فارسة قصر الباهلي

«هذه امرأة تلد الأبطال …»

كان المرج الأخضر يمتد حول القصر — قصر الباهلي — فلا تقع منه العين إلا على بساط يتموج مع النسيم، وقد وشته الزهور بين بيضاء وصفراء وحمراء، وخرج الرعاء يسوقون فيه قطعانهم وخيولهم الضامرة.

وخرج من الحصن صبية يمرحون في صباح ذلك اليوم الوديع، بعد أن حبسهم الشتاء في حصنهم الحصين شهورًا طويلة، كانت فيها تلك المروج هادئة في سبات يشبه الموت، تحت أكداس من الثلوج تعصف عليها زعازع الزمهرير.

كان ذلك في أرض السغد فيما وراء سمرقند، وقد وَطِئَتها أقدام فرسان العرب منذ سنوات قليلة مع قائدهم الشاب قتيبة بن مسلم الباهلي القيسي.

ومشت بين الصبية امرأة فارعة بيضاء، واسعة العينين، سوداء الشعر، تتنفس سحرًا وكبرًا ونبلًا، وعليها حلة من الحرير الأبيض ووشاح رقيق تزينه نقوش زاهية تحاكي ألوان زهور المرج. وكان حول خصرها الدقيق منطقة زرقاء من نسيج رقيق عقدت فيها عقدة دلت أطرافها على جانب حلتها.

وسارت عاتكة تنقل طرفها فيما حولها ولا ترى إلا صورة زوجها الحبيب هلال التميمي، ذلك الفتى الفارس الذي قُتل منذ عامين وترك لها طفلها الصغير الذي يمرح مع الصبية حولها. وكانت بين حين وحين تتنبه من حلمها فتنظر إلى الصبية في لعبهم فتبتسم لهم ابتسامة عطف ثم تعود إلى خيالها لتناجي صورة الزوج الذي نشأ معها في أودية قومها بني تميم حتى زُفَّت إليه على حب نبيل، ولكنها لم تتمتع بالحياة معه إلا ريثما درج ولدهما بينهما. ولما نزعته الحرب منها لم تُبْدِ لموته جزعًا، وكتمت حزنها في أعماق قلبها، والتمست العزاء في خلواتها مع صورته في الخيال، وفي نظراتها إلى الصبي الصغير الذي خلفه من ورائه معها.

ولما بلغ الصبية مرعى الخيل أقبل ولدها يجري نحوها، وقد علق على كتفه قوسًا صغيرةً ودلى في منطقته كنانة سهام من جريد النخيل، وقال لها في حماسة: ألا أركب قليلًا يا أمه؟

فمالت عاتكة عليه فرفعته بين ذراعَيها وقبَّلته قبلة سريعة وهو يقاوم ويرفس ويصرخ حتى وضعته على الأرض فتخلص من يديها ووثب جاريًا وصاح بها: أدركيني إذا استطعت، فإني سابق إلى الخيل.

فأسرعت المرأة وراء ولدها وصاحت به: ألا تخشى السقطة يا عُمير؟

فضحك الفتى في مرح وقال وهو يمسك بقوسه: لا أخشى السقطة يا أمه. ألست عُمير بن هلال؟

واتجه نحو فرس بيضاء كانت أدنى الخيل إليه، فأسرعت أمه حتى أدركته ومسحت بيدها على رأسه في رفق وقالت مبتسمة: تعالَ معي يا عُمير سنركب جميعًا.

ثم ذهبت معه إلى الفرس البيضاء فنادتها كأنها تنادي بعض أهلها فأقبلت الفرس نحوها، ورفعت المرأة ولدها فأركبته، ثم قصدت إلى فرس أحمر قريب منها وقفزت فوق ظهره خفيفة كأنها فارس من فرسان الحروب، ومسحت بكفها عنق الفرس فصهل صهيلًا خفيفًا ثم سار يثب هادئًا، وسارت فرس الصبي إلى جواره تحاكي وثباته. ولكن الصبي لم يرضَ بذلك السير المطمئن فوخز فرسه بقدميه الصغيرتين، ومال على عنقها قابضًا على شعر معرفتها، وصاح بها يحثها على الإسراع، فاندفعت به الفرس مسرعة، وصاحت عاتكة بولدها: على مهلك يا عمير! فما ينبغي لنا أن نبعد.

فصاح الفتى وهو يقرقر ضاحكًا: الحقي بي إذا استطعت يا أمه.

ثم جذب شعر الفرس وضرب ظهرها برجليه، فاندفعت تعدو به في المرج الفسيح عدوًا هينًا، فلم يكن لعاتكة إلا أن تعدو بفرسها في إثره وقد داخلها كثير من الخوف عليه، وطالت بينهما المسابقة حينًا حتى لحقت به واستوقفته، وقالت له في شيءٍ من الغضب: لقد أسأت يا عمير وعصيتني.

فلم يقلل الصبي من مرحه عند سماع لومها، بل قال ولا يزال يضحك: كان في استطاعتي أن أعجزك عن إدراكي.

فلم تملك عاتكة إلا أن تبتسم وتصرف ما ثار في نفسها من الغضب، وقالت له في عطف: هلم بنا نعود فقد بعدنا عن القصر، والسغد قريبون منا.

فعاد الصبي إلى الضحك وهو يمسك بقوسه: وماذا تخشين يا أمه؟ لست أبالي السغد، فهذه قوسي.

فاقتربت منه عاتكة وقالت وهي تمسح عنق فرسه: سابقني إذا شئت في العودة يا عمير.

وفيما كانت تدير جوادها إلى جهة القصر لاح لها فارس يعدو نحوها، فأرادت أن تسرع عائدة، ولكن الصبي تلكأ وهو يعيد عليها أحاديثه وضحكاته حتى اقترب الفارس وترجل وأقبل نحوها، فوضعت عاتكة الخمار على وجهها، واتجهت إلى الصبي وقالت له في حدة: هلم يا عمير.

figure

وأحست في نفسها غضبة قوية؛ لأن ذلك الفارس تعود أن يتعرض لها في المرج منذ حين كلما تحين خلوتها.

واقترب الفارس وأشار إليها بالتحية متأدبًا وهو باسم، ولم يخف على عاتكة ما بدا على وجهه من اضطراب كان يحاول أن يخفيه تحت ابتسامته. فلم تجب عاتكة على تحيته، بل انصرفت إلى الصبي وقالت له في شيءٍ من الصرامة: أرني الآن كيف تحسن الركوب يا عمير.

ثم همزت جوادها في شيءٍ من العنف وضربت بيدها كفل فرس الصبي، فعدا الجوادان، وجعل الصبي يصيح بفرسه أن تسرع حتى يدخل القصر سابقًا، ووقف الفارس ينظر في أثرها، وعلى وجهه آثار من الدهشة والخيبة.

ثم مضى مطرقًا حتى عاد إلى أصحابه الذين كانوا ينتظرون عودته في وجوم، فوقف معهم حينًا ولا يزال مطرقًا، ثم رفع رأسه وقد لمعت عيناه ببريق خاطف ولاحت على وجهه بسمة ضئيلة، ونظر إلى صاحب كان إلى جواره وقال بصوت هامس: سأذهب غدًا إلى أبيها.

فنظر إليه صاحبه منكرًا ولم يجب، فأعاد عليه قوله: سأذهب غدًا إلى أبيها لأخطبها. أتراه يردني؟

فقال صاحبه: إنك لم تسمع نصيحتي من قبلُ، فلا فائدة في إعادة نصحك.

فقال له الشاب باسمًا: وهل عرفت أن النصح ينفع مَن كان مثلي؟ إنني لا أملك قلبي يا بغا حتى أصرفه عنها.

فقال بغا في دفعة: ولكنك تنسى أنك الأمير صول سيد السغد وابن سيدهم. وأنت تعرف هؤلاء العرب ومبلغ كبريائهم. فهل سمعت أن أحدًا منهم زوَّج ابنته لغريب؟ ألا تعرف ما يجيبك به أبوها إذا أنت خطبتها إليه؟

فانتفض الأمير صول غاضبًا، وقال وقد احمر وجهه: أيجرؤ هذا الرجل على الإباء؟

فقال بغا: إنهم يتزوجون بناتنا حقًّا، ولكنهم لن يرضوا بنا أزواجًا.

فقال صول وقد زاد غضبًا: ألا يرضى بي أنا؟

فأجاب بغا: لن يرضى بغير عربي مثله.

فقال صول: إذًا لأضرمنها عليهم حربًا حاميةً. لأعيدن الحرب فيما بيننا إذا تجرأ الرجل فلم يرضَ بي صهرًا.

ولم يَرَ بغا أن في مراجعته نفعًا، فأمسك عن الجواب وسار الجميع إلى مضارب خيامهم في صمت ووجوم.

وقضى صول تلك الليلة مترددًا في شجونه، لا يستطيع أن ينسى صورة عاتكة التي علقت بقلبه منذ رآها. لقد رآها عرضًا منذ شهرين، وبقيت صورتها ماثلة في خياله، لا تفارقه في صباح ولا مساء. وكان يتعرض لها كلما سنحت له في المرج، فلا يفوز منها في كل مرة إلا بإعراض وصمت، فكان ذلك لا يزيده إلا وجدًا بها. ثم رأى أن يخطبها من أبيها، فدافعه صديقه بغا مرارًا، ولم تزده نصيحته إلا عنادًا وإصرارًا على خطبتها، بل لقد دفعه حبه على أن يعزم على الحرب من أجلها، إذ كان العرب في قصر الباهلي فئة قليلة لا تستطيع أن تقوم لها قائمة إذا صدمها صول بالألوف المؤلفة من قبائل السغد الذين كانوا لا ينتظرون منه إلا أن يأمر فيبادروا إلى طاعته سراعًا.

وبكر صول في الصباح فذهب مع بعض أتباعه إلى باب القصر يطلب الإذن على نهشل بن يزيد أبي عاتكة. وأذن له نهشل وأنزله ضيفًا وأكرمه وحدَّثه وآنسه، فقد عرف أنه سيد السغد، وأنه في ذروة القوم غنًى ونسبًا. وكان الفتى في تمام شبابه وكرم شيمه مما يزيده منزلة وكرامة.

ثم أفضى صول إلى نهشل بما جاء له، وكانت مفاجأة وجم لها العربي، فأطرق لحظة ثم قال بصوت خافت: لولا أنك ضيفي لما نجوت من عقوبتي.

فوثب صول على قدمَيه كأنه قد وطئ جمرًا، ولم يُجبْ بكلمة، بل خرج من القصر وهو لا يرى مواقع أقدامه من الغضب، وعاد إلى قومه والنار تلتهم قلبه التهامًا.

ومضى شهر بعد ذلك على قصر الباهلي، ولا حديث لمن فيه إلا ذكر ذلك الأمير التركي الذي بلغت به الجرأة أن أتى إلى نهشل بن يزيد يخطب منه ابنته. وامتنعت عاتكة عن الخروج إلى المرج. وزاد حزنها على زوجها الحبيب؛ لأن خطبة الفتى التركي أعادت إليها ذكرى فجيعتها.

ثم تحرك السغد فجأةً، وإذا بقصر الباهلي ذات مساء مثل بقعة جزيرة في محيط من جموع الأتراك.

وبلغت أنباء الثورة إلى حامية العرب في سمرقند، وكانت الجيوش العربية غائبة في بعوث الفتح، موزعة في دروب سجستان وخراسان، فلم يبقَ في عاصمة الحدود إلا بضعة آلاف في وسط ألوف الألوف من قبائل الترك.

واجتمع قواد العرب في سمرقند يتشاورون في أمر القصر، وفي أمر مَن فيه من نساء وصبية، وفي عجزه عن الثبات لمن أحاط به من فرسان الترك وشجعانهم، وقد امتلأت قلوبهم حقدًا على سادتهم المتكبرين.

وقال شعبة بن ظهير، وكان منذ حين أمير القوم ثم عزل عنهم: لو كانت هنا خيول خراسان لاستطعنا أن نذهب إلى نجدة هؤلاء، ولكن ماذا نستطيع وحدنا؟

فصاح به فارس طويل على رأسه عمامة حمراء: ما لك تخذلنا عن نصرة أهل القصر؟ ألسنا من خيول خراسان؟

وتبعه آخرون فإذا بالجمع يتصايح ويتناقش، منهم مَن يتوثب إلى القتال ومنهم مَن يؤثر الحذر والأناة، حتى كاد العقد ينفرط، والقول يتشعب، والخصام والجدال يصيران إلى تدافع ونضال.

فقام رجل من وسط الحلقة متكئًا على سيفه، وأشار بيده يطلب الكلام، فالتفت إليه الناس بعد حين وهم يتنادون: أنصتوا إلى أميركم عثمان بن عبد الله …

فقال الأمير بعد أن هدأت الثائرة وخشعت الأصوات: «أي قوم! هؤلاء إخوانكم في قصر الباهلي لا يزيدون على مائة أهل بيت يحرسون ثغرًا بعيدًا، ويحمون من نسائكم وذراريكم مَن هم في أعناقكم أمانة.»

فحاول شعبة أن يقاطعه، فعلت ضجة أسكتته، واستمر عثمان فقال: «ولسنا في حربنا نبالي ما يصيبنا. إن قصر الباهلي بمن فيه من نساء وصبية يستظلون بعلمكم، ويقيمون هناك ربيئة لكم. أتسلمونهم إذ تكاثر عليهم العدو؟ أتبيحون حرمكم لأنكم اليوم في قلة؟»

فعادت الضجة، وعلت الأصوات، وتهاتف الناس قائلين: إلى قصر الباهلي.

فتبسم عثمان راضيًا، وعاد إلى الكلام فقال: «لست آمر ولست أنهي. إنكم إن أقدمتم استقبل كل فرد منكم عشرة أو عشرات من العدو، ولعلكم لن تستطيعوا غير أن تواسوا مَن هناك من المسلمين بأنفسكم، فتنالوا الشهادة إلى جوارهم، ولكني لا أمنع مَن أراد منكم النهوض للقتال.»

فما كاد يتم قوله حتى قام من جانب الجمع ذلك الفارس الطويل الذي تكلم من قبل، وهو المسيب بن بشر التميمي، فقال وهو يسوي على رأسه عمامته الحمراء: «لقد عرفتم أن السغد ما تحركوا إلا ليأخذوا عاتكة، امرأة هلال التميمي، وهو الذي عرفتموه فارسًا في الحرب، كريمًا في الجوار، طالما دافع عن أحسابكم حتى قُتل. أنترك امرأته سبيًا ونسلم ابنه الصبي للعدو يبيعه رقيقًا؟ لن أبيت الليلة هنا، ومَن شاء أن يلحق بي فليفعل.»

وما طلع صباح اليوم التالي حتى كان سبعمائة فارس يتبعون المسيب في الطريق إلى قصر الباهلي، وقد بايعوا أنفسهم جميعًا على الموت.

وسارت الكتيبة الصغيرة لا تهدأ في ليل ولا في نهار، حتى صارت بعد أيام على فرسخين من القصر، فنزل المسيب يستروح قليلًا ويريح مَن معه، وانصرف الفرسان يلتمس بعضهم طعامًا وبعضهم يستلقي استجمامًا، وتركوا جيادهم في سروجها وعدتها، وأقاموا في أطراف منزلهم ربيئة يحرسونهم من المفاجأة.

ثم دعا المسيب فارسين ليسبقا الكتيبة في حذر إلى القصر، ويحملا إلى مَن فيه نبأ النجدة، ويأمرا حاميته بالصبر والدفاع.

وأقبل الليل ولف المروج في ظلمة حالكة، لا يلوح فيها غير وميض نيران العدو تملأ الأفق من بعيد. وهبط على الفضاء سكون تخرقه صيحات تتموج مع الريح، وتصل إلى الآذان مبهمة، فتزيد الظلام رهبة ووحشة. وما هي إلا ساعات حتى عاد الرسولان، فكان أول مَن لقيهما المسيب وهو يسير في المرج ينتظر عودتهما في قلق. وما كاد يراهما حتى سألهما بلهفة: هل بلغتما القصر؟

فقال أحدهما: لم نستطع الدخول، فقد كاد حراس القصر يرموننا بالسهام يحسبوننا أعداء، لولا أن سمعوا كلامنا العربي، فطلبت منهم أن يدعوا أمير القصر ليكلمني، فما أبطأ حتى أتى، وأخبرته بقرب الغياث.

فسأل المسيب ولا يزال متلهفًا: وماذا وجدت منه؟

قال الرجل: لقد اعتزموا أن يقدموا النساء دونهم، ويقاتلوا حتى يفنوا جميعًا.

فسُري عن المسيب وتنفس نفسًا عميقًا، وقال: هؤلاء قومي …

ثم أسرع إلى رجاله، فنادى قائلًا: القتال في ليلتنا هذه …

فلم يجبه أحد بكلمة، بل وثب الجميع على خيولهم وتجهزوا للمسير، فاتجه إليه المسيب وقد اعتلى جواده قائلًا: خفضوا الأصوات واهدَءوا في السير، حتى إذا اقتربنا منهم فكبروا تكبيرة واحدة واجعلوا شعاركم «يا محمد!»

ثم اندفع يسير في طليعتهم سيرًا وئيدًا في صمت وسكون، حتى لاحت لهم خيام الترك في ضوء النيران وقد همدت الأصوات والقوم من تحتها نيام. فاقترب المسيب برجاله حتى إذا صار من الخيام على مرمى سهمين صاح مكبِّرًا، واندفع مع أصحابه يصيحون صيحةً رجَّت جوانب الفضاء: «الله أكبر! يا محمد!»

ولم يلبث المعسكر الفسيح بعد هذه الصيحة أن صحا وتحرك وماجت جموعه مضطربة، وقد خالطتها سيوف قاطعة، ورماح طاعنة، كأن السماء قد صبتها على رءوسهم بغتةً. وما هي إلا ساعة حتى سالت المروج بالرجال والخيل، وصار العرب في وسط المروج الزاخرة كالشعرات البيضاء في الفرس الأدهم، لا يعرف بعضهم بعضًا إلا بصيحة «يا محمد».

وكان المسيب دائمًا في طليعة القوم، يجوب المعسكر من طرف إلى طرف، وأوغل بين الجموع فإذا هو وحيد. ثم رأى فرسه يخر من تحته وهو بين ألوف يخبطون في عماية الظلام ودهشة النوم، فترجل وهو يصيح صيحته: الله أكبر! يا محمد!

واجتمعت عليه السيوف من كل جانب، وهو يدافع ويناضل ويتعثر في جثث قتلاه، وكاد التعب يعييه عن القتال وكُسرت رمحه وكلت يداه. ثم سمع صيحة على مقربة منه أعادت إليه نفسه، فتحامل وصاح صيحته مجيبًا، فأقبل عليه رجاله وجعلوا يطاعنون ويضربون، وفيهم رجل قد قُطعت يمينه فأخذ السيف بشماله، ثم قُطعت شماله فجعل يدافع العدو بما بقي من ذراعيه. ولما استجمع المسيب قوته، وصاح صيحته مرة أخرى، اندفع نحو الرجل ليعينه، ولكن سيفًا أهوى على المسكين فأنامه. ولم يلبث العدو أن تردد وتزعزع وتملكه الفزع فتراجع يطلب الفضاء هربًا، وما هي إلا لحظات حتى كانت أشباح الترك تسد الأفق لا تلوي على شيء.

فصاح المسيب في أصحابه: دعوا القوم في هربهم، ولا تلحقوا بهم.

ووقف ينظر لحظة إلى الفارس الصريع المقطوع اليدين، ثم مال إليه فقبَّله، وأسرع فركب جوادًا رآه قريبًا منه ولوى عنانه وأشار إلى أصحابه قائلًا: إلى القصر!

وهناك استقبلهم المحصورون خارجين من القصر ليشتركوا في المعركة. وسار الركب العربي عائدًا إلى سمرقند، بكل مَن في قصر الباهلي من رجال ونساء وذراري. وفصل المسيب من القصر في آخر الركب بعد أن دار حول الأسوار ينظر لعله يجد متخلِّفًا، فرأى امرأة تصيح به تستمهله، وعلى يديها غلام صغير. فوقف حتى اقتربت منه، فقال لها في لهجة اللوم: وفيم تأخرت وقد كِدنا نبعد؟

فقالت المرأة في هدوء: كنت أحمل ولدي من جانبٍ في القصر تركته فيه.

فقال الرجل متعجِّبًا: وكيف تتركين ولدك؟

فقالت المرأة: كنت أحارب مع قومي، فما كنت لأتركهم يحاربون وحدهم.

ثم دفعت الطفل إلى الرجل قائلةً: خذ هذا بين يديك.

فأخذ الرجل الطفل منها فجعله أمامه، وذهبت هي إلى فرسها في جانب القصر فوثبت عليه كأنها فارس بارع.

فصاح بها المسيب: أوَأنت عاتكة؟

فقالت المرأة: أنا عاتكة ابنة نهشل.

فخفض الرجل بصره وجمع الطفل إلى صدره في عطفٍ وسار صامتًا أمامها ليلحق بالركب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤