحديد التغييرات، ورصد العلاقات بين ثنائيات مختارة من أجزاء النصَّين، ومحاولة إصدار أحكام عامة على مفهوم الترجمة الذي يقوم عليه العمل، وأما المرحلة الأخيرة، فهي استنباط ما يُستفاد من ذلك للاهتداء به في الترجمة في المستقبل، وأهم ما في هذه المقترحات هو تكرار المرحلتين الأولى والثانية لشتى الأنواع الأدبية والمؤلفين والفترات التاريخية، وما إلى ذلك، وصولًا إلى رصد المسار العام، وهو ما ترمي إليه الدراسات الوصفية.

وقد أثارت المرحلة الثانية — أو قُل الخطوة الثانية — جدلًا عنيفًا، فانتقده جنتزلر (١٩٩۳م، ۱۳۲-۱۳۱)، وهيرمانز Hermans في كتابه الترجمة في إطار النظم (١٩٩٩م، ص٥٦-٥٧)؛ لأنه يستند إلى أحكام لغوية خلافية، وانتقده منداي (۲۰۰۱م، ص١١٢) لأنه كان قد عاد في كتابَين سابقَين له إلى فكرة «الموازن الثالث» tertium comparationis، بعد أن ثبت فشلها (انظر مناقشتنا لها في إطار نموذج ترجمة مونولوج هاملت)، ولأنه يصر على مفهوم الترجمة الكافية adequate translation، ثم يعود فيقول إن الكفاية الكاملة محالة. ولكن «توري» يتخلَّى في كتابه الجديد (١٩٩٥م) عن فكرة الموازن الثالث، أو العنصر الثابت the invariant في مقارنة النص الأصلي بالنص المترجَم، ويقتصر على مقارنات «مخصصة» للدرس ad hoc؛ بحيث يبتعد المنهج عن التقنين، ويتسم بالمرونة. ومن مزايا المرونة أنها تسمح بفحص جوانب مختلفة من النص المترجَم، ولنضرب مثلًا من دراسة ترجمات الشعر الإنجليزي إلى اللغة العربية؛ فقد تتخصص دراسة في فحص الترجمات النثرية وتأثير ضياع الوزن أو القافية أو ضياعهما معًا، وتقارن ذلك بالترجمات المنظومة، وقد تتخصص دراسة أخرى في فحص المعجم الشعري للمترجَم؛ إذ قد يُبدي غرامًا بتكرار ألفاظ شائعة في شِعره هو، أو في شِعر معاصريه (مثل غرام علي محمود طه باستخدام الفعل «يهفو» ومشتقاته في ترجماته للشاعر الإنجليزي شلي)، وما إلى ذلك، فإذا وضعت هذه الدراسات جنبًا إلى جنب، استطاع الباحث أن يستنبط اتجاهًا عامًّا للترجمة.
ومعنى الاتجاه العام للترجمة هو ما يسميه الباحثون بالمسلك الخاص بالترجمة translation behaviour، وهو يتكوَّن، في الواقع، من عدة اتجاهاتٍ تحددها القرارات التي يتخذها المترجِم وفقًا لمعايير اجتماعية أو أعراف ثقافية معينة، ولو دون وعيٍ كامل بها، وعلى الدارس إذن أن يستنبط تلك المعايير norms، التي حددت «مسلك» الترجمة، ووضع الافتراضات التي يمكن اختبار مدى صحتها في الدراسات الوصفية بعد ذلك. وأما تعريف «المعايير» عند «توري»، فهو ترجمة قيم أو أفكار عامة يشترك فيها مجتمع من المجتمعات — أي فيما يتعلق بما هو صواب أو خطأ، أو ما هو كافٍ أو قاصر — إلى تعليمات الأداء المناسبة لكل حالة، والتي لا تسري إلا في هذه الحالة (١٩٩٥م، ص٥٥).
ويعني بها «توري» في الواقع القيود الثقافية الاجتماعية التي تفرضها ثقافة معينة، أو مجتمع معين أو زمان معين، ويعي الفرد المعايير من عملية التعليم — كما سبق أن أوضحنا — والاندماج في المجتمع، وأما عن قوة هذه المعايير، فإنها تحتل مكانًا وسطًا بين القواعد والميول الفردية الخاصة التي تميز كاتبًا عن كاتبٍ، ومترجمًا عن مترجِم، قائلًا إنها تتحكم في أنشطة الترجمة، و«تحدد «نوع ومدى» التعادل الذي تحققه الترجمات نفسها» (ص٦١). ويقول منداي (ص١١٣) إن ذلك قد يوحي ببعض «اللَّبس» في معنى المعايير، شارحًا ذلك بأن «توري» يصفها بأنها أداة تحليل وصفية، قائلًا (في موسوعة دراسات الترجمة، ١٩٩٧م، ص١٦٤) «إنها الاختيارات التي يعمد إليها المترجِم في سياقٍ اجتماعي تاريخي معين، وبصفة منتظمة» وبأنها تبدو في الواقع قُوًى تمارس ضغوطًا من نوعٍ ما، وتقوم بوظيفة تقنينية معينة prescriptive function. والتناقض بين «الاختيارات» و«الضغوط» في تحديد معنى «المعايير» ظاهري — في رأيي — لأن المترجِم قد يعمد إلى اختياراتٍ منتظمة، يمكن الاستناد إليها في تحديد مذهبه في الترجمة، نتيجة «ضغوط» معينة، قد لا يكون واعيًا بها كل الوعي.
ويقول «توري» إن المعايير تنقسم إلى ثلاثة أنواع: المعايير المبدئية initial، وهي التي تشير إلى الاختيارات العامة التي يعمد إليها المترجِم في الترجمة، فإما إنه يقبل معايير الثقافة أو اللغة المصدر؛ فيخرج ترجمة كافية adequate أو يقبل معايير الثقافة، أو اللغة المستهدَفة فيُخرج ترجمة مقبولة acceptable. ولكن المقابلة بين هذَين «القطبين» نسبية؛ فلا توجد نصوص تقتصر على أحدهما دون الآخر. وأما النوع الثاني، فهو المعايير التمهيدية preliminary، وهي تحدد ما يسميه بسياسات الترجمة، بمعنى اختيار نصوص بعينها للترجمة في زمنٍ معين وثقافة معينة، وتحدد أيضًا ما يسميه بدرجة المباشرة في الترجمة، بمعنى الترجمة عن لغة وسيطة، كترجمة تشيخوف إلى العربية من خلال ترجمة إنجليزية، ومدى تقبُّل الثقافة المستهدَفة لذلك، وأنواع اللغات الوسيطة، وما إلى ذلك، والنوع الثالث هو المعايير العملية operational norms، وهي الخاصة بصورة تقديم النص المستهدَف والمادة اللغوية التي يتكوَّن منها، وإيضاحًا لذلك يفصل «توري» القول في معنى «صورة التقديم»، قائلًا إنها تعني مظهر النص المترجَم، أو شكله أو إطاره العام، وهو لذلك يصف المعايير التي تتحكم في ذلك بأنها معايير إطارية أي: matricial norms. فالمترجِم قد يقرر حذف فقرة، أو عبارة أو كلمة من النص المترجَم، وقد يقرر إضافة فقرة أو حواشٍ للترجمة، مما يحدد صورة تقديم النص المستهدَف آخر الأمر، وهذه المعايير هي القسم الفرعي الأول من المعايير العملية، أما القسم الفرعي الثاني، فهو ما يسميه المعايير النصية اللغوية textual-linguistic norm، وهي التي تحدد اختيار المترجِم للمادة اللغوية على تنوُّعها وثرائها.
وأما دراسة «التعادل في الترجمة» translation equivalence، وهو ما يطمح إليه الدارس الذي يطبِّق هذه المعايير جميعًا، فإنها لا تهدف إلى الحكم على تعادل المعنى بالمفهوم القديم بين النصَّين (انظر الفصل الخاص بنظرية المعنى) بل هو «مفهوم وظيفي علائقي» functional-relational بمعنى أنه يقوم على افتراض التعادل بين النص المصدر والنص المستهدَف؛ ولذلك الافتراض أهميته البالغة، لأنه لا يجعل الدارس يركز على ما هو «صواب» أو «خطأ» في النقل، بمعنى موازنة تعبير بتعبيرٍ لبحث درجة التعادل بينهما، بل إنه يركز على كيفية تحقيق التعادل المفترَض، ويُعتبَر أداةً يستخدمها الدارس للكشف «عن المفهوم الكامن للترجمة»؛ أي عن الدوافع وراء القرارات المتخذة، والعوامل التي شكَّلت قيودًا عليها. (ص٨٦)

والمثال على ذلك هو الدراسات التي أُجريت في مصر لترجمة شيكسبير إلى اللغة العربية، ابتداءً من كتاب الدكتور رمسيس عوض، شيكسبير في مصر، وانتهاءً برسائل الدكتوراه في الموضوع نفسه؛ فلقد كانت المعايير المبدئية تميل دائمًا، في مطلع القرن ومنتصفه، إلى إخراج ترجمة مقبولة، أي ترجمة تتفق مع معايير الثقافة العربية واللغة العربية، لأن صورة شيكسبير في عيون العرب كانت صورة الشاعر الفحل، فإن لم نستطع أن نترجمه شعرًا عربيًّا، فلنترجمه نثرًا عربيًّا فصيحًا يحقق الكفاءة (أي الاقتراب من النص الأصلي) إلى حدٍّ كبير، ولكنه يصبُّ في تيار النثر العربي والثقافة العربية التقليدية. وأما المعايير التمهيدية، فتقول إنه قد اختير بسبب ما شاع عن فحولته الشِّعرية، وأيضًا بسبب بعض مفاهيمه، وهو ما أوحت به ثقافة النصف الأول من القرن العشرين، ولا أقول فرضته فرضًا، وأقصد بها مفاهيم الحب والحرية والعدل، وهي المفاهيم التي كانت تكمن في باطن «الحركة القومية» و«الحركة الرومانسية» معًا، بل كانت المفاهيم الكامنة في شِعر مدرسة «الإحياء» الشعرية العربية، وفي نقد النقاد «الثوريين» لهذه المدرسة (العقاد وشكري والمازني) في الوقت نفسه! وقبل كل شيء، كانت مفاهيم شيكسبير عن «النظام» الثابت للدولة وفكرة «الحق» (حتى بالمعنى القانوني) تتفق مع التيار الثقافي العام الذي يريد تأكيد استقلال مصر الذي تحقق اسميًّا في القرن التاسع عشر، ولم يتحقق فعليًّا إلا في القرن العشرين، وتأكيد سيادة «النظام» و«الحق»، معًا، وفي الوقت نفسه، في إطارٍ إنساني صادق من نوع الأطر التي يرسمها الأدب الرفيع، وكان شيكسبير يمثِّله آنذاك خير تمثيل.

وأما المعايير العملية، فكانت تشهد بغلبة الثقافة المحلية وسيطرتها، فلم يجد المترجم في مطلع القرن بأسًا في أن يحذف المَشاهد التي لا تتفق مع الثقافة العربية، أو العبارات التي تنافي الأعراف السائدة، أو في دمج المَشاهِد أو اختصار بعضها، وأما عن المعايير النصية اللغوية، فقد كانت مرجعيتها هي العربية التراثية، كما يتجلى في ترجمة الشاعر الفحل خليل مطران لشيكسبير، ولم يبدأ التفكير في الترجمة المنظومة، وباللغة العربية المعاصرة، إلا منتصف الثلاثينيات، عندما أصدر علي أحمد باكثير ترجمته الرائعة لروميو وجولييت، ثم أصدر في الخمسينيات محمد فريد أبو حديد ترجمةً منظومة لمسرحية ماكبيث، وترجم الشاعر صلاح عبد الصبور فصلًا من الملك لير نَظمًا، ثم توالت في الثمانينيات والتسعينيات الترجمات المنظومة (بقلم كاتب هذه السطور) لمسرحيات شيكسبير.

هذا هو ما تعنيه دراسة اتجاه الترجمة عند توري، في إطار الدراسات الوصفية، وهي كما ترى تمثل ابتعادًا عن الدراسات اللغوية الضيقة، وإن كان يستعين بها في رصد المعايير التي تحكم الترجمة دون التدخل بإصدار أحكام بالخطأ والصواب، ولا تزال دراسات الترجمة — ذلك المبحث الجديد في الوطن العربي — في بداية الطريق؛ فلقد أشرفتُ على رسالتَين للدكتوراه في ترجمة شيكسبير في التسعينيات — الأولى من إعداد الباحثة أمية خليفة (جامعة القاهرة)، عن ترجمة مأساوات شيكسبير، والثانية من إعداد الباحث سعيد العليمي (جامعة طنطا)، عن ترجمة الفكاهة في كوميديات شيكسبير، وكان المنهج في كلَيهما لغويًّا وثقافيًّا معًا، وأخيرًا أعدَّت باحثة أخرى، هي نيفين حسن (جامعة عين شمس) رسالة عن ثلاث ترجمات عربية للملك لير، تنحو فيها المنحى اللغوي وحده، بإشراف أستاذة علم اللغة والمترجمة الفذة الدكتورة جانيت عطية.

وينتهي «توري» من هذا العرض الوافي للمعايير إلى الإعراب عن أمله في أن تؤدي الدراسات الوصفية إلى وضع «قوانين» «احتمالية» probabilistic للترجمة، أي قوانين تقوم على ترجيح أحد الاحتمالات على غيره، ومن ثَم وضع مبادئ عالمية عامة شاملة للترجمة universals، ومن «القوانين» التي يقترحها، بصفة مؤقتة، قانون ازدياد الاتجاه نحو التوحيد، وهو ما يناقشه في نحو ست صفحات growing standardization، وهو يعني ما يلي:

«كثيرًا ما تتعرض العلاقات النصية القائمة في الأصل للتعديل في أثناء الترجمة، بل أحيانًا ما يتجاهلها المترجِمون تجاهلًا تامًّا، مفضِّلين عليها اختيارات معتادة، وهي الاختيارات القائمة في ذخيرة اللغة المستهدَفة.»

(ص٢٦٨)
وهو يعني بذلك تغيير الأنساق القائمة في النص المصدر أثناء الترجمة، وانتقاء خياراتٍ لغوية أكثر شيوعًا في اللغة المستهدَفة، وقد يؤدي ذلك إلى الميل إلى «التوحيد» العام في لغة النص المترجَم، وغياب التنوع الأسلوبي فيه، أو على الأقل تطويعه للغة المستهدَفة بأبنيتها وتعبيراتها الخاصة، ويشيع ذلك عندما تشغل الترجمة موقعًا ضعيفًا أو هامشيًّا في «النظام الأدبي» لأمة ما، وفقًا لنظرية تعدُّد النظم (انظر بداية هذا الفصل). ويقابل ذلك «القانون» ما يسميه قانون التدخل interference، ومعناه المحاكاة الدقيقة، عمدًا أو دون عمد، للأنساق اللفظية والتركيبية للغة المصدر، في النصوص المترجَمة. وقد يكون التدخل (أو التداخل) سلبيًّا، حين يوحي بتراكيب غير مقبولة في اللغة المستهدَفة، أو إيجابيًّا حين يكون للمحاكاة هدف فني، ولو كانت التراكيب غير مألوفة، كالبداية بغير الفعل أو المبتدأ في العربية، وإن لم يكن ذلك خطأ أو غير مقبول؛ ولذلك نجد أن ترجمة الفردوس المفقود تبدأ بشبه جملة (عن أول خطيئة يقترفها الإنسان) في الكتاب الأول، وتبدأ بحالٍ في الكتاب الثاني (عاليًا على العرش المَلكي جلس إبليس) وهلمَّ جرًّا، ولكنني غيَّرت بناء الجملة التي اقتطفتها في هذه الفقرة من «توري»؛ فلم أبدأ بشبه الجملة، والأصل هو:
In translation, textual relations obtaining in the original are often modified, …
ويضرب توري أمثلة مما يُسمَّى الأسماء المترابطة binomials، وهي عبارات تتكوَّن من اسمَين يرافقان بعضهما بعضًا، دون أن يكونا مترادفين ترادفًا كاملًا، وهذه العبارات شائعة في كل اللغات، ولكنها لا توازي العبارات نفسها في لغاتٍ مختلفة، ففي الإنجليزية نجد تعبير able and talented، الذي يقترب من معنى «ذكي موهوب»، ومن المعنى القديم «أديب أريب»، ولكنه لا يرادفه ترادفًا كاملًا، والثعالبي يقول في فقه اللغة إن من سنن العرب وضع هذه الكلمات المترابطة، مثل مِعَن مَفَن، وخراب يباب، وعطشان نطشان، وهذا لا يكثر في الإنجليزية، فنحن اعتدنا law and order (القانون والنظام)، ولم نعتد «بوضوحٍ وجلاء» very clearly، أو «العلم والمعرفة» learning?/knowledge?، أو «العدل والإنصاف» justice فحسب. وهكذا فإن كثرة ورود أمثال هذه المزاوجات في الترجمة قد يُفصِح عن اتجاه عام للتوحيد بنفي التداخل (أو التدخل)، ومعناه أن القانونَين اللذين وضعهما توري يمكن تطبيقهما على أية ترجمات، ومن أي لغة إلى لغة، استنادًا إلى منهجٍ من القاعدة للقمة bottom-up في التحليل، ما دام الدارس ملمًّا بأعراف اللغة المستهدَفة.

ويقول منداي (٢٠٠١م، ١١٧) إن المنهج الذي وضعه «توري» يمثِّل — فيما يبدو — خطوة مهمة على طريق وضع أسس راسخة للدراسات الوصفية في المستقبل، ويرصد «جنتزلر» بعض جوانب هذا المنهج التي أثرت تأثيرًا كبيرًا في دراسات الترجمة، منها التخلي عن فكرة المقابلة أو المقابلات الفردية بين عناصر النص (إلا في حدود ضيقة)، والتخلي كذلك عن التعادل اللغوي أو الأدبي، أو التعادل على المستويَين معًا (إلا إن جاء ذلك مصادفة)، ومنها اشتراك الاتجاهات الأدبية (داخل النظام الثقافي للغة المستهدَفة) في إخراج أي نص مترجم، ومنها زعزعة الفكرة القديمة التي تقول بوجود «رسالة أصلية» ذات هُوية ثابتة، ومنها كذلك إشراك النص الأصلي والنص المترجَم معًا في شبكة العلامات (الشبكة السيميائية/السيميوطيقية) للنظامَين الثقافيَّين المتداخلَين، ولكن «هيرمانز» ينتقد، في مقالٍ له، نُشر عام ١٩٩٥م، ما قاله «توري» في كتابه الأول (١٩٨٠م)، ويعيب عليه تجاهل بعض العوامل التي تلعب دورًا مهمًّا في اتجاه الترجمة، مثل العوامل الأيديولوجية والسياسية، ومنها منزلة العمل الأصلي (المصدر) بين الأعمال الأدبية المكتوبة بهذه اللغة، واحتمال تشجيع أصحاب الثقافة الأصلية لترجمة مثل هذا العمل لأسباب الدعاية أو رفع المكانة الأدبية، وتأثير مثل هذه الترجمة إلى اللغات الأجنبية في اللغة والأدب في الثقافة الأصلية. وينطبق ذلك على وجود بعض ترجمات إنجليزية منشورة في الخارج لأعمالٍ لا تتمتع في بلدها الأصلي بمكانة رفيعة، ووجود ترجماتٍ عربية لأعمال لا تتمتع بامتيازٍ خاص بين آداب اللغات المترجَمة عنها، وقد تكون الترجمة قد أنجزت في الحالة الأولى لأن امرأة قد كتبت العمل، أو لأن العمل يمثِّل مناهضة للنظام القائم، أو مناهضة للثقافة الأصلية بمعناها الواسع (وهو ما يحبه الغربيون). وذلك كله مما لا يتضمنه منهج «توري»، ولكنه ينتمي — في رأيي — إلى مجالٍ أوسع من مجالات النقد الأدبي، ولا يختص بالترجمة وحدها، وما ينطبق على صعوبة التعميم، في حالة النقد الأدبي، ينطبق على الترجمة؛ فالأحكام عادة ما تقوم على آراء النقاد، وهذه ليست «علمية» إلى الحد الذي يسمح بوضع «قوانين» عامة.

ويعود «هيرمانز» في كتابه الأخير (١٩٩٩م) إلى انتقاد منهج «توري» لأسبابٍ مشابهة لما ذكرت؛ إذ كيف يتأتى لدارس الترجمة أن يحيط بجميع المتغيرات (أي العوامل المتغيرة) التي تحكم قرارات المترجِم واختياراته، ويضيف أن القانونَين اللذين يقترحهما «توري» يتسمان، إلى حدٍّ ما، بالتناقض، أو قُل إنهما يسيران في اتجاهَين مختلفَين؛ فالقانون الأول (قانون التوحيد) موجَّه إلى النص المترجَم (المستهدَف)، ويشي بمعايير خاصة بالنصوص المترجَمة وحدها، وقانون التدخل (أو التداخل) موجَّه إلى النص الأصلي (المصدر). ويشرح منداي ذلك قائلًا إنه قد وجد أثناء إعداده رسالة الدكتوراه (١٩٩٧م) أن قانون التدخل يجب تعديله، أو إبداله بقانون آخر يسميه «انخفاض التحكم في التحقيق اللغوي في الترجمة»، وهذه العبارة المترجَمة حَرفيًّا جديرة بالشرح، فالأصل يقول:

reduced control over linguistic realization in translation.
وأما معناها، فهو أن المترجِم يخضع لعدة عوامل تنتقص من قدرته على التحكم الكامل في الصياغة اللغوية لما يترجمه، منها تأثير الأنساق اللغوية للنص المصدر، أي أبنيته وتنظيمه الداخلي، ومنها تفضيل المترجِم للوضوح، وتجنُّب الغموض في النصوص المترجَمة، ومنها العوامل الواقعية التي تؤثر في عمل المترجِم، مثل ضغط الوقت ومحاولته تحقيق أقصى قدرٍ من النجاح في الترجمة بأقل قدرٍ من الجهد، وهذا، كما سبق أن قلت في الفصل الثالث، مما لا يعرفه إلا المترجِم المحترف، الذي يقدِّر قيمة الوقت، وهو ما أطلق عليه «ليفي» تعبير minimax strategy، أي استراتيجية تحقيق «الأقصى بالأدنى» — على نحو ما ذكرت — وهو ما قد ينطبق على الترجمة غير الأدبية أكثر مما ينطبق على الترجمة الأدبية، و«منداي» محقٌّ في رصده لهذه العوامل، وإن كان ذلك لا ينتقص من نظرية «توري»؛ لأنها تأخذ في اعتبارها عوامل ثقافية اجتماعية تتخطى الترجمة الأدبية، وتجعلها صالحة للتطبيق على أي ترجمة.
ومن مزايا «المعايير» التي وضعها «توري» أنها لا تقف عند «الخطأ» و«الصواب»؛ ومن ثَم فهي «غير تقنينية» non-prescriptive، ولكن تشسترمان Chesterman يقول في كتابه الأخير (۱۹۹۷م) وعنوانه Memes of Translation أي العناصر الصغرى في الترجمة، إن أي نوعٍ من أنواع المعايير لا بد أن يتضمن بعض «التقنين»، ثم يقترح هو نفسه نوعَين آخرين من المعايير لإحلالهما محل «المعايير المبدئية» و«المعايير العملية»، وهما النوعان اللذان اقترحهما توري. أما النوع الأول عند تشسترمان، فهو معايير المنتَج (بفتح التاء)، أو معايير التوقُّع product or expectancy norms، وهو يقول إن هذه المعايير تنشأ بناء على توقعات قراءة ترجمة (من نمطٍ ما) بشأن ما ينبغي أن يكون عليه حال الترجمة (من هذا النمط)، والعوامل التي تتحكم في هذه المعايير تتضمن تقاليد الترجمة السائدة في الثقافة المستهدَفة، وأعراف الكتابة والصياغة في النوع الأدبي (المماثل للنوع المترجَم) في اللغة المستهدَفة، وبعض الاعتبارات الاقتصادية والأيديولوجية الأخرى، وأما النوع الآخر من المعايير، فهو يسميه المعايير المهنية professional، وهي المعايير التي «تنظم عملية الترجمة نفسها»، وتُعتبَر تابعة لمعايير التوقُّع، أي أن معايير التوقُّع هي التي تتحكم في المعايير المهنية، وهو يقسِّم المعايير المهنية إلى ثلاثة أنواع، أولها هو معيار المساءلة accountability بمعنى تحمُّل المسئولية عن العمل المترجَم، ومن ثَم، فهو معيار أخلاقي ethical يُلزم المترجِم بالأمانة والدقة. وثانيها معيار التوصيل communication بمعنى أن يكون المترجِم خبيرًا في فن توصيل «الرسالة» إلى القراء، ومن ثَم، فهو معيار اجتماعي يُلزم المترجِم بأداء مهمة اجتماعية، وثالثها معيار «العلاقة» relation، بمعنى الحفاظ على العلاقة بين النص المصدر والنص المستهدَف، ومن ثَم، فهو معيار لغوي، وهنا أيضًا يرفض «تشسترمان»، علاقات التعادل الضيقة، ويرى أن يقوم تقدير المترجِم للعلاقة الصحيحة على أساس «نمط النص، ورغبات مَن كلَّفه بترجمته، ومقاصد الكاتب الأصلي، والاحتياجات المفترضة لقرائه في المستقبل.» (ص٦٩) وينتهي «تشسترمان» إلى القول بأن هذه المعايير المهنية تكتسب شرعيتها أو صحتها من «الثقات» — وهم كبار العاملين بالترجمة والأدب مثلًا، والهيئات المهنية، وكبار النقاد — بل أحيانًا ما تفرض هي نفسها «صحتها» على المجتمع. وهي معايير أوسع وأشمل من معايير «توري». ويقول منداي (۲۰۰۱م، ص١١٩) إنها «قد تعود بالنفع على الوصف الشامل لعملية الترجمة والأعمال المترجمة.»
وسوف أتوقف قليلًا عند الاتجاه الذي اتخذه عدد من الباحثين أطلقوا على أنفسهم مدرسة المعالجة، أو جماعة المعالجة The Manipulation School or Group، وكان ذلك في مؤتمرات عقدت ما بين عامَي ١٩٧٦م و۱۹۸۰م، وصدرت أبحاث المؤتمرات عام ١٩٨٥م بعنوان «معالجة الأدب: دراسات في الترجمة الأدبية» من تحرير هيرمانز: Hermans, The Manipulation of Literature Studies in Literary Translation.
وأقول بدايةً إن ترجمة مصطلح «المعالجة» عسيرة، وإن كنت أرى أنها أقرب كلمة عربية إلى المعنى المقصود، فأما ما عجزت عن إدراجه في معناها، فهو الإيحاء بالتلاعب، وهو معنًى ثانوي في العنوان، ولا يدل عليه أي بحث من أبحاث ذلك الكتاب، وأما المعنى الأساسي المقصود، فهو «التحوير» عند المعالجة؛ أي عند الترجمة من لغة إلى لغة أخرى؛ فالمترجِم لا يقدم مطلقًا، في نظر هذه الجماعة، نصًّا «يعالجه» (أي يترجمه) دون قدرٍ ما من «التحوير»، وقد يمتد «التحوير» — كما جاء في كتاب كتبه «ليفيفير» عام ١٩٩٣م، أي بعد ثلاثة عشر عامًا من مؤتمر أنتويرب عام ١٩٨٠م — إلى «الصيت الأدبي» literary fame (انظر المراجع)؛ إذ قد يقدِّم النص المترجَم صورة «مُحوَّرة» (متلاعبًا فيها) للنص الأصلي أو لكاتبه، ولكن الكتاب المذكور لا يتطرق إلى ذلك، بل ينصبُّ على اعتبار الأدب نشاطًا ديناميًّا، قد يتغير «بالمعالجة» أي بالترجمة، وهاك ما كتبه «هيرمانز» تلخيصًا لرأي المجموعة في الأدب المترجَم (ص۱۱-۱۰):
يشترك أعضاء المجموعة في نظرتهم إلى الأدب باعتباره نظامًا معقدًا وديناميًّا، وفي الإيمان بضرورة استمرار التفاعل بين النماذج النظرية ودراسات الحالة العملية، وفي تطبيق منهج في دراسة الترجمة الأدبية يعتمد على المدخل الوصفي، والتنظيم الذي يرمي إلى تحقيق الهدف، ويتميز بأنه منهج وظيفي وعلمي. كما يشترك أعضاء المجموعة في اهتمامهم بالمعايير والقيود التي تحكم إنتاج واستقبال الترجمات، وبالعلاقة بين الترجمة وغيرها من أنواع معالجة النصوص text processing، وبموقع ودور الترجمات في إطار أدبٍ بعينه، وفي التفاعل فيما بين الآداب.

ولكن أبحاث ذلك المؤتمر تكرِّر ما سبق أن قلناه عن «تعدد النظم»، وغيرها من النظريات، وليس فيها جديد، وإنما ترجع أهميتها إلى وضع مصطلح المعالجة (أو التحوير) وما أدى إليه ذلك من نشأة أفكار أخرى، مثل التي وردت في كتاب ليفيفير المُشار إليه، والواقع — كما يقول منداي (٢٠٠١م، ص۱۲۱) — أن الدراسات الوصفية للترجمة قد تقدمت كثيرًا منذ صدور ذلك الكتاب، وتحوَّل ليفيفير عن مصطلحات «تعدد النظم» إلى دراسة الدور الذي تلعبه العوامل الأيديولوجية، ودور «صاحب العمل» في نظام الأدب المترجَم، وأما هيرمانز، فقد تطور هو الآخر، وهو يرهص في كتابه المُشار إليه، (الترجمة في النظم) (۱۹۹۹م)، بمستقبل مسار دراسات الترجمة قائلًا:

«يحتاج هذا المبحث بصفة عامة، ومذهب الدراسات الوصفية بصفة خاصة، وبصورة عاجلة، إلى أن يأخذا في اعتبارهما التطورات في بعض الحركات الفكرية والاجتماعية القوية في عصرنا، بما في ذلك دراسة قضايا الجنسين، وما بعد البنيوية، ودراسات ما بعد الاستعمار، والدراسات الثقافية، والمباحث البينية الجديدة في العلوم الإنسانية.»

(ص١٥٩-١٦٠)

ولقد كان هيرمانز محقًّا في إرهاصاته، ولكنه كان في الواقع يستند في ذلك إلى ما سبق إنجازه على امتداد التسعينيات في مجال الدراسات الثقافية، والمداخل إلى الترجمة من زاوية هذه الدراسات، ولقد سبق أن ذكرنا اسم ليفيفير (الذي تُوفي)، ولكننا سوف نطلع على أعمال غيره في الاتجاهات التي حدَّدها هيرمانز، وأصبحت من المجالات الجديدة التي نشطت فيها بحوث الترجمة، وإن كنا لم نخطُ فيها إلا الخطوات الأولى في مصر، وعلى امتداد الوطن العربي كله.

ومن أهم الأسماء التي ارتبطت باسم الباحث أندريه ليفيفير، اسم أستاذة بريطانية كبيرة، هي سوزان باسنيت Susan Bassnett، شاركته في تحرير كتاب صدرت طبعته الأولى عام ١٩٩٠م، والثانية عام ١٩٩٥م، بعنوان الترجمة والتاريخ والثقافة Translation, History and Culture، يضم عددًا من الدراسات المنوعة، التي تحدد المسار الجديد لمبحث «دراسات الترجمة»، وهو «التحول نحو الثقافة»، ويقولان في مقدمتها إنهما يرفضان أنواع النظريات اللغوية للترجمة (التي ناقشناها في بعض الفصول السابقة)، والتي انتقلت من مستوى النص باعتباره وحدة الدرس، ولكنها لم تتجاوز ذلك المستوى (ص٤)، ويرفضان كذلك «المقارنات» المضنية بين الأصول والترجمات، التي لا تأخذ في اعتبارها المناخ الثقافي للنص (وهما يُطلقان عليه تعبير «البيئة الثقافية»)؛ فهما يتخطيان اللغة، ويركزان على التفاعل بين الترجمة والثقافة، وعلى تأثير الثقافة في الترجمة، والقيود التي تفرضها عليها، كما يركزان على قضايا السياق والتاريخ والأعراف (ص۱۱). وهما يفحصان صورة الأدب التي أوجدتها كتب «المختارات الأدبية»، والشروح والتعليقات، وألوان الاقتباس في السينما، والترجمات، والمؤسسات التي تتولى ذلك. وهكذا فإن الانتقال من الترجمة بصفتها نصوصًا إلى الترجمة باعتبارها ثقافةً وسياسةً، تُطلق عليه «ماري سنيل-هورنبي» Mary Snell-Hornby، في دراستها المنشورة في هذا الكتاب تعبير «التحول نحو الثقافة» the cultural turn، ويعتبره ليفيفير وباسنيت اسمًا يجمع بين الدراسات المنشورة في ذلك الكتاب، وهو يضم دراسات في تغيُّر المقاييس المعيارية للترجمة standards على مَر الزمن، وما تخضع له صناعة النشر من ضغوط، من خارجها، ومن داخلها، نشدانًا لأيديولوجياتٍ معينة، وأدب نصرة المرأة feminism والترجمة، والترجمة باعتبارها «اكتساب مِلكية»، والترجمة والاستعمار، والترجمة باعتبارها إعادة كتابة rewriting بما في ذلك ترجمة حوار السينما.
ونبدأ هنا بمناقشة فكرة «إعادة الصياغة»، وهي التي ناقشها أندريه ليفيفير مناقشةً مستفيضة في كتابه الذي أشرنا إليه سابقًا، وعنوانه «الترجمة وإعادة الكتابة ومعالجة الصيت الأدبي» (۱۹۹۲م)، ويركز فيه، بصفة خاصة، على فحص العوامل المحددة التي تتحكم بانتظامٍ في استقبال النصوص الأدبية أو قبولها أو رفضها، ويعني بها بعض القضايا المحددة مثل «قضايا السلطة، والأيديولوجيا، والمؤسسات والمعالجة» (۱۹۹۲م، ص۲)، ويقول إن الأشخاص الذين يشغلون مواقع السُّلطة هم الذين «يعيدون كتابة» الأدب، ويتحكمون في استهلاكه من جانب الجمهور. وقد يكون الدافع على إعادة الكتابة دافعًا أيديولوجيًّا، سواء كان يمثِّل الاتفاق مع أيديولوجية سائدة أو التمرد عليها، على نحو ما رأينا في حالة ترجمة أعمال عربية معينة ونشرها في الخارج دون أن ترقى في اللغة العربية إلى مستوى الأدب الرفيع، وقد يكون الدافع خاصًّا بالأسس الفنية للعمل poetological (۱۹۹۲م، ص٨)، سواء كان ذلك هو الاتفاق مع الأسس الفنية السائدة أو المفضَّلة، أو التمرد عليها، ويضرب ليفيفير مثالًا من ترجمة فيتزجرالد Fitzgerald لرباعيات الخيام في القرن التاسع عشر، التي تمثِّل إعادة كتابة للرباعيات و«الارتقاء» على الأصل، وكذلك جعلها تتفق مع الأعراف الأدبية الغربية المتوقعة في عصره.
ونستطيع أن نضيف أمثلةً من ترجمة المستشرقين «لعيون» الأدب العربي «الكلاسيكي»، خصوصًا في القرن التاسع عشر؛ إذ ركز هؤلاء جهودهم في ترجمة ما يؤكد صورة الشرق، التي كان الأوروبيون يرسمونها لمصر والوطن العربي، فاختاروا المعلَّقات مثلًا وألف ليلة وليلة، وأعادوا كتابة هذه وتلك بأسلوبٍ يؤكد تلك الصورة، ويتفق، في الوقت نفسه، مع مسار الآداب الغربية في تلك الفترة، وقد كانت الدكتورة هدى شكري عيَّاد سبَّاقة في الدراسة التي أجرتها لترجمة المعلقات، وحصلت بها على درجة الدكتوراه في دراسات الترجمة، لأول مرة من جامعة عربية (هي جامعة القاهرة) عام ١٩٨٥م، فكانت بهذا دراسة رائدة؛ إذ سبقت الكتابَين السابق ذكرهما بعدة أعوام، والفضل يعود في جانبٍ منه إلى المرحوم الدكتور مجدي وهبة الذي اقترح الموضوع؛ إذ يعتبر رائدًا في هذا المجال، ويعود في جانبٍ آخر إلى الدكتورة فاطمة موسى التي أشرفت على البحث. ولنا أن نضرب مثالًا آخر من ترجمة الأشعار التي وردت في ألف ليلة وليلة، في النص الإنجليزي المنقول عن الترجمة الفرنسية؛ إذ أعيدت كتابتها بالكامل، فكان هذا هو موضوع الرسالة التي أعدَّتها الباحثة أماني أبو الفضل، وحصلت بها على درجة الماجستير، وأشرفتُ عليها، وامتحن الطالبة فيها المرحوم الدكتور عبد القادر القط. ولم يُعن الباحثون حتى الآن بتأثير ترجمات الأدب العربي القديم التي نهض بها المستشرقون في تشكيل صورة الشرق، وإن كانوا قد شغلوا بتأثير ألف ليلة، مثلًا، في الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر، دون أن يدرسوا ترجمات ألف ليلة، ولم يقرءوا النص الأصلي، فنحن هنا أمام دور ثقافي واضح وبارز للترجمة، وتأثير مهم للترجمة في مسار الفكر الأجنبي. وعندما قرأت في طفولتي كتابًا بعنوان Tales from the Arabian Nights أي حكايات من ألف ليلة وليلة، كتبه أو ترجمه بتصرفٍ المستشرق والمترجم النابه ريتشارد بيرتون، تصورت أن ألف ليلة وليلة قصص مغامرات مثيرة، بل إن تلك الصورة ظلَّت عالقة في ذهني وأنا أقرأ قول الشاعر وردزورث في سيرته الذاتية الشِّعرية (قصيدة المقدمة) إنه تأثر بألف ليلة وليلة، ولم تتغير الصورة إلا حين قرأت الأصل الذي نشره جمال الغيطاني في التسعينيات من مطبوعات هيئة قصور الثقافة المصرية.

ويقول ليفيفير (ص٩): «إن العملية الأساسية نفسها، أي إعادة الكتابة، تجري في الترجمة مثلما تجري في كتابة التاريخ، وفي إعداد المختارات الأدبية، وفي النقد، وفي التحرير»، أي أنه يضم فنونًا من الكتابة الأصلية إلى مجال الترجمة، ومعنى ذلك أنه يُدرج الترجمة في مجال النقد الأدبي العام، ولكن الترجمة هي الموضوع الأساسي لكتاب ليفيفير؛ إذ يقول في الصفحة نفسها:

«الترجمة هي أوضح نمط يمكن التعرُّف عليه بوضوحٍ لإعادة الكتابة، … وربما تكون أشد الأنماط نفوذًا وتأثيرًا، لأنها تستطيع إبراز صورة الكاتب أو أعماله، أو صورتهما معًا، فيما يتجاوز حدود ثقافته الأصلية.»

وأما العوامل التي تتحكم في «النظام الأدبي»، الذي تعمل الترجمة في إطاره، فيقول ليفيفير إنها ثلاثة، أولها هم المهنيون داخل النظام الأدبي، وثانيها هي الرعاية (أو الوصاية) patronage خارج النظام الأدبي، وثالثها هو الأسس الفنية السائدة. فأما العامل الأول (المهنيون)، فيشير إلى النقاد في الكتب وفي الصحف؛ إذ تؤثر تعليقاتهم في مدى تقبُّل العمل أو رفضه، وإلى المعلمين الذين كثيرًا ما يقررون تدريس الكتاب أو عدم تدريسه، وإلى المترجمين أنفسهم الذين قد يقررون (مثل فيتزجرالد) الأسس الفنية التي يتسم بها النص، بل ويتحكمون أحيانًا في أيديولوجيته. وسوف نعود لهذا العامل فيما بعد.

ويقول ليفيفير (ص١٥) إن العامل الثاني يعني «القوى (الأشخاص أو المؤسسات) التي قد تشجع، أو تعوق قراءة الأدب وكتابته وإعادة كتابته»، وقد يكون هؤلاء «الرعاة» أو «الأوصياء» أفرادًا من أصحاب السُّلطة أو النفوذ في فترة تاريخية معينة، أو جماعة من الجماعات (مثل دور النشر وأجهزة الإعلام، أو مثل طبقة سياسية أو حزب من الأحزاب) وقد يكون الرعاة أو الأوصياء من المؤسسات التي تتولى تنظيم توزيع الأعمال الأدبية و«الأفكار الأدبية»، مثل المجامع الأكاديمية، والمجلات العلمية، وقبل كل شيء المؤسسة التعليمية.

ويرى ليفيفير أن هذه الرعاية أو الوصاية تتضمن ثلاثة عناصر، يحددها على النحو التالي (ص١٦): العنصر الأيديولوجي، وهو الذي يحدد اختيار الموضوع وصورة تقديمه، والواضح أن معنى الأيديولوجيا عنده ليس مقصورًا على الفكر السياسي، وأظن أنه يميل إلى التعريف الذي وضعه فريدريك جيمسون Fredrick Jameson، في كتابه سجن اللغة The Prison House of Language، عام ١٩٧٤م (برينستون)؛ إذ يُورد تعريفًا لا يتسم بالوضوح الكامل، وهو أن الأيديولوجيا تُعتبَر «شبكة متداخلة الخيوط من الأشكال والأعراف والعقائد التي تنظم أفعالنا» (ص١٦)، ومن ثَم؛ فإن ليفيفير يرى أن الرعاية أو الوصاية أيديولوجية في جوهرها. وأما العنصر الثاني، فهو العنصر الاقتصادي، وهو يتعلق بدفع أجور الكُتاب، ومن يعيدون الكتابة، وكل من يعمل في هذا الحقل من المهنيين، والعنصر الثالث هو عنصر المنزلة أو المكانة status، ويقول ليفيفير إن ذلك يتخذ أشكالًا عديدة؛ فالناشر الذي يدفع أجر الكاتب أو المترجِم يتوقع منه أن يحقق ما يتوقعه الناشر، أو ما يطلبه، إعلاءً لمكانة الناشر، وإذا كان المترجِم أو الكاتب عضوًا في «جماعة»، فسوف تتوقع الجماعة منه تحقيق أهدافها وذيوع صيتها. ويقول ليفيفير إن الرعاية أو الوصاية تُسمى عامة أو جامعة undifferentiated، إذا كان مصدر هذه العناصر كلها واحدًا، وتسمى خاصة أو متفرقة differentiated إذا كانت المصادر متعددة.
وأما الأسس الفنية السائدة dominant poetics، فيقول ليفيفير إنها تضم عنصرَين:
الأول يختص بالحيل الأدبية literary devices، مثل شتى ضروب الأجناس الأدبية، والرموز، والخيوط الفكرية الرئيسية leitmotifs والمواقف النمطية والشخصيات، وما إلى ذلك. وأما الثاني، فهو المهم، ويختص بمفهوم الأدب ومهمته، ويعني به ليفيفير العلاقة بين الأدب وبين النظام الاجتماعي القائم، فالصراع بين شتى الأشكال الأدبية من الملامح التي تتسم بها نظرية تعدد النظم، وليفيفير يطور هذه الفكرة من خلال دراسة الدور الذي تضطلع به المؤسسات في تحديد الأسس الفنية، قائلًا:

إن المؤسسات تفرض، أو — على الأقل — تحاول أن تفرض الأسس الفنية السائدة في حقبة ما من خلال جعلها المعيار الذي تقيس به جودة الإنتاج في تلك الحقبة؛ ومن ثَم، فهي ترفع أعمالًا معينة إلى مرتبة الكلاسيكيات في غضون فترة قصيرة نسبيًّا بعد نشرها، وترفض أعمالًا أخرى قد يصل بعضها إلى مرتبة الكلاسيكيات في حقبة لاحقة، تكون الأسس الفنية السائدة قد تغيرت فيها.

(۱۹۹۲م، ص۱۹)

ويؤكد ليفيفير أهمية الترجمة هنا في سياق الاتجاه المحافظ للنظام الأدبي؛ فترجمة الأعمال القديمة (اليونانية)، المرة تلو المرة، تؤكد أنها تُعاد كتابتها في كل مرة، وتجعلها تؤثر تأثيرًا متجددًا في كُتاب العصر الذي تُترجم فيه، وذلك هو الحال مثلًا بالنسبة لترجمة شيكسبير إلى العربية؛ فصورة شيكسبير بالفصحى التراثية المنثورة عند مطران غير صورته بالفصحى المعاصرة المنظومة عند علي أحمد باكثير أو محمد فريد أبو حديد أو كاتب هذه السطور، وغير صورته بالعامية المصرية المنثورة عند نعمان عاشور أو مصطفى صفوان؛ إذ تُعاد كتابته في كل حقبة زمنية، وتختلف صورته، ولكن المؤسسة الأدبية «تحافظ» على مكانته، وتضمن تأثيره.

ويشير ليفيفير إلى أن «حدود الأسس الفنية تتجاوز اللغات والكيانات العِرقية والسياسية» (ص٣٠)، ويضرب مثلًا من الأسس الفنية المشتركة بين لغاتٍ وجماعاتٍ كثيرة في أفريقيا، كما يرى أن الأسس الفنية يتحكم فيها الفكر والعقيدة، على نحو ما حدث عندما أدى انتشار الإسلام إلى انتقال الأسس الفنية للغة العربية إلى لغاتٍ أخرى مثل التركية والفارسية والأوردية. ويوضح ليفيفير دور الترجمة هنا حين يلمح إلى التفاعل بينها وبين الأيديولوجيا والأسس الفنية، قائلًا:

نستطيع أن نثبت أنه إذا اصطدمت الاعتبارات اللغوية، على أي مستوًى من مستويات عملية الترجمة، مع اعتبارات خاصة بالأيدلوجيا أو الأسس الفنية، كان النصر حليف الاعتبارات الأخيرة.

(۱۹۹۲م، ص۳۹)

وكلمة الأيديولوجيا تشمل عند ليفيفير — كما قلنا — نطاقًا واسعًا من أنماط الفكر والأعراف؛ فالمترجم قد يحذف الإشارات «الخارجة» (المنافية للآداب العامة) في الترجمة إلى العربية؛ لأن العرف لن يقبلها، وهو يصف ذلك بأنه حذف «أيديولوجي»، وقد يعدِّل المترجِم من صياغة إشارة ما إلى العرب حتى لا يُغضب القارئ العربي، وهو ينسب ذلك أيضًا إلى الأيديولوجيا، ومعنى ذلك كله أن الترجمة تصبح بمثابة «إعادة كتابة»، وهي نوع شائع من أنواع «المعالجة» (التي قد تصل إلى حد «التلاعب») بالنص الأصلي.

وهكذا نرى أن اهتمام مبحث الدراسات الثقافية بالترجمة قد انتقل به من مجال التحليل اللغوي البحت إلى الروابط التي تربطه بالمباحث العلمية الأخرى، وإن كانت هذه الروابط في بعض الأحيان منحازة إلى «الرجل»، كما تقول شري سايمون Sherry Simon في كتابها عن قضايا الجنسين في الترجمة: الهُوية الثقافية وأسس سياسات النقل الصادر عام ١٩٩٦م (انظر المراجع)؛ فهي تبدأ كتابها بانتقاد اللغة المستعمَلة في دراسات الترجمة، والتي تشي بالتمييز بين الجنسَين، وتضرب الأمثلة من الاستعارات المستخدَمة في تلك اللغة مثل السيادة dominance والأمانة fidelity، والإخلاص faithfulness، والخيانة betrayal. ويقول منداي (۲۰۰۱م، ص۱۳۱) إن أصحاب النظريات الخاصة بنصرة المرأة feminism يرَون توازيًا بين مكانة الترجمة التي تُعتبَر أدنى من الكتابة الأصلية، ومعتمدة عليها، وبين مكانة المرأة التي كثيرًا ما تتعرَّض للتدني في المجتمع وفي الأدب، ويقول إن ذلك هو «جوهر النظرية النسوية للترجمة» (الصفحة نفسها)، وتؤكد شري سايمون في الصفحة الأولى من كتابها المذكور أن هذه النظرية «تسعى إلى تحديد وانتقاد مجموعة المفاهيم المتشابكة التي تلقي بالمرأة وبالترجمة إلى أدنى درجة في السُّلم الاجتماعي والأدبي»، ثم تطوِّر هذه الفكرة بتقديم مفهوم جديد، تُطلِق عليه مشروع الترجمة الملتزمة committed translation project، قائلة إن «الترجمة النسوية ترى أن الأمانة يجب ألَّا تكون موجَّهة إلى المؤلف، أو إلى القارئ، بل إلى مشروع الكتابة، وهو المشروع الذي يشارك فيه الكاتب والمترجم معًا» (ص۲۰).

وتستشهد «شري سايمون» بالملتزمات بالحركة النسوية في الترجمة، من إقليم كيبيك في كندا، اللائي يسعين إلى تأكيد هويتهن وموقفهن الأيديولوجي في الترجمة، ويقول منداي (٢٠٠١م، ص١٣٢) إن إحداهن، واسمها «باربرا جودار»، صريحة في الإشارة إلى «التلاعب» الذي يقتضيه هذا «التأكيد»، قائلة: «إن الترجمة الملتزمة بنصرة المرأة تؤكد اختلافها وأهميتها الحساسة، واستمتاعها بإعادة القراءة وإعادة الكتابة، إلى ما لا نهاية؛ ومن ثَم؛ فهي تستعرض في النص المترجَم دلائل تلاعبها بالنص الأصلي مزهوة مفتخرة.» كما تستشهد شري سايمون بمقدمة لإحدى المترجمات الملتزمات بنصرة المرأة، تشرح فيها استراتيجية الترجمة عندها بالمصطلح السياسي قائلة:

«إن ممارستي للترجمة نشاطٌ سياسي، يهدف إلى جعل اللغة تنطق باسم المرأة. وهكذا فإن توقيعي على الترجمة يعني أن هذه الترجمة قد استخدمت كل استراتيجية متاحة للترجمة حتى يظهر الطابع الأنثوي في الترجمة.»

(من كتاب سايمون، ١٩٩٦م، ص١٥)

وتستعرض شري سايمون جهود المرأة وإسهامها في حركة الترجمة على مَر العصور، وتصر على تأكيد أهمية التحوُّل إلى الثقافة في الترجمة، وتقول في خاتمة كتابها إن الترجمات التي أبدعتها الملتزمات بنصرة المرأة قد جعلت قضايا المرأة مجالًا لمشروعٍ تحويلي متعمد، يعيد تشكيل السُّلطة النصية (ص١٦٧). وتلخص إسهام الدراسات الثقافية في الترجمة قائلة:

لقد استقت الترجمة من الدراسات الثقافية ما يلزم لفهم تعقيدات قضية المرأة والثقافة؛ إذ تساعدنا هذه الدراسات على أن نضع قضية النقل من لغة إلى لغة داخل إطار الواقع الجديد الذي يتميز بتعدُّد مذاهبه «المابعدية»، من ما بعد الحداثة، إلى ما بعد البنيوية، إلى ما بعد الاستعمار.

(١٩٩٦م، ص١٣٦)
وهكذا، فإن شري سايمون تربط بين قضايا المرأة والدراسات الثقافية، وبين التطورات في دراسات «ما بعد الاستعمار»، ورغم الخلاف حول النطاق الدقيق للدراسات الأخيرة، فالمصطلح عادة ما يُستعمَل في الإشارة إلى الدراسات الخاصة بالمستعمرات السابقة، والإمبراطوريات الأوروبية، ومقاومة السلطة الاستعمارية، وبصفة عامة في تحليل اختلال ميزان القُوى بين الدول الاستعمارية والشعوب المستعمَرة. وتخصص شري سايمون آخر فصول الكتاب للروابط بين قضايا المرأة وقضايا ما بعد الاستعمار، على نحو ما يتبدَّى في كتابة الناقدة البنغالية جاياتري سبيفاك Gayatri Spivak، وتركز على القلق الذي تُبديه سبيفاك إزاء «العواقب الأيديولوجية» لترجمة أدب العالم الثالث إلى الإنجليزية، وما تتضمنه تلك الترجمة من تشويشٍ وتشويه.
وكانت سبيفاك قد ناقشت هذه القضايا في إحدى دراساتها الرئيسية، وكانت بعنوان «الأسس السياسية للترجمة»، نشرتها أول الأمر عام ١٩٩٣م، ثم أعيد نشرها في كتاب فينوتي المُشار إليه عام ٢٠٠٠م، وهي تتوسل في مناقشة هذه القضايا بمناهج مستقاة من مذاهب نصرة المرأة، وما بعد الاستعمار، وما بعد البنيوية. وتهاجم سبيفاك أنصار المرأة في الغرب الذين يتوقعون ترجمة الكتابات النسوية من خارج أوروبا إلى لغة القوة، أي إلى الإنجليزية، قائلة إن مثل هذه الترجمات عادة ما تقدَّم بما تسميه أسلوب الترجمة؛ أي translationese، وهي تعرِّفه في هذا السياق تعريفًا يختلف عن التعريف المألوف الذي سبق أن أشرنا إليه، بل تعرِّفه بأنه الأسلوب الذي يطمس هُوية الثقافات والأفراد الذين لا يتمتعون بالقوة السياسية نفسها قائلة:

قد تتضمن عملية الترجمة بالجملة إلى اللغة الإنجليزية خيانة للمثل الأعلى الديموقراطي، وإذعانًا لقانون الأقوى، ويحدث ذلك عندما يُترجَم كلُّ أدب العالم الثالث إلى ضربٍ من أسلوب الترجمة الحديث؛ بحيث نبدأ نرى تشابهًا بين الأدب الذي تكتبه امرأة من فلسطين، من حيث ملمس النثر فيه، وبين ما يكتبه رجل من تايوان.

(من كتاب فينوتي، ٢٠٠٠م، ص٣٩٩-٤٠٠)

ويبلغ انتقاد سبيفاك للحركة النسوية وصناعة الطباعة والنشر في الغرب ذروة حدَّته عندما تقول (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص٤٠٥) إن على أنصار المرأة في البلدان المهيمنة أن يُبدوا تضامنًا حقيقيًّا مع المرأة في البلدان التي تخلصت من الاستعمار، وذلك بتعلم اللغة التي تتكلم بها تلك المرأة وتكتب. وترى سبيفاك أن الطابع السياسي للترجمة حاليًّا يقدِّم مكان الصدارة للإنجليزية، وغيرها من اللغات المهيمنة للدول الاستعمارية السابقة. وسأضرب مثالًا من العربية لإيضاح ما ترمي إليه؛ فكثيرًا ما يلجأ مترجِم العربية إلى الإنجليزية إلى استيعاب النص العربي، وتحويله إلى أساليب الإنجليزية الشائعة، حتى يقرِّبه من ذائقة القارئ الأجنبي تقريبًا، يبتعد به ابتعادًا كبيرًا عن مذاق النص الأصلي، وهذا في رأي سبيفاك يتضمن قدرًا من طمس الهوية، خصوصًا إذا كانت الكاتبة امرأة، وسوف نعود إلى هذه القضية فيما بعد، أما عن الربط بين الترجمة والاستعمار، فيقول منداي (٢٠٠١م، ص١٣٤):

«إن الربط بين الاستعمار والترجمة يقترن بما يُقال من أن الترجمة قد نهضت بدورٍ نشيط في عملية الاستعمار، وفي نشر صورة ذات دوافع أيديولوجية للشعوب المستعمرة.»

وهكذا فإن دور الترجمة في نشر مثل هذه الصور الأيديولوجية قد دفع باسنيت وتريفيدي Bassnett and Trevedi في كتابٍ من تحريرهما، صدر عام ۱۹۹۹م، بعنوان «الترجمة فيما بعد الاستعمار: النظرية والتطبيق» إلى الإشارة إلى «تاريخ الترجمة المشين» (ص٥). والواضح أن «علاقات القوة» power relations هي النقطة التي تلتقي عندها دراسات الترجمة ودراسات ما بعد الاستعمار، على نحو ما يتضح في هذا الكتاب، وفي كتاب آخر وضعته تيجاسويني نيرانجانا Tejaswini Niranjana، بعنوان «تحديد موقع الترجمة: التاريخ وما بعد البنيوية والسياق الاستعماري»، في عام ١٩٩٢م، وتحلل فيه تحليلًا دقيقًا موقع الترجمة الأدبية باعتبارها لونًا أساسيًّا من ألوان «الخطاب» التي تدعم «أجهزة الهيمنة التابعة للهيكل الأيديولوجي للحكم الاستعماري» (وألوان الخطاب الأخرى هي التعليم واللاهوت وكتابة التاريخ والفلسفة). وهي تتوسَّع في ذِكر تفاصيل تأثير الاستعمار في مسار حركة الترجمة إلى اللغة الإنجليزية بصفة خاصة، ولما كانت تتخذ موقفًا يقترب من التفكيكية، فسوف نناقش عملها في فصلٍ لاحق، ونعود إلى الكتاب الأول (باسنيت وتريفيدي، ۱۹۹۹م)، فهو يتضمن مجموعة من المقالات من تحريرهما، ويتناولان فيه علاقات القوة نفسها من منظورٍ أوسع؛ إذ يقولان في المقدمة إنهما يريان تجسيد هذه العلاقات في الصراع غير المتكافئ بين شتى اللغات المحلية، وبين «اللغة السائدة في عالم ما بعد الاستعمار، وهي الإنجليزية» (ص١٣)؛ ومن ثَم، فإن الترجمة هي حلبة الصراع، والنموذج القريب إلى الأذهان للسياق الناشئ بعد زوال الاستعمار، وهما يربطان بين كلمتين قريبتين في الجرس، هما translational وtransnational أي «الترجمية» و«عبر الوطنية»، ويستعرضان في هذا الصدد عودة كلمة الترجمة الإنجليزية إلى الإيحاء بمعناها الاشتقاقي أو المادي، وهو انقطاع الصلة بالمكان، وهما يدللان على ذلك بانتشار ظواهر الغربة والعيش في المنفى، أو ما بين أوطان شتى؛ فالترجمة، في رأيهما، قد أصبحت تعني تخطي حدود المكان، والكتاب يتضمن دراساتٍ كثيرة مستقاة من تجارب الهند أو الكُتاب الهنود، وأهم ما يخرج به القارئ من هذه الدراسات (التي تتضمن تفصيلاتٍ لا تهم القارئ العربي) هو أن «التقاليد الأدبية الهندية في جوهرها تقاليد ترجمة» (كما يقول أحد المشاركين في بحوث الكتاب)، وذلك في ظني بسبب كثرة تعدُّد اللغات الهندية تعددًا مذهلًا، واضطرار الهنود في العهد الاستعماري إلى استخدام لغة المستعمِر (بكسر الميم)، وذلك — في رأيي — ذميم، وإن كانت مزيته الخفية هي إيجاد وسيلة توصيل وتواصل مشتركة بين الناطقين بشتَّى تلك اللغات، وبروز الترجمة باعتبارها الجسر الموصِّل بينها؛ ولهذا قلت إن هذه التفاصيل لا تهم القارئ العربي.
ومن الدراسات الطريفة التي يتضمنها كتاب باسنيت وتريفيدي المُشار إليه (۱۹۹۹م) دراسة بقلم الباحثة التي أشرنا إليها في المقدمة، وهي إلزا فييرا Else Vieira، عما يُسمَّى «بمدرسة التهام الآخر» the cannibalist school وهي ليست «مدرسة»، أو مذهبًا بالمعنى المفهوم، بل فكرة شاعت بين الباحثين في دراسات الترجمة في البرازيل حتى أصبحت بمثابة «العقيدة»، ومفادها أن الشعوب المستعمرة تلتهم ثقافة الدولة الاستعمارية ولغتها، ثم تُخرجها في صورٍ أنقى وأطهر، ومعنى ذلك أن الترجمة من اللغات الاستعمارية تؤدي إلى إعطائها حيوية جديدة، والترجمة إليها تزيدها قوة ونشاطًا؛ فالترجمة هنا تفيد المستعمِر السابق، والمتحرر من الاستعمار معًا، في الفترة التالية للاستقلال؛ لأن محاولة التحرر من «الاستعمار النفسي» تستمر بعد زوال الاستعمار «المادي»، وهي تتخذ صور الترجمة في الاتجاهَين، و«التهام الآخر» لإعادة إنشائه (خَلقه)، وهكذا تساهم الترجمة في حركة التغيُّر والنضال المستمرة بعد زوال الاستعمار.
وقد امتدت دراسات ما بعد الاستعمار في الترجمة إلى ترجمة الآداب الأوروبية التي تحرر أصحابها من الاستعمار، أيضًا، مثل الأدب الأيرلندي؛ فصدر كتابان في هذا الموضوع، الأول والأهم هو كتاب ترجمة أيرلندا (١٩٩٦م) بقلم مايكل كرونين Michael Cronin، والثاني عنوانه الترجمة في سياق ما بعد الاستعمار (١٩٩٩م)، من تأليف ماريا تيموشكو Tymoczko. أما الأول، فهو يركز على ظاهرة ازدواجية اللغة في أيرلندا، وعلى ضرورة ترجمة الأدب الأيرلندي بأقلام الأيرلنديين أنفسهم، لا بأقلام الإنجليز الذين يريدون تكريس الصورة التي أوجدوها، وكرَّسوها لذلك البلد في إبان استعماره، فهو يكِل إلى الترجمة مهمة ثقافية بارزة، ويؤكد الرسالة التي عليها أن تتحمَّلها في فترة ما بعد الاستعمار، والكتاب الثاني لا يضيف الكثير إلى ما يقوله كرونين، وإن كان حافلًا بالأمثلة والمقارنات.

وختامًا لهذا الفصل الذي طال فأمعن في الطول، أُورِد ترجمة كاملة لبعض ما قاله منداي (٢٠٠١م، ص١٣٨-١٣٩) عن «أيديولوجيات أصحاب النظريات» في الترجمة:

«اهتمت الدراسات الثقافية، ولا تزال تهتم، اهتمامًا بالغًا بالترجمة، وكان من عواقب هذا التوسُّع في نطاق مبحث دراسات الترجمة أن تلاقى فيه باحثون ينتمون إلى خلفياتٍ بالغة التنوع، ولكن علينا أن نتذكر أن أصحاب النظريات الثقافية أنفسهم لديهم من الأيديولوجيات وجداول الأعمال ما يوجِّه مسار النقد الذي يكتبونه. وهكذا نرى أن المترجِمات الملتزمات بنصرة المرأة، فيما يُسمى بالمشروع الكندي، يُبدين صراحةً بالغةً في التفاخر بتلاعبهن بالنصوص التي يترجمنها. كما تُبدي شري سايمون صراحةً في القول بأن كتابها عن المرأة والترجمة هو «إلقاء أوسع شبكة ممكنة حول قضايا الجنسين في الترجمة … والاستعانة بقضايا الجنسَين في تحويل دراسات الترجمة إلى إطار للدراسات الثقافية» (سيمون، ١٩٩٦م، صix)، ولقد تضمن ذلك حتمًا مهاجمة النظريات اللغوية للترجمة. ويمكن رصد نشأة مثل هذه الأهداف منذ عهد بعيد، بل حتى منذ عام ١٩٨٠م، عندما أعربت سوزان باسنيت بصراحة عن رفضها للنظريات اللغوية للترجمة في استقصائها ذي التأثير الكبير، أي كتاب دراسات الترجمة.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦