التوتر الدولي ومهمة الأديب١

١

العلاقة بين الكاتب وعصره ظاهرةٌ لا تُخطئها النظرة السريعة؛ فآثار الأدب والفكر في عصور التاريخ كلها كفيلةٌ أن تمدَّنا بأي عدد شئنا من الأمثلة التي تؤكد الرابطة الوثيقة بين تلك الآثار وروح العصر الذي كُتبت فيه، ولم يكن هذا عن عمدٍ من أصحابها، ولكنه أمرٌ يتمُّ لأنه من المُحال أن يتمَّ سواه؛ فعناصر الحياة قائمةٌ حول الكاتب، وهو بعد ذلك حرٌّ في أن يتناولها على أي وجه يختار.

بماذا تغنَّى هومر إذا لم يكن قد تغنَّى بما يشغل قومه من بطولات وأمجاد؟ وماذا أنشد الأقدمون من شعراء العرب إن لم يكونوا قد أنشدوا لقبائلهم بما تهتزُّ له قلوبهم من شئون وأحداث؟ لماذا كتب سرفانتيز عن الفُرسان ساخرًا إن لم يكن قد كتب ذلك في عصرٍ آلت فيه فروسية العصور الوسطى إلى زوال؟ لماذا جاءت مسرحيات شيكسبير وكأنها الشباب العارم ينتفض بالفتوَّة أكثر مما يُعنى بالصقل والتجميل، إن لم تكن قد جاءت في عصر المغامرة وازدهار ربيع الحياة بعد شتاء القرون السوالف؟ ولماذا كانت المسرحيات الفرنسية في القرن السابع عشر مصقولةً مُتألقة مرتَّبة الأسطر والحروف، إذا لم تكن قد كُتبت في عصر القصور المزخرَفة المُزدانة؟ لماذا اجتمعت الأقلام كلها في أوائل القرن الماضي على التغنِّي بالطبيعة في ريفها ومراعيها إذا لم تكن الحياة المدنية الصناعية الناشئة عندئذٍ قد أفزعتها؟ هل كان يمكن لدستويفسكي وتولستوي أن يكتبا ما كتباه إلا في روسيا إبَّان القرن التاسع عشر؟ وهل هو من قبيل المصادَفة العمياء أن يتآزر الكُتاب في المائة العام الأخيرة على الكشف عن علل المجتمع وعيوبه، التي كان من جرَّائها أن عاش سواد الناس في بؤس ومَعسرة؟ أم أن ازدياد الاهتمام بأفراد الشعب في المرحلة الأخيرة من مراحل التاريخ هو الذي لفت الأقلام هذه اللفتة الجديدة؟

إنه في الحقيقة لمِن تحصيل الحاصل أن نقول عن الكُتاب إنهم متصِلون دائمًا بعصورهم التي يعيشون فيها، فما عصورهم إلا مجموعة من ناس وأحداث، وإن هم إلا فريق من هؤلاء الناس، وإنْ أحداثهم إلا جزء من تلك الأحداث، ولا فرق في الجوهر بين أن يؤيد الكاتب عصره أو يُعارضه، فكلا الموقفين اتصال؛ فهذان تورجنيف ودستويفسكي يتعاصران في روسيا القرن التاسع عشر، ومع ذلك فقد جاهَد الأول لمحو القيم كانت تجعل من روسيا بلدًا شرقيًّا يختلف عن غربيِّ أوروبا، على حين كان الثاني يتعلق بكل ما هو روسيٌّ أصيل. وكذلك كان كبلنج وبرنارد شو يتعاصران في إنجلترا وهي في أوج عزها، ومع ذلك فقد كان الأول يقرع لإمبراطوريتها الطبول، على حين كان الثاني يسخر منها ويتمنَّى زوالها.

٢

إنه لا مناص لكُتاب عصرنا من المشاركة في روح عصرهم إيجابًا أو سلبًا، وفي العصر مشكلات تعدَّدت ألوانها، لكنها على اختلافها تجتمع كلها في جذورٍ أصيلةٍ قليلة، لعل أهمها هو قلق الإنسان على مقوِّمات إنسانيته، وأيُّها أولى بالتحقيق إذا لم يكن في حدود المُستطاع تحقيقها جميعًا؛ أتكون حرية الفرد أولى حتى إن أدَّت هذه الحرية إلى تفاوت الأفراد، أم تكون مُساواة الأفراد أولى حتى إن أدَّت هذه المساواة إلى انتقاص من حرية الفرد؟ أيجعل الإنسان ولاءه للوطن أسبق من ولائه للإنسانية جمعاء، أم يكون ولاؤه للإنسانية أولًا وللوطن ثانيًا؟ هذه وغيرها مشكلاتٌ انتهت بالعالم إلى حالة من التوتر لا يكاد يُفلت منه إنسانٌ واحد، وسؤالنا الآن هو: ماذا يستطيع الكُتاب أداءه إزاء هذا التوتر؟

ونحن نستمدُّ جوابنا عن هذا السؤال من واقع التاريخ الأدبي، فلسنا نُطالب الكاتب بما ليس يتفق مع طبيعة فنه كما نستشهد عليها بشواهد التاريخ، وفي رأينا أن هذه الشواهد كلها تدل على أن الأديب الحق — سواء كان من أدباء الخيال المبدع، أو من أصحاب الدعوات الفكرية — إنما يقوم برسالته الإنسانية حين يجعل «الإنسان» — لا هذا الفرد أو ذاك، ولا هذه الأمة أو تلك — بل يجعل الإنسان هدفه الأسمى، ينظر إليه خلال الموقف الجزئي الذي يتخذه موضوعًا مباشرًا؛ فالأديب حرٌّ في اختيار موضوعه واختيار طريقة أدائه، وهو حر، بل هو مضطرٌّ — إذا كان من أدباء الخيال — إلى تلوين أثره الأدبي بلونه الذاتي الخاص الذي يستمدُّه من روح قومه وجو إقليمه كما يستمدُّه من ذات نفسه، ولكنه في الوقت نفسه يلمس موضوعه تلك اللمسة الإنسانية العامة التي تُجاوز به حدود الإقليم الخاص والظروف الخاصة، بحيث يُثير الاهتمام في كل إنسان مهما يكن مكانه وزمانه.

أديب الخيال، كالشاعر وكاتب القصة والمسرحية، لا مندوحة له بطبيعة الحال عن اغتراف مادته من خبراته الخاصة التي يستمدُّها من نفسه ومن مُحيطه، ولكنه لا يرقى إلى مراتب الخلود إذا هو لم ينفُذ خلال الخبرة الجزئية المقيَّدة بظروف زمانه ومكانه إلى حيث الحقيقة التي تُجاوز تلك الحدود؛ فهذا هومر قد صوَّر آخيل في فتوته وفحولته وفي غيرته ونخوته، صوَّره في نسيج من تفصيلاتٍ محلية إقليمية لها زمنها الخاص ومكانها الخاص وأساطيرها الخاصة، لكن هل يمكن لقارئ في أي بلد وفي أي أن يُطالع هذه الصورة فتصرفه ظروفها الخاصة تلك عما تنطوي عليه من جوهر الإنسان حين يكون على نضارة الفطرة وتلقائية السلوك؟ كذلك صوَّر شيكسبير هاملت في نسيج من تفصيلات حياته الفردية الخاصة، فما كل إنسان يقتل عمُّه أباه ليظفر بأمه فيثأر لأبيه من عمه ومن أمه، ما كل إنسان يحيط به ما قد أحاط بهاملت، ولكن هل يمكن لقارئ في أي بلد وفي أي عصر أن تصرفه هذه الظروف الخاصة عن رؤية الإنسان مُتمثلًا في هاملت، حين يستيقظ في الإنسان ضميره فيهم بالعمل كما يُملي عليه الضمير، لكنه مقيَّد بثقافته التي تُظهر له من الأمر وجهين لا وجهًا واحدًا، فيأخذه التردد؟ وصوَّر دستويفسكي إليوشا في محيط من الظروف الخاصة، فله أبٌ غير آباء الناس، وإخوةٌ غير إخوتهم، وحياةٌ غير حيواتهم، لكن هل يمكن لقارئ مهما يكن زمانه ومكانه أن يُطالع صورته دون أن يلمس فيها جوهر الإنسان حين يطهِّر قلبه وتنفُذ بصيرته ويعفُّ لسانه؟

في هذا الجانب الإنساني من أدب الخيال يلتقي الناس بعضهم ببعض التقاءَ إنسان بإنسان، فليكن الكاتب قوميًّا إقليميًّا كيف شاء، بل ليكن فردًا مستقلًّا بذاته عن قومه وعن إقليمه كيف شاء، وليختر من موضوعاته ومن أشخاصه ما شاء ومن شاء، ولكنه في هذا كله سينفُذ إلى قلوب الناس من كل قوم وفي كل إقليم. إن اختلاف الأوطان عندئذٍ، واختلاف الثقافات والمذاهب وطرائق العيش، سينمحي كله ويزول؛ لتبرُز صورة «الإنسان» جوهرًا خالصًا من لفائفه التي كانت تُخفيه عن أعينٍ تنظر إلى التباين الظاهر فتظنُّه تباينًا أصيلًا.

من ذا يستطيع أن يفرِّق في حنان الأمومة بينَ أمٍّ هنا وأمٍّ هناك مهما يكن لون البشرة التي تكسو ذلك الحنان؟ من ذا يستطيع أن يفرِّق في الطفولة اللاهية بين طفل هنا وطفل هناك، أو أن يفرق في جهاد الكادحين بين كادح هنا وكادح هناك، وأن يفرِّق في قلوب العابدين بين عابد هنا وعابد هناك، وفي لهفة المُحبين بين عاشق هنا وعاشق هناك؟ كلا، إنه «الإنسان» هنا وهناك، وبقلم الكاتب الموهوب يبرُز جوهر الإنسان، فيلتقي الناس على صفحاته إخوانًا من كل لون وجنس؛ فهذا طاغور شاعر الهند يغنِّي بوجدانٍ هندي فيطرب لغنائه أهل الأرض جميعًا، لا فرق بين حاكم ومحكوم، وهذا سومرست موم يكتب عن المتصوِّف الهندي فيجعل منه قديسًا يمسُّ القديس في كل إنسان، وتكتب هاريت ستو Hariette Stowe وهي أمريكيةٌ بيضاء عن زنجي، فتصوِّره في طِيبة قلبه تصويرًا يُثير حب الإنسان للإنسان؛ فقلوب الناس ونفوسهم لا تتلوَّن بلون البشرة التي تكسوها؛ فليس على الأديب إلا أن يمسَّ بقلمه صميم الإنسان، وهو بذلك وحده كفيلٌ أن يؤاخي بين الناس أجمعين.

٣

وإذا كان أديب الخيال يؤاخي بين الناس بما يعرضه عليهم من صورٍ فردية جزئية ينظرون إليها وخلالها، فإذا هي أمام أعينهم عدساتٌ يرون بها حقيقة الإنسان وقد تبلورت وتجمَّعت بعد أن فرَّقها الأفراد في مختلف البيئات أشتاتًا، إذا كان هذا هو ما يصنعه أديب الخيال، فأديب الفكر يحقِّق الغاية نفسها، ولكن بطريقٍ آخر؛ فها هنا ينعكس الوضع، فبدل أن ينظر إلى الكل الواحد خلال الجزء، يبدأ بالكل يحلِّله ويشرحه ويصفه ويصوِّره لينتقل بعد ذلك إلى المواقف الجزئية والأشخاص الفردية فيطبِّق عليها ما قد انتهى إليه؛ فلئن كان أديب الخيال يبدأ بالعاطفة لينتهي إلى طمأنينة العقل، فأديب الفكر يبدأ بالعقل لينتهي إلى رضا العاطفة، أو إن شئت فقل إن أديب الخيال يتخذ من الجمال وسيلة، ومن الحق غاية، وأما أديب الفكر فيتخذ من الحق وسيلة، ومن الجمال غاية؛ فالطريق بينهما واحدةٌ يقطعها الأول من اليمين إلى اليسار، ويقطعها الثاني من اليسار إلى اليمين.

ويضلُّ كاتب الفكر طريق الصواب لو أنه اصطنع ما يصطنه كاتب الخيال من نظرةٍ ذاتية فردية جزئية إلى الحق الموضوعي الشامل. وإذا كان العالم اليوم مُتخَمًا بمشكلاته، ثم إذا أراد الكُتاب المفكرون أن يُعالجوا الأمر بأقلامهم، فسبيل ذلك هي أن ينظروا إلى الإنسان وحقيقته أولًا، بغضِّ النظر عن أقوامه وأفراده؛ لينتهوا إلى ما يجوز لهؤلاء الأقوام والأفراد أن يأخذوا به عن غير تعصب وهوًى. ولو جاز لنا في هذا السياق أن نضرب المثل بما قد حدث في تاريخ الفلك، لقلنا إن كاتب الفكر لا يجوز له أن يتخذ من نفسه ومن قومه محورًا يُدير حوله بقية أجزاء العالم، كما كان الفلكي قبل كوبرنيق يتخذ من الأرض مركزًا تدور حوله سائر أجرام السماء؛ لأنه لو فعل فسدت الحقيقة أمام عينَيه وشاهت. وأولى من هذه النظرة البطليموسية أن ينظر الكاتب الفكري إلى مشكلات العالم التي يتناولها ببحثه نظرةً كوبرنيقيةً تضعه هو نفسه وتضع وطنه وقومه وإقليمه مع سائر الناس والأقوام والأوطان في صورةٍ واحدة؛ ليتمكَّن من رؤية الحقيقة التي هي موضوع بحثه من جميع أطرافها؛ وبمعرفة الحق الكامل يتحرَّر الإنسان من أوهامه، وقد تكون هذه النظرة المنزَّهة عسيرةً على البشر، لكن في سبيل هذا المثل الأعلى سرق برومثيوس شعلة البرق من الآلهة لتكون للإنسان قبسًا يهتدي به في طريقه الفكري العسير.

هل كان يفكر سقراط في المشكلات الإنسانية لنفسه ولقومه، أو كان يفكر للإنسان؟ لقد جعل قانون بلده موضع نقده وهجومه، ولما حكَم عليه ذلك القانون نفسه بالموت، ثم عرض عليه تلاميذه سبيل الفرار، أبى وفرَّق بين وقفةٍ ذاتية ينظر منها إلى الأمر نظرةً شخصية، ووقفةٍ أخرى موضوعية علمية يحلِّل فيها الفكرة بغضِّ النظر عما يعود عليه هو من ثواب أو عقاب. إن جون لوك الإنجليزي، وجان جاك روسو الفرنسي، وتومس بِين الأمريكي، لم يكتبوا في الحرية السياسية من وجهة نظر مُواطنيهم، بل كتبوا فيها من وجهة نظر الإنسان، فكان لهم الخلود، والغزالي المسلم حين كتب في القرن الحادي عشر عن تحرير الإنسان لروحه من وساوس الشك، لم يكتب لنفسه ولا لقومه، بل كتب للإنسان، وهكذا فعل القديس أوغسطين وتوما الأكويني، ثم هكذا فعل سبينوزا وكانط، كل هؤلاء قد تناولوا مشكلة الإنسان كيف ينبغي له أن يحيا، فلم يكتبوا لأنفسهم ولا لأقوامهم، بل كتبوا للإنسان في كل مكان وزمان، ومن كل جنس ودين.

ليس عمل الكاتب الفكري وعظًا خلقيًّا، بل عمله هو تحديد القيم الإنسانية العليا التي على أساسها يمكن الحكم بالصواب أو بالخطأ على مواقف السلوك الجزئية؛ فهكذا كانت رسالة المفكرين الإنسانيين منذ سقراط إلى برتراند رسل وسارتر، بل هكذا كانت رسالة الديانات جميعًا على اختلافها، وما الكاتب المُلهَم إلا نبيٌّ صغير أُوحي إليه برسالته؛ فإن أخلص التعبير عن رسالته تلك، وهي دائمًا رسالة تسعى إلى خلاص الإنسان مما هو محيط به من شر ونقص، أقول إن الكاتب إذا أخلص فله بعد ذلك أن يتصوَّر القيم الإنسانية العليا كما تشاء له فطرته وبصيرته، فلن يجرؤ أحد على القول بأنه اختار هذا ولم يختر ذاك؛ فليجعل مثله الأعلى حياةً نظرية أو حياةً عملية، ليجعله حياةً مُطمئنةً وادعة أو حياةً تحفُّ بها المكاره والخطوب، ليكن مثله الأعلى حياة العلم بحثًا عن الحق، أو حياة الفن نشوةً بالجمال؛ هو حر فيما يختار، ما دامت الإنسانية هدفه، والنزاهة رائده.

إن كاتبًا سياسيًّا مثل مكيافلي خدم أميره ولم يخدم الإنسان، وإن شاعرًا مثل كبلنج قد أنشد لقومه ولم يُنشِد للناس من سائر الأقوام؛ فأمثال هؤلاء هم الذين يزيدون أزمات الإنسان حدة، ويُشعلون الكراهية نارًا، فمستقبل الإنسان مرهون بفكره، وفكره هو ما تجري به أقلام كُتابه، فإما أسالت تلك الأقلام مدادًا للحياة، أو أسالت دمًا.

١  كلمة أرسلها المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب إلى مؤتمر طشقند شتاء ١٩٥٨م، انعقد لبحث هذا الموضوع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١