الفصل الثالث

آلة العرض بوصفها مصباحًا للمُشاهِد

من بين القطاعات الثلاثة المكوِّنة لظاهرة الفيلم، العرض هو القطاع الذي يواجه فيه أسلوب تفكير بازان خطر الانقطاع أو التجاهل. هل جلَبت الحقبة الرقمية معها تغييرًا جذريًّا في كيفية عرض الأفلام لدرجة أنه ينبغي ألَّا نتوقع بعد ذلك أفلامًا مماثلة؟ أي إنه ينبغي حتى ألَّا نفترض بعد ذلك أن تكون الظاهرة متعلقة بالسينما التي كانت تُعرَف من قبل؟

أُعلنت تحولات حاسمة بشأن لحظات أخرى. يقسِّم جيل دولوز تاريخ الأفلام أثناءَ الحرب العالمية الثانية إلى عصر صورة الحركة، وعصر صورة الزمن. وشهد بازان هذا الانقسام المميِّز؛ حيث استخدم مصطلح «كلاسيكي» بصراحة للإشارة إلى «الديكوباج» (أسلوب هوليوود الكلاسيكي)، ومصطلح «حديث» لتعريف منهج رينوار والواقعيِّين الجُدُد الصاعد حديثًا. ما أطلق عليه وصف «حديث»، على سبيل المثال، هو ما أَعرِضه هنا بوصفه أكثر نهوج الوسيط السينمائي رسوخًا، وهو نهج نضج بعد عام ١٩٤٥، لكنه غير مقيَّد بتلك اللحظة. باتخاذ اللقطات بدلًا من الصور أساسًا، يُمكِن إعادة كتابة تاريخ السينما، بحيث يُنظَر إلى أعمال العشرينيات من القرن العشرين التي أخرجها فلارتي وإريك فون شتروهايم بشكل حداثي، قبل ظُهور المفهوم، تمامًا مثلما أعتقد أن ذلك النهج يَستمرُّ فيما بعد الحداثة في أفلام جيا جونج-كي وهو تشياو تشين.

تُشير هذه المصطلحات الخام، حينما نستخدمها بمرونة وبقدر كافٍ من التشكُّك، إلى مجموعات وأنماط من الأفكار عن التغيرات في الفنون والثقافة. على سبيل المثال، بينما مرت بتطورها الخاص من الكلاسيكي إلى الحديث وما بعده، فإنه يَجب النظر إليها إجمالًا بوصفها وسيطًا عظيمًا من العصر الحديث في الامتداد الزمني الطويل للثقافة الغربية الذي ذكره ريجيز دوبري في كتابه «حياة الصورة وموتها».1 كانت اللوحات الزيتية هي المقياس الأعلى في أوروبا الكلاسيكية من عصر النهضة إلى الحركة الرُّومانسية، حتى خَسِرت أولويتها لصالح التصوير الذي استهلَّ العصر الحديث في عام ١٨٣٩. كان كل شكل مِن أشكال التمثيل في العصر الحديث يُقاس ضمنيًّا على الصورة الفوتوغرافية، حتى ظهَرت التقنية الرقمية في ثمانينيات القرن العشرين بوصفها نقطة مرجعية للتمثيلات في العصر الحالي.
وعلى الرغم من ادِّعاء دوبري أن تغييرًا كبيرًا حدث في آخر عَقدَين، فمُعظم الأفلام اليوم تُخَطَّط وتُنَفَّذ تمامًا كما كانت الأفلام منذ الثلاثينيات من القرن العشرين. صحيح أنها تُجمَع ببرامج تحرير رقمية، وتَعرِض في أحيان كثيرة لحظات من المؤثرات الخاصة المصنوعة بالكمبيوتر، لكن معظمها يَعرض تركيبات عامة قائمة منذ زمن طويل؛ حيث ينخرط الممثلون في مواقف درامية في موقع التصوير أو في الاستوديو. ازدهَرت أفلام الصور المتحركة الطويلة بفضل التكنولوجيا الرقمية والنقاد الدائمي البحث عن نقلة في النموذج العام، مُعلنة بدء عصر ترفيهي جديد يتَّضح في أفلام جماهيرية مثل «هاري بوتر» أو «أفاتار». لكن الأفلام المعتادة التي تُنتَج طبقًا لقوالب عريقة، تظلُّ هي النمط السائد؛ وإذا كان بناؤها السليولودي قد أُبدِل، فقد حدَث هذا على نحوٍ غير محسوس؛2 حيث استغلَّ صنَّاع الأفلام وسائل الراحة الرقمية، حتى حينما كانوا يَنشرون عن رضًا — أو يُشوِّهون بعنف — تقاليد يُتقنونها على أي حال. ولذا، وعلى الرغم من أن الخيارات وُسِّعت بقدر هائل لأنواع جديدة من الإنتاجات السمع-مرئية، فمن السابق لأوانه الجزم بأن التصوير والتحرير غيَّرا السينما تغييرًا جذريًّا لدرجة أن السينما تحولت لشيء جديد تمامًا. يبدو فيلم «جبل بروكباك» («بروكباك ماونتين»، ٢٠٠٥) مألوفًا تمامًا في هذا الشأن.
لكن الجماهير ربما لم تَعُد تشعر بالأفلام كما كانت تفعل في العصر السينمائي، وفي هذه الحالة، ربما تكون ثورة حقيقية حدثت في «العرض». ربما أمكن للمُخرِجين أن يعملوا طبقًا لأعراف عريقة، لينتجوا نوعًا سينمائيًّا أو أعمالًا إخراجية تُضاهي أفضل أفلام الماضي، لكنهم لم يعودوا يستطيعون الاعتماد على الطريقة التي ستُستقبَل بها صورهم العامة أو حتى تخيُّل هذه الطريقة بالكامل. يكون عرض الأفلام في دُور العرض قصيرًا، حتى لفيلم يعتمد على الجودة، تمهيدًا لنشره على الوسائط المرئية التي قد تكون مربحة في أحيان كثيرة، لكن ثبَت أن التحكم بها أمر صعب. أما المشاهدون المعتادون على التجمُّع معًا تحت الشاشة الكبيرة، فهم يجعلون الفيلم تحت رحمتهم، بمُشاهدته كيفما ومتى ما يشاءون، بمفردهم غالبًا، أو بصحبة أفراد العائلة والأصدقاء؛ حيث يُمكنهم إيقاف الفيلم، أو إعادة مشهدٍ ما، أو حتى تعديله وفق اختيارهم. حينما سُئِل جان-لوك جودار عن الآثار المدمِّرة المُحتمَلة للتكنولوجيا الرقمية على السينما، صرَّح بلا تردُّد بأنه لم يتغير أي شيء أساسي في مرحلة إنتاج الفيلم، لكن تجرِبة مُشاهَدة الفيلم نفسها في خطر داهم. ومن وجهة نظره، فالسينما، بوصفها سينما، لا توجد إلا في فضاء عام؛ حيث يجلس جمهور متنوع ساكنًا، بينما يُرسِل مُشغِّل آلة العرض من فوق رءوسهم صورًا تصوِّر عالمًا مُكبَّرًا. وأضاف ساخرًا: «ينظر المرء لأعلى في السينما ولأسفل على التليفزيون.»3 بانتشار الشاشات الصغيرة بكل أشكالها، يتحكَّم المُستهلِك في التجرِبة. من وجهة نظر جودار، يعني هذا اضمحلالَ المجال العام البديل الذي كوَّنته دور العرض خلال الجزء الأكبر من القرن العشرين. ومع أن دار العرض مجال لبثِّ الأيديولوجيات ولا شك، فهي تسمح للسياسة الشعبية بالتطور؛ جمهور مجموع، وانتباهه مركَّز طوال ساعتَين على رؤية للعالم؛ هي وجهة نظر شخص ما.

تُتيح شبكة الإنترنت — أو حتى تَبتكر — أشكالًا جديدة من الانتماء والانشغال بالسياسة؛ أشكالًا وثيقة الصِّلة بعالمٍ فَقدت فيه المواجهاتُ على أرض الواقع وتظاهُرات الشوارع جاذبيتَها وقوتها. ما زالت الأفلام تُخاطِب المُشاهِدين — حقًّا، يُخاطِب المزيد من الأفلام المزيد من أنواع المُشاهِدين بقدر أكبر من ذي قبل — لكن كثافة التجرِبة السينمائية وتزامنها لم يعودا هما النموذج السائد. يسمِّي ريجيز دوبري التليفزيون «أداة التشتيت»؛ فبإضاءته من الداخل، يشعُّ التليفزيون والكمبيوتر الضوء المنبعث من البيكسلات المُهتزَّة؛ ولا يعكسان شيئًا. ولأنهما نادرًا ما يُطفآن، فهما يَبقَيان — بلا مبالاة في غُرَف متنوِّعة من كلٍّ منزل — جزءًا من البيئة مثل اللوحات الإعلانية على الطُّرق السريعة. إلى أي مدًى يَختلف هذا عن شاشة العرض السينمائي التي تصل إليها بعد أن تتجاوَز ستارًا أو بابًا للعثور على مقعد في قاعة مظلمة. دارُ العرض السينمائي مساحة هائلة، أو مُخَيخ عملاق يتأمَّل داخله الناس الذين خَطَوْا خارج حيواتهم صورًا هي نفسها تأمُّلات. حذر جون-لوي بودري ذات مرة من أن السينما هي نموذج حديث ﻟ «كهف أفلاطون» حديثٌ يُحدِّق فيه الناس في الظلال مقيَّدين بسلاسل الأيديولوجيا. لكن لأن المشاهدين يختارون دخول هذا الكهف — بل يدفعون المال ليَدخلوه — فبإمكانهم تحويل افتتانهم بالشاشة إلى نقاش بشأن ما يرَوْنه مُنعكِسًا هناك: رؤية للعالم، وجهة نظر عن كيفية العيش فيه أو كيفية تغييره. هذا ما كان يَعِد به ذلك المجال العام.

قوة العرض

من المفهوم إلى العرض، تُعَدُّ الأفلام «اختزالات» مدروسة للمعلومات، تُركِّز من ثم ما تَعرضه. المرادف الفرنسي لكلمة «بؤرة التركيز» هو التجلية؛ أي الوصول إلى التركيز السينماتوغرافي. لا يجد كل ما في النطاق المرئي طريقه إلى الشاشة، لكن ما يصل إليها يتميَّز بأنه ذو صلة. تسألون ذو صلة بماذا؟ الفصل التالي سيجيب: بأنه «ذو صلة بالموضوع»، بموضوع الفيلم، مهما يكن هذا مُخطَّطًا من البداية بوضوح أو بضبابية. تعمل الأفلام على عرض موضوعها بالتخلُّص مما هو غير وثيق الصلة بذلك الموضوع، رغم أنه في بعض الحالات — أهمُّ الحالات غالبًا — يُسمَح بدخول عناصر عشوائية ومُتناقِضة بسبب أن موضوع الفيلم مُسترسل، أو أنه هو نفسه متناقض بما يكفي لهذا الاسترسال. إن لم يكن بازان هو أول من فكَّر في السينما بوصفها مصفاة، فإنه أول مَن فعل هذا بطريقة نظامية.

الشاشة هي الواجهة التفاعُلية الأخيرة بين المُشاهِد البشري والعالَم المُشاهَد،4 ليس العالم وهو نقيٌّ وبسيط، لكن رَواسب العالم — لو أمكن قول هذا — حيث الآثار فيه مترسِّبة كقطع من الخام أو — باستخدام أحد التشبيهات التي يحبها بازان — كبُرادة الحديد. هذه البُرادة هي نفسها اختزالات فوتوغرافية غالبًا ما تكون بالأبيض والأسود، ومصوَّرة بعدسة أحادية بقوانين بصرية ثابتة، على النقيض من الخواص الرامشة لعين الإنسان المتحرِّكة المُتجسِّدة. يُعوِّض صانع الفيلم هذه القيود بالتصوير من زوايا عدة، مُكوِّنًا أرشيفًا كبيرًا من اللقطات الخام لموضوع الفيلم، لكن كل شيء سيُزال فيما عدا نسخة العرض النهائية. ما يَظهر على الشاشة، حينَها، ليس شكلًا خالصًا من الواقع، ولا شكلًا خالصًا من السينما، ولكنه فُتات من المعلومات الأولية الحسِّية، مُشكَّل بالفكر والخيال، ومن أجلهما، في مواجهة موضوعٍ ما.

يجب أن يكون خيالُ صانع الفيلم وفكره — أو وجدانه كما قال بازان — واضحَيْن في جودة الاختيار الذي يُصفِّي فُتات المعلومات ذلك من أجل النسخة النهائية؛ لذا فالأسلوب ليس أمرًا مضافًا إلى الموضوع، ولكنه ينشأ بوصفه نمطًا للاختزال والتشكيل المتناغمَين. وكما يقول بازان، فإن الحِسَّ المرفرف فوق الفيلم مثل الحقل المغناطيسي هو ما ينظم ما هو موجود ليُصبِح شيئًا له دلالة أخلاقية. أما المُشاهِدون فلا يستقبلون كل ما يُعرَض على الشاشة بقدرٍ مُتساوٍ؛ فلكَونهم هم أنفسهم كائنات أخلاقية، فهم يُصَفُّون ما يصبح فيلمًا عند عَرضِه فقط. وكما تُشير الكلمة نفسها، يَتجاوز «العرض» ما تمَّ تصويره وتنظيمه. لا يعني العرض بالضرورة رُؤيةَ أكثر مما هو موجود، ولكن الرؤية «عبر» ما هو موجود؛ لذا فإن أي فيلم يُعرض — وهو نتاج مِصفاتَي الكاميرا والمحرِّر — يُصبح في حدِّ ذاته مِصفاة فيما يخصُّ المشاهد. والعرض يُركز الرؤيةَ لتجاوُز ما هو مرئي إلى القدرة على الرؤية. وأحيانًا ما يقال: للوصول إلى الخيالي.

توجد «الأفلام» في وقتٍ يَسبِق العرض، وفي غياب العرض، لكن هذا لا يَنطبِق على اللقطات والصور المُتحرِّكة. حينما تكون الأفلام محفوظة في عُلَبها، تبقى تسجيلًا جامدًا وساكنًا للناس وللمواقف، سواء أصُوِّرت من العالم على اتساعه، أم اصطُنعت في مواقع التصوير. لكن حينما تُعرَض فقط، تدبُّ فيها الحياة بوصفها مَشاهد مُتحرِّكة، تتشكل في عقل كل مُشاهد وتخاطب جمهورًا.5 ولكَونها دائمًا محطَّ تفكُّر، تُصبح ظروف ما قبل العرض السينمائي وتبعاته محلَّ تركيز دراماتيكي في مُناسَبات معيَّنة. شهد جون روش أكثر من واحدة من هذه المناسَبات، بل أثارها. في أول عرضٍ لفيلمه «السادة المجانين» («لي ميتر فو»، ١٩٥٥) في متحف الإنسان في باريس، رَجاهُ مارسيل جريول، مُعلمه وعالم الأنثروبولوجيا الرائد في فرنسا، أن يَعرِض الفيلم في قَبو المتحف، وألَّا يكونَ الجمهور «عُرضة» للقطات الثمينة لكن المثيرة للفتنة التي أحضَرها روش من غانا في العام السابق لعرض الفيلم. كان مُتأكِّدًا أنها لن تؤديَ إلا إلى تقوية الأفكار النمَطية الشائنة عن الهمَج الأفارقة. لكن روش لم يلتفت لكلامه. ورغم أنه كان يُقدِّر تحذير جريول، أراد روش أن يَقبل الأوروبيُّون حقيقة «السادة المجانين». أحدث فيلمه صدمة، وفاز بجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان فينيسيا عام ١٩٥٧. بعد ذلك، اختفى الفيلم عن أعيُن العامة طوال عقود؛ بسبب ازدياد حذر روش؛ إذ فهم كم كان مثيرًا للغضَب! واكتسب الفيلم سُمعة سيئة، وخصوصًا في الولايات المتحدة، وأصبح محبو السينما في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات يَتفاخَرون بأنهم شاهَدوه سرًّا.
كثيرة هي أمثلة الرقابة؛ إلا أن ما يُميِّز فيلم «السادة المجانين» هو أن شخصًا مثل جريول يُمكِنه أن يشهد بأهميته، بوصفِه ثبتًا (أي بصفته فيلمًا)، ولكنه يصرُّ على ألَّا يُعرضَ بجانب أكثر أفلام العام أهمية. حاليًّا، بُرِّئ روش، وأصبح قليل من الناس يَعُدون «السادة المجانين» عرضًا من عروض صندوق الفرجة ذا طابع استشراقي لطقوس همَجية.6 لقد سجَّلَت كاميرا روش بعض المنضمِّين حديثًا لحركة «الهوكا» الدينية وهم يدخلون في حالة غَشَيان، يَظهرون خلالها غير مُتأثِّرين بالألم، ويَذبحون كلبًا، ويأكلونه في الحال؛ لكنه حرَّر هذه الصور أيضًا لتَشمل أولئك الأشخاص الاستعماريِّين الأوروبيين المُتغطرِسين، مُبرزًا تشابهات صريحة بين الثقافتين بتعليقه الصوتي المصاحب للصور. بوصفه تركيبًا مبنيًّا بعناية، يبدأ «السادة المجانين» وينتهي في بيئة العمل اليومية في العاصمة الغانيَّة أكرا، ثم يَتتبَّع موضوعاته في رحلتهم الدينية يوم الأحد في غابة؛ حيث يكون لطقوسهم أثرٌ تطهيري، يَغسل خطايا المؤمنين، ويوحِّدهم في جماعة مقدَّسة من الموقنين. يَعرض روش موضوعاته، وقد تغيَّروا في النهاية، عائدين بلطفٍ إلى المدينة؛ حيث اكتسب كلٌّ منهم مجددًا القوة والثقة لمواجهة الحياة في أرض مختلفة أجنبية موحشة. يَربط هذه الطقوس وآثارها بصراحة بالقداس الكاثوليكي، بحيث يُصبح «السادة المجانين» مقالًا أنثروبولوجيًّا عن الدين عمومًا، وليس فقط وسط مجموعة غريبة في النيجر أو غانا. وبينما تُكوِّن اللقطات المصوَّرة بلا شك تسجيلًا نادرًا لمُمارساتٍ نادرًا ما تُرى — شيئًا باقيًا من الماضي — يصل الفيلم المعروض إلى المستقبل من خلال الجمهور الذي يُؤثِّر فيه.

وبسبب عرض الفيلم — ومن أجل الإشادة به — يحتلُّ «السادة المجانين» مكانه بين أبرز ٢٠ فيلمًا تتناول حالات الغشيان، صنعها روش في غرب أفريقيا منذ نهاية أربعينيات القرن العشرين فصاعدًا. تفصِّل هذه الأفلام سردًا وجدالًا بينما توجد معظم الأفلام الأخرى في هيئة سجلات أرشيفية محضة، في انتظار أي دارس ليتأملها يومًا ما على آلة موفيولا. مع ذلك، فحتى اللقطات الخام غير المعالَجة بعد، يُمكن أن يكون لها آثار قوية حين تُنتزَع من الأرشيف وتُعرض. أظهر بازان قوتها المتأصلة فيها في أول لقاء له مع أعمال روش عام ١٩٤٩ في «مهرجان الأفلام المنبوذة» في مدينة بياريتز. هذه القوة لم تكن أكثر تجلِّيًا بأي حال مما كانت حينما استطاع روش عرض أفلامه عن الطقوس للجماعات المتضمَّنة، بأُسلوب عرض الأفلام المنزلية. في أكثر من مناسبة، شاهد روش أثناء عرضه الأفلام بآلة عرض يمدها مولِّد بالطاقة بعضَ المُشاهِدين يدخلون في حالات غشية كاملة أثناء مشاهدتهم أنفسهم، مُكرِّرين بفعالية أفعالًا تَستنفِد طاقتهم الجسدية، لدرجة أنها يُمكن أن تَستغرِق أيامًا للتعافي منها. دائمًا ما تكون حالات الغشَيان خطرة. وكان روش بحاجة إلى الحذر من العرض، مدركًا هذا اللفظ بطريقتَين: بوصفه استفزازه الذي يوجهه نحو الجمهور الأوروبي، وبوصفه عملية التماهي التنويمي التي تقود موضوعات (أشخاصًا) معيَّنين سريعي التأثُّر للدخول في حالات خطرة.

figure
الغشية والغشية السينمائية. «السادة المجانين».

يَبرُز «السادة المجانين» بوصفِه عملًا قويًّا على نحوٍ خاص؛ لأنَّ موضوعه، وكذلك منهجه، يتضمَّنان عروضًا وعمليات محاكاة وتحوُّلات خَطِرة. نرى أجساد المشاركين تُصبِح وسائط تَسكنها أرواحُ الهوكا. حينما يهتزُّ أحد المشاركين وكأنه «كمسري القطار»، وآخر وكأنه «عَرِيف الحراسة»، يُصبح التمثيل واقعيًّا أمام أعيننا. وتبعًا لذلك، يُغري روش المشاهدين ليُصبحوا غير ما هم عليه من خلال «وسيط» ما، كان يُسميه دائمًا «غشية السينما». إنه مشهد مُبهج، لكنه مُثير للاضطراب بسبب ما نراه. ومثل أولئك الأفارقة، نحن أيضًا لدينا وظائفنا اليومية التي نتركها لندخل دار العرض؛ لنَعبر لعالم آخر من خلال طقس يُصبح فيه التماهي شديدًا. نَرتاح من أنفسنا لبُرهة، ونتواصَل مع رفاقنا، ومع الآخرين الغامضين المُحتجِبين وراء نطاق إدراكنا، ونعود في النهاية لحيَواتنا حينما ينتهي العرض، مُتجدِّدين حسب ما هو مُفترض. أليس هذا تعريفًا شائعًا للتطهُّر؟

على نحو أوضَح من معظم الأفلام الأخرى، يوجد فيلم «السادة المجانين» في حالات ثلاث متفرِّقة، كلٌّ منها قادرة على إثارة الجدل. قليل من النقاد يَلومون روش على توثيق الطقوس السرية للهوكا (أي «التقاطها» وحفظها)؛ لأنَّ الجماعة ألحَّت عليه أن يفعل هذا، ولأن جمع المادة في هذه الحالة الخام هو العرف السائد في علم الإثنوغرافيا. لكن بعض النقاد شكَّكوا في استخدامه البلاغي لهذه المَشاهد الأولية وطريقته في تحريرها إلى نصٍّ خطابي، وهذه هي حالتها الثانية. واستشاط كثير من النقاد غضَبًا من أن «يُعرَض» عمله في أفريقيا أو في الغرب؛ حيث يُمكن جدًّا أن يُحدث آثارًا سيئة خارجة عن نطاق صانع الفيلم؛ آثار الرفض (تقيُّؤ بعض المشاهدين، وعزل بعضهم الآخر الأفارقة في زاوية عقلية منكرة) أو آثار التماهي (مثل دخول المُشاهدين في حالة غَشَيان يخضع فيها الشخص لسيطرة شيء قوي ومجهول).

كان روش قلقًا بشأن أخلاقيات عرض الكثير من أفلامه. بخلاف آثارها النفسية القوية، وإن لم تكن أكيدة، فإن عرض الأفلام على موضوعات هذه الأفلام (أشخاصها) له تبعات سياسية اجتماعية لا يمكن التنبؤ بها. لا بد أن مشروعه الضخم الذي امتدَّ من عام ١٩٦٧ إلى عام ١٩٧٤ لتوثيق احتفال جماعة الدوجون العِرقية على مدى سبع سنوات، المسمَّى «السيجوي»، الذي يُقام كل ٦٠ عامًا، سيُغيِّر الحدث بكل تأكيد حينما يحلُّ موعده مرة أخرى في عام ٢٠٢٧. لأول مرة منذ ٤٠٠ عام، يُمكن لأفراد الدوجون تقدير شكل المواكب التي يُنظِّمونها حينما تُرى من أعلى (كان روش عادةً ما يضع كاميراه أعالي مُنحدَرات باندياجارا). معنى هذا أن المشاركين في نسخة المهرجان للقَرن الحالي سيُتاح لهم منظور لم يُتحَ من قبل لأسلافهم. علاوةً على ذلك، لم يعودوا في حاجة للاعتماد على ذاكرة الأجداد لتعليمهم هذه العادة التي توارَثَتها الأجيال شفهيًّا منذ القرن السابع عشر. ويُمكن اختبار صور روش لهذه الطقوس المقدَّسة، بعد أن نُقِلت إلى شرائط فيديو، وأقراص دي في دي الآن، في أي أمسية عادية حينما يُشغِّل شخصٌ ما في القرية المولِّد الكهربائي لتشغيل التليفزيون وجهاز التسجيل. وربما أدى هذا لحدوث نقاشات داخل الجماعة لتحسين تصميم الرقصات والأزياء. هل ينبغي اعتبار هذه التكنولوجيا الغربية تقدُّمية في تاريخ شعب الدوجون؟ إذا تراكَمت الطاقة الرُّوحية داخل هذه الطقوس والتعاويذ السرية ثم كُشفت هذه المُمارسات المقدَّسة وعُرضت على العالم، ربما يؤدِّي هذا إلى تبديد الرُّوح التي توحِّد الجماعة.

فتح أبعاد الشاشة

يَزيد نطاق العرض السينمائي من تكثيف هذه التساؤلات الأخلاقية. واتفاقًا مع جودار في هذا الموضوع، يُنسَب إلى كريس ماركر القول: «لا يُصبِح الفيلم فيلمًا إلا عندما يكون الناس على الشاشة أكبر حجمًا من أولئك الذين يُشاهدونه.» صنع ماركر تركيبات متحفية باستخدام الشاشات، وأنتج أسطوانات دي في دي للكمبيوتر؛ لذا فإن ملحوظته لا تؤسِّس نظامًا لترتيب الأفلام، لكنها تؤسِّس تمييزًا؛ فضخامة التجرِبة تَعتمِد على حجم الشاشة. يعود ميلاد السينما رسميًّا إلى أول عرض عام على شاشة في مقهى جراند كافيه يوم ٢٧ ديسمبر ١٨٩٥، وليس إلى اللحظة التي وقَف فيها توماس إديسون لأول مرة على قاعدة بناها لتُتيح لمُشاهِد واحد في كل مرة النظر للأسفل إلى شاشة مُستطيلة صغيرة. أصبحت الشاشات الصغيرة بديلًا مرة أخرى، لكن صور الغَشَيان التي التقَطَها روش يَندر أن تتمكَّن من كسب تأثيرها إن شُوهِدت على تليفزيون تقليدي أو هاتف آيفون.

النطاق الرأسي ذو البُعدَين غير مسئول بالكامل عن قوة العرض السينمائي. في لحظات استثنائية، تُفضي الشاشة المسطحة إلى بُعد ثالث، يُحَس كأنه عمق أو زمن. ليُنجِز روش مشروعه الجذري، يَقطع الغشاء الذي يَفصل بين كل مُستوى من الواقعية والمستوى الذي يليه، مُسبِّبًا اضطراب عالم مَن يُصوِّرهم ومَن يُشاهدون أفلامه.7 خاطر روش بتبديد قيمة طقوس السيجوي بعرض الهروب المقدَّس خلال الغشاء الذي يُركِّز أسرار الثقافة داخل مجال مُحكَم. بعد المرور من خلال عدسة آلة العرض إلى شاشة في أوروبا أو الولايات المتحدة بعد ذلك بسنوات، ربما تهرب القوة الرُّوحية لهذه الطقوس كما يتسرَّب الهواء من إطار مثقوب. لم يواجه روش بفيلم «السادة المجانين»، خطر التبديد، ولكن عكْسه: ماذا يكون الغَشَيان سوى الدخول في نوبات من الهلوسة للوصول إلى تركيز مُذهِل، في حالة مُختلفة تمامًا بلا تأكُّد من العودة بأمان؟ في كلتا الحالتين، تصير الصور قذائف تحفر ثقبًا في الشاشة تمرُّ منه قوة جبارة آتية من مكان آخر.
تتضمَّن الفنون كلها قدرًا من تغيير المستويات، لكن أيًّا منها لا يفعل ذلك بأوضَحَ مما تفعله السينما؛ لأنها تَنقل المُشاهِد من حالة لأخرى بقفزات مفاجئة غالبًا. يمثل الذهاب إلى دار العرض بذاته نقلة دراماتيكية غير مُتاحة لمُشاهد التليفزيون في المنزل. ربما يمكن أن تمثل القصة التالية التي نشرَتْها صحيفة إنترناشونال هيرالد حكايتنا الرمزية:

٨ سبتمبر ٢٠٠٤: اكتشفت الشرطة في باريس دار سينما مجهزة بالكامل في مغارة كبيرة ومجهولة تحت الدائرة السادسة عشر الفاخرة في العاصمة. يَعترف الضباط أنهم مُحتارون في معرفة من بَنى أو استخدم أحد أكثر الاكتشافات إثارة للاهتمام في باريس مؤخَّرًا. عثر بعض الضباط على المجمع السينمائي خلال تدريبٍ تحت مبنى «باليه دو شايو». بعد دخول شبكة الصرف من ماسورة مُجاوِرة لساحة تروكاديرو، صادف الضباط لافتة وراء غطاء تقول «موقع بِناء. ممنوع الدخول.» وراءها كان هناك نفقٌ به مكتب وكاميرا لدائرة تليفزيونية مغلقة مُعدَّة لتُسجِّل تلقائيًّا صور أي شخص يمر. كان هذا النظام يُشغل أيضًا شريطًا لكلاب تنبح، «مصمَّمًا، كما هو واضح، لإبعاد الناس». وعلى مبعَدة من ذلك، كان النفق يُفضي إلى كهف واسع، مساحته ٤٠٠ متر مربع، يقع على عمق ١٨ مترًا تحت الأرض، وكان يبدو «مثل مَدْرج تحت الأرض، يَحتوي على مقاعد ودكك محفورة في الصخر.» هناك عثرت الشرطة على شاشة سينما بالحجم الطبيعي، وآلة عرض، ومجموعة متنوعة من الأفلام تضمُّ كلاسيكيات أفلام «النُّوار» من خمسينيات القرن العشرين وأفلام إثارة حديثة.

هذا الاكتشاف الغريب يكشف الآلية الخفية النفسية والسياسية للعرض السينمائي. بالنزول تحت صخب العمل والتبادُل اليوميَّين، يجتاز المشاهد الشجاع بابًا، أو شباك تذاكر، أو مدخلًا، وأحيانًا ستارة مخملية، تجاه منطقة محروسة تُستحضَر فيها رؤًى قديمة (أفلام «النوار» والإثارة) من الظلام. كتب بازان: «يُمكنُني القول عن السينما إنها ذلك الوميض الخافت الذي يَستخدمه الدليل الذي يأخُذنا إلى ليل حلم يقظتنا، وهو المساحة الكبيرة التي تحيط بالشاشة.» ربما سبق أن جوَّف كريس ماركر هذا الكهف في أعماق باريس لإعداد مسرح أحداث فيلمه «المرفأ» («لا جيتيه»، ١٩٦٢). في هذا الفيلم، تتجمَّع مجموعة من الناجين تحت الأرض لتخطيط لمُستقبلهم، بعد عجزهم عن العيش فوق سطح المدينة الملوث. يختارون «متطوعًا» موهوبًا له خيال قوي، ويُسقِطونه في مناطق زمنية مختلفة بحثًا عن حلٍّ ربما ينقذ الواقع المحكوم عليه بالهلاك.

يُجسِّد «المرفأ» تلك العملية الخارقة التي يجدها سلافوي جيجك فعليًّا في كل فيلمٍ يُثير اهتمامه: حينما تبدو الشخصيات التي يُواجه بعضها بعضًا محصورة في مواقفها بلا خلاص، أو حينما يتَّضح أن الكاميرا استنفدت العالم الظاهر في المنظومة النصية للفيلم، أو حينما يَبدو أن العمل السينمائي عازم على تكرار نفسه في دائرة لا نهائية، حينئذ، قد تأتي قوةٌ ما لتشقَّ الشاشة وتَسمَح بخروج طبقة أخرى من الواقع من ورائها. في السينما الكلاسيكية، غالبًا ما أعادت هذه الطبقة الأعمق تفصيل قواعد الدراما، لكن عادة بالتتابُع، أي بالطريقة التي يُعيد بها فيلم «ساحر أوز» بناء كنساس، أو مشهد لحلم يَبزغ ويَخفت، مُقاطعًا القصة «الواقعية» بشيء من خيال شخصية ما. في السينما الحديثة، تَتعايش مثل هذه الطبقات معًا في هيئة صور افتراضية لبعضها البعض؛ «بطريقة غير مُدرَكة» كما يقول جيل دولوز. يَحتفي جيجك بالأفلام الاستثنائية بسبب الطريقة الواثقة التي تقطع بها مَشاهدها نسيج المنظومة النصية للفيلم بعنف، ثم تَخِيطها معًا بمهارة، مُكوِّنة في الغالب إطارًا داخليًّا لحفظ الطاقة المُنتَجة تحت الضغط أو لزيادتها، ولمَنعها من بالتسرُّب. أوضح أمثلته مأخوذة من فيلم يقترح عنوانه معضلة وهو «الحياة المزدوجة لفيرونيك» («ذا دبل لايف أوف فيرونيك»، «لا دوبل في دي فيرونيك»؛ بودفوينا جوتيا فيرونيكي، ١٩٩١). يُصوِّر كريستوف كيشلوفسكي موضوع الفيلم عن الازدواجية في مشهد جميل: تنظر المغنية البولندية أثناء جلوسها في قطار إلى المناظر الطبيعية المُتعاقبة، أولًا من خلال الزجاج المشوَّه لنافذة القطار، ثم من خلال كرة زجاجية تُمسِكها لتعكس المجال البصري. قدم كيشلوفسكي، سرديًّا وصُوَريًّا، عالَمًا أكبر من أي قصة فردية أو منظور فردي، وحافظ عليه، وفعل هذا من خلال الإطار المحدود، أو الواجهة، لكرة زجاجية صغيرة.

مثل هذه الواجهات الداخلية التي تُضاعِف الحالات يُمكن العثور عليها في الأفلام الشهيرة كذلك. ينبع مثال شهير حيَّر كثيرًا من المشاهدين من فيلم «الجمال الأمريكي» («أمريكان بيوتي»، ١٩٩٩)، حينما قُطِع منظره الطبيعي الفسيح في الضواحي بلقطة طويلة أكثر من المعتاد لكيس بلاستيكي كبير يَتمايل بلا حول ولا قوة مع الرياح. جاءت هذه اللقطة من خلال شريط فيديو وُضع في المشغِّل، وهو ما جعَل شاشة التليفزيون في بيت العائلة من الطبقة المتوسِّطة تَنفتِح على عالَم مختلف تمامًا بزمانه الخاص، مجسَّد بوسيطه الملائم (مقطع فيديو أبيض وأسود). وبالمثل، يُعوِّق مشغِّل فيديو تدفُّق فيلم أُسيئت معاملته خلال هذا «البيان»، وهو فيلم «أميلي». يَقبع تليفزيون مكسو بطريقة غريبة مثل تمثال منحوت في شقة الفنان دوفايال في قَبو البناية، كبُقعة عمياء غامضة. لكن، بفضل أميلي، يظهر شريط فيديو بطريقة غامضة في غرفته، مضيئًا الشاشة، ليعرض الصور الحرة الوحيدة في الفيلم بأكمله: طفل يَسبح تحت الماء، ومُغنِّي أغاني حزينة، ورجل أسود بقدم اصطناعية يَرقص رقصة النقر بالقدم. هل قدَّم جونيه هذه الصور الجرثومية في مقطع الفيديو ليُلوِّث بالمقاطع الخام وهج الصحة المُصطنَع الذي صُنعت صوره بطريقة مختلفة لكي تبثَّه، أم كان يأمل أن يُبرز اللقطة الأخرى في القَبو، وهي لوحة رينوار المهيمنة «جماعة القارب» التي كان دوفايال يهدف لإتقان رسمها؟8

يُشخِّص دولوز السينما الحديثة إجمالًا مُحدِّدًا الحضور المُشترك للبدائل (لمَ لا نُسمِّيها «حالات الواقع الافتراضي»؟) في الأعمال الشهيرة التي أُنتج معظمها بعد الحرب العالَمية الثانية. أبرز مثال قابلناه مرارًا هو المثال الذي كان جاك ريفيت يؤمن بأنه دشَّن الحداثة السينمائية، وهو فيلم «رحلة إلى إيطاليا». في هذا الفيلم، عرَّض روسيليني شخصياته ثنائية الأبعاد لطبقات تحت سطح المنظر الطبيعي لنابولي. عند بركان فيزوفيوس، تقف كاثرين (إنجريد برجمان) مدهوشة ومسرورة حينما تُلقي بسيجارتها داخل حفرة، وتتسبَّب في خروج دخان كثيف من تحت الحقل الذي يُحيط بها كله. رغم ذلك، وفي مناسَبات أخرى، لا تودُّ كاثرين مواجهة أيِّ عالم وراء زجاج سيارتها. في المتحف؛ حيث تبدو التماثيل الرومانية ذات العضلات المفتولة حية في أفضل صورها، تُشيح كاثرين ببصرها عنها. وفي المقابر، حيث توجد عظام الموتى ومُواطِنو نابولي في وقت واحد، تتحوَّل كاثرين عنها. في النهاية، تبتعد شاعرة بالألم من إدراكها الكامل الذي تسبَّبت فيه رُفات زوجَين استُخرجت من تحت الأرض في بومبي حيث فاجأهما بركان فيزوفيوس منذ ١٩٠٠ عام بوميض انفجاره أثناء عناقهما، فثبَّتهما على هذا الوضع إلى الأبد مثل صورة فوتوغرافية، تتَّضح تفاصيلها الآن فقط أمام عينَيها. ينتهي الفيلم ﺑ «معجزة»؛ إذ يتدفَّق فيضان من الرقة أو الحب من مستوًى آخر ليشفي زواجًا مشلولًا، ولو إلى حين.

أتى وعْيي بحساسية الحداثة السينمائية عام ١٩٦٦ مع فيلم «انفجار» (بلو أب). في ذاك الفيلم، أحدث أنطونيوني مايكلانجلو ثقوبًا في الشاشة بذكاء باستخدام الأداة الحادة لوسيط آخر، وهو التصوير الفوتوغرافي. تُشبه نُسَخ الصور الفوتوغرافية المطبوعة المُلتقَطة في حديقة، التي يُحمِّضها ديفيد هيمينجز ثم يُعلِّقها على حبل لتجف، فتحات يَجمح عبرها خياله، وخَيالنا، بالشكوك والسيناريوهات البديلة. نُحدِّق معه، وهو مأسور بثباتها، وخصوصًا بعد الحركة واللون الحيويَّين في المشهد السابق مع موديلاته المراهَقات، خلال مشهد تتابُعي لمُستطيلات بالأبيض والأسود — صور فوتوغرافية، ولقطات، ولطخات — ونَشعُر بريح باردة تهبُّ من فضاء وراء الشاشة. يُعلن فيلم «انفجار» أن أي صورة، مثل أي لوحة أو شاشة تليفزيون، موضوعة داخل الإطار الرئيسي للفيلم، يُمكنها فورًا غمر الشاشة بمادة تَنتمي إلى مستوًى من «الواقع» مُختلِف تمامًا. يُسقِط كلٌّ من الشخصية والمُشاهد مشاعرهما الأخلاقية في هذه الإطارات الداخلية، هذه الواجهات، وهما مؤمنان بأن العالم الخارجي عَرَض شيئًا لا يُرى جزئيًّا في الصور التي نَنظر إليها. لذا فإن «لا نقاء» السينما يتواطأ مع الجهاز الذي يَشغلها: تتفاعَل عناصر مختلفة داخل إطار مُفرد، بينما تنفتح أنواع أخرى من الإطارات داخل الإطار الرئيسي.

figure
عرض التصوير. «انفجار».

الإطار بوصفه عتبة

يُتيح لنا تخيُّل أن الشاشة مسامِّية، كما فعلتُ سابقًا، أن نتخيَّل إطار الشاشة بأبعاد ثلاثية، لا بِبُعدين اثنين، مثل الرَّدهة التي يجتازها المرء في الطريق ليس إلى الصورة ولكن إلى تصوُّرٍ ما ليس هناك بكامله. المرادف الفرنسي لكلمة «لقطة» وهو «مستوى» يُشجِّع هذا الخيالَ؛ إذ يأتي من المسرح، حيث يُشير إلى المستوى الأمامي أو الأوسط أو الخلفي من خشبة المسرح. أحيانًا ما تكون رؤية الجمهور لما يَحدث في الخلفية محجوبة بسبب الستار (وهي مرة أخرى كلمة مشتقة من كلمة «إكرا» ecran الفرنسية التي تَعني سطحًا معتمًا يُستخدَم ساترًا). ومثل مُخرجي المسرحيات الذين يَرفعون الستار بشكل مسرحي أحيانًا، ليُفاجئوا الجمهور بشدة، فإن صناع الأفلام، كما رأينا، ربما يُمزِّقون الشاشة ليكشفوا مستوًى آخر من «الواقع» وراءها. مع أخذ المصطلح الفرنسي في الذهن، يُمكِن التفكير في «المستويات» المُتتابعة في أي فيلم على أنها تكوِّن مخروطًا إدراكيًّا، أو ما سماه بازان — باستخدام التسمية الهندسية الدقيقة — متوازي الأسطح. يفضي شباك الرؤية في الكاميرا، المُماثل للشاشة من حيث الوضع، أي أنه مستوًى مثلها في الشكل — إلى «مستويات» متعدِّدة (لقطات بعيدة بقدرٍ أو بآخر)، لتصنع متَّسعًا إدراكيًّا. باندماج الجمهور مع الفيلم، يَنتقِل خيالهم الموجه بما يَرَوْنه عبر عتبة الإطار إلى داخل المتَّسَع الإدراكي.

إحدى الإشارات الرمزية الجذابة عن قوة العرض التي تتمتَّع بها السينما صنَعها المُخرج الإيراني مُحسن مخملباف عام ١٩٩٢، ردًّا على إزالة غموض السينما الذي أحدثته التكنولوجيا الرقمية. يُعيد فيلمه المعنوَن في فيلم «كان يا ما كان سينما» («ونس أبون اتايم، سينما»، «نصر الدين شاه، أكتور إي سينما») يُجدِّد دخول الكاميرا السينمائية القديمة (السينماتوغراف) إلى بلاد فارس في السنين الأولى من القرن العشرين. حيث يَجب على بطل جذاب يتصرَّف مثل الكوميديان تشارلي شابلن إقناع السلطان بقيمة هذه التكنولوجيا السحرية، وهو ما يَنجح فيه بفضل الجاذبية الأشد لنجمته — خطيبته — التي يقع السلطان في حبِّها تمامًا. الواقع أن السلطان يقع في حبِّ صورتها، ويَعتزم الحصول عليها. وتُتاح له الفرصة حينما تَسقط بطريقةٍ ما عبر حدِّ الإطار في الفيلم الميلودرامي داخل الفيلم، حين يُطلق سراحها الشريرُ وهي تقع من فوق جُرف، هابطة في اللقطة التالية إلى الغرفة نفسها التي يجلس فيها السلطان محدِّقًا فيها من خلال ثقب كينتوسكوب عملاق لعرض الصور المُتحرِّكة. بعد اندهاشه، ثم إثارته، يُطاردها حتى تَعبُر داخل ثقب الجهاز عائدة إلى الشاشة، إلى موقعها الوجودي الملائم بوصفها صورة.

لكون البطل صانع أفلام ومشغِّلًا لآلات العرض في آنٍ واحد، فربما يكون أحد «المشغِّلين» الذين أرسلهم الأَخَوان لوميير في أنحاء العالم مع «سينماتوغرافاتهم». هذه هي الآلة التي رفضها الفيلسوف هنري بيرجسون في كتابه «التطور الإبداعي» عام ١٩٠٨ على نحو مشين، وهو حكم متسرِّع يُبرِّره جيل دولوز بارتباك بيرجسون النابع من المساواة بين التسجيل والعرض، وكان من الأرجح أن يفعل ذلك لأن الجهاز الأصلي كان يقوم بالوظيفتَين فعلًا.9 أما في كتبه هو، فلم يكن دولوز مهتمًّا على الإطلاق ﺑ «السينماتوغراف»، ولكن بالسينما فقط؛ بل بما يُسمِّيه صراحة «جوهر السينما»، وهو نوع من الصور المتحرِّكة التي تُكوِّنها اللقطات، التي يقود فيها المنظرَ المصوَّر — بمعزل عن المنظر الذي تعرضه آلة العرض — تصميمٌ كلي، يُسمى المونتاج. كان هناك أمران يُقيِّدان «السينماتوغراف»:
من ناحية، كان منظور الكاميرا ثابتًا، ولذا كانت اللقطة مكانية وغير قابلة للتحرُّك؛ ومن ناحية أخرى، فإن جهاز التصوير كان مُدمَجًا مع جهاز العرض، مزوَّدًا بزمن مجرَّد متَّسق. وكان من المقدَّر أن يحدث تطوُّر السينما، أي السعي وراء جوهرها أو حداثتها، من خلال المونتاج، والكاميرا المتحرِّكة، وتحرير زاوية النظر، التي أصبحَت مُنفصِلة عن العرض.10

يستمر دولوز في تعريف العمليات الأساسية للسينما بأنها الإطار والقطع، مع استمرار القطع في تحرير الصورة من الإطار؛ حيث يَلتمِس كل فيلم طريقه ليُصبح كُلًّا متطورًا. في فيلمه البهيج، يُقدِّم مخملباف هذه العمليات الجوهرية في السينما بطريقة مثيرة؛ حيث يدع الشرير في الفيلم الذي هو داخل الفيلم يقطع الحبل الذي تتدلى منه البطلة باستخدام سكين، ربما تكون هي أيضًا جهاز قطع أجزاء الفيلم ووصْلها. بعد ذلك تقع البطلة من خلال الإطار داخل اللقطة التالية التي يحدُّها إطار آخر. هذا الاستخدام المزدوج للتأطير ثم القطع سيُميِّز السينما — وسيُكوِّن جوهرها كما كان دولوز يعتقد — منذ زمن تحرُّرها من «السينماتوغراف» حوالي عام ١٩٠٨ حتى زمنه.

هل أدرك أن السينما في ذلك الوقت، حينما كان يصف الأمور في عام ١٩٨٥، كانت تتحول من الداخل، وقد غزتها العمليات الرقمية في الإنتاج، ثم تمزَّقت أشلاءً بسبب توزيع أشرطة الفيديو، والعرض على شاشات التليفزيون الصغيرة؟ خلال «العصر السينماتوغرافي» (١٩٠٨–١٩٨٥) الذي يُريد أنصار السينما الرقمية، مثل سيجفريد زيلنسكي التقليل من شأنه، بينما يُمجِّده عشاق السينما أو يَنعونه، كانت الشاشة الكبيرة هي موقع التحرُّر الدائم من التقييد. تعرض مجموعة الأمثلة التي يذكرها دولوز منذ جريفيث حتى جودار مرة تلو الأخرى صراعًا للصور، حيَّة في وفرة الزمن، ومخترِقة قيود المكان. كان لدى دولوز حساسية فطرية للإطار؛ فهو في النهاية كناية عن «الأقلمة» التي كان يبغضها، بما تعنيه من حدودٍ وقيود وأضلاع مستقيمة. بالإضافة إلى ذلك، كان الإطار هو العنصر المؤسِّس للنظرة الكلاسيكية للسينما التي ربطها شخص مثل رودلف أرنهايم مباشرة بجَماليات الرسم والتصوير.11
كان هذا أبعد ما يكون عن آمال دولوز للسينما. تجعل النظرية الكلاسيكية الإطار منظِّمًا جامدًا؛ فهو يرتب عناصر مختلفة، ويفصل ما هو على الشاشة عما هو خارجها، وينسق كل شيء من خلال هندسة ما نُسمِّيه في الواقع «الإحداثيات». هذه القوة لتشكيل «ما» يُرى، و«كيف» يُرى، حتى لو كانت مُتغيِّرة في التطبيق (من التشبُّع إلى التخلخل، ومن التصميم الهندسي إلى الطبيعية المُسترسِلة)12 تمنح الشاشة سلطة ونظامًا كانا هما ما عمِلَت أفلام دولوز المفضَّلة وكتبه على تحديه. يتحكم الإطار بفعالية في الوقت بتنظيم تدفقاته في أنماط حركية مُرضِية، محافظًا على النظام التمثيلي، ومُحافظًا على المُتفرِّج — ونُكرِّر هنا كلام ستيفن هيث — على «الشاشة داخل الإطار».13 يُؤكِّد الجزء الثاني من كتاب دولوز «الصورة-الزمن»، انهيار هذا المنطق وظهور أنواع أخرى من المنطق أنشأها صنعُ أحداث سمع-مرئية خالصة، وغير قابلة للاستِرجاع بالسرد أو سيكولوجية الشخصيات. ويبدو كتاب «الصورة-الزمن» كما لو كان يَحتاج إلى فهمٍ مختلف للشاشة، لكن دولوز واجَه صعوبة في الإتيان بمصطلحات فنية مُناسبة للآثار المكانية للزمن في شَكلها الخالص.
ما يُمثِّل قيدًا أكبر حتى من التشبُّه بالرسم، هو الدور الذي يؤديه الإطار في التحول التحليلي النفسي والسيميائي لنظرية الفيلم الفرنسية خلال السبعينيات. يقدم هيث أوضح شرح لاهتمامات هذه الفترة في مقاله عن دمج المُشاهِد بما يراه.14 وَفق «سيناريو الدمج» الضمني، يتوقَّع المُشاهِد المُستدرَج بما يبدو أن الشاشة المضيئة تحويه، منظرًا كاملًا، وارتباطًا وثيقًا بكائن يُكشَف عنه، ويُحال بينه وبين ذلك بسبب الإطار، الذي هو حدٌّ «فعلي»، و«مذكِّر» دائم بالحدود. وإذ يُشجِّع الإطار الرغبة في المُشاهَدة، ويُحبِطها في آنٍ واحد، فهو يَحصر ببخل شديد تمثيلًا محضًا مقيدًا بمنظورٍ ما. وإذ يواجَه الخيال بهذا الامتناع، فإنه يحتاج إلى تمثيلات إضافية؛ بل مجموعة كاملة من المناظر المُدمجة معًا داخل نسيج أو نصٍّ كبير يَسعَد المشاهد أيضًا، على نحو غريب، بتضمينها. بهذه الطريقة يُعوِّض نسيج نصي معقَّد — ناتج من التكوين والتحرير والترتيب لوجهات النظر — عن خسارة تلك الرؤية الفطرية الأولية، المُمتدة بلا نهاية. وبهذا يَصير المُشاهِد الراضي في موضع الخضوع للأيديولوجيا.
برأي «مُنَظِّري الدمج»، يُنظِّم الإطار الخيال الجامح، ويُقلِّص من النسخة الكشفية للقوة السينمائية الكامنة، التي سارَعوا في وقتٍ ما إلى نسب أعمق مصادرها لأندريه بازان. حقًّا، سمَّى بازان الإطار قناعًا؛15 يُدرِّب انتباهنا على ما قد يَختبئ خارج المنظر، واعدًا بكشوفٍ وراء ما يُمكن إظهاره على الشاشة.16 أما الشاشة نفسها، فأشاد بازان بتوسيعها إلى السينما سكوب.17 وحثُّ المُشاهِد على «الإحساس» بالحيِّز بدلًا من «قراءة» دلالته وحسب (لا ينبغي أن يكون هدف السينما النهائي هو أن تعني بقدر ما تَكشف). فبوصفه ناقدًا، رغب دومًا في النظر خلال الشاشة، والعيش في المساحة التي وضَعها أمامه صانع الفيلم. وهذا سبب تقديره لرينوار وويلز، وكلاهما صانعًا أفلام مُختلفان تمامًا، يَستنفِدان قدرات المُشاهد الإدراكية بالقدر نفسه. تلتمس رؤية رينوار الطرفية ما هو خارج الإطار؛ بينما تمنح تراكيب ويلز المتباعدة ميزة للمستويات الأقرب والأبعد في الصورة.
هذه وغيرها من التأملات الأسلوبية بمنزلة «المصافي»، وهو تشبيه بازان الذي يُكمِّل في اللغة الإنجليزية الفكرة العامة للشاشة. نقول إن شاشة النافذة تمنع مرور الحشرات، بينما تَسمَح بمرور الهواء عبرها. برأي بازان أن «وجدان» المخرج يُصفِّي تدفُّق الحقائق في المحيط السمع-مرئي دون أن يُغيرها.18 يَختار مُخرج الفيلم الموضوع والمسافة والزاوية بطريقة متَّسقة بحيث تُصفَّى تدفُّقات معيَّنة من المعلومات المُتدفِّقة من بين المعلومات الفائضة عن الحد التي تكوِّن البيئة السمعية البصرية ثلاثية الأبعاد. يُميل صناع السينما الواقعيُّون لاستخدام مصافٍ ذات ثقوب واسعة، بينما يستخدم صُناع السينما التجريديون مصافي ضيقة الثقوب، لكن كلا الطرفَين يهدفان بطريقة فعالة لصنع شيء ما مرئي، ينشأ من التدفُّق الفائق للكون، الذي لا يَظهر إلا جزء منه على شريط السيليولويد. قارن بين هذه الفكرة عن الشاشة وبين فكرة البروفيسور ليف مانوفيتش الأكثر جرأة. يَستخدم صانع الفيلم من وجهة نظره الإطار كمِحراث ليدفع الركام جانبًا، ويُفكِّر في الشاشة كما يفعل رياضي يُشكِّل بجسده «حاجزًا» لمنع اللاعبين غير المرغوبين من المرور نحو الهدف.19
قدرة «الشاشة» هذه على توحيد حركة جزيئات عشوائية، كما يبدو، في «شيء مرئي» تُميِّزها عن «الإطار» الذي يحصر العناصر التي يحيط بها. يقول دولوز في كتابه «الطي»:
لا توجد فوضى؛ هي فكرة مجرَّدة؛ لأنها لا تَنفصِل عن شاشة تجعل شيئًا ما — بدلًا من لا شيء — يَنشأ منها. يُمكن أن تكون الفوضى كثرة خالصة؛ تنوعًا خالصًا غير مترابط، بينما يُمكِن أن يكون الشيء واحدًا. كيف يُمكن أن تكون الكثرة واحدًا؟ يجب أن توضع شاشة عملاقة بينهما. ومثل غشاء مطاطي بلا شكل محدد، [أو] حقل كهرومغناطيسي … تجعل الشاشة شيئًا يَصدُر من الفوضى.20
وكما يقول أحد التعليقات الذكية على هذه الفقرة: ««ما هي السينما؟» لا هي نافذة، ولا هي إطار، السينما حركة داخل كيان أحادي، فوضى على الشاشة.»21
شاشة دولوز الشبكية مُقحَمة في فراغ ثلاثي الأبعاد، وتتوسَّط على نحو استراتيجي «التعدُّد الفوضوي» للحركة الجُزَيئية الدقيقة. كانت النماذج الأخرى المذكورة هنا ذات بُعدين، سواء إطار أرنهايم الجاذب نحو المركز، أو إخفاء بازان الطارد للخارج، أو دمج هيث السيميائي الذي يَصنع رقعة من النسيج التي تَنبسِط أفقيًّا كاللُّفافة. على الرغم من ذلك، فإن الشقوق في النص يُمكنها الكشف عن طبقات من خلف الشاشة المسطَّحة؛ حيث يشق شيء من بُعد آخر طريقه من خلال فجوة، ليُفيض على الرؤية الموجودة بالفعل بأهمية جديدة. تخيل المشاهد، مثل السلطان في فيلم «كان يا ما كان سينما»، وهو يَعْبر من ثقب ليصل إلى ما يُلمَح وراءه. تُفضي السينما، على نحوٍ أكثر بكثير مما تَفعل الصورة الفوتوغرافية، إلى متَّسع إدراكي.22

الشاشة إذًا عتبة يَجتازها المشاهد (أو شباك الرؤية في الكاميرا) على طريق التجرِبة البصرية. وتُضيف العتبة بُعدًا ثالثًا إلى الإطار، عمقًا أو زمنًا. وبصفتها خصيصة معمارية، تظلُّ العتبة في علاقة دائمة بالفضاءات التي تقع على أي من جانبيها؛ لكن بما أنها تسمَح بفعالية لفضاءات مُختلِفة بالتواصُل، وبما أنها تعمل عمل المعبِّر من مكان لآخر، تُشير العتبة ضمنيًّا إلى حركة لا يَفعلها الإطار ولا النافذة مطلقًا. ندخل الأفلام من خلال مجموعة من العتبات بدءًا من ديكور دار العرض والبهو الذي يَحوي ملصقاتها، ثم مرورًا بالستار الذي يُفضي إلى قاعة العرض. نجد مقاعدنا في ضوء خافت بينما يبدأ عرض الإعلانات ودعاية الأفلام التي تجتذب انتباهنا وتركز رؤيتنا على الشاشة تدريجيًّا. وتُظلِم القاعة كليًّا، ويُضبَط الإخفاء مع بداية الفيلم؛ وحتى في هذه المرحلة، يجب علينا المرور عبر شعار الاستوديو، وشارات البداية، ومجموعة من المقدِّمات التمهيدية النصية التي تُسميها نظرية السرد بدقة «أدوات التأطير». هذه الأدوات هي عتبات السينما التي نَعبُر من خلالها في طريقنا إلى ما تحمله الشاشة وما لا تحمله.

إطار السينما ثُلاثي الأبعاد الموسَّع هذا يُميِّزها عن شاشة التليفزيون التي تعمل عن طريق تَتابُع إدراكات لحظية مجموعةٍ معًا في المونتاج. تَعرض شاشة التليفزيون صورًا، بينما تقودنا شاشة السينما نحو ما يَقبع وراء المرئي مباشرة. فاجأ هذا السرياليِّين لدرجة أنه ربما ألهم مؤسِّسي هذه الحركة ببعض المُصطَلحات الرئيسية.23 أفاض كلٌّ من روبير ديسنو وأندريه بريتون وسلفادور دالي، وخصوصًا ماكس إرنست، في وصفِ الإثارة التي تَمنحُها السينما؛ إذ تدفع المُشاهِد للعبور من خلال الفتحات التي تحتويها الشاشة غالبًا، فضلًا عن الفتحة الكبيرة التي هي الشاشة نفسها. ما هي أنواع الواقع التي توجد وراءها؟ ما هي الرغبات التي تُشجِّعنا على أن نُسقطها عليها؟ بإدمانهم لكوميديا الشارع التهريجية التي قدَّمها ماك سينيت، ومسلسلات لوي فوِياد التي حوَّلت باريس إلى دراما سِحرية للبراءة والشر، نظر السرياليُّون إلى السينما على أنها مهرَب الحداثة من الروتين الفاتر للحياة والموت في العصر الصناعي للقرن العشرين.
كثَّف مارسيل دوشامب هذا النوع الجديد من التَّجارِب في فيلمه المُضحِك الذي يُصوِّر رسومات مُتحرِّكة تَندفِع في دوامات، «السينما الضعيفة» (أنيميك سينما) عام ١٩٢٤، وهو العام نفسه الذي أنهى فيه تقريبًا عمله «الزجاج الكبير» (لارج جلاس) الذي يُعزِّز بشكل أكثر إيحاءً فكرة ما عن السينما. جعل هذا العمل، بتمثيله طُعم الاستثارات والإحباطات الإدراكية، دوشامب يُعلِّق قائلًا: «تأملتُ فكرة عرضٍ إسقاطي، بُعد رابع خفي … قامت فكرة «العروس» في «الزجاج الكبير» على هذا، وكأنها إسقاطُ شيءٍ ما رباعي الأبعاد. أَطلقت على «العروس» اسم «تباطؤ في الزجاج».»24 يُمكن القول إن دوشامب كان أول من فكَّر في تأطير السينما داخل جدران المتحف. مثلما قامت الأفلام غالبًا بإقحام لوحات داخل إطاراتها الأكثر شمولًا، تعلمت المتاحف الردَّ عليها، بدفن السينما في غُرف مخصَّصة للعروض، أو على نحوٍ أكثر شيوعًا، داخل تنويعة من مساحات المعارض؛ حيث تظلُّ تُعرَض تكرارًا، أو تظهر على شاشات تقف وحيدة أحيانًا، أو مكدَّسة في مجموعات أحيانًا، أو في أحيان ثالثة تُعرَض في حوار مع الصور الثابتة والمنحوتات والكلمات المكتوبة. مَن يرَوْن هذه الصور لا يُكوِّنون جمهورًا، لكنَّهم «زوار» متاحف بالمعنى الكامل للكلمة، وأحيانًا ما يَكونون زوارًا فُرادى. بعرض تجرِبة شاشة السينما المُتحكَّم بها على نحوٍ مُميَّز، وبطريقة مُثيرة للمُفارَقة غالبًا، فإن المتحف يُثبِّتها بمزيد من العمق.
في فترة ما بعد الحداثة، فكَّك الفنانون إطار الفيلم، سامحين لدماء الحياة السينمائية بالتدفُّق داخل مجموعة من حالات الوسائط المتعدِّدة، سماها الناقد والكاتب الفرنسي ريمون بيلور «الصور المُتداخِلة.» مشيرًا إلى تداخُل حقيقي بين وسائط مثل السينما والتصوير. وتتبع إلى جانب جاك أومون وفيليب دوبوا ولوك فانشيري، مسار جيلَين من الفنَّانين البصَريِّين الذين ابتعدوا بصُورَهم عن السينما.25 على سبيل المثال لم يَعُد المُخرج البريطاني بيتر جريناواي يرضى بتكديس أنواع مُتنافرة من الفنون داخل الشاشات العريضة لأفلام مثل «كتب بروسبيرو» («بروسبيروز بوكس»، ١٩٩١) أو «زد وصفرين» («آ زد آند تو زيروز»، ١٩٨٥). وإذ يقدم تعريفًا جديدًا «للسينما الموسَّعة»، تحتلُّ صُوَره المُتحرِّكة مكانها في تركيبات بجانب اللوحات والمنحوتات. وبإصراره على الخطوة التالية، عرَض جريناواي حتى صورًا في مراكز المدن (في جنيف وبرشلونة)، صانعًا أُطُرًا لمناظرَ هنا وهناك ليرى المواطنون لمحةً مِن جولاتهم اليومية. تُحرِّر هذه الممارسة ذات الإلهام السريالي، العامة من أسر المتحف، فضلًا عن دار العرض، حتى يُمكنهم رؤية الصور عشوائيًّا أثناءَ تجوالهم خلال المساحات العامة.

إذا كان المتحف اختَطف رسميًّا بِنيةَ الإحساس بالفيلم، بحيث يَحتويها من أجل إسعاد جمهوره؛ فالكمبيوتر فعَل شيئًا مشابهًا من أجل المستخدمين الشخصيِّين. لا يُشاهد الأفرادُ الأفلامَ على كمبيوتراتهم الشخصية بطريقتهم الخاصة وحسب، ولكنَّهم يُشاهدونها في نافذة واحدة من بين بضع نوافذ قد تكون عاملة في اللحظة نفسها (ومنها نوافذ بريد إلكتروني، وقاعدة بيانات أفلام على الإنترنت، وملحوظات شخصية، ومدونة مفضلة، وحالة الطقس). تُشكِّل السينما نوعًا واحدًا فقط من محتوى البرامج المتاحة لأنظمة تشغيل «ويندوز» القوية وعتاد الكمبيوتر الشامل. بطلبِ الفيلم من خلال خدمة «أون ديماند» أو عبر «يوتيوب»، يظهر فيلم على «لوحة مسطَّحة»؛ حيث يَختار المُشاهِد بقدرِ عدد النوافذ المعروضة، ثم يَسحبها ويُحرِّكها هنا وهناك مثل أوراق اللعب في لعبة «سوليتير». وتبدو كلمتا «المرقاب» و«العرض» أكثر ملاءمة من كلمة «شاشة» للإشارة إلى التجرِبة البصرية التي يقدمها الكمبيوتر.

مِن شأن هذا أن يكون تقييم ماساكي كوندو، الذي يُميِّز، وفق تقليد مارشال ماكلوهان، كل وسيط بمقارنته بجهازه. يصف السينما بأنها شكل من أشكال «الحجرة المظلمة»، وهي جهاز بصري فسيحٌ بما يَكفي لاحتواء إنسان يَجلس داخله مُتتبِّعًا الصور التي يُشكلها العالم على حائطه الخلفي، شبكيَّتِه.26 يَجلس المُشاهِدون داخل هذا المتَّسَع، مثل السجناء في «كهف أفلاطون»، يُحدِّقون للأمام في صور مُنعكِسة، يَعكسون عليها أفكارهم بدورهم. يتضاعَف أثر هذا الصدى والتجاوب في السينما، كما يقول كوندو، بفضل التأخُّر الذي يَحدث من لحظة تصوير الفيلم، إلى لحظة عرض الصور، والانتزاع من العالم المادي الذي حدَث فيه التصوير إلى صالة السينما. يكتب كوندو إلى أي مدًى تختلف تَجرِبة السينما عن تجرِبة التليفزيون الذي تكون شاشته غير العاكسة رقيقة كصفحة جزيئات مفردة، والصورة مُلصَقة عليها. بالإضافة إلى ذلك، تربط شاشة التليفزيون المُشاهد بالصورة في الوقت الفعلي بلا تأخير. تَستلزم ألعاب الفيديو استجابة فورية. وفيما يخصُّ التليفزيون، فإن نشرة الأخبار المسائية، وقناة الطقس، والبرامج الحوارية تخاطبنا كلها مباشرة في الزمن الحاضر. ويُذكِّرنا هذا على نحو غريب بسينماتوغراف الأخوَين لوميير التي كانت، بِناءً على نموذج «عروض التسلية» في القرن التاسع عشر، تقود ذهول المشاهد من خلال الكلام المباشر الذي يتحدَّث به منادي ساحة العرض أو الساحر.27 على العكس، كما أوضَحه مالرو في مقاله «المخطط»، وردَّده بازان، صُمِّمت حداثة السينما وفق حداثة الرواية، وانحرافها وكثافتها، وبُعدها الإضافي المتعلق بالمتسَع والزمان. شاشة كمبيوتر القرن الواحد والعشرين، مثلها مثل «سينماتوغراف» القرن التاسع عشر تمامًا، تُقدِّم للمشاهد الحاضر، بصرف النظر عما يُعرَض فيه. أما السينما — الوسيط الذي سيطَر على القرن العشرين ما بين هذَين الاختراعَين — فتجذب المشاهد إلى عالم آخر، ولقاء مع شيء ماضٍ وبعيد المنال تمامًا.
figure
على العتبة. «رسالة من امرأة مجهولة».
لم يفهم ناقد فني منذ زمن بازان هذا الجذب الذي يُمكن أن تفرضه السينما أفضل مما فهمه سيرج داني. بعد تركه رئاسة تحرير «كاييه دو سينما» ليُصبح ناقدًا تليفزيونيًّا، وجد نفسه في موضع يمكنه من خلاله تحديد ما يُمكن توقُّعه من كلا الوسيطين. في مراجعته اللاذعة لفيلم جون-جاك أنو «الحبيب» التي ذكرتُها في الفصل الأول، كان داني قلقًا من أن الأفلام بدأت في ترويج «الصورة الهزيلة» المصنوعة وفي الذِّهن جمهور التليفزيون، متجاهلة الزمن المَرِن الذي تتمتَّع به السينما.28

لا يُدرك أنو أن هناك أشياءَ تراها دون أن تراها بالفعل، وأشياءَ أخرى تُحدِّق في وجهك لكنها لا تعكس أي تجرِبة واقعية؛ أن هناك لحظات يجب عليك فيها ألا تُحدِث ضوضاء شديدة؛ أن هناك أشياء موجودة في كل مكان لكنها غير ذات أهمية، وأخرى غائبة لكنها قوية؛ أن هناك كذبات جمعية وحقائق جزئية. باختصار، أن هناك تجارِب تجد السينما صعوبة في معالجتها (لكن يكفيها شرف المحاولة).

يَكمن جلال السينما في التوقُّعات التي تثيرها، وفي الجهد الإدراكي الذي تتطلَّبه، وحتى في قصورها في وجه ما يستعصي على التمثيل المعد سلفًا. شكا داني من أن فيلم أنو يهدف لتقديم صورة جميلة في كل لحظة. وفي فعله هذا، يهمل موضوعه، وكذلك دراما استكشاف ذاك الموضوع، حينما يُجذب المشاهد، كما في السينما الأصيلة، من صورة إلى لاحقتها بحثًا عن شيء لا تستطيع الشاشة عرضه. رغم أن فيلم «الحبيب» مأخوذ من راوية كتبتْها مارجريت دوراس، مسكونة بالماضي، فهو يعلن عن نفسه مثل مُلصَق إعلاني. ولكونه إظهاريًّا تمامًا، لا يملك الفيلم ما يخفيه؛ ومن ثم فليس لديه ما يُقدمه أكثر مما نراه.

موضوع البحث البصَري هذا، وهو موضوع مُهيمِن في أعمال بازان، جعل أفلامًا معينة محببة للنقاد الذين يَتبعون مذهبه، أولئك الذين يُحبون أن يجري اجتذابهم من خلال مَعبَر إلى رؤية ما قد لا يكون قابلًا للرؤية على الإطلاق. صوت ليزا في فيلم ماكس أوفالس «رسالة من امرأة مجهولة» (لِتر فروم آن أنُّون وُمان) يسحب المشاهد نحو الماضي، ونحو مواجهتها ما لا يوصف، وانتهاءً بالموت. في لحظة رمزية مبكِّرة، تُثار حرفيًّا من سريرها (موقع الخيال الجنسي) لتَعبُر عتبة باب شقتها، منسلَّة من جانب الرقيب (والدتها) في طريقها لعتبة شقة ستيفان. تشبُّ لأعلى لتفتح عارضة الباب، ثم تُحدِّق من الشاشة حيث لا بد أن ستيفان مُستغرِق في موسيقاه. سيغوي ليزا لاحقًا بإخبارها بأنه حينما يعزف يتخيلها في بيانوه. بما أن موسيقاه هي ما أثارها كالسائر في نومه لتتَّجه نحوه، ألا يُمكننا القول إنها تبحث عن نفسها المختفية في تلك الأوتار؟ قارن ستيفن هيث هذا التضاد بمشهد من فيلم «في عالم الحواس» («إن ذا ريلم أوف ذا سنسز»، ١٩٧٦) حين تتلصَّص خادمة من خلال الستائر داخل غرفة حيث يَختبئ العاشقان بعضهما في بعض، ويَنفُذ بعضهما في بعض عبر ثَغْريهما، في الطريق إلى ما لا يُمكِن رؤيته تمامًا في النهاية، وهو محل اللذة.29

من الأمثلة الأقرب إلى زمننا هذا فيلم حديث نوعًا ما، هو فيلم وونج كار-واي «في مزاج للحب» («إن ذا مود فور لف»، ٢٠٠٠) الذي أصبح فيلمًا «فتيشيًّا» حينما أخفى بدقة كبيرة الخواء الذي يَسكن قلبه. لا يتوحَّد المشاهد أو يتعاطف مع الحبيبَين اللذَين يؤجَّل غرامهما باستمرار، مع بحث الكاميرا عن علامات ثم آثار للمشاعر. تستجيب الكاميرا، بمرورها مثل المُتلصِّص وسط السلالم والأبواب المواربة والأَرْوِقة المغوية، للتلميحات والهمسات، متجهة للداخل دائمًا، مصوِّرة مساحات ربما تكون مملوءة بالعناق؛ حيث تنتظم فيها الشخصيات ومَشاعرها على نحو ملائم. كل هذا، وربما كل السينما، يُوجَز في الخاتمة في معبد أنجكور وات؛ حيث يهمس البطل بشوقه داخل شَق، هو المكان المقدس للفيلم (وللحبيبَين). تسد كومة من التراب هذا الشق لإيقاف الرغبة. وبتجول الكاميرا خلال ممرات المعبد وأعمدته بعدئذ، يمكننا تقريبًا سماع أصداء الهمسات المنحدرة من ثمانية قرون من الصلاة والحج، ثمانية قرون من المشاعر الإنسانية المرتقى بها إلى سموٍّ فانٍ في هذا الموقع المقدَّس وإن يكن فارغًا. يعمل معبد أنجكور وات عمل دار عرض سينمائي تحلِّق فيها وفوقها ومن ورائها رومانسية مؤجَّلة. ليت الكاميرا استطاعت — رغم كل تتبعها المستمر — التنقيب في هذا الشق في الحائط الأثري كاشفة الرغبة للأبد! في هذه اللحظة، في هذا المكان، تنقلب المشاعر على نفسها بعدما فشلت في التعلق بشيء مُناسِب. أليس هذا بنيان الحنين إلى الماضي، الشعور اللائق بالولع بالسينما؟ أصبحت اللقطة التتبُّعية في تصميم مشهد التصوير الداخلي هي قوام الولع بالسينما. وكما في فيلم «العام الماضي في مارينباد» («لاست يير إن مارينباد»، «لانِّيه درنيير آ مارينباد»؛ رينيه، ١٩٦١)، يَشعُر المُشاهد بعبوره من إطارات إلى إطارات أخرى، بنكوص لا نهائي، ودوار سامٍ، لينتهيَ به الحال إلى لا شيء إلا الشعور الذي يحدثه هذا العبور.

الكتابة باستخدم الإطار

يُرتِّب أوفالس ورينيه ووونج كار-واي لقطات استدعاء أو اجترار ذاتي من أكثر الموضوعات تلاشيًا، وهو الرغبات المحبطة. وبطبيعة الحال، فإنهم يُساهمون بقدر كبير في دراسة لعناصر السينما وبنياتها. لكن نموذجهم لتجرِبة الفيلم يَنطبِق عمومًا على كل الأفلام التي تبحث عن موضوع يصعب تصويره. ليس فقط في صنف الرومانسية أو التوق للماضي، ولكن في أي صنف (سحري أو كوميدي أو شكوكي أو ساخر)، يعني الذهاب «إلى» السينما، الذهاب «مع» الفيلم، وملاقاة رؤيته للعام برؤًى من عندنا. الشاشة — المَسامِّية ولكنها في قبضة الإطار — هي مكان اللقاء المضطرب الذي تُعرَض عليه شظايا من عوالم غير محدودة من الاتجاهَين كليهما. تمتزج مجموعة من الأصوات والصور (رغم أنه تم التقاطها وتنظيمها وتصميمها من أجل هذا) وتنصهر مع المشاعر والأفكار المجلوبة لها من المُشاهِدين الذين يأتون من الشارع.

يحتلُّ العرض مكانه في النهاية المفتوحة لعملية سينماتوغرافية تبدأ بتكوين الإطارات. نقول إن منظرًا أو موقفًا أو قصة أو نقاشًا يوضع في إطار حينما تؤخذ عناصر وثيقة الصلة معًا بصفتها مجموعة، بحيث يُحَدِّد موقعُ كل عنصر ووظيفتُه موقعَ غيره ووظيفتَه بالتبادل، وبالنسبة إلى الكل. بعد ذلك يستقر عالَم كامل على الشاشة، ويتكشف طبقًا لتصميم حَبْكته. ثم يَنطلِق العرض من الإطار، ويكون هذا بمعنيَين. من جهة، كما فصَّلنا بالفعل، فإن الشاشة المسطَّحة يمكن أن تغزوَها عناصر آتية من خلفها أو من ورائها، وكأنها من بُعد ثالث. ومن الجهة الأخرى، يُسقِط المشاهد نفسه باتجاه الشاشة آخذًا الفيلم إلى ما وراء سياقه الأصلي داخل إطارات لم يتوقَّعها صانعها.

بتشخيصه بهذه الطريقة، على أنه تمزيق للإطار وتفصيل للرؤية، يعمل العرض السينمائي تمامًا بالطريقة التي يصف بها بول ريكور الاستعارة. حينما يُفاجأ خطاب موضوع في نطاق لغةٍ ما بتعبير جريء دخيل، فإن مفردات نطاق لُغوي آخر ومنظوره يَجرفان الأول، مُظهرَيْن جوانب جديدة للموضوع. على سبيل المثال، حينما وُصِف صوت آلة التوبا الموسيقية لأول مرة بأنه صوت «ثقيل»، انتشر طيف من ألفاظ «اللمس» انتشرت في نطاق الأدوات الموسيقية، معزِّزة إدراكنا الحسي للصوت بمنحها إحساسًا ما (ناعمًا أو هشًّا … إلخ)، على الأقل إلى أن تلاشت صدمة الاختلاف وأصبحت صيغة مُنتشرة. بالمثل، وبمجرد أن يُفاجئنا «شكل» سينمائي (مثل تثبيت الصور هنا وهناك في فيلم «جول وجيم»، على سبيل المثال، أو معارضة هذا الفيلم نفسه للتركيبات الدائرية والمثلثية)، تَنفتِح الشاشة على مستوًى جديد من الدلالة، متطلبة مجهودًا في التفسير، لتجسيد تصميم مرئي، حديثًا في الموضوع.

وفقًا لرأي ريكور، الإسقاط هو تفصيل لموضوع النص، بجانب أنه «تطبيق» لدلالته المدرَكة للعالم الذي نعيش فيه. في السينما، يحدث هذا الإسقاط المزدوج على موقع الشاشة؛ لأنه في هذه الحالة يُصبح الإسقاطان موضوع تركيز واندماج: أحدهما يُصفِّيه المخرج، والآخر يملؤه المشاهد. السينما هي «إسقاط» يحدث داخل عتبة الشاشة.

اسمحوا لي أن أنتقل من العتبة التي يُمكن أن يُصبح عليها أي فيلم إلى العتبة التي تُكوِّنها السينما نفسها بوصفها مكانًا ينظر للوراء إلى القرن التاسع عشر، وللأمام إلى القرن الواحد والعشرين، بوضع قدَم في كل جانب. ودعوني أسترجع للمرة الأخيرة مسلَّمة «كاييه» التي تقول «السينما مرتبطة بالواقع، ولا علاقة للواقع بالتمثيل، وهذا أمر نهائي.» أَدرك سيرج داني أن «إسقاط» السينما مرهون بالكتابة ومكتمل بها. في المقابلة التي تفتتح أعماله المجمَّعة، يقول مباشرة: «الأمر بسيط تمامًا — أي السينما التي أحبَّتها «كاييه» — منذ البداية، هي «سينما مسكونة بالكتابة». هذا هو المِفتاح الذي يجعل من الممكن فهم الأذواق والاختيارات المتتابعة … دائمًا ما كان أفضل صناع الأفلام الفرنسيين — في الوقت نفسه — كُتَّابًا (رينوار وكوكتو وبانيول وجيتري وإيبستين.)» يذهب محرِّر المجلة الحالي، إيمانويل بوردو، أبعد من هذا بقوله إن أنصار بازان الذين أصبحوا صناع أفلام مشاهير — رومير وجودار (ولعله أضاف تروفو) — كانوا مشروعات كُتَّاب مهووسين بالأدب. بوردو مُتيقِّن أن علاقة السينما بالكتابة تحدِّد نهج «كاييه» حتى أكثر من إخلاصها لفكرة «تصميم المشهد».30

مات بازان بعد أن لمح المواجهة الجذرية للسينما مع الكتابة التي تطوَّرت بواسطة مجموعة «جماعة الضفة اليسرى» التي كان في القلب منها صديقاه كريس ماركر وآلان رينيه. كان قد حجز بالفعل مكانًا مميزًا في السينما الحديثة لمن كان سعيدًا بتسمية أفلامهم «مقالات» («كل ذاكرة العالم»، و«ليل وضباب») تَمزج سردًا أدبيًّا راقيًا خارج الشاشة بحركات كاميرا مثيرة للتفكير. انتقل كريس ماركر بسلاسة من مقالاته في مجلة «إسبري» و«التعليقات» على الأحداث التي كانت تَنشرها دار «إديسيون دو سوي» وكانت تمزج بين النص والصور إلى صناعة فيلم مثل «رسالة من سيبيريا» («لِتَر دو سيبِري»؛ ماركر، ١٩٥٧)، الذي كتب بازان مراجعة عنه تُشيد به قبل أسبوعين من وفاته. أما رينيه، فقد غير وجه السينما بعد موت بازان بشهور فقط بفيلم «هيروشيما حبي» ثم مرة أخرى بفيلم «العام الماضي في مارينباد»؛ حيث يَمزج الفيلمان بين الكتابة وصناعة الأفلام فيما يمكن أن يسمَّى فقط مغامرة نظرية في «الكتابة» المتوسعة. وسرعان ما أمسك كلٌّ من مارجريت دوراس وآلان روب-جرييه — اللذَين قدَّما النصوص في هذين الفيلمَين — بالكاميرا بنفسيهما، وشرعا في إخراج الأفلام. وقد دعمَتهما هَيبة الفيلم المتزايدة في الجامعات وفي الدوريات التي أنتجتها هذه الجامعات.

كانت إحدى الشخصيات البارزة في الانتقال من نوادي السينما إلى ثقافة السينما في الجامعة هي الباحثة الفرنسية ماري كلير روبار التي خلفت بازان في مجلة «إسبري» بعد عام ١٩٥٨. يؤسِّس أول كتابَين لها، وهما «شاشة الذاكرة» و«من الأدب إلى السينما» الإشكالية الأدبية في السينما. ولم يمرَّ وقتٌ طويل قبل أن تتبنى روبار نظريات جاك دريدا، وتكتب تحليلات مُطوَّلة لفيلم «مورييل»، ولفيلم «أغنية الهند» (إنديا سونج) لمارجريت دوراس الذي ناقشته في أقوى أطروحة لها بعنوان «النص المُقسَّم». لعل جودار أغلق هذه الدائرة حينما طلب من دوراس أن تُمثِّل بنفسها في فيلم «حركة بطيئة» («سلو موشن»، «سوف كي بو (لا في)»، ١٩٨٠). تسألون عن هدفه؟ تصوير الأصالة، ومنح صورة للكتابة.

«السينما بوصفها كتابة» هي فكرة لها جذورها في مقال أستروك الذي صدر عام ١٩٤٨ عن «الكاميرا-القلم» الذي يَفترض المكانة التي لا غنًى عنها للكتابة النقدية بوصفها المُكمِّل الضروري لأي فيلم له مستقبل. قد يُثار النقد بالصور، لكنه يثيرها بدوره أيضًا؛ إذ يُحاول توضيح ملامح واقع ما — موضوع سينمائي — هذه الصور هي آثاره. ولذا، ومن البداية إلى النهاية، بداية من النص أو الفكرة المُدوَّنة بارتجال، إلى التفصيل النقدي، تعمل الكتابة يدًا بيد مع الصور في ممارسة ثنائية القطبين تهدف منها السينما المشوبة، من البداية، للوصول إلى كل أنواع الموضوعات وكشفها وتفصيلها، ومنها الموضوعات التي كانت في وقتٍ ما أو ما زالت غير قابلة للتخيُّل لأنها تنتمي إلى «المادة» أكثر مما تَنتمي إلى «الموضوع» البشري.

في زمن بازان، قدمت فنون الرواية والمسرح والرسم الناضجة موضوعًا ساعد السينما الناشئة في النضوج. واليوم، وبعد أن اكتسبت مكانتها في المناهج الجامعية وعلى صفحات الفن في الصحف والدوريات الثقافية، فإن حيوية السينما و«لا نقاءها» الضروري يأتيان الآن من الاتصال بالكتب المصورة وبالتليفزيون وبالموسيقى الشعبية وبألعاب الفيديو وبثقافة الكمبيوتر. لن تَحتفِظ السينما بحيويتها وثقلها اللذَين عملت على تحقيقهما على امتداد قرن، بمجاراة الثقافة الشعبية؛ ولا ينبغي لها أيضًا التقهقر إلى ملاذ الأفلام ذات القيمة الفنية العالية أو دار عرض الفنون المتخصِّصة (على الرغم من أن هذا يَحفظ رأس مال ضخم من الأفلام العظيمة التي تُموِّل استثمار السينما في أي مستقبل تصنعه). بدلًا من ذلك، يجب على السينما المضي قُدمًا في القرن الجديد باستيعاب الموضوع الذي يُحيطها، وهو ثقافة وسيط جديد على نحو مُتزايد. ستكوِّن الأفلام المشوبة الناتجة، ولا شك، سينما مختلفة عن التي عرفناها، لكنها ستكون سينما جديرة بماضيها إلى درجة أنها تحافظ على ما قد تكون أفضل تُسميه له هي الروح السينمائية. ما ورَّثه أندريه بازان هو توجه أكثر منه مذهبًا؛ توجُّه مليء بالفضول والتلقائية والاستجابة لواقع يُنظَر إليه إلى ما لا نهاية على أنه مُبهَم ويستحق اهتمامنا. يلتقي أفضل صنَّاع الأفلام بأفضل النقاد على عتبة الشاشة حيث تحكم الصور، لكن فقط كي تقود إلى ما وراءها.

هوامش

(1) Régis Debray, Vie et Mort de l’image (Paris: Gallimard, 1992), chs 8, 10, and 11.
(2) Garrett Stewart, Framed Time (University of Chicago Press, 2007), has identified examples of post-filmic cinema in Hollywood and Europe since the 1990s, each operating on the principle that the image is not a photograph and can be changed (morphed) internally.
(3) Cited by Timothy Murray, “Debased Projection and Cyberspatial Ping: Chris Marker’s Digital Screen,” Parachute, 113 (2004), p. 92. Murray tracks this remark to Chris Marker’s “Immemory.”
(4) See Seung-hoon Jeong, “The Interface in Film Theory,” Ph.D. dissertation, Yale University, 2010.
(5) The Lumières designed their apparatus to perform both operations. Subjects who stood in front of the cinématographe, framed to be recorded, would, a few days later, look away from it toward a screen on which they could see their likenesses projected.
(6) Ousmane Sembène remained ornery to the end, objecting to the way Rouch put Africans under his microscope like insects.
(7) As much a Surrealist as ethnographer, Rouch reminds us of Buñuel slicing the eye of the woman/donkey to open Un Chien andalou (1929).
(8) Paintings shown in movies need not always connote domesticated representations in this way. In the most striking scene of The Marquise of O (1976), Eric Rohmer mimics a disturbing painting by Fuseli, “The Nightmare (Incubus),” halting the film’s trajectory and raising its concerns to a higher power. This painting overdetermines the narrative, flooding it with a waterfall of significance that drops from an eighteenth century plateau that we hadn’t imagined was in range.
(9) Gilles Deleuze, Cinema 1: The Movement-Image (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1986), p. 3.
(10) The French original from Cinéma 1: l’image-mouvement (p. 12) is as follows: D’une part la prise de vue était fixe, le plan était donc spatial et formellement immobile; d’autre part l’appareil de prise de vue était confondu avec l’appareil de projection, doué d’un temps uniforme abstrait. L’évolution du Cinéma, la conquête de sa propre essence ou nouveauté, se fera par le montage, la caméra mobilé, et l’émancipation de la prise de vue qui se sépare de la projection.”
(11) Rudolf Arnheim, Film as Art (Berkeley: University of California Press, 1957), pp. 9–14 and 158-9. Many pertinent observations relating cinema to painting and graphic art are found in his later volume, Art and Visual Perception (Berkeley: University of California Press, 1971).
(12) Deleuze, Cinéma 1, pp. 24–6.
(13) Stephen Heath, “On Screen, In Frame: Film and Ideology,” in Questions of Cinema (Bloomington: Indiana University Press, 1981).
(14) Heath, Questions of Cinema, ch. 3, pp. 76–112.
(15) André Bazin, “Théâtre et Cinéma,” in Qu’est-ce que le Cinéma (Paris: Editions du Cerf, 1981), p. 160. Translated in What is Cinema? I, p. 103.
(16) Frequently citing Bazin as well as suture theorist Jean-Pierre Oudart, Pascal Bonitzer aptly titled his hymn to modern cinema Décadrages (Paris: Editions Cahiers du Cinéma, 1985).
(17) André Bazin, “Le Cinémascope: fin du montage,” in Cahiers du Cinéma, 31 (1954), p. 43, and “Le Cinémascope, Sauvera-t-il le Cinéma,” in Esprit, 43 (Oct.-Nov. 1953).
(18) André Bazin, “Défense de Rossellini,” in Qu’est-ce que le Cinéma?, pp. 351-2. Translated in What is Cinema? vol. II, p. 98.
(19) Lev Manovich, Language of New Media (Cambridge: The MIT Press, 2001), p. 100. Manovich treats the cinema screen as a transitional device overtaken by the “windows of computers” on which multiple frames can coexist.
(20) Gilles Deleuze, The Fold: Leibniz and the Baroque (Minneapolis: University of Minn. Press, 1993), p. 76, translated by Tom Conley from Le Pli (Paris: Editions de Minuit, 1988), pp. 103-4. The key term for us, “Screen,” is not écran in French, but crible, which might otherwise be translated as “sieve.” Conley’s selection of “screen” suits me better of course. The original reads: “Le chaos n’existe pas, c’est une abstraction, parce qu’il est inséparable d’un crible qui en fair sortir quelque chose (quelque chose plutôt que rien). Le chaos serait un pur Many, pure diversité disjonctive, tandis que le quelque chose est un One … Comment le Many devient-il un One? Il faut qu’un grand crible intervienne.”
(21) James Tweedie, “Neobaroque Cinema in Europe since 1975,” Ph.D. dissertation, University of Iowa, 2002.
(22) The screen is a term and a device used in other media too, of course. As a partition on a theater stage, it strategically blocks the view of what hides in a deeper plane until the moment it is dramatically revealed. As for computers, the words “portal” and “windows” imply a dimension of depth to the flat panel on which everything is laid out.
(23) Haim Finkelstein, The Screen in Surrealist Art and Thought (London: Ashgate Press, 2008).
(24) Pierre Cabanne, Dialogues with Marcel Duchamp (New York: Da Capo, 1987).
(25) Raymond Bellour, Entre-images (Paris: La Difference, 1990).
(26) Masaki Kondo, “The Intersection of Mi (Me-Body) and Tai (You-Body) in Photography,” Iconics, 1 (1987), p. 5; see also his “The Impersonalization of the Self in the Image Society,” Iris, no. 16 (1993), p. 38.
(27) See, among others, Tom Gunning’s famous essay, “The Cinema of Attractions: Early Film, Its Spectator and the Avant-Garde”; in Thomas Elsaesser and Adam Barker (eds.), Early Film (London: British Film Institute, 1989).
(28) Serge Daney, “Falling out of Love,” Sight and Sound (July 1992), pp. 14–16.
(29) Stephen Heath, “The Question Oshima,” in Questions of Cinema, pp. 145–64.
(30) Emmanuel Burdeau, “Interview” with Dudley Andrew, Framework, 50 (2009).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤