دور الكتاب في حضارة الإنسان

١

أرأيتم إلى الإنسان، كيف نشأ أول ما نشأ على ظهر الأرض إنسانًا، كهؤلاء الأناسي الذين تألفهم، ونؤلِّف نحن جماعةً منهم؟ لقد كانت لحظةً فريدة في مجرى الزمن؛ تلك التي انفرجت شفتاه فيها عن أول لفظة؛ عن أول صوت نطق به ليرمز — عن طريقه — إلى شيء! لقد كان الإنسان قبل ذلك حيوانًا صامتًا، ثم أصبح بلفظته الرامزة حيوانًا ناطقًا، هنالك كانت النقلة البعيدة البعيدة، العميقة العميقة، من كائنٍ يخرج منه الصوت همهمةً لا تُفصِح ولا تُبِين، إلى كائنٍ يصوغ الصوت لفظًا يحمل على موجه المعنى. «في البدء كان الكلمة» — كما ورد في الإنجيل — والكلمة فكرة، والفكرة دالة حتمًا على شيء. كان يُقال عن الإنسان إنه الكائن الناطق، فأصبحنا نقول عنه اليوم إنه الكائن الرامز، بعد أن أجرَينا على فاعلية الفكر تحليلًا تبيَّن لنا منه أن الفكر في صميمه هو عملية من الرمز، نُشير بشيء إلى شيءٍ آخر، فإذا هذه الإشارة الدالة هي التفكير، والأغلب أن تكون الأدوات التي نستخدمها للإشارة ألفاظًا ننطق بها، أو كلمات نرقمها على الورق، والأغلب كذلك أن تكون الأشياء التي نُشير إليها بتلك الألفاظ المنطوقة أو الكلمات المرقومة، كائنات في دنيا الواقع الذي نعيش فيه.

بهذه الفاعلية الرامزة حدثت النقلة من عُجمة الحيوان إلى إنسانية الإنسان، ثم توالت الألفاظ ما اتَّسعت الخبرة، حتى كانت اللغة، منطوقةً أول الأمر، ومكتوبةً بعد حين. ألم تروا إلى الطفل بأي نشوة يهتزُّ كِيانه وتلمع عيناه، بأي فرحة يمرح ويزيط، عندما يُدرك أنه لفظ لفظته الأولى التي تحمل إلى من حوله معنًى مفهومًا؟ كأنما شيء في فطرته يصيح به، هنيئًا يا بُني، لقد أصبحت بهذه اللفظة الدالة إنسانًا بالفعل، بعد أن كنت إنسانًا بالقوة، كما يُقال: لقد علَّم الله — سبحانه — آدمَ — عليه السلام — «الأسماء» كلها، فدسَّ بهذا في الفطرة الآدمية العلم كله بالأشياء كلها، وبقي على خلفائه أن ينقلوا هذا العلم المجبول إلى حالة العلن والبيان، وذلك هو ما صنعوه، ويصنعونه، وسوف يصنعونه أجيالًا بعد أجيال، كل جيل منها يسلِّم جيلًا؛ ليُتمَّ اللاحق ما قد بدأه السابق، ولم يكن هذا ليتحقق لهم لولا الكتابة والكتاب.

٢

ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، هكذا أقسم — سبحانه — بالقلم وبما يُسطَر بالقلم؛ وما يُسطَر بالقلم هو الكتاب. لقد وردت لفظة «الكتاب» في كتاب الله الكريم مائتين وثلاثين مرة، فإذا أضفنا إليها فروعها: كتابًا، كتابك، بكتابكم، كتابنا، كتابه، كتابها، كتابهم، كتابي، كتابيه، كتب، كتبه، مكتوبًا، كتبتْ، كتبتَ، كتبنا، كتبناها، فاكتبها، تكتبونها، نكتب، يكتب، يكتبون، اكتب، فاكتبنا، فاكتبوه، كُتِب، ستُكتَب، اكتبها، فكاتبوهم، كاتب، كاتبًا، كاتبون، كاتبين، أقول إننا إذا أضفنا هذه الفروع إلى لفظة «الكتاب» كان العدد ثلاثمائة واثنتَي عشرة مرةً، ولا عَجب؛ فسرُّ الحضارة البشرية هو في أن تنتظم حلقات التاريخ في سلسلةٍ واحدة، تجيء كل حلقة منها وثيقة الصلة بما قبلها وما بعدها، فتأخذ عما سبق لتُضيف إليه، ثم لتسلِّم الحصيلة لما هو آتٍ، بل إن هذا نفسه هو سر الحياة والنمو؛ فلو كنا نجتثُّ النبتة كلما اخضرَّ لها نجم على التراب، لاستحال أن يكون من النبتة شجرةٌ وارفة، ولو وقف نمو الطفل عند طفولته لما شهدت الدنيا إنسانًا في نضجه، بل لما شهدت الدنيا طفلًا آخر. سر الحياة والنمو هو في أن يتحوَّل الكائن الحي من مرحلة إلى مرحلةٍ تليها، فإذا كانت المرحلة الأولى لتفنى فينبغي أن يكون فناؤها تحولًا إلى شكلٍ جديد، لا انتقالًا إلى عدم؛ بهذا التحول النامي تصبح الإنسانية كلها إنسانًا واحدًا مُمتدًّا على طول الزمن، كما يمتدُّ بقاء الفرد الواحد عبر الطفولة والشباب والنضج، ثم يُتابع امتداده في أبنائه وأحفاده إلى يوم الدين، وهذا هو المعنى الذي يقصد إليه الفلاسفة حين يقولون عن الحياة إن جوهرها «زمان» لا «مكان»، فأنت هو أنت، مهما تغيَّر موضعك من المكان، شريطة أن يظلَّ خط الزمن موصولًا معك منذ ولادتك إلى أن يشاء الله، وما تقول عن شخصك الواحد قل مِثله عن الأسرة البشرية كلها؛ فهي أسرةٌ واحدة مُتلاحمة الفروع مهما يكن مكان أفرادها وشعوبها، شريطة أن يسري في أوصالها تيارٌ واحد من الزمن.

وتيار الزمن الواحد هذا، هو تعبيرٌ يُراد به عمليةٌ تطورية واحدة؛ بمعنى أن التاريخ إذا كان قد شهد حضاراتٍ كثيرةً متنوعة، فلا بد أن نلتمس بينها حلقات الوصل التي تربط حضارةً سبقت بحضارةٍ لحقت؛ فما من حضارةٍ عرفها التاريخ لم تستمد أصولها من سابقتها لتُواصل السير بتلك الأصول ما أسعفتها قُواها؛ لتجيء من بعدها التالية، فتجعل من نهايات الأولى بدايات لها، وكيف كان هذا التكامل ليحدُث لولا الكتاب؟

٣

الكتاب هو الذاكرة التي تحفظ ما مضي ليكون نقطة البدء لما قد حضر. ماذا كان يحدث لك، أنت الفرد الواحد، إذا كان ليلك يمحو حصيلة نهارك؛ لتصبح مع الصباح وصحيفة ذهنك بيضاء فارغة؟ ليس أمامك عندئذٍ إلا أن تبدأ من نقطة الصفر مرةً أخرى، وهكذا دوالَيك ليلًا بعد ليل، ونهارًا يعقبه نهار! لكنها هي الذاكرة؛ ذلك السر العجيب، هي الذاكرة التي تجعل أمسك مع يومك ومن بعده غدك، حياةً واحدة تربطها هُويةٌ واحدة؟ وليس الأمر في هذا مقصورًا على الإنسان، بل يمتدُّ حتى يشمل كل حي، بل إنه ليشمل كل شيء في الوجود كائنًا ما كان.

إنه لولا قدرة الكائن على حفظ ماضيه، لاستحال أن يكون لأي كائن تاريخ. تاريخ المجموعة الشمسية هو أن تتعقب أحداثها على مر الزمن منذ كانت وإلى يومها هذا، وهكذا قل في تاريخ الأرض وتاريخ البحر والنهر والجبل، وأولى من هذا أن تقول القول نفسه عن الكائنات الحية نباتًا وحيوانًا، ثم هو أولى أن يُقال عن الإنسان أفرادًا وشعوبًا وإنسانيةً واحدة موحدة.

وإذا كانت الجوامد تحفظ ماضيَها في أصلابها آثارًا يراها العلماء الخبراء ويفهمونها، فللإنسان فوق هذه الآثار البدنية التي تدل على ماضيه العضوي، آثارٌ من نوعٍ آخر تنطق بماضيه الفكري، وأهمها الكتاب؛ فماذا كنت تعرف عن عقيدتك الدينية وما يتصل بها من شريعة وطرائق عبادة، لولا أن وجدت ذلك مسطورًا في كتبٍ تركها الآباء عن الآباء؟ ماذا كنت تعرف عن أهلك ووطنك؟ بل ماذا كنت تعرف عن يوم مولدك لولا أن شهادةً سُطرت لتُثبت لك ذلك التاريخ؟

الكتب على رفوفها كائنات خرساء لمن جهل فكَّ رموزها، ناطقةٌ للقارئين؛ فالصفحة منها أمام أبصار القارئين ليست مِدادًا مخطوطًا على ورق، بل هي ألسنةٌ تتحرك في الأشداق بلفظٍ مسموع، مؤلِّفوها يتحدَّثون في مسامعنا عبر القرون. لقد أراد الله للصوت البشري ألا ينداح إلى أبعد من أمتارٍ قليلة ثم يتبعثر ويموت، إلا أن تؤاتيه صفحة من كتاب، فعندئذٍ يطول مرماه حتى يبلغ — مع العباقرة الخالدين — أبد الآبدين.

الكتب على رفوفها جمهور ناطق، فيه من نماذج البشر ما طاب لك أن تجد؛ فيه العابد الناسك، وفيه الفقيه العالم، وفيه العربيد، فيه الشاعر يُنشِد اللفظ الجميل، والفيلسوف يتعقب في سكينة تأملاته ظواهر الأمور إلى أعماق جذورها. من ذا لا يريد أن يلمح قبسات من «طيبة» الفراعنة في مجدها أيام الكرنك، ومن «أثينا» اليونان في عزها أيام الأكاديمية، واللوقيون، ومن «بغداد» العرب في عنفوانها أيام الرشيد والمأمون؟ إذن هلمَّ إلى هذا العالم المسحور، عالم الكتب! أدِر الغلاف هنا فأنت في طيبة أو أثينا، أو أدِره هناك وأنت عندئذٍ في بغداد المجد والأبَّهة والجلال.

٤

الكتاب لسان اليد، وسفير العقل، وعُدة المعرفة، وهو صلة الناس عند الفُرقة، وأنس المحدثين على بعد المسافة، هو مستودع السر وديوان الحضارة.

ولو اقتصر أمر الكتاب على لغة صاحبه لاقتصر مداه على داره وأهله، لكن جاءت الترجمة من لسان إلى لسان، فجعلت كل كتاب — كائنًا ما كان مصدره — مِلكًا للبشر أجمعين. تعالَوا معي سُوَيعةً نقضيها في «بيت الحكمة» الذي أنشأه المأمون في بغداد ليكون دارًا للترجمة عن كل ثقافات الأولين. انظروا! هذه فلسفة اليونان وعلومهم قد جرَت على الصفحات عربيةً، وتلك ثقافات مصر والهند وفارس قد جاءت لتكون منذ اليوم مِلكًا للعقل العربي يستخدمها كيف شاء؛ أخذًا وتحويرًا وتعديلًا، فما هو إلا أن ولدت للدنيا ثقافةً جديدة، وبالترجمة مرةً أخرى نُقلت هذه الثقافة العربية إلى أوروبا القرون الوسطى، فإذا بنهضةٍ عندهم تُشرِق شمسها مؤذِنةً بحضارةٍ جديدة، هي التي يعيش العالم اليوم في امتداد رحابها.

ولننظر نظرةً خاطفة إلى القليل من حضارة عصرنا هذا الذي تحيا فيه الأمة العربية اليوم حياتها؛ لنرى كم هي مدينة فيه إلى الترجمة من اللغات الأخرى، كأنما تلك اللغات أرادت أن تقتصَّ من العربية ما تردُّ به دَينًا على تلك اللغات لها منذ قديم، فماذا كنا نُعلم في مدارسنا وجامعاتنا، وماذا كانت تنشر صُحفنا وكتبنا ومجلاتنا، وكيف كانت تُدار مصانعنا ومتاجرنا، بل كيف كانت لتُقام لنا دول وحكومات ومؤسسات وضروب من الرياضة اللهو، إذا لم نكن قد ترجمنا إلى لغتنا حضارةَ عصرنا ممن شاء لهم القدر أن يملكوا اليوم زمامها؟

ولعل البذرة الأولى في ذلك كله، كانت هي التي وضعها في مصر رفاعة الطهطاوي فيما أسمَوه مدرسة الألسن، في الثلث الأول من القرن الماضي؛ فقد أغلق هذا الرائد باب معهده على طلابه، لا يشهدون نور الطريق قبل أن يُترجموا عن الفرنسية والإيطالية كذا وكيت من عيون الحضارة الغربية، ولم تكن الترجمة عن الإنجليزية قد بدأت عندنا بعد. ومن ذا يتصوَّر الطهطاوي في جِلسته تلك يعبُّ لنا من أفكار العصر، ولا يتذكر نظيره حنين بن إسحاق في جلسته المُماثلة في «بيت الحكمة» أيام المأمون؟ وهكذا كان الكتاب نافذةً أطلَّ منها العرب القدماء على دنياهم الفكرية.

ثم كان نافذةً أطلَّت منها أوروبا القرون الوسطى على دنيا العرب الفكرية، ثم بات لنا نافذةً نُطلُّ منها بدَورنا على دنيا الفكر في أيامنا هذه، وفوق أن يكون الكتاب نافذةً للحضارات تنتقل الحضارات خلالها من مكان إلى مكان حتى تعمَّ العالم كله، فالكتاب هو الذي تتجسَّد فيه الحضارات والثقافات جميعًا. بماذا تُجيب لو سئلت: أين حضارة الهند القديمة وثقافتها؟ إنك لا بد قائل عندئذٍ: هي في الماها بهاراتا واليوبانشاد. أو سئلت: وأين حضارة اليونان الأقدمين وثقافتهم؟ فسوف تُجيب: هي في مُحاوَرات أفلاطون ومنطق أرسطو وأمثالهما. أو سئلت: أين أجد ثقافة العرب الأقدمين؟ فيكون الجواب شيئًا كهذا: إنك واجدٌ تلك الثقافة عند الخليل في القرن الثامن، وعند الجاحظ في القرن التاسع، وعند التوحيدي في القرن العاشر، وعند أبي العلاء أو الغزالي في القرن الحادي عشر. وهكذا لا سبيل إلى لقاء الثقافات إلا أن نراها مكثَّفةً مبلوَرةً في كتاب أو كتب.

وبعد هذا، فكيف يُحاور رجال الفكر بعضهم بعضًا على مَبعدة بينهم من مكان أو زمان؟ إنهم يفعلون ذلك عن طريق الكتب، فها هو ذا أرسطو يكتب رسائله المنطقية في القرن الرابع قبل الميلاد، ويُطلِق عليها «الأورجانون» — أي آلة التفكير — فيردُّ عليه فرانسيس بيكون في القرن السادس عشر بعد الميلاد بكتابه «الأورجانون الجديد» ليدحض دعواه، وليُقِيم للناس مكان البناء الأرسطي بناءً جديدًا. وهذا هو الغزالي يكتب في مشرق الوطن العربي كتابه «تهافت الفلاسفة»، فيردُّ عليه ابن رشد في مغرب الوطن العربي بكتابه «تهافت التهافت» بعد ما يقرب من قرنٍ كامل. والحق أنها لمن أمتع اللذائذ العقلية أن تعبر نهر الزمان مع هؤلاء المفكرين جَيئةً وذُهوبًا؛ لترى كيف يُجادل بعضهم بعضًا فوق رءوس الزمان، وبرغم حواجز المكان. نعم، هي من أمتع لذائذ الكتاب أن يفكَّ عنك قيود الزمان والمكان، فتُحسُّ كأنك قد أصبحت مع اللامُتناهي في عالم الخلود.

٥

أما بعد، فمن الذي أنشأ لنا هذا الكائن العجيب ابتداءً، ثم رعاه تطورًا ونماءً؟ وأعني الكتاب. هذا الكتاب الذي يحدِّد للرائي معالم الطريق الحضاري من أوله إلى آخره إذا كان له أول وآخر. فكِّر في أي حضارة شئت، أو في أي مرحلة من حضارة، تجدها بدأت بكتاب وانتهت بكتاب، ثم أخذت سبيل حياتها فيما بين الكتابين بمجموعات من كتبٍ تبثُّ فيها الأنفاس وتملأ خلاياها بالغذاء. سَلْ: متى بدأت حضارة اليونان الأقدمين ومتى انتهت؟ الجواب: بدأت بإلياذة هومر، وانتهت بالأناجيل. ثم سَلْ: متى بدأت أوروبا الحديثة ومتى انتهت؟ الجواب: بدأت بكتاب نيوتن في مبادئ الفيزياء، وانتهت بظهور فلسفة هيجل. وكذلك بدأ الإسلام بكتاب الله، وإن الله لحافظه بإذنه فلا ينتهي بكتابٍ سواه.

وأعود فأسأل من ذا الذي أنشأ لنا صناعة الكتاب، فلا يكون الجواب عندي إلا أن أقول: إنها الإنسانية بأسْرها؛ فلقد ألِفنا أن نرى الكتاب مطبوعًا، فننسى أن مرحلة الطباعة هذه لا تزيد على جزء من عشرين جزءًا هي تاريخ صناعة الكتاب. قبل الكتاب المطبوع كان النسَّاخون ينسخون بأيديهم ما شاءوا هم، أو شاء لهم أصحاب المال أن ينسخوه لهم، وإنها لمقارنةٌ مُمتعة أن تُوازن بين العهدين في تاريخ الكتاب، ما بعد المطبعة وما قبلها؛ فقبلها ندر الغثُّ وكثر النفيس؛ لأنهم — بالبداهة — لم يريدوا أن يضيع عناء النسخ فيما لا يستحق العناء، وأما بعد المطبعة فقد قلَّ النفيس وكثر الغث، حتى لتبحث عن ذلك النفيس فتجده واحدًا من كل ألف كتاب. وقبل المطبعة كانت المادة المكتوب عليها من المتانة بحيث تضمن لها ما يُشبِه الخلود، وأما بعدها فالورق كثيرًا ما يفسد لأول شعاع من الضوء يقع عليه. وعرف الناس ذلك، فعوَّضوا عن سرعة الفساد بكثرة النُّسخ المطبوعة، كأنه عالم الذباب، يعوِّض ضعف البنية بسرعة التكاثر، ولكن هل كان من هذا التكاثر السريع بد؟ إن قُراء الكتب اليوم لم يعودوا كما كانوا، قلة قليلة مُمتازة، بل هم الكثرة الكثيرة التي تشمل الناس جميعًا أو تكاد. لقد انقضى عهدٌ كانت القدرة على الكتابة والقراءة فيه كالكهانة، مقصورة على من يستطيع بالكلمة أن يستنفر ملائكة الرحمة أو شياطين العذاب كلما أراد، وجاء عهدنا هذا وفيه الأمية ممحوَّة عن معظم أهل الأرض؛ فالكل قارئون؛ ومن ثَم تفاوتت مادة القراءة في الكتب من البساطة البسيطة في أدنى الهرم إلى العمق العميق عند قمته؛ فليس هو من قبيل النقد الساخر أن نقول إن النفيس من الكتب قد بات كتابًا واحدًا من كل ألف كتاب، بل هو من قبيل الوصف الذي يقرن الظاهرة بعصرها. ولم يكن الكتاب ليؤدي دوره الحضاري خير أداء، لو ترك الجماهير القارئة في عصر الديمقراطية هذا بغير مقروء، مُتعاليًا وحده هناك في صلفٍ لا يُخاطب إلا رءوس القمم، وكل ما يحقُّ لنا أن نُطالب به هنا هو أن يجود الكتاب عند كل طبقة قارئة بما يُناسبها، كسُنَّة الحياة في سُلمَّ الأنواع؛ فليس يعيب القطَّ أن يكون قطًّا ولا يكون أسدًا. وإنني لأذكُر هذه الملاحظة عابرًا لمن يتحدَّثون عن الكم والكيف في الكتب، بغير دقة ولا حساب.

٦

وعند هذا الموضع من الحديث يجيء ذكر القراءة، فماذا تُجدي خزائن الدنيا من الكتب إذا لم يكن لها قارئ؟ قال الله — عز وجل — لنبيِّه — عليه السلام — اقرأ …، ثم جعل هذا الأمر قرآنًا، بل جعله أول التنزيل ومستفتَح الكتاب، إلا أن الشوط لا تتم مراحله إلا بقارئ؛ فأول الطريق فكرة، وثانيها قلم ولوح، وثالثها ضروري قارئ يتلو ما قد خطَّه القلم. كان الكتاب في كل عصور التاريخ هو الشرر الذي يُلهِب الأفئدة، فتثور لتغير الجانب القبيح من وجه الحياة بجانبٍ أفضل منه. اقرأ تاريخ الثورات في شتَّى أوضاعها وكل ألوانها، تجد الثورة مسبوقة دائمًا بكتاب؛ وهل كانت الثورة الفرنسية — مثلًا — لتشتعل بغير فولتير، أو الثورة الأمريكية بغير جون لوك وتومس بين؟ وهل كانت الثورات العربية ليضطرم لها أُوار بغير حمَلة الأقلام في الكتب والصحف، أو بغير سادة الكلمة من خطباء المنابر ومن الشعراء؟ ولكن ذلك كله يحتاج بالضرورة إلى عينٍ تقرأ، وأذنٍ تسمع، وعقلٍ يفهم ويعي.

على أن الكتب ليست كلها سواءً، لا في الوسيلة ولا في الهدف؛ فقد تكون آنًا وسيلة تسلية للمُعتزل، ينشد بها أزجاء الفراغ، وآنًا آخر للدعيِّ المُتظاهر، يريد أن يجد ما يُزهي به في حلقات السَّمر، لكن أهمها ما يكون لزيادة القدرة في جانب من جوانب الحياة النافعة. وإن من الكتب — كما قال فرانسيس بيكون — ما يكفيه أن يُذاق بطرَف اللسان، ومنها ما ليس يحتاج إلى أكثر من أن يُزدرَد ابتلاعًا، ولكن منها كذلك ما لا بد فيه من التمهل في المضغ الجيد والتمثل؛ ليسري غذاؤه في شرايين الجسم وخلاياه؛ فأما ما يكفيه أن يُذاق بطرف اللسان، فهو الكتاب الذي تقرأ منه صفحة وتُهمِل صفحات، حين تراه يمطُّ القول مطًّا سقيمًا، وأما ما يُزدرَد ابتلاعًا، فهو الذي تتصفحه سريعًا، فيقع بصرك منه على كل صفحة من صفحاته، ولكنه يقع في عَدوٍ سريع، وأما النوع الثالث الذي هو حقيق بأن يُقرأ على مهل وفي يقظةٍ واعية، فهو القلة النادرة التي من شأنها آخر الأمر أن تُبدل وجه الأرض تبديلًا.

٧

نعم! لم تكن الحضارات كلها قائمة على كتاب، لكن أدوَمها أثرًا وأرسخها جذورًا هو ما كان؛ ففي المراحل الحضارية التي اعتمدت على روايات الرُّواة، لم يسلَم الأمر من التشويه والضياع؛ هذا هو الشاعر العربي ذو الرُّمة يقول مُخاطبًا عيسى بن عمر (مولى خالد بن الوليد، وكان إمامًا في النحو واللغة): «اكتب شعري؛ فالكتاب أحبُّ إليَّ من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة، وقد سهر في طلبها ليلته، فيضع في موضعها كلمة على وزنها، ثم ينشدها الناس؛ والكتاب لا يُنسى، ولا يُبدل كلامًا بكلام.»

واسمحوا لي أن أقرأ لكم أسطُرًا مما قاله عن الكتاب علَمٌ من أعلامه القدامى، وهو الجاحظ؛ فقد قال مما قال:

… إن شئت ضحكت من نوادره، وإن شئت عجِبت من غرائب فرائده، وإن شئت ألهتك طرائفه، وإن شئت أشجتك مواعظه؛ ومن لك بواعظٍ مله، وبزاجرٍ مغر، وبناسكٍ فاتك، وبناطقٍ أخرس، وبباردٍ حار؟ … من لك بشيء يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والخفي والظاهر، والشاهد والغائب، والرفيع والوضيع، والغث والثمين؟ … متى رأيت ناطقًا ينطق عن الموتى، ولا ينطق إلا بما تهوى، آمن من الأرض، وأكتم للسر من صاحب السر، وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة؟

ثم يُخاطب الجاحظ رجلًا عاب الكتاب، فيقول له:

عِبت الكتاب، ولا أعلم جارًا أبر، ولا خليطًا أنصف، ولا رفيقًا أطوع … ولا صاحبًا أظهر كفايةً … ولا أقل إملالًا … وغيبة … وتصلفًا وتكلفًا … من كتاب. ولا أعلم قرينًا أحسن مُوافاة، ولا أعجل مُكافأة، ولا أحضر معونة، ولا أخف مئونة، ولا شجرةً أطول عمرًا … وأطيب ثمرة … من كتاب. الكتاب صامتٌ ما أسكتَّه (بتشديد التاء المفتوحة)، وبليغٌ ما استنطقته؛ ومن لك بمُسامر لا يبتديك في حال شغلك؟ … ولا يُحوجك إلى التجمل له؟ … ومن لك بزائر إن شئت جعل زيارته غبًّا … وإن شئت لزمك لزوم ظلك؟

والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوَّد بنانك … ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك، وعرفت به في شهر، ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر.

والكتاب قد يفضل صاحبه … فهو يُقرأ بكل مكان، ويظهر ما فيه على كل لسان، ويوجد مع كل زمان، على تفاوت ما بين الأعصار، وتباعد ما بين الأمصار.

فمناقَلة اللسان وهدايته، لا تجُوزان مجلس صاحبه، ومبلغ صوته، وقد يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويذهب العقل ويبقى أثره، ولولا ما أودعت لنا الأوائل في كتبها، وخلَّدت من عجيب حكمتها، ودوَّنت من أنواع سِيرها، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها كل مستغلق كان علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن نُدركه إلا بهم، لولا ذلك كله لخسَّ حظنا من الحكمة، ولضعف سبيلنا إلى المعرفة.

ذلك هو الكتاب، وذلك هو شأنه، لكني أكرِّر القول هنا بأنه لا بد للكتاب من قارئ، ثم لا بد لهذا القارئ من فن القراءة. نعم؛ فالقراءة فنٌّ يُكتسب بالدُّربة والمِران، ورُبَّ قارئ لم يخرج من كتابٍ قرأه إلا بعنوانه، وحسنًا إن فعل. أما القراءة بمعناها الصحيح، فهي أن تكون حوارًا صامتًا بينك وبين ما تُطالعه. صوِّر لنفسك دائمًا أن الكتاب بين يدَيك هو إنسانٌ يحدِّثك بما يرى، فلا بد أن تُنصت وتُحسن الإنصات، لا ابتغاء تكذيبه دائمًا، أو تصديقه دائمًا، بل ابتغاء حوار سقراطي بنَّاء بينك وبينه؛ لعلكما معًا تصلان إلى صوابٍ يُطمأن إليه، فكما يقول بيكون: اقرأ لا لتنقض وتدحض، ولا لتصدِّق وتسلِّم بلا جدل، ولا لتزوِّد نفسك بموضوعات تظهر بها على أقرانك في نقاش، بل اقرأ لتَزِن الأمور بميزانٍ عدل بغيةَ الوصول إلى حق.

ويجمُل بنا في هذا الموضع أن نُضيف تحذيرًا لم يفُت بيكون أن يُضيفه وهو بصدد حديثه عن قراءة الكتب، وهو أن في الناس رجلين؛ فرجل غمس نفسه في دنيا العمل غمسًا حتى لا تبقى له بقية لكتاب، وآخر استنفد حياته في مطالعة الكتب حتى لا تبقى له منها لحظةٌ يقضيها في عملٍ مُفيد، وكلا الرجلين على ضلال؛ لأن القارئ الدارس لا مندوحة له عن وضع دراسته موضع التنفيذ ليحدَّ من شطحها في عالم الأوهام، وكذلك العامل صاحب التنفيذ والإنجاز لا بد له من دراسةٍ يقتات منها فكرًا ينفع دنيا العمل؛ فلئن كانت القراءة الدارسة تهذِّب من فطرة الإنسان جانحةً بها نحو الكمال، فلا شك أنها هي الأخرى تتهذَّب بالخبرة العملية فتعلو بها منزلةً وتسمو. إن القراءة لِذاتها قد تَبْهر السُّذج البسطاء، وهي موضع ازدراء وسخرية من رجال العمل، وإذن فلا خير فيها لهؤلاء وأولئك جميعًا، وإنما يُفيد منها الحكماء لأنهم يستخدمونها في ميادين الحياة العملية. ولنلحظ هنا أن القراءة — مجرد القراءة — لا تعلمنا كيف ننقلها إلى دنيا العمل والسلوك، وإنما يحتاج الأمر إلى وقفة الحكماء فنهتدي إلى سواء السبيل؛ ذلك أن قدراتنا وهي على فطرتها كالأعشاب وهي على فطرتها، كلاهما يحتاج إلى تشذيب وتهذيب؛ فالأعشاب يشذِّبها مِقص البستاني، وقدراتنا تهذِّبها القراءة الواعية.

اقرأ، وناقِش ما قرأته مع نفسك أو مع سواك، ثم اخرج بما قرأت إلى عالم الأشياء. بالقراءة يحسن تقويمك إنسانًا، وبالنقاش تستيقظ لمواضع النقص ومواضع الكمال، ثم بالتطبيق تبلغ بالفكرة حدود الدقة واليقين.

٨

ولا ندع الحديث عن الكتاب والحضارة دون أن نذكُر مرحلةً حضاريةً أخيرة من مراحل سيره، مرحلة هامة وخطيرة، الله أعلم بمداها الذي يمكن أن تبلغه في مُقبِل الأيام، وتلك هي مرحلة التسجيل الصوتي للكتاب؛ فقد بات مألوفًا اليوم أن يسجِّل المؤلف كتابه على أشرطة، حتى ليجوز القول إننا ربما نكون مُقبِلين على إنشاء مكتبات بأسْرها قوامُها تسجيلاتٌ صوتية، وعندئذٍ ننتقل من شوطٍ ثقافي كانت فيه كتابة وقراءة، فيَدٌ تكتب بالقلم، وعينٌ ترى ما قد كتب لتقرأه، إلى شوطٍ جديد يسُوده شريط واستماع، فتحلُّ الأذن محل العين، وبعد أن كنا نقرأ للكاتب بأصواتنا نحن، نترك الكاتب ليقرأ لنا بصوته، وهنا يتحول معنى الأمية، فلا يكون الأمي هو من لا يعرف القراءة والكتابة، بل هو من حِيلَ بين سمعه وبين الشريط المُدار.

لكنني أعتقد عقيدةً راسخة بأنه إذا كان من النافع أن يُضاف إلى الكتاب وسائل أخرى، فسوف يظل مدار الثقافة العليا الكتاب؛ فأولًا: سيظل الكتاب وعاءً للثقافة الموروثة التي لا ثقافة بغيرها. وثانيًا: سيظل الكتاب مجالًا وحيدًا للعلوم المُتقدمة التي تتحدث بلغة الرياضة ورموزها، ويكفي هذان العاملان فيصلًا في الأمر حاسمًا.

ومع ذلك فلا بد من التطور بالتأليف — وخصوصًا في مجال الأدب — مع مُقتضيات هذا العصر، عصر التقنيات (التكنولوجيا)، فقد بات حتمًا على كثير من الكُتاب أن يُوائموا بين إنتاجهم، وبين وسائل النشر الجديدة؛ السينما، والراديو، والتلفزيون، وهذا هو بالفعل ما يحدث. ولعلنا نذكُر كيف أن أدباء الجيل الماضي وما قبله، حين رأوا الصحافة وسيلةً وحيدة للنشر، واءَموا بين إنتاجهم الفكري وبين المقالة الصحفية، بحيث جاء الجزء الأكبر من مؤلفاتهم مجموعات من مقالاتٍ نُشرت في الصحف ثم جُمعت! فلا عَجب أن نرى أدباء هذا الجيل يكتبون ما يكتبونه ونُصْب أعينهم وسائل النشر الجديدة، ومع ذلك فالكتاب ما زال أملهم في البقاء.

ومن نتائج العصر التقني هذا أيضًا، تصوير الكتب الضخمة في مصوراتٍ ضئيلة الحجم، حتى لينحصر المؤلَّف الكبير فيما لا يزيد حجمًا عن علبة الكبريت الصغيرة. وفي حديث لي ذات يوم مع مدير مكتبة الكونجرس في واشنطن — ولعلها أضخم مكتبة في الدنيا بعد مكتبة المتحف البريطاني بلندن — أنبأني أن كتب مكتبته تلك كلها، يمكن ضغطها في مصوَّرات لا تشغل أكثر من غرفةٍ واحدة، ولكن ما نختصره من مكان الكتب، نطلب أكثر منه للأجهزة التي لا بد منها عندئذٍ؛ ليتمكَّن القارئون بها قراءة تلك المصورات؛ ومعنى ذلك أن الكفة ما زالت راجحة في صف الكتاب.

هكذا نرى أن الكتاب والحضارة طرفان يتبادلان الأثر والتأثير، حتى ليمكن القول بأنه لا كتاب بلا حضارة، ولا حضارة بغير كتاب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤