الفصل السابع
دور المترجم والنظريات الفلسفية
رأينا في الفصل السابق ألوان التداخُل بين الدراسات
الثقافية ودراسات الترجمة، والتأثير المتبادَل بينهما،
وبروز الدعوة إلى التخلص من بعض المفاهيم القديمة، التي
كانت تقول بأن المترجِم «ناقل محايد»، وأنه «وسيط»
يتميز بالشفافية، أو تقول بأن الترجمة أداة توصيلٍ
«موضوعية»، ورأينا كيف يتأثر المترجِم، وحركة الترجمة،
بالثقافة السائدة، وكيف تتدخَّل القُوى الثقافية
والاجتماعية في تحديد ما يُترجَم، وطرائق تقديمه إلى
الثقافة المستهدَفة، بل كيف تساهم الترجمة في التأثير
في تلك القُوى؛ فتغيِّر من طرائق التفكير والكتابة
والمعايير الأدبية (كما حدث في الوطن العربي)، وكيف
يضطلع المترجِمون في هذا كله بدورٍ لا يزال يُواجَه
بالتجاهل، بل وبالإنكار، بل رأينا، كيف تحوَّل البحث في
الترجمة، على امتداد العقود الأخيرة من القرن العشرين،
إلى ساحة الدراسات الثقافية العامة؛ حيث تنشط عوامل
سياسية واقتصادية لم يكن أحدٌ يُلقي إليها بالًا، بعد
أن كان مجال الترجمة الأول، إن لم نقل الأوحد، هو
اللغة. وقد ازداد الاتجاه إلى توسيع نطاق دراسات
الترجمة قوةً وحيويةً في التسعينيات، في العالم، وفي
الوطن العربي، بفضل الإدراك المتزايد لأهمية الدور
المنوط بالترجمة، وبالمترجِم الفرد، وسوف نركز في هذا
الفصل على النظريات الثقافية «الخاصة»، التي بدأت تحل
محل المفاهيم القديمة التي ذكرتها في أول هذه الفقرة،
وهي تتعلق أساسًا بدور المترجِم، ومدى فاعلية هذا
الدور؛ فالمترجِم هو العامل الذي تلتقي فيه العوامل
السالف ذكرها.
ومن أبرز الأسماء التي برزت على الساحة في
التسعينيات، اسم لورانس فينوتي
Venuti، الذي بدأ
بكتابة كتاب بعنوان إعادة التفكير في الترجمة: الخطاب
والذاتية والأيديولوجية، عام ١٩٩٢م، وأكد فيه ما ذهب
إليه سابقوه (سوزان باسنيت، وأندريه ليفيفير، وغيرهما)
من أهمية العوامل الثقافية الاجتماعية في الترجمة، ثم
أعقبه بكتابٍ عام ١٩٩٥م، عنوانه اختفاء المترجم: تاريخ
للترجمة، نادى فيه بإبراز دور المترجِم، ودعا فيه إلى
الإقرار بالطابع الإيجابي لهذا الدور، وكتب أخيرًا
كتابه الشهير فضائح الترجمة: نحو شرعة الاختلاف، عام
١٩٩٨م، الذي يفصِّل فيه القول عن «الطابع الإيجابي»
المُشار إليه، ولا بد أن القارئ قد اعتاد إشارتي إلى
كتابه الأخير، الذي صدر عام ٢٠٠٠م، ويضم دراساتٍ منوعة
في الترجمة سبق نشر معظمها، فكنت أرجع إليها، وأقتبس
منها، بدلًا من الرجوع إلى الطبعة الأولى لهذه الدراسات
(شأني في ذلك شأن غيري من الباحثين)، ونشر بعضها للمرة
الأولى بالإنجليزية في كتابه المذكور، وعنوانه نصوص
مختارة في دراسات الترجمة. وسوف أتطرق في هذا الفصل
أيضًا إلى النظريات الفلسفية للترجمة التي شاعت في نصف
القرن الأخير، وتأثير المدارس الفلسفية ومدارس النقد
الأدبي في نظرية الترجمة، وأعرض في غضون ذلك لمفهومي
الخاص، الذي سبق أن قدمته في كتبي بالإنجليزية عن
«الاختلاف في إطار الاتفاق»، وهو المفهوم الذي استعرت
له التعبير الشهير الذي وضعه فتجنشتاين عن «التشابه بين
أفراد الأسرة»، ضاربًا أمثلتي بانتظامٍ من الترجمة
العربية.
ويتميز موقف «فينوتي»، إن شئنا وصفه بكلمة واحدة،
بأنه «تكاملي»؛ فهو يرى أن الترجمة عِلم من العلوم
الإنسانية التي تتكامل فيها المناهج «المحمَّلة
بالقيم»، بمعنى أن كل منهج يمثِّل اتجاهًا فكريًّا يقوم
على نسقٍ ما من «أنساق القيم»، وأن هذه المناهج
المتكاملة لا يمكن تحريرها من «القيم» التي تدفعها في
شتَّى مساراتها؛ ولذلك يقول إن الترجمة لا تقبل منهج
العلوم الطبيعية «البريئة من القيم»
value-free، ويرفض
لذلك المنهج الوصفي «العلمي»، الذي يتحدث عنه توري، وما
يرمي إليه من وضع معايير وقوانين للترجمة «بريئة من
القيم»، قائلًا:
«ولكن منهج توري … لا بد أن يرجع أيضًا إلى
النظرية الثقافية لتقييم أهمية أو دلالة
البيانات (المعطيات
data)،
وتحليل المعايير؛ فقد تكون المعايير بالدرجة
الأولى لغوية أو أدبية، ولكنها تشتمل أيضًا على
ضروبٍ منوعة من القيم والمعتقدات، ونماذج
التمثيل الاجتماعي المحلية، وهي التي تتمتع
بقوة أيديولوجية تخدم مصالح جماعاتٍ معينة، وهي
دائمًا ما تتخذ مقرها في المؤسسات الاجتماعية
التي تتولى إنتاج الترجمات، ودائمًا ما تشغل
مكانها في جداول الأعمال الثقافية
والسياسية.»
(۱۹۹۸م، ص۲۹)
والمؤسسات التي يعنيها فينوتي لا تقتصر على الحكومات،
التي قد تفرض رقابتها على الترجمة؛ فتمنع ما ترى، وتسمح
بما ترى، بل تتضمن شتَّى القُوى العاملة في صناعة النشر
بصفة عامة، فقد يكون من بينها الناشر (أو المحرر)، الذي
يختار الأعمال التي تُترجَم، ويكلِّف المترجِم
بترجمتها، ويدفع أجورهم، وكثيرًا ما يُملي طريقة
الترجمة، وقد يكون من بينها النقاد الذين يحكمون على
العمل، بل ورجال التسويق والمبيعات. ولكلٍّ منهم دوره
ومكانه في جداول الأعمال الثقافية والسياسية في زمنٍ
محدد ومكانٍ محدد، والمترجمون أنفسهم ينتمون إلى تلك
الثقافة، ولهم أن يقبلوها أو يتمردوا عليها.
وأما «اختفاء» المترجم
invisibility، فهو
المصطلح الذي يستعمله فينوتي (١٩٩٥م، ص١) في «وصف حال
المترجِم ونشاطه في الثقافة الأنجلو أمريكية المعاصرة»،
وهو يرى أن من الأسباب المعتادة لهذا الاختفاء ميل
المترجمين أنفسهم إلى اتِّباع منهج الترجمة السلسة
fluent إلى اللغة
الإنجليزية لإخراج نصوص تتفق مع مصطلح اللغة الإنجليزية
idiomatic وممتعة
للقارئ readable، وهكذا
تأتي بما يسميه فينوتي «وهم الشفافية». ومن أسبابها
أيضًا الطرائق المعتادة لقراءة النصوص المترجَمة في
الثقافة المستهدَفة، أي شرائط تقبُّلها؛ إذ
يقول:
مهما يكن العمل المترجَم، نثرًا أو شعرًا،
قصصًا خياليًّا أو كتابة غير قصصية؛ فإن الحكم
بالقبول عليه من جانب معظم الناشرين والنقاد
والقراء يتوقف على سلاسته؛ فالشرط الأول هو أن
يبدو شفافًا لخلوه من أية ملامح غريبة في اللغة
أو الأسلوب، بحيث يبدو كأنما هو مرآة صافية
تعكس شخصية الكاتب الأجنبي، أو مقصده، أو
المعنى الأساسي للنص الأجنبي، أو بعبارة أخرى،
أن تظهر الترجمة، لا في صورة ترجمة في الواقع،
بل في صورة نص «أصلي».
(١٩٩٥م، ص۱)
ويُرجع فينوتي ذلك إلى (١٩٩٨م، ص٣١)، أو هو يقول، إن
أهم عامل وراء ذلك هو «المفهوم السائد لمعنى المؤلف»،
فالترجمة تُعتبر نشاطًا مستقًى من التأليف، وتُعتبَر
ثانوية من حيث النوعية والأهمية، وهكذا — كما يقول في
الصفحة التالية من كتابه المذكور (۱۹۹۸م) — ظلَّت
الترجمة إلى اللغة الإنجليزية منذ درايدن تحبِّذ إخفاء
دور المترجم، بل يندر — حتى عصرنا الحالي — «أن تُعتبَر
الترجمة صورة من صور الدرس الأدبي.»
ويناقش فينوتي في كتابه عن اختفاء المترجم (١٩٩٥م،
ص١٩-٢٠) معنى الاختفاء في إطار مناقشة نمطَين من أنماط
استراتيجية الترجمة، وهما «إضفاء الطابع المحلي»
domestication،
و«إضفاء الطابع الأجنبي»
foreignization،
وهما قريبان من المفهومَين اللذين سبق أن ناقشناهما،
وهما «التجنيس» و«التغريب»، وهو يُرجعهما إلى مقالة
«شلايرماخر» الذائعة بعنوان «عن الطرائق المختلفة
للترجمة»، المنشورة عام ١٨١٣م، ويرى (١٩٩٥م، ص٢١) أن
«إضفاء الطابع المحلي» هو الذي يسود تقاليد الترجمة
الأنجلو-أمريكية، وهو يشبه في التصدي لها تصدي باحثي ما
بعد الاستعمار للآثار الثقافية للاختلافات بين حال بلدٍ
ما أثناء خضوعه للاستعمار، وحاله بعد الاستقلال، فهو
ينعى هذه الظاهرة لأنها تتضمن ما يصفه بأنه اختزال
reduction للنص
الأجنبي من وجهة نظر عِرقية محضة
ethnocentric
بتطويعه للقيم الثقافية في اللغة المستهدَفة، أي
الأنجلو أمريكية، وهو ما يتطلَّب إصدار ترجمة ذات
أسلوبٍ سلسٍ شفاف «خفي» في سبيل «تخفيف» الطابع الأجنبي
للنص، قائلًا إن ذلك يشبه قول شلايرماخر إن المترجم
يُرضي القارئ بتقريب المؤلف إليه؛ فهو مذهب تقريب (في
مقابل التغريب). ويقول إن ذلك يتجلَّى أيضًا في
الاستمساك بالأعراف الأدبية المحلية من خلال الحرص على
اختيار النصوص، التي من الأرجح أن تخضع لتطبيق هذه
الاستراتيجية في الترجمة (موسوعة دراسات الترجمة،
۱۹۹۷م) (ص٢٤١).
وأما إضفاء الطابع الأجنبي أو التغريب، فيقول عنه إنه
يعني «اختيار نص أجنبي، وابتداع طريقة في الترجمة تقوم
على أسس لا تتضمنها القِيَم الثقافية السائدة في اللغة
المستهدَفة» (الموسوعة ١٩٩٧م، ص٢٤٢)، وهذا هو النهج
الذي يفضِّله شلايرماخر؛ حيث يتحدث عن اتجاه المترجم
إلى الابتعاد عن الكاتب قدر الطاقة، وتقريب القارئ من
هذا الكاتب (انظر الفصل الأول)، ويقول فينوتي (١٩٩٥م،
ص٢٠) إن نهج التغريب يمثِّل ضغطًا على القيم الثقافية
للغة المستهدَفة، بتخلِّيه عن طابعها العِرقي، وبتسجيله
للاختلافات الثقافية واللغوية للنص الأجنبي، حتى «يرسل
هذا القارئ إلى الخارج». والواضح أن فينوتي يعارض تحويل
جميع أنماط الفكر والمشاعر في الثقافات الأجنبية إلى ما
هو مألوف في الثقافة الأنجلو أمريكية، ويدعو إلى نهجٍ
في الترجمة يرسخ وعي القارئ بما لا يألفه — لغويًّا
وثقافيًّا — وهذا يتمشَّى مع الاتجاه العام لما أستطيع
أن أسميه بالنهج الأمريكي الذي يقبل التعدد والاختلاف —
لغويًّا وثقافيًّا — في مقابل النهج البريطاني المحافظ،
الذي كان على مَر الزمان يستريب بكل ما هو أجنبي أو
مختلف. فنحن نعرف أن فينوتي من أصلٍ إيطالي، وهو يفتخر
— كما قال لي في زيارته لمصر عام ۲۰۰۰م — بتحرره من ضيق
النظرة التي تتجلى في «نقاء» اللغة الإنجليزية، وهو ما
يعني اقتصارها على ما يشيع بين «أصحاب» اللغة
الإنجليزية وحدهم، أي مَن تعتبر الإنجليزية لغتهم الأم،
فهو يرى أن هذا «النقاء» وهمٌ، وأنه سِمة من سِمات
الانعزال أو التقوقع، وقد استخدم كلمة
insular في إشارته
لتلك النظرة، وهي الكلمة التي عادة ما تشير إلى النظرة
البريطانية؛ فالكلمة منحوتة من لفظ «الجزيرة»، وأسلوبه
في الترجمة وفي الكتابة يدل على صدق دعواه.
ويشير فينوتي إلى نهج التغريب في الترجمة أيضًا باسم
نهج المقاومة
resistancy (١٩٩٥م،
ص٣٠٥)، ويعني به انعدام السلاسة، فكأنما يواجه القارئ
مقاومةً من النص، يبرز فيها جهد المترجِم والطابع
الأجنبي للنص، حتى ينجو في نظره من السيادة
الأيديولوجية للثقافة المستهدَفة. وعلينا أن نتوقف هنا
قليلًا لشرح هذا المذهب بأمثلةٍ عربية حتى لا يتصور
القارئ (خصوصًا إذا كان يخطو أولى خطواته في هذا
السبيل) أنه يعني إخراج المترجِم ترجمةً ركيكة أو
حَرفية، أو تحاكي النص المصدر محاكاةً «عمياء».
وهذه قطعة وصفية من قصة للكاتب البريطاني ﻫ. أ. بيتس،
الذي سبق أن اقتطفنا منه نموذجًا للحوار، وهذه القصة
بعنوان «حفل الزفاف» The Wedding
Party من مجموعة تحمل
عنوان هذه القصة نفسها (ص۲۱) (طبعة بنجوين،
١٩٦٩م):
Mike Hillyard stood on the
terrace of the hotel leaning on a long
stone balustrade under which big beds of
scarlet salvia were fiery in the thunder
gloom of late afternoon, idly watching
the lake and the mountains
beyond.
A mountain shaped like a
sugar cone rose from straight across the
water, wreathed at the very top with a
grey halo of cloud. From the foot of it
every minute or so, storm signals darted
out like orange soundless fireworks. The
gloom was also purple, the lake water
momentarily iridescent where low light
from breaking clouds struck it. Far off,
a solitary slip of sunlight caught a
single low alpine meadow and turned it
into a flag of such luminous emerald
brilliance that it too might have been
some sort of signal to the opposite
shore. Behind the hotel the tempestuous
rain of early afternoon had turned a
mountain stream into a ferocious
white-green torrent that he could hear
crashing down its many waterfall steps
like a continuous echo of the earlier
thunder.
وسوف أبدأ بإيراد الترجمة «المعتادة»، أي التي لم
أحاول أن أتبع فيها أحدَ المنهجَين، ثم نرى ما يمكن
تغييره حتى يتفق النص العربي مع «التقريب» أو
«التغريب»:
كان «مايك هيليارد» يقف في شرفة الفندق
متكئًا على حاجزها الحجري الطويل، وكانت تمتد
تحته أحواض كبيرة من زهور «القويسة» القرمزية،
وكانت ألوانها متوهجة في الجو المكفهر الذي
جلبه الرعد ساعة الأصيل، وكان يلقي ببصره في
استرخاء إلى البحيرة والجبال من ورائها.
كان أحد تلك الجبال يشبه تمامًا قِمع السكر،
ويشرئب برأسه من شط البحيرة المقابل تمامًا،
وكانت قمة رأسه مكلَّلة بهالة رمادية من السحب.
وكانت نُذر العاصفة تنطلق من السفح كل دقيقة أو
نحو ذلك، مارقة في الجو مثل الألعاب النارية
البرتقالية اللون. كان لون الجو المكفهر يكاد
يكون أرجوانيًّا، وكانت مياه البحيرة تبرق
أحيانًا بشتَّى الألوان عندما تقع عليها
الأضواء المنبعثة من السحب المنخفضة التي تصطك
فوقها. وعلى البُعد كانت الشمس تسطع على شريطٍ
منعزلٍ من مروج جبال الألب المنخفضة؛ فتحيله
إلى ما يشبه الراية ذات اللون الزمردي الوهاج،
حتى بدت أيضًا مثل النذير المرسَل إلى الشط
المقابل. وخلف الفندق كانت الأمطار، التي
انهمرت ساعة العصر، قد أحالت أحد الجداول
الجبلية إلى سيلٍ عارمٍ أبيض أخضر، وكان «مايك
هيليارد» يسمع صوت تدفُّقه وانحداره فوق
الشلالات الصغرى في طريقه كأنه الأصداء
المتواصلة لهزيم الرعد الأول.
إن عدد الكلمات متماثلٌ في القطعتين (١٧٤)، ومع ذلك،
فالنص لا يشي بالسمات الأجنبية في الأصل الإنجليزي، فهو
يشرح بعض الألفاظ، ويحيل بعض أشكال الألفاظ إلى أشكالٍ
أخرى (على نحو ما سبق شرحه في مناهج الدراسة اللغوية
للترجمة)، بل ويوحي بالإيقاع المعتاد للغة العربية
المعاصرة.
فماذا يمكننا أن نفعل حتى نضفي عليه لمسة من لمسات
النص الأجنبي، تأكيدًا أو إبرازًا لدور المترجِم، كما
يقول فينوتي؟ انظر إلى الجملة الأولى التي تمتد أربعة
أسطر، وتحفل في النص الإنجليزي بثنائياتٍ من الأسماء
والصفات المتوالية (حاجز حجري طويل/أحواض كبيرة … إلخ)،
ونقف فيها عند fiery
التي ترجمناها «متوهجة»، بل وشرحناها بإضافة «ألوان».
هل يمكن أن نقول «كانت نارية»؟ إن منهج التقريب لم يطمس
الصورة (صورة النار) التي تتردد في الفقرتين جميعًا،
وإن جعلها تختلف عن الأصل، ثم انظر إلى التركيب
thunder-gloom أي
«اكفهرار الرعد»؛ فالرعد اسم يُستعمَل في موقع الصفة
هنا، فلقد ترجمناها شرحًا (بالجو المكفهر الذي جلبه
الرعد)، وكان يمكن أن نقول «الاكفهرار الذي يصاحب
الرعد» — على ما في هذا أيضًا من شرح — ولكننا لن نقول
أبدًا «الاكفهرار الرعدي» حتى نقترب من الطابع الأجنبي!
وانظر إلى ترجمة late
afternoon «بساعة الأصيل» — أليس
في هذا تحويلٌ إلى الثقافة العربية، وإيحاء بالجو
الشاعري الذي يرتبط بهذه الساعة — على دقة الترجمة هنا،
فساعة العصر هي early
afternoon في الجملة الإنجليزية
الأخيرة، والعرب تحدد لكل ساعة كلمة، كما يقول الثعالبي
في فقه اللغة، فهل نستطيع — وفقًا لكلام فينوتي — أن
نترجم أيَّ التعبيرَين بغير ما تُرجم به طلبًا للتغريب؟
وانظر إلى تعبير «يلقي ببصره»، أفما كان يمكن أن نقول
«يبصر» أو «يتطلع» أو «ينظر»؟ أوَليس في التعبير المركب
(جملة كاملة) إيحاء بالثقافة العربية حتى دون أن تقول
«يسرح الطرف»؟
الترجمة إذن تتضمن قدرًا من «التقريب»، ولكن عنصر
التغريب قائم، برغم جهودنا، فيما أسميته بالترجمة
«المعتادة»، أو «الطبيعية»، فزهور «القويسة» غير مألوفة
لدى القارئ «المتوسط الثقافة» لأنها لا تنمو إلا في
شمال مصر، ويسميها العامة «الناعمة»، وهي تقترن في
خبرتي الشخصية بالحدائق المنتشرة على ساحل البحر؛
فالكلمة تتضمن تغريبًا، وقد يلجأ المترجِم، الذي ينشد
التقريب، إلى حذفها أو إبدالها باسمٍ مألوف لزهرة أخرى،
وهو منهج شائع، وانظر إلى الألوان التي تزخر بها القطعة
(قرمزي، رمادي، برتقالي، أرجواني، زمردي، أبيض، أخضر)،
وذلك في جوٍّ مكفهر اربدَّت قسماته! ما دور المترجِم في
تقريبها أو تغريبها؟ وانظر إلى ترجمة
signal بالنذير
مرتين؟ وإضافة «المرسل» في المرة الثانية، هل يمكن أن
نترجمها «بالإشارة» (المحايدة)، أو مرة بالنذير ومرة
بالبشير — وفقًا لاختلاف السياق — أو وفقًا لتفسيرنا
للوحة التي يرسمها الكاتب؟ الواقع أنني لا أملك الإجابة
عن هذه الأسئلة، إلا إذا أعلنت رفضي لمذهب فينوتي،
فأجبت عنها جميعًا بالنفي!
وأنا أرى أن فينوتي، إن كان حقًّا يريد إبراز «دور»
المترجِم بإضفاء الطابع الأجنبي على الترجمة، فينبغي أن
يقتصر ذلك الطابع على الشكل الفني والمادة التي
تتناولها القصة أو القصيدة، لا على اللغة، وإذا كان قد
وجد بعض ما يمكِّنه من إضفاء طابع لغات أوروبية على
لغات أوروبية أخرى، فلن يستطيع ذلك بنجاحٍ في حالة
اللغة العربية، فقد تقبل اللغة العربية كلماتٍ أجنبية
معرَّبة أو مترجَمة، وهو ينادي بذلك في حالة اللغة
الإنجليزية، وقد تقبل تعبيراتٍ جديدة، ولكنها لن تقبل
إضفاء طابع أجنبي برمته عليها، والمقارنة بين اللغات
التي تنتمي لعائلة لغوية واحدة تؤدي إلى نتائج لا تنطبق
على لغاتٍ لا تنتمي إلى العائلة اللغوية نفسها.
ومع ذلك، فمذهب فينوتي متحقق — كما قلت — فيما أسميته
بالترجمة «المعتادة» أو «الطبيعية»؛ لأن المترجِم، مهما
يحاول التقريب، يقع في التغريب حتمًا، ولقد كتبت دراسة
كاملة باللغة الإنجليزية عن حدود ذلك في اللغة العربية،
بعنوان «إعادة النظر في فكرة تشابه أفراد الأسرة»، ولا
مجال لتلخيصها هنا (انظر كتابي: مدخل ثقافي إلى ترجمة
اللغة العربية، ۲۰۰۰م) (ص٥٣–١٠٨)، ويكفي أن أقول إن
حُجتي تلتقي في تلك الدراسة مع مذهب فينوتي في وجود
«التقريب» و«التغريب»، وتختلف معه في درجة «العمد» أو
«التعمُّد» عند المترجِم لإضفاء الطابع المحلي أو
الأجنبي، وسأضرب لذلك مثلًا من قصيدة لوردزورث من نوع
السونيت — ترجمتها نَظمًا في كتابي «مختارات من الشعر
الرومانسي»، القاهرة، ٢٠٠٢م — وها هي بالإنجليزية
أولًا:
A flock of sheep that
leisurely pass by,
One after one; the sound of
rain, and bees
Murmuring; the fall of
rivers, winds and
seas,
Smooth fields, white sheets
of water, and pure
sky;
I have thought of all by
turns, and yet do
lie
Sleepless! and soon the
small birds’
melodies
Must hear, first uttered
from my orchard
trees;
And the first cuckoo’s
melancholy cry.
Even thus last night, and
two nights more, I
lay,
And could not win thee,
sleep! by any
stealth:
So do not let me wear
tonight away:
Without thee what is all the
morning wealth?
Come, blessed barrier
between day and
day,
Dear mother of fresh
thoughts and joyous
health!
ولقد أقمت فاصلة في الطباعة بين الصدر
الذي يتكوَّن من ثمانية أبيات، والعَجُز الذي يتكوَّن
من ستة (على نحو ما سبق أن بيَّنت في شرحي لسونيتة
صمويل دانيال)، حتى أبيِّن نوع «الالتفات» في حديث
الشاعر؛ فهو يتحوَّل من الحديث عما يرى وهو يحاول
النوم، إلى مخاطبة النوم في عَجُز السونيتة، ويتجلَّى
التحوُّل في أسلوب الترجمة أيضًا. فإذا طبَّقنا مذهب
فينوتي، قلنا إنني اخترت هذه القصيدة للترجمة لأسبابٍ
قد تتضمن ما يتفق والثقافة والأعراف العربية، أو ما لا
يتناقض معها، واخترتُ في النظم بحر المتقارب لأنه قادر
على الإيحاء بفكرة الرتابة التي يطلبها الشاعر
استقدامًا للنوم، واسمع قول شوقي:
سنون تعاد ودهر يعيد
لعمرك ما في الليالي
جديد
وتأمَّل تأثير حروف العلة الممطوطة
المتكررة التي توحي بالتكرار وجو الرتابة، وفي هذا
«تقريب»، ولكن الموضوع قد يكون غير مألوف في العربية،
وفي ذلك لمسة «تغريب»، كما أن تصوير البستان وطائر
«الوقوق» أو «الوقواق» الأوروبي (الذي يزور مصر في
سبتمبر في طريقه لقضاء الشتاء في السودان) يوحي بالجو
الأجنبي، وفي ذلك أيضًا لمسة «تغريب»، ومعنى ذلك أننا
نحكم على المذهبَين بمعايير تتضمن قدرًا كبيرًا من
الذاتية، وهي غير مؤكدة لأنها تفتقر إلى الأسس العلمية
بالمعنى الحديث، ومعنى ذلك أيضًا أن بعض عناصر التقريب
والتغريب قائمة في النص الأصلي، بمعنى أن حرية المترجِم
في اختيار أحد المذهبَين محكومة بنص الشاعر، مما يضع
قيودًا على درجة «التعمُّد» التي يتحدث عنها فينوتي،
وهذه هي الترجمة:
قطيعٌ من الغنم السائمات تقاطر يمشي
الهُوينا،
وأصوات أمطارنا الهاطلاتِ ونحلٌ يطن
طنينا،
وشلال نهرٍ يخُبُّ، وريح تهب، وأمواج بحر
عريض،
صحائف ناصعةٌ من مياهٍ، وصفو السماء وروضٌ
أريض،
لقد طاف ذاك جميعًا ببالي، وما زلت أرقد نهب
الأرق؛
وسرعان ما أسمع النغمات بأشجار بستاننا
المؤتلق.
وأول ألحان صُغرى الطيور تغني هناك بوجه
الشفق،
وأول لحن حزين يردده وَقوقٌ مُستبق!
رقدتُ كذلك بالأمس، بل ليلتين معًا في
قلق،
أحاول يا نوم أن أظفر الآن بك! وأن أتسلل
لك،
فلا تتركني أبدد ليلي سعيًا بلا طائلٍ
أطلبك؛
بدونك نفقد كل ثراء الصباح،
فأنت الستار المبارك ما بين يوم ويوم،
وإنك يا أيها النوم أمٌّ رءوم،
لجدة أفكارنا في الرواحِ،
وصحة أبداننا والمراح!
وإنصافًا لذلك الباحث والمترجِم
العظيم، أقول إن فينوتي على وعي كامل بكل ما ذهبت إليه،
ولكن حماسه للمذهب الذي يدعو إليه، يجعله أحيانًا يبدو
مغاليًا في دعوته؛ فهو لا يقابل بين منهج التقريب
والتغريب مقابلة الضد للضد، بل مقابلة الطرفَين اللذين
يحددان درجات متعددة من هذا وذلك، وحزنه على تجاهل دور
المترجِم يدفعه دفعًا إلى الدفاع عنه، وإبراز صورته في
النص المترجَم، وكلامه يصدق صدقًا كاملًا على ترجمة
آداب الماضي، التي تختلف، معنًى ومبنًى، عن آداب
الحاضر، مثلما يفعل هو في ترجماته عن الإيطالية في عصور
سلفت، فيحاول نقل الاختلاف بالتأكيد على الطابع
الأجنبي، وهو ما يفعله المستشرقون «عادة» في ترجمة
الأدب العربي، بل إننا نستطيع أن نقول إن ترجمة
المستشرقين يغلب عليها في معظمها طابع «التغريب»،
والدافع عليها دائمًا إبراز «الاختلاف» — وهذا يسيرٌ
بالإنجليزية — وإليك مثالًا موجزًا له من ترجمة قطعة من
رواية زينب للدكتور محمد حسين هيكل، وسوف أُورد
ترجمتَين تصوِّران منهجَي فينوتي، وكلاهما بإنجليزية
مقبولة:
وما كادت تهتك يد الصبح ستار الليل حتى نبا
به مضجعه، وصاحَبه القلق؛ فانحدر إلى الجامع،
وما عهده به في تلك الساعة، التي عرفها ساعة
هجوع وهمود. وانساب وسط ظلمات يتسلل فيها
النور، كما يتسلل الأمل إلى قلب اليائس،
والسماء لم تميز بعد، قد بهت عليها حجاب الليل
الهزيم.
(ص۹۸)
أما الترجمة الأولى، فتتضمن إضفاء الطابع الإنجليزي
المحلي على النص، بحذف ما لا يتفق من الاستعارات مع
ثقافة القارئ الأجنبي، وتعديل الصياغة اللغوية لتتفق مع
مصطلح اللغة المألوف، وما يتطلبه ذلك كله من الضغط في
التعبير ودقته:
(1) At daybreak he
jumped out of bed and, feeling anxious,
went to the mosque, though little
accustomed to it at this hour. It was for
him always an hour of sleep and
lifelessness. He stole in the dark,
though early streaks of light had
stealthily found their way to the place,
almost as hope steals into the heart of
the desperate. The sky was not clearly
distinguishable as yet, though the pale
night shadows kept
receding.
وهذه هي الترجمة «التغريبية»:
(2) As soon as the
hand of the morning tore up the curtains
of the night, his bed threw him out. With
anxiety for companion, he went down to
the mosque, though little accustomed to
it at this hour, known to him only as an
hour of sleep and lifelessness. He flowed
amidst tenebrous glooms wherein light
stole like hope stealing into the hearts
of the hopeless, while the sky was hardly
distinguishable as yet, with the veil of
the receding night grown pale over
it.
وللقارئ أن يقارن القطعتَين ليرى أثر الإبقاء على
«الصور العربية» المحذوفة، وهي التي تشي بوضوحٍ بثقافة
العربية التراثية؛ أي بالثقافة المصدر، فأما إبقاء
الترجمة الأولى على صورة «تسلل الأمل إلى قلب اليائس»،
فسببه أنها لا يمكن حذفها؛ لأنها تشير من طرفٍ خفي إلى
تسلل الأمل إلى قلب بطل الرواية؛ فهي صورة لها وظيفتها
في النص، على عكس صورة هتك أستار الليل أو حجاب الليل،
والطريف أن الترجمة الأولى حوَّلت الحجاب إلى «الظلال»
أو «الأشباح»، وهو من صميم مصطلح اللغة
الإنجليزية.
وهاك مثالًا آخر من طه حسين، ألَا وهو إهداء روايته
المعذبون في الأرض:
إلى الذين يحرقهم الشوق إلى العدل، وإلى
الذين يؤرقهم الخوف من العدل، إلى أولئك وهؤلاء
جميعًا أسوق هذا الحديث.
إلى الذين يجدون ما لا ينفقون، وإلى الذين لا
يجدون ما ينفقون، يُساق هذا الحديث.
لا أجد لتصوير الحياة في مصر في الأعوام
الأخيرة من العهد الماضي أدق من هذَين
الإهداءَين اللذين يقرؤهما كلُّ مَن يتناول
الكتاب، فقد كان المصريون في تلك الأعوام
القريبة البعيدة فريقَين، أحدهما يصور الكثرة
الكثيرة البائسة التي تتحرق شوقًا إلى العدل
مصبحة ممسية، وفيما بين ذلك من آناء الليل
وأطراف النهار، والآخر يصور القلة القليلة التي
تشفق من العدل حين تستقبل ضوء النهار، وتفزع من
العدل حين تجنها ظلمة الليل.
وقد يقول قائل إن هذا أسلوب خاص تميز به طه حسين؛ فهو
أسلوب اللغة العربية الشفاهية القديم، الذي يتميز ببطء
الإيقاع والتكرار، وقد يكون هذا صحيحًا، ولكن المترجِم
(إلى اللغة الإنجليزية مثلًا) مرغم على التصدي له —
شأنه في ذلك شأن سائر أساليب الكتاب — فأما منهج
التقريب، فيؤدي بنا إلى الترجمة التالية:
(1) To those who are
yearning for justice, and to those who
are terrified of it, I present this
book.
To those who have more than
they can spend, and to those who have
nothing to spend, I present this
book.
Nothing can describe life in
Egypt in the last few years of the old
era better than these two dedications.
Egyptians could be seen in those years,
so near and yet so distant, as falling
into two categories. The first consisted
of a poor majority that yearned for
justice day and night; the second of a
minority who felt apprehensive of justice
by day, and trembled in terror of it by
night.
وسوف أُورد الآن الترجمة التغريبية التي تحافظ على
سِمات أسلوب طه حسين، وإن لم تخرج عن الصحة المعيارية
للغة الإنجليزية؛ أي أنها تمثِّل نصًّا يتضمن
«المقاومة» لتوقعات القارئ:
(2) To
those who have a burning longing for
justice, and to those who are sleepless
for fear of justice, I address these
words.
To those
who have more than they can spend, and to
those who do not have enough to spend,
these words are
addressed.
I cannot
find a more accurate statement to
illustrate life in Egypt in the last
years of the past era than these two
dedications, which will be read by every
one who picks up this book. The Egyptians
in those years, so near and yet so
distant, could be divided into two
groups. The first was the poor majority
that yearned for justice, morning and
evening, as well as all the times in
between. The second represented the small
minority who were afraid of justice when
they received the light of day, and
terrified by it when they were hidden by
the darkness of
night.
إنه نص يعارض مبادئ «الثقافة» الخاصة باللغة
الإنجليزية — على عكس النص الأول — ولكنه، في رأي
فينوتي، يوسِّع من آفاق التعبير بها، ويُرغم القارئ على
قبول أنماط مختلفة للتعبير، ومع ذلك، فأنا أرى أن النص
الأول — رغم الاختصار والتحوير — يحرز نجاحًا أكبر في
هذا الصدد؛ لأنه ينجح في توصيل المبادئ النصية في
الفقرة العربية إلى القارئ الأجنبي، ونجاح التوصيل
يقتضي اجتذاب القارئ بما هو مألوف حتى يقدم من خلاله ما
هو غير مألوف، وبناء الفكر أهم مبدأ من المبادئ النصية
كما ذكرنا، والدليل على الحفاظ عليه دقة الحفاظ على
النطاق register، الذي
يتكوَّن من تقابُل ألفاظٍ معينة وتراكيب نحوية معينة،
وذلك كله مرتبط بأسلوب طه حسين؛ ولذلك لا أجد تبريرًا
لإخراج تلك الترجمة التغريبية المسهبة
verbose، التي
تقاوم القارئ بأكثر مما يحتمل.
وختامًا، سوف أقدِّم ما يقوله منداي (٢٠٠١م، ص١٤٨) عن
منهج فينوتي:
«على الرغم من دعوة فينوتي إلى الترجمة
التغريبية، فإنه يُظهِر وعيه ببعض متناقضاتها
(١٩٩٥م، ٢٩)، ألَا وهي أنها مصطلح ذاتي ونسبي،
وأنه يتضمن بعض «التقريب»؛ لأن المترجِم يترجم
النص المصدر لتقديمه إلى ثقافة مستهدَفة،
ويعتمد على القيم السائدة في الثقافة
المستهدَفة في إبراز مواطن ابتعاده عنها. ومع
ذلك فإن فينوتي يدافع عن الترجمات التغريبية،
قائلًا إنها تتميز بالانحياز مثل الترجمات
التقريبية في تفسيرها للنص الأجنبي، ولكنها
تميل إلى إظهار تحيُّزها بدلًا من إخفائه
(١٩٩٥م، ٣٤). ومن المهم أن نضيف كذلك هنا أن
فينوتي يعتبر أن هذَين المنهجين للترجمة — كما
يقول في مقدمة الترجمة الإيطالية لكتابه اختفاء
المترجم (۱۹۹۹م) — «مفهومان استكشافيان …
يهدفان إلى تشجيع التفكير والبحث» بدلًا من
اعتبارهما ضدَّين متقابلين. ويضيف أنهما
يتميزان «بالقدرة على التغيُّر من حال إلى حال،
بمعنى أن تعريفهما يتوقف دائمًا على الحالة
الثقافية المحددة التي تجري فيها الترجمة،
وتمارس تأثيرها». ومعنى هذا — طبقًا لمَا يقوله
فينوتي — أن المصطلح قد يتغير معناه من زمن إلى
زمن، ومن مكان إلى مكان.»
والواقع أن قضية التغريب في الترجمة لم تقتصر على
فينوتي، بل لقد شهدت الساحة دارسًا فذًّا طبَّق هذه
النظرية تطبيقًا علميًّا محكمًا على فن الرواية، وكان
كتابه، الذي صدر بالفرنسية عام ١٩٨٤م، وتُرجم إلى
الإنجليزية عام ١٩٩٢م، بعنوان «تجربة النص الأجنبي:
الثقافة والترجمة في ألمانيا أيام الرومانسية» كتابًا
رائدًا، واسمه أنطوان بيرمان Antoine
Berman، وهو يشارك فينوتي في
الهجوم على التقريب الذي يسميه التجنيس
naturalization،
القريب من مفهوم إضفاء الطابع المحلي
domestication لدى
فينوتي، وأما كلمة التجربة، التي ترجمت بها العنوان،
فقد فضَّلتها على «خبرة» (والكلمة الأصلية
experiencing
بالإنجليزية مُترجَمة عن الفرنسية
l’épreuve)
لاشتمالها على معنى المعاناة، وهي لذلك تتضمن لمسة من
معنى «التجربة» أو «الابتلاء» (حتى في بعض السياقات
الدينية)؛ إذ يقول إن الترجمة فيها «ابتلاء» (تجربة)
للثقافة المستهدَفة، بسبب مواجهتها لغرابة النص الأجنبي
أو الكلمة الأجنبية، و«ابتلاء» (تجربة) للنص الأجنبي
لأنه «يُنتزع» أو يُقتلع من سياق لغته الأصلية. ويهاجم
«بيرمان» الاتجاه العام إلى «التجنيس» في ترجمة الرواية
بصفة خاصة؛ لأن ذلك ينزع عنها طابعها الأجنبي، ويركز
على ظاهرة معينة، وهي توحيد أسلوبها بفرض منطق الثقافة
المستهدَفة عليها، ويشير مرارًا وتكرارًا إلى أن
الرواية بناء خاص يتميز «بالمنطق المتعدد»
polylogic، الذي
يتحرر من أي شكلٍ يمكن فرضه عليه — ثقافيًّا أو لغويًّا
— حتى إنه يصفه بأنه «لا شكل له»
shapeless، وذلك في
المقال الذي كتبه عام ١٩٨٥م، وترجمه عنه فينوتي، ونشره
في الكتاب الذي اعتمدنا عليه اعتمادًا كبيرًا (۲۰۰۰م)،
وعنوانه — أي المقال — هو «الترجمة بصفتها تجارب للنصوص
الأجنبية»، وإن كان فينوتي يترجم العنوان إلى «الترجمة
ومِحن النصوص الأجنبية» لتأكيد ما ذكرناه من موازاة
التجربة بالابتلاء! ويريد بيرمان «بالمنطق المتعدد»
الذي «لا شكل له» أن يشير إلى التنوع اللغوي والتنوع
الإبداعي في الرواية، وكيف تؤدي الترجمة إلى اختزال ذلك
— وهو محتوم — في غضون السعي إلى اتفاق الأسلوب
«الجديد» مع أساليب اللغة المستهدَفة.
وقد عاد روجر ألان Roger
Allen إلى هذه القضية نفسها في
دراسته المنشورة في موسوعة الترجمة الأدبية إلى
الإنجليزية عام ۲۰۰۰م (من تحرير أوليف كلاس
Olive Classe)؛ إذ
إنه ينعى على المترجمين اختزالهم للتنوع الأسلوبي عند
نجيب محفوظ، وقد ترجمتُ هذه الدراسة، ونشرتها في الكتاب
الذي أعددته مع ماهر شفيق فريد بعنوان نجيب محفوظ في
عيون العالم (۲۰۰۲م)، وسبقت الإشارة إليه، وسوف ألخص
(نقلًا عن فينوتي، ٢٠٠٠م، ص ٢٨٨) أهم الاتجاهات التي
يرى بيرمان أنها تتسبب في «تشويه» ترجمة العمل الأصلي،
وهي:
-
(١)
الترشيد
Rationalization:
ويعني به تنظيم هياكل البناء اللغوي وتركيب
العبارات وعلامات الترقين
Punctuation،
إلى جانب الميل إلى التعميم، و
-
(٢)
التوضيح
Clarification:
ويتضمن ما سبق أن أسميناه بالإيضاح
التصريحي
Explicitation،
و
-
(٣)
التوسُّع
Expansion:
ويعني به ميل الترجمة إلى أن تكون أطول
عمومًا من الأصل، بسبب الميل إلى الإيضاح
التصريحي، وهو ما قد يضيِّع الإيقاع
المضغوط في النص الأصلي، و
-
(٤)
الارتقاء
Ennoblement:
وهو ميل بعض المترجمين إلى الارتفاع بمستوى
الأسلوب الأصلي بالتأنُّق في العبارة، وهو
ما كان شكري عيَّاد ينكره في ترجمة الأدب،
ويصر على ضرورة تفاديه، ويواجهه من ناحية
أخرى محاولة الاقتراب من القارئ بكثرة
استعمال الأساليب العامية أو الدارجة،
و
-
(٥)
الفقر النوعي
Qualitative
impoverishment:
ويقصد به بيرمان إبدال كلمات ذات قوة
أيقونية في الأصل بكلماتٍ تفتقر إلى تلك
القوة، ومعنى القوة الأيقونية هو مشاركة
صوت الكلمة في النص الأصلي في تأكيد معناها
(ضجر ضجرًا شديدًا = he was
too bored)، و
-
(٦)
الفقر الكمي
Quantitative
impoverishment:
ويقصد به تقليل التنوع اللفظي في الترجمة،
كترجمة الكلمات التي تعني الخمر بالعربية
بكلمة wine
الإنجليزية فحسب في ترجمات المستشرقين
(سلوا كئوس الطلا/هل لامست فاها/واستخبروا
الراح هل مست ثناياها/باتت على الروض
تسقيني بصافية/لا للسلاف ولا للورد رياها)،
و
-
(٧)
تدمير الإيقاع
The destruction of
rhythms:
وهذا مهم في النثر أيضًا، وإن كانت أهميته
في الشِّعر أكبر، و
-
(٨)
تدمير شبكات
الدلالة الباطنة، ويقصد بها
العلاقات غير المباشرة بين الكلمات أو
التعابير ذات الإيحاءات الخاصة؛ ولذا
أبقينا على صورة «تسلل الأمل إلى قلب
اليائس» في الفقرة المأخوذة من رواية زينب
لهيكل، و
-
(٩)
تدمير الأنساق
اللغوية The
destruction of linguistic
patterning:
وهو ما حدث في ترجمة طه حسين؛ إذ ضاع النسق
الشفاهي الذي يأتي به التكرار، ويوحي
بالتؤدة واطمئنان الفكرة، و
-
(١٠)
تدمير شبكات
الدلالة العامية أو تغريبها
The destruction of
vernacular networks or their
exoticization:
مثل معاملة أسلوب الفصحى المترجَم عن
العامية عند نجيب محفوظ معاملة الفصحى
المعاصرة أو التراثية، أو تغريبها بإيجاد
بدائل عامية إنجليزية، وهي مشكلة دائمة،
و
-
(١١)
تدمير التعابير
الثابتة والاصطلاحية
The destruction of
expressions and
idioms،
يرى بيرمان أن إبدال تعبير اصطلاحي، أو
مَثل شائع بما يعادله في لغة الترجمة
يمثِّل «وجهة نظر عِرقية»
ethnocentric،
قائلًا إن اللعب «بالتعادل» هنا معناه
مهاجمة «الخطاب» الخاص بالعمل الأجنبي؛
فالعربي الذي يترجم تعبيرًا يتضمن كلمة
Bedlam
(التي تفيد مستشفى الأمراض النفسية) إلى
«العباسية» أو «العصفورية» يخطئ في نظر
بيرمان؛ لأنه يحيل القارئ إلى شبكة دلالات
الثقافة المحلية المختلفة عن الأصل،
و
-
(١٢)
طمس التداخل
اللغوي The effacement
of the superimposition of
languages،
ويعني به بيرمان أن العمل الروائي قد يتضمن
تداخلًا بين مستويات متعددة من اللغة
الواحدة، أو من لغات «دخيلة»، فالتعابير
الأجنبية في العربية عادة ما تتحوَّل في
الترجمة إلى نظائرها الفصحى (عفارم
عليك/برافو عليك = أحسنت)، وفي هذا طمس
لدلالة هذه التعابير الدخيلة في مواقف
بعينها من العمل الروائي.
أما الحل الذي يقترحه بيرمان، فهو الأسلوب الذي
يتفادى النقائص جميعًا، ويسمِّيه الترجمة الحَرفية
literal
translation، ويشرحه قائلًا إنه
يعني الالتصاق بنص العمل؛ فالجهد المبذول في النص في
الترجمة «يُعيد إنشاء عملية الدلالة للأعمال الأدبية
(وهي التي تتجاوز المعنى)، كما أنه، من ناحية أخرى،
يُحدث تحولًا في لغة الترجمة» (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص٢٩٧)،
ويعلِّق منداي (۲۰۰۱م، ص١٥١) على مذهب بيرمان المذكور
قائلًا:
«يختلف مصطلح الترجمة الحَرفية عند بيرمان
اختلافًا واضحًا عن الاستعمال التقليدي للمصطلح
في أنه محدد ونوعي؛ فاستعمال بيرمان للحَرفية
والنصية، وإشارته إلى العملية الدلالية
signifying
process يدلَّان على
منظورٍ يشبه منظور سوسير للغة، وإلى عملية
تحويلٍ إيجابية للغة المستهدَفة.»
ويضيف منداي (في الصفحة نفسها) أن أهمية جهود بيرمان
ترجع إلى إقامة رابطة بين «الأفكار الفلسفية
واستراتيجيات الترجمة»، مع ضرب أمثلة كثيرة من الترجمات
المتوافرة، وسوف ألتقط الخيط من هذا التعليق، وإن كان
لا يقصد بالأفكار الفلسفية إلا النظرات الشاملة العامة
للأعمال الأدبية وأخلاقيات الحفاظ على الطابع الأصلي
الصادق — دون «تشويه» — لأتناول بعض الأفكار الفلسفية
الحقة التي تكاد تشكِّل نظرياتٍ مستقلة عن الترجمة،
وأهمها نظرية «الحركة التفسيرية»
hermeneutic
motion، التي أتى بها جورج شتاينر
George Steiner،
وما إلى ذلك من آراءٍ وضعها عزرا باوند
Ezra Pound عن
تجديد طاقة اللغة أو إمداد اللغة بالطاقة
energizing of
language، وفالتر بنيامين
Walter Benjamin عن
اللغة «النقية» pure،
وعلاقة المذهب التفكيكي عند دريدا بالترجمة.
ولقد سبق أن ذكرنا أن الاتجاه التفسيري يَدين بنشأته
إلى الرومانسيين الألمان، وعلى رأسهم شلايرماخر، وكذلك
إلى هايديجر ابن القرن العشرين، وقد وضع بالمر
Palmer كتابًا
يتابع فيه نظريات التفسير من شلايرماخر إلى جادامر
(١٩٦٩م)، (انظر المراجع وكتابنا المصطلحات الأدبية
الحديثة)، ولكن الذي يهمنا هو علاقة ذلك — فلسفيًّا —
بالترجمة. ويُعتبَر كتاب «بعد بابل» الذي وضعه شتاينر،
منذ أكثر من ربع قرن، وسبقت الإشارة إليه، من أهم
الإسهامات في هذه القضية، ونحن نعتمد هنا على الطبعة
الثالثة (١٩٩٨م)، ونشير إليها بانتظام، وفيها يحدد
شتاينر المدخل التفسيري hermeneutic
approach، أو يعرِّفه بأنه «فحص
معنى «فهم» قطعة من الكلام المنطوق أو المكتوب، ومحاولة
تشخيص diagnose هذه
العملية من حيث كونها نموذجًا عامًّا للمعنى» (ص٢٤٩)،
ومعنى هذا الكلام الغامض، مثل كل أو معظم ما كتبه
شتاينر، هو أنه يحاول وضع «نظرية» (وهو يكتبها دائمًا
بين علامات تنصيص) تشرح إدراك المعنى عند الترجمة، وهو
يضع لذلك ما يسمِّيه النموذج «الكلي»، أو الشامل،
قائلًا:
إن أي «نظرية» للترجمة، أو أي «نظرية» لنقل
الدلالة، لا بد أن تعني أحدَ أمرَين: فإما أن
تكون وسيلة تسلَّحت فتدعَّمت بالقصد العمد
والتوجُّه التفسيري لوضع طريقة عمل لجميع أشكال
تبادُل المعنى؛ أي الهيكل الكلي للتواصُل
الدلالي (بما في ذلك ما يصِفه ياكوبسون بأنه
الترجمة القائمة على التبادُل السيميوطيقي
intersemiotic،
أو «التبديل»
transmutation)،
وإما أن تكون قسمًا فرعيًّا من مثل ذلك النموذج
يشير إشارة خاصة إلى التبادُلات فيما بين
اللغات، أي إلى إرسال واستقبال رسائل ذات دلالة
فيما بين اللغات. والخيار الأول أنفع وأجدى
لأنه يدعم الحُجة القائلة — وهي حقيقة — بأن
جميع طرائق الإفصاح بالتعبير، والتلقي
بالتفسير، تنتمي إلى الترجمة، سواء كانت داخل
اللغة ذاتها، أو فيما بين لغتَين.
(۱۹۹۸م، ص٢٩٣-٢٩٤)
ويختلف شتاينر عن جميع مَن زعموا أن الترجمة علم من
العلوم، مؤكدًا أنها فنٌّ يتميز بالدقة
an exact art، وأن
درجات الدقة فيها «مكثَّفة، ولكنها غير منتظمة» (ص۳۱۱)،
وهو يستند إلى هذا المفهوم في بناء نظراته فيما يُسميه
هرمانيوطيقا الترجمة؛ أي الدور المنوط بالتفسير في
الترجمة، ويُجمل هذه النظرات فيما يسميه بالحركة
التفسيرية، التي سبقت الإشارة إليها، والتي تشكِّل جوهر
وصف شتاينر لما يُسميه الهيكل الكلي لنقل الدلالة،
وتتكوَّن هذه الحركة من أربعة أقسام. أولها هو الثقة
البادئة initiative
trust، وثانيها هو العدوان أو
الاختراق aggression or
penetration، وثالثها هو الإدراج
أو التجسيد incorporation or
embodiment، ورابعها هو التعويض أو
الإعاضة compensation or
restitution. وسوف نعرض الآن لكلٍّ
منها.
أما الثقة البادئة (۳۱۲–۳۱۳)، فيقول شتاينر إنها
الخطوة الأولى؛ لأنها تمثِّل للمترجم «استثمارًا» فيما
يعتقد بصحته؛ أي أنها اعتقادٌ وثقة بوجود ما يمكن فهمه
في النص المصدر، ويقول إن ذلك تركيزٌ للأسلوب الإنساني
في الرؤية الرمزية للعالم — بمعنى أن المترجم يرى أن
النص المصدر يرمز لشيء ما في العالم — وهو «شيء» مفهوم
متسق يمكن ترجمته، ولكن ذلك يتضمن مخاطرتَين، الأولى هي
أن ذلك «الشيء» قد يتحوَّل إلى «كل شيء» مثلما حدث
لمترجمي الكتاب المقدس في العصور الوسطى، بل ولشُراحه؛
إذ هيمنت عليهم الرسالة المقدسة الشاملة. والثانية هي
أن ذلك «الشيء» قد يتحوَّل إلى «لا شيء»؛ لأن المعنى
والشكل متداخلان تداخلًا يجعل من المُحال الفصل بينهما
عند الترجمة.
وأما العدوان (۳۱۳–٣١٤)، فهو حركة «هجوم … واستخلاص …
وغزو»، ويعتمد شتاينر على هايدجر في إقامة أساس هذه
الرؤية الخاصة للفهم، بصفتها تتسم بالعنف وامتلاك شيء
جديد، قائلًا «إن المترجم يغزو ويستخرج، ويعود بما ظفر
به إلى منزله، والتشبيه هنا بمنجمٍ مفتوحٍ على سطح
الأرض، تُرك فأصبح مثل ندبة على ظهرها» (ص٣١٤)، ويقول
شتاينر إن بعض النصوص والأجناس الأدبية قد سطا عليها
المترجمون حتى أفنوها
exhausted، وإن
البعض الآخر بلغ من جمال ترجمته أن القراء لا يقرءونه
إلا مُترجَمًا، وهو يستخدم تعبير «الاختراق» أحيانًا في
وصف هذه «الحركة».
وأما الإدراج (٣١٤–٣١٦)، فهو الحركة الثالثة عند
شتاينر، ويعني به «إدراج» المعنى الذي استخلصه المترجِم
من النص المصدر في اللغة المستهدَفة، وهي العامرة
بكلماتها ومعانيها الخاصة بها، والإدراج معناه أن
تتمكَّن اللغة المستهدَفة من استيعاب المعنى المنقول
إليها، وأن تتمثَّله. وهناك أنواعٌ مختلفة من الاستيعاب
تتراوح بين قطبَين، الأول هو إضفاء الطابع المحلي
الكامل على المعنى الجديد؛ بحيث يصبح معنًى معتمدًا، بل
وأصيلًا، في اللغة المستهدَفة، والثاني هو أن يُكتب
عليه أن يعيش دائمًا في غربة وهامشية. ومن الأمور
المهمة التي يشير إليها شتاينر (ص٣١٥) هو أن يؤدي
استيراد معنى النص الأجنبي إلى «خلع» أو «إصلاح» بعض
مفاصل اللغة المحلية! وهو يضيف استعاراتٍ جديدة لشرح
هذه الاستعارة، قائلًا إن اللغة المستهدَفة قد
«تتغذَّى» على هذا الجديد فتنتفع به، وقد يكون بمثابة
مرضٍ معدٍ أصابها، فيقاومه جسدها، ويلفظه آخر الأمر.
ولمَّا كانت هذه الاستعارات جميعًا مصدرها الجسد، فإن
شتاينر يصف هذه الحركة ﺑ «التجسيد»، وهو مصطلح لا ينجح
في نقل جميع المعاني التي يقصدها، وربما كان الأقرب أن
نترجمه بدخول الجسد، وهو لا يرقى إلى مستوى المصطلح
الميسَّر، ويضرب شتاينر على ذلك أمثلة أدبية كثيرة،
تذكِّرنا بما ذهب إليه أصحاب مذهب تعدُّد النظم من
تصارُع بين الأدب المترجَم والآداب المحلية، ويُطلق
شتاينر على هذا الصراع تعبير «جدلية التجسيد» (ص٣١٥)،
قائلًا إنه يحدث أيضًا داخل المترجِم الفرد؛ فالترجمة
تضيف شيئًا إلى ما نملك؛ إذ «تشيع في أجسادنا طاقاتٍ
وموارد بديلة للإحساس والشعور، ولكنها قد تسيطر علينا،
ومن ثَم يُقعدنا ما استوردناه عن العمل السوي» (الصفحة
نفسها). وهكذا فإن الخلل الذي يصيب الثقافة نتيجة
استيراد بعض النصوص المترجَمة، يشبه ما يحدث للمترجِم
حين تستنفد الترجمة الطاقات الخلَّاقة لديه، وهي التي
لا بد منها لإبداع أدبه الأصيل. ويرى شتاينر أن هذا
الخلل ثمرة من ثمار «نقص خَطِر» في الحركة التفسيرية،
ولا يمكن إصلاحه وإعادة التوازن إلا بالحركة الرابعة،
وهي التعويض.
وأما التعويض (٣١٦–٣١٩)، أو «المعاملة بالمثل»، أو
المبادلة reciprocity،
فهو جوهر حِرفة الترجمة وشرعتها في نظر شتاينر، فهو
يقول إن العدوان على النص المصدر والظفر بمعناه
واستيعابه «يخلف في النص الأصلي بقية تتسم بجدلية لغزٍ
ما»، ولما كانت هذه الجملة كاللغز بلا جدال (ولا
جدلية)، فسوف أوردها بالإنجليزية وأشرحها
leaves the original with a
dialectically enigmatic residue،
وها هو الشرح: اللغز معناه أننا لا نعرف، ولن نعرف
أبدًا حقيقة ما يتبقى من النص الأصلي بعد الترجمة، فهي
بقية تكتسب قوةً جديدة بالترجمة، وتخسر بعضًا من
معانيها في الترجمة، فالمكسب والخسارة هما طرفا العملية
الجدلية، ولا بد أن تظل الموازنة بينهما غامضةً كأنها
لغز؛ فهي بقية ملغزة وجدلية! فأما المكسب، فيعني به
شتاينر «الارتقاء» بالنص الأصلي
enhancement: أولًا
من حيث المكانة؛ فاختياره للترجمة دليلٌ على قيمته،
وثانيًا من حيث توسيع دلالته بنقله إلى ثقافة أخرى،
وأما الخسارة، فأوضح من أن تحتاج إلى تعليق؛ لأن «أخذ»
المعنى يسلب اللغة الأصلية ما كان أصيلًا فيها. ويقول
شتاينر إن النص المصدر تربطه علاقات منوَّعة مع النص،
أو النصوص المستهدَفة (المترجَمة عنه)؛ فهو يصفها بأنه
قد تمثِّل «أصداء»، أو «مرايا» له (ص٣١۷)، ولكنها لا بد
أن تضيف إليه شيئًا؛ فتزيد في ثرائه مهما تأخذ منه، أو
ما تسلبه إياه من معانٍ!
وينشأ الخلل
imbalance من
«تدفُّق الطاقة من المصدر، وسريانها في المتلقي؛ بحيث
يتغيَّر المصدر والمتلقي جميعًا، بل وتتغير علاقات
التوافق التي كانت قائمة في النظام كله» (ص۳۱۸-۳۱۷)،
وإذن فلا بد من التعويض لإصلاح هذا الخلل، والتعويض
يتخذ شكلَ التكامل بين المصدر والنص المترجَم؛ ففي بعض
المواقع تقِل منزلة الترجمة عن الأصل، وتزيد منزلتها
عليه في مواضع أخرى؛ بحيث يعود التكافؤ
equity، ويرى
شتاينر أن التكافؤ ضروري؛ فهو الذي يمنح مفهوم الأمانة
معناه الحقيقي و«الأخلاقي»، قائلًا:
«لا يصبح المترجِم أو الشارح أو القارئ
مخلصًا لنصه (أو أمينًا عليه)، ولا تكون
استجابته استجابة مسئولة، إلا إذا جهد جهده
لإعادة التوازن بين القوتَين، وحقَّق التكامل
بينهما، بعد أن أدَّى فهمه وامتلاكه للمعنى إلى
فصم عُرى ذلك التكامل» (ص۳۱۸) (تأكيد
المؤلف).
ويقول شتاينر إنه واثق بأن «هرمانيوطيقا الثقة» التي
يدعو إليها (ص٣١٩)، وهي التي تتميز بالتوازن والمرونة
والصبغة الأخلاقية، سوف تتيح لنظرية الترجمة أن تفلت من
قبضة ما يسميه «بالنموذج الثلاثي العقيم» (أي الترجمة
الحَرفية والحرة والأمينة)، وهي التي سادت الكتابة في
هذه النظرية دهورًا.
ولما كان شتاينر يرى أن الفهم الصادق والترجمة
الصادقة لا يتوافران إلا حين «تتدفق» اللغتان فيما
بينهما، أي تتداخلان، فهو يرى أن السبيل الأوحد إلى ذلك
هو الخروج من الذات، قائلًا — في معرض الحديث عن عزرا
باوند — إن عبور الذات إلى الآخر هو السر النهائي
لحِرفة المترجِم، ويعني بذلك الخروج من الذات الضيقة،
والتحلي بصفات الغير، وهو يسميها «الغيرية»
otherness (في صفحة
٣٧٨) وهو يمتدح عزرا باوند لأنه كان يترجم عن اللغة
الصينية دون أن يجيدها، قائلًا إن ذلك مكَّنه من التحرر
من المفهومات المسبَقة، والتعقيدات النابعة من الاقتراب
الشديد من ثقافة المصدر، وقد تكون هذه هي القضية
الأساسية التي يناقشها شتاينر، وهي تتصل بقضايا فلسفية
أخرى؛ إذ يقول (ص۳۸۱):
«إن علاقات المترجِم بما هو «قريب» علاقات
غامضة وجدلية في باطنها، وأما الشرط الحاسم،
فهو توافر عاملَين (متضادَّين) معًا، وهما
الرابطة القائمة على الانتقاء والاختلاف الذي
يتسبب في المقاومة.»
وقضية الاختلاف، وهي جوهرية عند دريدا، تتخذ عند
شتاينر صورتَين، الأولى هي أن خبرة المترجِم باللغة
الأجنبية تختلف عن خبرته بلغته الأم، والاختلاف بينهما
يترك بصماته على المترجِم وعلى المجتمع. وهكذا فإن خبرة
الاختلاف للمترجِم تؤدي إلى إعادة خبرته بهُويته، وهي
من ثَم خبرة شاملة. يقول شتاينر:
«إن خبرة الاختلاف والإحساس بالمقاومة التي
يمثِّلها ما يختلف عنك في صورة مادية، يجعلك
تشعر بهُويتك من جديد.»
(ص۳۸۱)
وهو يُطلِق على هذا تعبير اختلاف المقاومة
resistent
difference، وإذا كان هذا الاختلاف
قادرًا على صد المترجِم عن النص بسبب الاختلافات
اللغوية والثقافية، فإن العامل الآخر — أو الصورة
الثانية للاختلاف — فهي وجود روابط قائمة على الانتقاء،
وهو يسمِّيها الرابطة الانتقائية
elective affinity
(ص۳۹۸)، وهي تتحقق عندما ينجذب المترجِم إلى النص
الأجنبي؛ فيجد فيه رفيقًا مصاحبًا (ولو اختلف عنه)،
ويتعرَّف على نفسه فيه؛ أي يجد بعضًا من ذاته فيه، فإذا
توافر العاملان نشأ توتر لا يمكن فضُّه؛ فهو يجذب
المترجِم ويصدُّه، ويكون التعبير عنه هو الترجمة
الجيدة.
ولقد أفردنا هذه الصفحات لنظرية شتاينر بسبب التأثير
الواسع لكتابه، بدليل إقبال القراء عليه، وإعادة طبعه
مراتٍ منذ صدوره منذ أكثر من ربع قرن، ورغم ما يقوله
المتخصصون بأنه أصبح كتابًا هامشيًّا في دراسات الترجمة
(مثل منداي، ٢٠٠١م، ص١٦٧)، وأما الدليل على تأثيره، فهو
ما عرضناه في هذا الفصل من نظريات التقريب والتغريب،
التي تَدين لأفكار شتاينر بالكثير، وإن كانت قد تخطته
في الواقع. وينعى منداي على شتاينر تأثُّره بمذهب
تشومسكي في النحو التوليدي التحويلي، وإن كان ذلك
محتومًا في الفترة التي كتب فيها كتابه، ونحن نقرأ ذلك،
ونعرف أنه ينتمي إلى عصرٍ بادَ وانقضى، ونغفره له. وأما
هجوم أصحاب مذهب نصرة المرأة عليه بسبب استعاراته
المستمَدة من «عالم الرجل»، فسوف نضرب عنه صفحًا، ولقد
سبق أن عرضنا لرأي شري سايمون في كتابها عن الترجمة
(١٩٩٦م)، ونذكر هنا أيضًا — عرضًا — مقال ل. تشيمبرلين
L. Chamberlain،
الذي نشرته أولًا عام ١٩٨٨م، وأعاد نشره فينوتي
(٢٠٠٠م)، وهي تهاجم فيه الاستعارات نفسها. والواقع أن
كتاب شتاينر يتضمن إشارة لنظريتَين فلسفيتَين، يجدر بنا
الإلمام بهما، ولو بصفة عامة، بسبب أهمية صاحبَيهما،
وصَيتهما المدوِّي، وهما عزرا باوند وفالتر
بنيامين.
يقول شتاينر إن باوند وبنيامين ينتميان معًا إلى عصر
«النظرية والتعريف الشِّعري الفلسفي» (ص١٤٩)، وإنهما
ساهما مساهمةً مهمةً في وضع نظريات عن العلاقات فيما
بين اللغات، ويصدق هذا على ممارسة باوند للترجمة ونقده
لها، فلقد كان نزاعًا بطبعه إلى التجريب طيلة حياته،
وإلى النظر في الخصائص التعبيرية للغة، ساعيًا إلى
إضفاء طاقات جديدة عليها
(energizing)، من
خلال الوضوح، والإيقاع، والصوت
sound والشكل، لا
عن طريق المعنى أو المعاني. و«قراءته» للغة الصينية
(التصويرية) مثالٌ صادقٌ على انتمائه إلى المدرسة
التصويرية في الشعر؛ فهو يؤكد بذلك تفضيله للشكل
الإبداعي للعلامة
(sign)؛ فهي التي
تستطيع أن تُبرز طاقة الشيء أو الحدث «المصدر». وقد نشر
له فينوتي في كتابه الأخير (٢٠٠٠م) مقالًا عن ترجمته
للشاعر الإيطالي جويدو كافالكانتي Guido
Cavalcanti، ابن القرن الثالث عشر،
وفيها يناقش طرائق الترجمة المتاحة له، ويقدم نظرات
مستمَدة من مذهبه في الشعر والنقد، وأهم ما جاء به — في
نظري — اعتباره الترجمة ضربًا من ضروب النقد الأدبي،
وقوله إنها لا بد أن تتضمن لمسة إبداعية، تخرج بها عن
مواصفات اللغة في عصره — إذا كان يترجم القدماء — وكان
ذلك يتضمن، بوضوحٍ وجلاء، قدرًا من التجريب غير مأمون
العاقبة.
وسوف نتوقف هنا عند الرأي الذي أوردته إلزي فييرا،
الباحثة البرازيلية، عنه (وقد سبقت الإشارة إليها في
غضون عرض مدرسة «التهام الآخر»)؛ إذ ترى أن آراءه
وترجماته قد ألهمت الشعراء البرازيليين، بما فيهم
هارولدو دي كامبوس Haroldo de
Campos، الذي لعب دورًا كبيرًا في
إطار مدرسة التهام الآخر المُشار إليها. وهي تربط بين
آراء باوند وآراء دي كامبوس على النحو التالي (من
مقالها المنشور في الكتاب الذي حرَّرته باسنيت
وتريفيدي، عام ١٩٩٩م، وسبقت الإشارة إليه، ص١٥٠):
«يقول دي كامبوس إن ترجمة النصوص الإبداعية
تمثِّل دائمًا إبداعًا جديدًا، أو إعادة خَلق،
وهي على طرف النقيض من الترجمة الحَرفية،
ولكنها دائمًا تقوم على التبادل؛ أي الأخذ
والعطاء؛ فهي عملية لا يُترجَم فيها المعنى
وحده، بل تترجم فيها العلامة بجميع خصائصها
المحسوسة (المجسَّدة)
corporeality
(مثل الخصائص الصوتية، واللمسات المصوَّرة
البصرية؛ أي جميع ما يدخل في التكوين الأيقوني
للعلامة الجمالية) … وأما باوند، فهو يرى أن
الترجمة نقدٌ؛ لأنها تحاول نظريًّا أن تستبق
الإبداع، فهي تختار، وتتخلص من التكرار، وتنظم
المعرفة على نحوٍ يتيح للجيل الجديد ألَّا
يطَّلع إلا على الجانب الحي، وهكذا فإن قولة
باوند المشهورة «جددوا!» يعيد دي كامبوس
صياغتها في مذهبه عن إضفاء حياة جديدة على
الماضي من خلال الترجمة.»
و«التجريب» و«إضفاء الحياة الجديدة»، هما الجانبان
اللذان يربطان باوند الأمريكي بالمفكر الألماني فالتر
بنيامين، وينشر له فينوتي في كتابه الأخير (۲۰۰۰م)
مقالًا، كان قد كتبه أصلًا كمقدمة لترجمة أعدَّها عن
الفرنسية (عام ۱۹۲۳م)، لكنه ما لبث أن أصبح، بعد ترجمته
إلى الإنجليزية، عام ١٩٦٩م، من أهم النصوص الفلسفية
الخاصة بالترجمة الأدبية. ومن الأفكار الأساسية في مقال
بنيامين أن الهدف من النص المترجَم لا يتمثل في مساعدة
القراء على فهم «معنى» النص الأصلي، أو لنقْل مضمونه من
«المعلومات» إليهم؛ فالترجمة، كما يقول، لها وجود
مستقل؛ فهي ليست فقط تصاحب الأصل، وتأتي بعده زمنيًّا،
وتخرج من حياته الأخرى
afterlife، ولكنها
أيضًا تعمل على «استمرار حياته» (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص١٦)،
وهذا البعث، أو إعادة الخَلق، يضمن بقاء العمل الأصلي
بعد خروجه إلى العالم «في عصر شهرته».
ويقول بنيامين إن الترجمة الجيدة «تعبيرٌ عن علاقة
التبادل الأساسية بين اللغات» (فينوتي، ٢٠٠٠م، ص۱۷)؛
فهي تكشف عن العلاقات الكامنة، والتي تظل خبيئة حتى
تزيل الترجمة النقاب عنها، ولا يكون ذلك من خلال محاكاة
الأصل، بل من خلال إقامة التناغم والتوافق بين اللغتَين
المختلفتَين، وهذا التناغم يؤدي في النهاية إلى إخراج
اللغة الخالصة، أو اللغة النقية
pure؛ أي أن هذه
اللغة ثمرة التعايش والتكامل بين النص المترجَم والأصل،
وأما منهج بلوغها، فهو النقل الحَرفي
literal rendering،
الذي يتيح للغة النقية أن تبرز وتسطع، يقول
بنيامين:
الترجمة الحقيقية ترجمة شفافة؛ أي إنها لا
تحجب الأصل، ولا تعوق ضوءه، ولكنها تسمح للغة
النقية أن تبرز، فكأنما تستمد القوة من اللغة
الجديدة، لتسطع سطوعًا أقوى على النص الأصلي.
وأهم ما يلزم لتحقيق ذلك هو النقل الحَرفي
للتراكيب البنائية؛ فهي تؤكد أن الكلمات، لا
الجمل، هي العناصر الأولية للمترجِم.
(فينوتي،٢٠٠٠م، ص٢١)
والواضح أن بنيامين يدعو إلى ترجمة كل سطرٍ بسطره
interlinear
translation التي كانت تُستخدَم في
ترجمة الكتاب المقدس في الماضي (انظر الفصل الثاني،
وانظر شرح معناها في كتابنا مرشد المترجم، ص٢٩١).
والواضح أيضًا أن دعوته إلى إضفاء الطابع الأجنبي على
النص المترجَم تَدين بالكثير لمذهب «شلايرماخر»، وترهص
بالتطورات الحديثة. ولكن أسلوبه، كما يقول منداي،
(۲۰۰۱م، ص١٧٠) يفتقر إلى الدقة، ويضيف منداي أن فكرته
الفلسفية الخاصة بخَلق لغة «نقية» من خلال التوفيق بين
لغتين، تمثِّل مفهومًا مثاليًّا، أو قُل إنه مفهوم
تجريدي. و«هذا التجريد والبحث عن «حقيقة» عُليا، من
خلال شكل اللغة، لا من خلال ترجمة «المعنى» أدى إلى أن
أصبح بنيامين، بفضل هذه المقدمة القصيرة، ذا تأثير كبير
في مجال دراسات الترجمة في أصحاب مذهبي ما بعد الحداثة
والتفكيكيين» (الصفحة نفسها)، وهذا مدخلنا إلى آراء
التفكيكيين في هذا المجال.
لا حاجة بنا إلى الحديث عن هذه «المدرسة»، وللقارئ أن
يرجع إلى الفصل الخاص بها في كتابي المصطلحات الأدبية
الحديثة، ويكفي أن نقرر بعض ما أتت به مما له صلة
مباشرة بالترجمة. ولنبدأ مثلًا بالتشكيك الذي أتت به
المدرسة، وخصوصًا زعيمها جاك دريدا، في العلاقة بين
الدال والمدلول؛ أي مفهوم اللغة الذي وضعه سوسير، والذي
يقول إن اللغة نظام صوتي ومكتوب، يشير إلى أشياء أو
حقائق خارجها. فالتفكيكيون ينكرون ذلك، وينكرون مفاهيم
«المعنى» المعروفة — على اختلافها — ومن ثَم ينكرون
إمكان الترجمة أصلًا، ولن أطيل في هذا الباب، بل سأحيل
القارئ المتخصص إلى بعض كتابات دريدا (في الترجمة) —
وهي لا تزيد على مقالات أو محاضرات — يكرر فيها ما سبق
أن قاله عن «الاختلاف والإرجاء»
differance،
ويتلاعب فيها بالألفاظ، ويشكك فيها في وجود أي معنًى
ثابت لأي كلمة أو تعبير، وأشهر مقال له، وعنوانه «عن
أبراج بابل»، يطبِّق ذلك كله على مقال بنيامين المذكور
للاستدلال على أن اللغة «النقية»، التي يدعو إليها
بنيامين، هي «الإرجاء والاختلاف»، وليؤكد أخيرًا
استحالة ترجمة أي معنًى، فكأنما يؤكد صحة ما ذهب إليها
سلفه من الدعوة إلى الترجمة الحَرفية، التي تتبع مواقع
الكلمات في الجمل، بلا أمل في توصيل أي شيء إلى
القارئ.
ونختتم هذا الفصل، وهذا الكتاب، بإلقاء نظرة عامة على
مبحث دراسات الترجمة باعتباره مبحثًا بينيًّا
interdiscipline،
على ضوء ما سبق قوله في المقدمة. فلقد بدأنا الكتاب
قائلين إننا نواجه مبحثًا بينيًّا جديدًا، تلتقي فيه
فروع عديدة من علوم راسخة، وإن كان مجاله يختلف عن كلٍّ
منها على حدة، وقدمنا لذلك بالخريطة التي وضعها هولمز،
وقلنا إن أهم المباحث التي تصبُّ فيه تُعتبَر إلى حدٍّ
ما مباحث جديدة، مثل علوم اللغة (أو اللغويات)،
والدراسات الثقافية ودراسات الاتصال، وعرضنا في هذا
الفصل — ولو بإيجازٍ — للإسهام المتواضع للفلسفة أيضًا
(بمعنى فلسفة المعنى أو الدلالة). وسوف نلاحظ أن بعض
هذه المباحث الجديدة مباحث بينية أيضًا؛ فدراسات
الاتصال تشترك مع علم الاجتماع وعلم النفس و«اللغات
الحديثة» في بعض فروعها، وتساهم هذه العلوم نفسها في
الدراسات الثقافية، إلى جانب التاريخ والجغرافيا
والفلسفة! وكان دخول الكمبيوتر (الحاسوب) إلى ميدان
البحث العلمي من العوامل التي ساعدت على إدراك الروابط
بين العلوم القديمة والمباحث الجديدة؛ فهو يتيح إجراء
المسوح لمجالٍ علمي بعينه، وما يصب فيه من دراسات
أُنجزت في فترة زمنية موجزة، ويتيح إجراء الإحصاءات
(للكلمات، لأطوال الجمل … إلخ)، التي كانت تستغرق
شهورًا في ساعة أو بعض ساعة، على نحو ما فعل بعض
الباحثين في تحليل أسلوب ميلتون. وقد استفدت شخصيًّا من
ذلك في ترجمتي للفردوس المفقود، بل وفي تغيير بعض
الأفكار التي كانت سائدة عن ذلك الأسلوب، كما أن
الأعوام الثلاثين الأخيرة قد شهدت تحولًا في النظرة إلى
الأدب العربي واللغة العربية، منذ دخول اللغة العربية
رسميًّا إلى الأمم المتحدة، كما سبق أن ذكرت، في أعقاب
حرب أكتوبر ١٩۷۳م، ومنذ فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل،
إلى جانب قيام الاتحاد الأوروبي، وما استتبع ذلك من
نشاط دائب في الترجمة، والاتجاه إلى الترابط العالمي أو
«العولمة»، وهي جميعًا من العوامل التي رسَّخت مكانة
الدراسات الثقافية، وعلوم الاتصال؛ فأصبحت تصب في
دراسات الترجمة بعد أن كانت في البداية فرعًا غائم
الملامح من فروع علم الألسنة الحديث (اللغويات).
ولم ننعزل يومًا في الوطن العربي عن هذه الدراسات
الجديدة، وعن إسهاماتها في مبحث دراسات الترجمة، ولقد
سبق أن ذكرت عددًا من الباحثين الذي أعدوا رسائلهم
للدكتوراه أو للماجستير في هذا المجال الجديد (هدى
عيَّاد، وأماني أبو الفضل، وعزة مازن، وسعيد العليمي،
وأمية خليفة، ونجلاء رشدي، وصلاح شبكة، ونجوى الزيني،
ونيفين حسن)، والستة الأوائل يجمعون بين مناهج الدراسات
اللغوية والأدبية والثقافية، والثلاثة الآخرون يقتصرون
على المناهج اللغوية، مما يدل على نشأة الاتجاه البيني
وغلبته. ويعمل الآن عدد آخر من الباحثين في هذا المجال،
منهم خالد توفيق، وهبة عارف، ونهلة حلمي، وعلياء
الجندي، ومحمد فوزي، ومحمد حسن، ومناهجهم تجمع بين
الدراسات الثقافية واللغوية، وبعض المداخل الأدبية.
ولكن المبحث نفسه لم يحظَ بعدُ باعتراف «السلطات»
الأكاديمية باعتباره مبحثًا مستقلًّا، وما زالت معظم
هذه السُّلطات تصنفه في باب الدراسات اللغوية؛ لأنه
يُدرَّس في أقسام اللغات، ولن يطول هذا الحال في رأيي؛
فالمبحث الجديد يشتد ساعده، ويعمل فيه من تخصصوا في
مجالاتٍ أخرى، وأدركوا طبيعة هذا المبحث «البينيَّة»،
والدارسون الذين ذكرتهم ينتمون إلى جامعات القاهرة
وطنطا وعين شمس وحلوان، ولا بد أن هناك آخرين لا أعرفهم
في الجامعات العربية الأخرى، كما أن هؤلاء جميعًا
ينتمون إلى أقسام اللغة الإنجليزية، ولا بد أن هناك
آخرين يعملون في أقسام علمية للغات أخرى، وغيرها من
الأقسام، مما يبشِّر بالخير لهذا المبحث الجديد.
ويورد منداي (۲۰۰۱م، ص۱۸۲) مقتطفًا من دراسة كتبها
ويلارد مكارتي Willard
McCarty، عام ١٩٩٩م، عن معنى
«المبحث البيني»، ثم يعلِّق عليه قائلًا:
«من الممكن دراسة وتدريس المبحث البيني
مستقلًّا عن غيره، ومن الممكن أيضًا أن يؤدي
إلى التعاون فيما بين مباحث مختلفة. ومكارتي
يرى أن الترتيب الهَرمي للمباحث يمثِّل بناءً
منهجيًّا، ويرى — من ثَم — أن المباحث
«التقليدية» ترتبط بعلاقاتٍ «أولية» أو
«ثانوية» بالمبحث البيني الجديد. وهذا المدخل
الذي يقترحه مكارتي … قد يصدق على الترجمة
ودراسات الترجمة أيضًا. وهنا تصبح دراسات
الترجمة هي الوسيط فيما بين المباحث الراسخة،
وتكون علاقتها أولية بمباحث اللغويات (خصوصًا
علم الدلالة، والتداولية، واللغويات التطبيقية
والتقابلية)، واللغات الحديثة ودراسات اللغات،
والأدب المقارن، والدراسات الثقافية (بما في
ذلك دراسات الجنسَين ودراسات ما بعد
الاستعمار)، والفلسفة (فلسفة اللغة والمعنى،
بما في ذلك الهرمانيوطيقا والتفكيكية). ومن
المهم أن نشير إلى أن علاقة دراسات الترجمة
بالمباحث الأخرى ليست ثابتة، وهو ما يفسر
التغييرات التي طرأت عليها على مَر السنين،
فبعد أن كان ذلك المبحث يرتبط ارتباطًا قويًّا
بعلم اللغة التقابلي في الستينيات، أصبحت تسوده
الدراسات الثقافية في الوقت الحاضر.»
«وتبرز علاقات أخرى — ثانوية — عندما نتعرض لمجال
دراسات اللغة التطبيقية، مثل تدريس الترجمة بهدف إعداد
المترجمين؛ إذ يجب، على سبيل المثال، أن تتضمن مناهج
الترجمة المتخصصة تدريس جانبٍ من جوانب العلوم التي
ينتوي الدارس التخصص في ترجمتها، مثل القانون أو
السياسة أو الطب أو المالية، إلى جانب بعض التدريب على
تكنولوجيا المعلومات … وفي دراسة عملية الترجمة
والترجمة الفورية يلعب علم النفس والعلوم المعرفية
cognitive sciences
دورًا رئيسيًّا كذلك.»
وقد صدرت عام ١٩٩٥م الطبعة المنقحة للكتاب الذي كانت
ماري سنيل-هورنبي Mary
Snell-Hornby قد وضعته عام ١٩٨٨م،
بعنوان مدخل متكامل لدراسات الترجمة، وعنوانه يدل على
ما تحاول الباحثة أن تفعله، فهي تستعرض جهود إقامة
التكامل بين شتى المباحث التي تسهم في هذا المبحث
الجديد، وتحاول هي ذلك نفسها، ويقول منداي (۲۰۰۱م،
ص١٨٣) إنها تتمتع بخلفية فكرية تغلب عليها النظريات
الألمانية، ويفسر بذلك «استعارتها» لنظرية الأنماط
الأولية prototypes في
تصنيف أنماط النصوص، وهكذا فهي تقسم الأنواع الرئيسية
إلى الترجمة الأدبية، والترجمة العامة، والترجمة
المتخصصة، مؤكدة طابع التواصل فيها، وعدم التمييز
النوعي الذي يفصلها فصلًا حاسمًا عن بعضها البعض، فلا
توجد لغة خاصة بالأدب — فيما يتعلق بدراسات الترجمة —
تفصلها عن اللغة المستعمَلة في مجالات أخرى، ولكن دراسة
الترجمة الأدبية قد تتطلب دراسة مجالات تختلف عما
تتطلبه دراسة الترجمة الصحفية أو العلمية مثلًا، وهي
تقدم تصورها للتكامل المنشود في خريطة معقدة لا لزوم
لتقديمها في هذا العرض الموجز، بل يكفي أن نقول إنها
تضع إطارًا عامًّا، يحاول التوفيق بين شتى التخصصات
التي تشترك في دراسات الترجمة بصورة نسبية، وهي بهذا
تزيل الحواجز التي كانت قائمة بين دراسة الترجمة
الأدبية، التي سادت الساحة حتى منتصف القرن العشرين
تقريبًا، والترجمة التقنية التي دخلت الساحة عند بعض
الدارسين الألمان بل وسادتها، ولكن الواقع العملي يقول
إن الاختلافات قائمة، ودارس الترجمة يحتاج إلى منهجٍ
مستقل يختاره طبقًا للمادة التي سيدرسها، وإن كان يتضمن
حتمًا عناصر من مداخل أخرى — كما سوف نبيِّن — دون حاجة
إلى الخلط فيما بين المناهج طلبًا للتكامل.
وأكرر هنا ما ألمحت إليه في المقدمة من ضرورة الجمع
بين الممارسة الفعلية للترجمة ودراستها النظرية؛ وذلك
لأن الترجمة بطبيعتها مبحث تطبيقي أولًا؛ أي إن الدراسة
النظرية لا بد أن تكون لاحقة على وجود ترجمات، والإلمام
باللغتين معًا (اللغة المصدر واللغة المستهدَفة)، لا
يكفي لدراسة الترجمة، بل لا بد أن تسبقه خبرة ما، يكتسب
منها الدارس مناهج «التعامل» العملي مع النص الأجنبي،
أو طرائق «تحويل» النص المصدر من لغته الأم إلى اللغة
الأجنبية، وهذا يقتضي دراسة عملية للترجمة على أيدي
أساتذة ممارسين للترجمة، ذوي أساليب ومناهج منوعة، دون
الالتزام بمنهجٍ دون منهج، ولطالما أشرت في كتبي عن
الترجمة من فن الترجمة (١٩٩٣م) إلى مرشد المترجم
(۲۰۰۰م) إلى أهمية الممارسة العملية والاكتواء بنارها،
وأضيف هنا صعوبة خاصة في حالة اللغة العربية، وهي أن
اللغة العربية المعاصرة التي نكتب بها الأدب والعلم
جميعًا لا تزال في طور التشكُّل، ولم تثبت بعد ثبات
الفصحى التراثية. ونحن نفترض في العادة إلمام المترجِم
بالأولى إلمامًا تامًّا (يكاد يعادل إلمامه بالعامية
المحلية)، وإلمامه إلى حدٍّ ما بالفصحى التراثية، ولكن
ذلك مشكوك فيه؛ إذ لا يقارن بإجادة المترجِم الأوروبي
للغته القومية، فمعظم هؤلاء المترجمين من الكُتاب الذين
حذقوا فنون التعبير بلغتهم بكافة مستوياتها (وهي تختلف
عن مستويات العربية المتباعدة). ولكن المترجِم العربي
لا يلتفت إلى اللغة القومية في الواقع، وينسى أن اللغة
العربية المعاصرة صُلبها من صلب الفصحى التراثية، نحوًا
واشتقاقًا وصرفًا، وانهماك المترجم العربي في دراسة
اللغة أو اللغات الأجنبية يجور على الجهد الذي لا بد من
بذله في إحكام تمكُّنه من العربية بشتَّى مستوياتها،
وهو لا يدرك هذا إلا عند التصدي لنصوصٍ تتطلب إحاطة
بقسطٍ وافرٍ من العربية التراثية. وعلى أي حال فإن
ممارسته للترجمة ومكابدته لأهوالها تمنحه وعيًا
متزايدًا بالمشكلات الحقيقية، وتدفعه إلى التأمُّل، ومن
ثَم إلى اختيار منهج أو مناهج، وهذا كله ضروري للإقدام
على ولوج مبحث جديد مثل دراسات الترجمة.
إن جميع من كتبوا عن الترجمة من المترجمين، ولولا
خبرتهم الشخصية ما أتوا بنظرياتٍ أو وضعوا مناهج
(نماذج)، والنظريات والمناهج، كما رأينا، تتفاوت بتفاوت
الخبرة الشخصية، ونحن نطلع عليها، ونستفيد منها؛ لأنها
تضيف إلى ما اكتسبناه من خبرات، ولكن ذلك لا يعني أن
يبني الدارس الذي يُقدِم على مبحث دراسات الترجمة منهجه
العلمي على أساس خبرته وحدها؛ إذ لا بد من تضافر مباحث
أخرى مع هذه الخبرة، ولقد سبق أن ذكرت أن عملي بالترجمة
العلمية في الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة أفادني في
تفهُّم أساليب التعبير العلمي الصلبة (محدَّدة الدلالة)
(واحات مصرية، ۲۰۰۲م) مثلما أفادتني الترجمة العامة
(للأخبار، والموضوعات الاقتصادية، وما إليها) في إدراك
أشكال الأساليب النمطية، وأفادتني الترجمة الأدبية في
غير ذلك، (انظر كتابي الترجمة الأدبية)، ولكن هذا لا
يعني أن أبني منهجي العلمي على هذه مجتمعة، نشدانًا
للتكامل الذي تقول به سنيل-هورنبي، فلقد اخترت منهج
التحليل الزمني لمعاني بعض الكلمات العربية
diachronic
analysis في إحدى دراساتي، وهذا
منهج يعتمد على علم الدلالة، وهو المنهج الذي اتبعته
الباحثة هبة عارف في دراسة ترجمة الحديث النبوي، واخترت
منهج التحليل المقارن لإيقاع الشعر في دراسة أخرى، وهو
منهج أدبي (به لمسة سيكولوجية)، واخترت منهجًا ثقافيًّا
محضًا في دراسة أخرى عن ترجمة المصطلح اللغوي
idioms وهلمَّ
جرًّا، ولكن كلًّا من هذه المناهج يتضمن عناصر من مباحث
أخرى؛ فدراسة الترجمة العلمية تتضمن جانبًا لغويًّا
مهمًّا، وهو الذي يُعنى بتثبيت معاني المصطلحات، وضرورة
استخدام الأبنية اللغوية المباشرة، وعادة ما يكون
البناء اسميًّا، والزمن مضارعًا، إلى آخر ما نعرفه في
مناهج (تحليل الكلام)، إلى جانب الإلمام بالموضوع
العلمي المتخصص، فترجمة
terrace في الزراعة
بكلمة «مصطبة» تتطلب الإحاطة بأن المصطبة أرض جبلية
منحدرة يحوِّلها الزارع إلى أرضٍ مسطحة؛ بحيث يتحوَّل
الجبل إلى مدرجات قابلة للزراعة حتى يصبح الجبل مثل
الهرم المدرج (هرم زوسر)! ودراسة الترجمة العامة
(الصحفية، وما يتصل بها) تتضمن عناصر من علوم الاتصال
وفنون مخاطبة القارئ، إلى جانب عناصر الدلالة (التي
تنتمي إلى علوم اللغة)، وفي إطار علوم الاتصال عنصر
ثقافي مهم، فنحن نترجم Israeli
settlements بالمستوطنات
الإسرائيلية واﻟ B.B.C.
تترجمها بالمستعمرات، وهي ترجمة أدق علميًّا، ولكن
الاعتبارات الثقافية أتت بالأولى لدينا دون الأخرى،
ودراسة الترجمة الأدبية تتضمن، إلى جانب التحليل
اللغوي، دراسة فنون الصنعة الأدبية، مثل فنون السرد،
ووجهة النظر، والإيقاع والصور الشِّعرية، وما إلى ذلك،
يضاف إليها عنصر ثقافي مهم خاص بعلاقة النص الأصلي
بقارئه الأصلي، وما تفترضه عن قارئ النص المترجَم، أو
ما يُسمى بنقد استجابة القارئ reader
response criticism، وهو يتضمن
عناصر تاريخية واجتماعية وفكرية مهمة.
وهكذا نرى أن المنهج المتخصص في دراسات الترجمة
باعتبارها مبحثًا جديدًا دائمًا ما يتضمن عناصر من
مباحث أخرى، ولذلك وصفناه بأنه بينيٌّ، وسأختتم هذه
الخاتمة بترجمة مقتطفات من كتاب منداي المذكور (۲۰۰۱م،
ص۱۸۷) تؤيد ما ذهبت إليه:
«اكتسب المدخل البيني أرضًا شاسعة في السنوات
الأخيرة؛ ففي عام ١٩٩١م، حررت سونيا
تيركونين-كونديت Sonja
Tirkkonen-Condit مجموعة
من المقالات بعنوان بحوث تجريبية في الترجمة
والدراسات الثقافية البينية، وعنوان هذا الكتاب
يدل على أن الترجمة قد أقامت علاقات أولية قوية
مع مباحث غير لغوية في جوهرها. وشاركت
سنيل-هورنبي في تحرير عددٍ من كتب الدراسات، من
بينها: الترجمة بصفتها تواصلًا بين الثقافات،
عام ١٩٩٦م، ودراسات الترجمة: مبحث بيني
(١٩٩٤م)، وهذا الكتاب الأخير يتضمن بحوثًا
أُلقيت في مؤتمر عن الترجمة عُقد في فيينا عام
١٩٩٢م، وتدل عناوين تلك البحوث على أنها تشمل
موضوعاتٍ بالغة التنوع: التاريخ والثقافات عبر
الوطنية transnational
cultures، وما بعد
الحداثة، والهرمانيوطيقا، والتناص، والفلسفة،
والمصطلحات المتخصصة، والطب، والقانون،
واللغويات، ونظرية الترجمة.»
«وفي السنوات التالية تخطَّت دراسات الترجمة المداخل
اللغوية الصرفة، وأصبحت لها مناهجها الخاصة، مثل منهج
الدراسات الوصفية الذي وضعه توري، كما أن حاتم وماسون
(۱۹۹۷م) اللذين يعملان في إطار تحليل الكلام، قد أضافا
أيضًا الاعتبارات الثقافية باعتبارها من العوامل
المهمة، وذلك بتفسير الاختبارات اللغوية على ضوء
الأيديولوجيات السائدة في بعض النصوص.»
و«كذلك فإن «بيم» (۱۹۹۸م) يستعمل مصطلح «المبحث
البيني»، بل ومصطلح «الثقافة البينية» في وصف تاريخ
الترجمة، ويشكك في إمكان وضع خريطة للدراسات الثقافية
على النحو الذي وضعه هولمز.»
لقد بدأنا الكتاب بوضع خريطة «هولمز»، وها نحن نختتمه
بالتشكيك فيها، وإن دلَّ ذلك على شيء، فإنما يدل على أن
ذلك المبحث الجديد يتطور باستمرار، ولا أعتقد أننا
نستطيع أن نحدس مستقبله، فهو مثل سائر المباحث البينية
يعتمد على المباحث المغذية له، فكلما تطورت تطور،
والمهم أن نتابع هذا التطور وذاك، واعين أن دوائر
المعرفة متداخلة، وسوف تظل تتداخل، بل ويزداد تداخلها
في المستقبل.