آخر الباشوات

«الشعب يتحرك فتُولَد أُمَّة.»

لم يستطع السيد عمر مكرم أن يشق طريقه في ميدان الرميلة؛ إذ كانت الألوف هناك بالعشرات تحيط بالقلعة من جميع جهاتها التي تلي الميدان، ولم تنقطع الجموع كذلك من حولها صاعدة إلى التل المجاور للقلعة وإلى الهضبة التي وراءها. كان حصارًا تامًّا ليس فيه فجوة يستطيع أحد أن يدخل منها إلى القلعة أو يخرج بغير أن يتعرض للموت المحقق.

وتزاحمت الجموع حول السيد عمر حتى إنه لم يتقدم إلا مسافة قصيرة نحو باب العزب حيث كان حجاج زعيم الجماهير يرابط بأعوانه الذين بايعوه على الموت. وكان حجاج الخضري قد آلى على نفسه أن يستمر على الحصار حتى يستسلم الباشا مهما تطاولت مدة الحصار، وأقسم له مئات من شبان الأحياء المختلفة على أن يبقوا معه إلى النهاية؛ فلا ينصرفون عن أسوار القلعة إلا بالانتصار أو بالموت. وأراد السيد عمر في ذلك اليوم أن يتحقق بنفسه أن جماهير أبناء القاهرة لم يتزعزعوا ولم يترددوا بعد أن تخلى عن مناصرتهم جنود الأرنئود الذين كانوا يساعدونهم في حصار القلعة في مبدأ الأمر. ولكنه رأى بعينه أن الجموع لم تتزعزع، بل ازدادت أضعافًا عما كانت عليه من قبل. وشعر السيد عمر بغبطة شديدة عندما رأى تلك الجموع حوله؛ إذ عرف أن شعب القاهرة جادٌّ في تصميمه على خلع خورشيد باشا، ذلك الطاغية العنيد الذي أبى أن يستسلم بالرغم من عزل السلطان له وأعلن عزمه الجريء على الاستمرار في المقاومة.

وأخذت أصوات الألوف الزاخرة تتعالى بالهتاف للزعيم العظيم الذي كان يمثل لهم كل معاني المقاومة، كما كان يمثل لهم كل الأماني الغامضة التي تكمن في أعماق صدورهم.

وسمع حجاج الخضري صياح الجماهير وهو مرابط مع أتباعه المخلصين أمام باب العزب، وسمع اسم السيد عمر مكرم يتردد في هتافهم الصاخب، فأسرع ليستقبل الزعيم الجليل ويفضي إليه بالأنباء الأخيرة للانتصارات المتوالية التي تمت على أيدي فتيانه البسلاء. وسار في صف طويل من أتباعه يشقون الصفوف المضطربة الصاخبة، وكان سيفه مسلولًا في يده وهو ينادي قائلًا: يعيش السيد عمر مكرم!

وزاد صياح الجماهير علوًّا عندما مر حجاج الخضري بينهم بسيفه المسلول ورددوا هتافه في حماسة وهم يتدافعون وراءه.

واستطاع حجاج بقوة جسمه ودفعه صف الفتيان الذين يسيرون معه أن يصل بعد مشقة إلى المكان الذي كان السيد عمر محصورًا فيه بين الجماهير. ولما اقترب منه صاح بهتافه مرات متعددة وهو يلوح بسيفه المسلول فوق رأسه، ورددت الجماهير هتافه بأصوات مدوية هزت فضاء الميدان الفسيح. واستقبله السيد عمر باسمًا وقال له: أحسنت يا حجاج بالحضور إلى نجدتي.

فصاح حجاج بمن حوله في عنف ليفسحوا للسيد طريقه، وقال يخاطبه: تفضل يا مولاي لترى الغنائم التي وقعت في أيدينا هذا الصباح.

فقال السيد مستبشرًا: ها قد صرتَ قائدًا أيها البطل.

فقال حجاج في حماسة: هي بركة مولانا وفضل هؤلاء الشجعان. هي أنفاسك الطاهرة وشجاعة هؤلاء الأبطال. وهذا هو بطل اليوم.

وأشار إلى شاب واقف إلى جواره من بين صف الفتيان المحيط به قائلًا: هذا أبو شمعة يا سيِّدي، هو الذي ترصد للأتراك الذين جاءوا خفيةً في مساء الأمس من ناحية حلوان ليأخذونا على غرة، وهو الذي أحاط بهم مع أصحابنا هؤلاء وقبضوا عليهم كما يُقبض على الدجاج.

فقال السيد عمر ضاحكًا: تقصد الدجاج الرومي!

فتعالى الضحك من الجميع واستمر حجاج قائلًا: وهم هناك في قفص متين ليضعوا بيضهم على مهل. لهم على كل حال شكرنا؛ لأنهم أتحفونا بكثير من الأسلحة وبمقادير كبيرة من الماء وبقافلة كاملة من الجمال. أليست هذه أنباء سارة؟

فقال السيد عمر: هذه بشرى النصر يا سيد حجاج.

وهز حجاج سيفه فوق رأسه قائلًا: وهذا نصيبي يا سيِّدي من الغنيمة. سأحارب بهذا السيف حتى ينزل الباشا في موكبه الذليل ونسوقه من القلعة ليعود إلى بلاده كما جاء. هذا ما أقسمنا عليه. الانتصار أو الموت. أليس كذلك أيها الرفاق؟

فتصاعدت صيحة عالية طويلة من الجموع الزاخرة: «الانتصار أو الموت!»

وأخذ حجاج بلجام فرس السيد عمر مكرم واتجه به نحو باب العزب وهو يصيح بالجموع المتراصة ليفسحوا الطريق للزعيم الكبير.

ولما وصل السيد عمر إلى باب العزب ساعده حجاج وصاحبه أبو شمعة على النزول، وسارا عن يمينه ويساره يسندانه من تحت ذراعيه حتى وصلا إلى خيمة كبيرة كانت منصوبة هناك. وكان في الخيمة أكداس من الأحمال التي غنمها الفتيان، وهي مزيج مختلف من المؤن والأسلحة والثياب وعدد كبير من صناديق مقفلة من الصاج مملوءة بالماء.

وجلس السيد عمر على أحد الصناديق الكبيرة وقال يخاطب حجاجًا في صوت خافت: هل تخشى أن يضعف الحصار بعد اليوم؟

فقال حجاج: ولماذا نخشى؟

فقال السيد مترددًا: ألم يخذلنا هؤلاء الأرنئود؟

فقال حجاج: وهل كان فيهم قوة لنا؟ نحن أقوى وحدنا وأقرب إلى الانتصار من غيرهم. لست تعلم كيف كانوا يسببون لنا المتاعب كل صباح وكل مساء.

فقال السيد عمر: أعرف أنهم كانوا يخالفوننا ولا تنقطع لهم شكوى. أعرف أنهم كانوا حملًا ثقيلًا علينا وعلى هذا الرجل الذي أخلص لنا.

فصاح حجاج: مَن هذا الرجل الذي أخلص لنا؟

فقال السيد عمر: أنت تعرفه بغير شك يا حجاج. ألا تعرف أنه محمد علي؟

فقال حجاج في حنق: والله يا سيِّدي لو كان الرأي لي ما قبلت مساعدة أحد. هؤلاء جميعًا أبناء عم، ولا فرق عندي بين الأرنئود والأتراك. كلهم صنف واحد ولا فرق عندي بين جنس وآخر. هم جميعًا يريدون أن يكونوا أسيادًا ونحن لا نريد بعد الآن أسيادًا. ما لنا نطلب منهم المساعدة ونحن قادرون على الانتصار وحدنا؟ أقسم لك مرة أخرى يا سيِّدي أننا لن نعود من هنا إلا بالانتصار أو الموت.

وأطرق السيد عمر لحظة، وعلا وجهه شيء من الحزن والقلق، ثم رفع رأسه إلى حجاج قائلًا بصوت خافت: اسمع يا ولدي، لا تكن سببًا في تفريق الكلمة الآن ونحن في حاجة إلى كل مساعدة. دع الأرنئود يذهبون وقِف هنا أنت وأصحابك وأبناء بلدك حتى تنتصروا، فإذا تم الانتصار أمكننا أن نصفي حسابنا.

وما كاد السيد عمر يتم كلامه حتى سمعت ضجة من ناحية باب القلعة، فخرج حجاج مسرعًا، وقام السيد عمر في لهفة ليرى ما هناك، وسرت في الجموع الواقفة حول الخيمة موجة اضطراب وتصاعدت منهم جلبة مختلطة، وبعد حين عاد حجاج يجري نحو السيد عمر قائلًا: أبشر يا سيِّدي! هذا صالح أغا رسول السلطان ينزل من القلعة ذاهبًا إلى محمد علي.

فقال السيد عمر في لهفة: أيكون قد نجح في إقناع هذا الباشا العنيد؟

فقال حجاج: وما لنا نحن إذا اقتنع أو أصر على المقاومة! نحن واقفون هنا حتى يستسلم وينزل مضطرًّا.

فقال السيد عمر: أرجو أن يكون قد نجح، فإن هذا يوفر علينا متاعب كثيرة. دعني أذهب إلى محمد علي يا حجاج لأعلم ماذا يحمل صالح أغا.

وذهب إلى فرسه فركب، وسار حجاج وأبو شمعة على جانبي الفرس يفسحان له طريقًا بين الجموع الهاتفة الصاخبة حتى قطع ميدان الرميلة وهبط نحو المدينة من الطريق المجاور لجامع السلطان حسن.

واستمر السيد عمر في سيره وصاحباه حجاج وأبو شمعة يحفان به من اليمين واليسار ومن ورائه موكب كبير من عامة أهل القاهرة يهتفون باسمه وينادون بالانتصار أو الموت.

ولما وصل السيد عمر إلى بيت محمد علي بالأزبكية ترك الجمع الذي حوله ودخل وحده. وكان صالح أغا قد وصل إلى الدار من قبله، فلما دخل كان محمد علي في مجلسه مع الرسول، فقام يستقبله مرحِّبًا وقال لصالح أغا: ألم ترَ السيد عمر قبل هذا؟ هذا هو صديقي الأعز وهو قائد هذه الألوف التي لا حصر لها.

وتبسم ناظرًا إلى السيد عمر.

فقال صالح أغا متجاهلًا كلمة محمد علي: قد صعدنا إلى الباشا في القلعة للمرة الثانية اليوم. وكنت عازمًا في هذه المرة أن أقرأ عليه فرمان العزل بغير تردد.

فقال محمد علي باسمًا: ولعلك لم تضطر إلى ذلك؟

فقال صالح أغا: لم أضطر إلى ذلك؛ لأنه كان في هذه المرة ميَّالًا للمسالمة. هو رجل عنيد ومن حسن الحظ أنه استعد للتفاهم.

فقال السيد عمر: نحن لا ننكر عليه أنه رجل شجاع. أظنه قاوم حتى لم يبقَ عنده شيء يقاوم به.

فقال صالح أغا في شيءٍ من الجفاء: على كل حال قد انتهى الأمر وأعلن خورشيد استعداده للتفاهم.

فبادر محمد علي قائلًا: هذا حسن. هذا حسن. هل له شروط معينة؟

فقال السيد عمر في إصرار: وهل هناك شروط لمن يريد التسليم؟

فقال محمد علي: لا بأس يا صديقي أن نستمع إلى شروطه.

ونظر إلى صالح أغا قائلًا: ما هي شروطه أيها السيد؟

فقال صالح أغا: يخرج هو ورجاله بغير أن يتعرض لهم أحد. وتُدفع مرتبات جنوده من الخزينة. وتُحمل أمتعة الجنود كلها على حساب الحكومة.

figure

فنظر محمد علي إلى السيد عمر مكرم كالمستفهم، وقال بعد حين: لا أظننا نستطيع أن نصرف هذه المرتبات وإلا ثار علينا جنودنا يطالبوننا مثلهم.

فقال السيد عمر: هذا موضوع آخر يا سيِّدي. وما دام الأمر لا يزيد على مبلغ من المال، فهذا أمر سهل. أتعهد أنا بتدبير هذه المرتبات.

فصمت محمد علي، وقال صالح أغا: هل أبلغه هذا الرد؟

فقال محمد علي في تردد: لا بأس، على شرط أن ينزل من القلعة اليوم. لا شيء سوى المرتبات ونقل متاع الجنود!

فقام صالح أغا قائلًا: سأعود إليه إذن.

واستأذن خارجًا وبقي السيد عمر مع محمد علي يتحدثان في هذه الأموال المطلوبة وكيف يدبرانها.

وفي عصر ذلك اليوم ضربت المدافع من القلعة، وكانت علامة على دخول الجيش الجديد إلى القلعة، بعد أن نزل منها جيش خورشيد آخر الباشوات الذي اضطرته جموع أهل القاهرة إلى الاستسلام. واصطفَّت الجموع الزاخرة المنتصرة في ميدان الرميلة ينظم صفوفهم حجاج الخضري وأبو شمعة وفتيان الأحياء المتدفقون على ميدان الرميلة من كل أطراف القاهرة. وكان في وسط الصفوف طريق واسع لا يسمح لأحد من الألوف المتجمهرة أن يدخل فيه. ثم بدأت صفوف الأتراك تنزل من باب العزب خارجة من القلعة في طريقها الطويل نحو بولاق. كانت ملابسهم مختلفة وألوانهم متباينة، حتى أطوالهم وملامح وجوههم كانت تنم على أنهم أخلاط من شعوب شتى.

وساروا في صمت لا تتقدمهم موسيقى ولا يسيرون في خطًى متناسقة. كانوا يحملون أحمالهم مربوطة وراء ظهورهم أو تحت أذرعهم، وتبدو على وجوههم آثار الإعياء والكآبة. وخرج في آخر الصف الطويل خورشيد باشا الوالي العنيد، وعلى وجهه ما يعبر عما في صدره من روح التحدي. كان رافعًا رأسه في كبرياء، لا ينظر إلى يمين ولا إلى يسار، كأن الميدان الفسيح الذي يسير فيه صحراء خالية. ووقفت الجموع المتراصة تنظر إليه في صمت عميق، تكتم أنفاسها من شدة التأثر وروعة الموقف. وتوالى من وراء الباشا خروج كوكبة من فرسان الحرس الخاص في ملابسها البيض، كأنها رشاش موجة منحسرة بعد أن تحطَّمت على صخرة. كانت موجة عنيفة هجمت منذ ثلاثة قرون ثم انحسرت كما بدأت عنيفة!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤