أولًا: دراسة التاريخ

هناك فرق بين تاريخ الفلسفة الذي يقوم به المؤرخون راصدين تطورها التاريخي على نحوٍ زماني خالص، ناظرين إليه من الخارج، فهم ليسوا فلاسفة محدثين ولا قدماء، وتاريخ الفلسفة الذي يقوم به فلاسفة محدثون أو قدماء، فهم فلاسفة يؤرخون لتاريخ الفلسفة، لهم رؤية ومنهج، ولهم غاية وهدف، شعوري أو لا شعوري، عن وعي أو عن لا وعي. هو تدوين للتاريخ يقوم على فلسفة في التاريخ، وليس مجرد رصد زمني لأعلامها. وعندما تؤرِّخ الفلسفة لنفسها عن طريق فلاسفتها، فإن ذلك بداية الوعي التاريخي والتراكم الفلسفي. ترى الفلسفة نفسها في التاريخ، وتؤرِّخ لنفسها بنفسها منذ البداية حتى الذروة. وعندما يؤرِّخ المؤرخون للفلسفة، فإن ذلك يكون بداية النهاية، توقف الوعي التاريخي الفلسفي عن الإبداع واكتماله في مرحلة تدوين الفلسفة لذاتها. البداية من الداخل والنهاية في الخارج. البداية ذات واعية، تاريخها جزء من إبداعها، والنهاية موضوع متحجر تحوَّل إلى متاحف التاريخ.١ فالمؤرخون فلاسفة، والفلاسفة مؤرخون، والوعي التاريخي لديهم هو الوعي الفلسفي، كما أن الوعي الفلسفي هو نتيجة الوعي التاريخي.٢
ويمكن عرض المؤلفات التي دونت الفلسفة بثلاثة مناهج:
  • (أ)
    المنهج التاريخي الذي يتم طبقًا له ترتيب هذه المؤلفات زمنيًّا لمعرفة تطوُّر طرق التدوين، نشأتها وذروتها ونهايتها، مما يكشف عن مسار الوعي الفلسفي التاريخي، ابتداءً من القرن الثالث حتى هذا القرن، القرن الرابع عشر. وربما يكشف عن تطور النص التاريخي كنوع أدبي. وقد مضى الآن عقدان من الزمان من بداية القرن الخامس عشر استمرارًا للقرن الماضي. ويكشف هذا التسلسل الزماني عن الحقائق التالية:٣
    • (١)

      ظهور الوعي التاريخي مبكرًا منذ عصر الترجمة وعند المترجمين، خاصةً حنين بن إسحاق، واستمراره على أكثر من ألف عام؛ فالترجمة تدل على وعي تاريخي عند المترجم بالتدوين ونقل الحضارة الحديثة للحضارة القديمة، احترامًا لها، واعتزازًا بها في مسار حضاري واحد متصل.

    • (٢)

      تبلور النص كوحدة مستقلة منذ عصر الترجمة في صيغة نوادر للفلاسفة والحكماء، كما فعل أيضًا حنين بن إسحاق؛ فالقول أهم من القائل، والنص له الأولوية على المؤلف، والفكرة هي الماهية، والمعبر عنها هو العرض.

    • (٣)

      ظهور الوعي التاريخي الفلسفي عند المشتغلين بالفلسفة أنفسهم كعمل فلسفي على تاريخ الفلسفة. فتاريخ الفلسفة يكتبه الفلاسفة، ويدوِّنه أهل الدار وليس الغرباء، آل البيت وليس الدخلاء. المؤرخون فلاسفة يدوِّنون صنعتهم. وقد تدهور الأمر في النهاية منذ القرن الماضي عندما دوَّن الفلسفةَ مؤرخون لأي شيء ولكل شيء في آنٍ واحد. فأصبح الفلاسفة جزءًا من التاريخ العام.

    • (٤)

      الفلاسفة المؤرخون هم الأطباء، مثل: حنين بن إسحاق، وابن جلجل، وابن هندو. وهم أيضًا الوراقون مثل ابن النديم، ومؤرخو الديانات مثل البيروني، والمتكلمون مثل الشهرستاني والفلاسفة الخُلَّص مثل السجستاني وابن فاتك، ومؤرخو الطبقات مثل القفطي وابن أبي أصيبعة وابن خلكان والكتبي، والمؤرخون الخُلَّص مثل صاعد وابن خلدون، أو العلماء أصحاب النظرة الشاملة للعلوم كالخوارزمي والسكاكي وحاجي خليفة وإسماعيل باشا، أو أصحاب القواميس والموسوعات المحدثون مثل رضا كحالة والزركلي.

    • (٥)
      تناثر البنية وتجزئتها في التاريخ؛ فالقول كمادة للتدوين يظهر في البداية عند حنين بن إسحاق، وفي المنتصف عند ابن هندو والمبشر بن فاتك. وهو أفضل نوع أدبي لأنه يؤرِّخ للأقوال وليس لأصحابها، وللماهيات وليس للأعراض. والتأريخ للوافد والمورث كمرآة مزدوجة تعكس صورة كلٍّ منهما في الآخر تظهر في البداية عند الخوارزمي والسجستاني، وفي الوسط عند البيهقي. وتاريخ الحضارات العامة والخاصة يظهر في البداية عند صاعد وفي النهاية عند ابن خلدون. وتقسيم العلوم يظهر في البداية عند ابن النديم وفي الوسط عند السكاكي والخوارزمي (أبو بكر) وفي النهاية عند طاش كبري زاده وحاجي خليفة وفؤاد سزكين. وأسماء الأعلام في البداية عند ابن الفرضي كما تظهر في الوسط عند القفطي وابن أبي أصيبعة وابن خلكان والشهرزوري وفي النهاية عند الزركلي ورضا كحالة.٤
  • (ب)
    المنهج البنيوي الذي يكشف عن النص المدوَّن كنوع أدبي يتجلى عبْر الزمان، ابتداءً من العام إلى الخاص، بصرْف النظر عن التتابع الزماني، يستبقي البنية ويضحي بالزمان. ويكشف هذا المنهج عن الأنواع الأدبية الآتية:
    • (١)

      الحضارات العامة والخاصة، حيث تظهر علوم الحكمة من خلالها كما هو الحال عند صاعد عندما دوَّن الحكمة. كما ظهرت في الحضارات القديمة وابن أبي أصيبعة، وكما فعل البيروني في تدوين عقائد حضارة واحدة هي حضارة الهند.

    • (٢)

      الوافد والموروث باعتبارهما المكونين الرئيسيين لعلوم الحكمة، خاصة التقابل بين علوم العجم وعلوم العرب، وكما هو الحال عند الخوارزمي والسجستاني والبيهقي والشهرزوري.

    • (٣)

      علوم الحكمة داخل الحضارة الإسلامية وحدها كما فعل ابن خلدون في «المقدمة»، وكأحد جوانب علومها وصناعاتها.

    • (٤)

      الفلسفة كما تظهر في كتب الفِرَق باعتبارها فرقة يونانية لها أتباعها المسلمون كما فعل الشهرستاني.

    • (٥)

      تقسيم العلوم وظهور الحكمة من خلالها كما فعل ابن النديم والسكاكي والخوارزمي (أبو بكر) وطاش كبري زاده، وحاجي خليفة وفؤاد سزكين. وهو غير إحصاء العلوم الذي يقوم به الفلاسفة لإحصاء العلوم الفلسفية وحدها، سواء كان ذلك ابتداءً من المصنفين والمصنفات (ابن النديم) أو من المصنفات والمصنفين (طاش كبري زاده) أو تصنيف العلوم (السكاكي والخوارزمي) أو المصنفات (حاجي خليفة).

    • (٦)

      أسماء الأعلام وظهور الحكمة من خلال الحكماء وإعطاء الأولوية للمؤلف على النص، وللشخص على القول، وللعرض على الجوهر، مثل: ابن الفرضي، والقفطي، وابن خلكان، والكتبي، والمحدثون مثل الزركلي ورضا كحالة.

    • (٧)

      الأقوال وظهور الحكمة من خلال نصوصها بصرْف النظر عن أشخاص الحكماء مثل حنين بن إسحاق وابن هندو والمبشر بن فاتك.

  • (جـ)

    ويمكن الجمع بين المنهجين البنيوي والتاريخي، ليس بدافع التوفيق، بل من أجل استبقاء البنية وبيان تطورها في التاريخ؛ فالبنية هي الثمرة، والتاريخ هو تكوينها من البذور حتى الحصاد. البنية هي المصب والتاريخ هو المنبع والمسار. البنية هي الباقية والزمان يتغير ويتبدل. البنية هي الأبدية والتاريخ هو الزمان.

    والأنواع الأدبية ليست فقط في العمل باعتباره وحدة، بل أيضًا في طريقة التدوين، بين الباب والفصل والمقال، بل في الفقرات مثل عظيمة.٥
    وقد ساهم المغاربة في تدوين التاريخ قدْر مساهمة المشارقة. شارك الأندلسيون في التدوين مثل صاعد وابن جلجل.٦

    والسؤال هو: هل التاريخ الموضوعي، الوصفي التقريري المحايد ممكن أم إن التاريخ هو علم إنساني يتوقَّف على رؤية المؤرخ، فلا يوجد تقرير بلا رؤية، ولا وصف بلا منظور، والحياد العلمي بهذا المعنى مستحيل؟ هي قضية الموضوع والذات. ما دام الموضوع مرئيًّا من ذات، وما دامت الذات ترى الموضوع؛ فالتاريخ في النهاية هو رؤية الذات للموضوع، ووصف الموضوع من خلال الذات. إنما السؤال هو في التناسب بين الاثنين إذا ما قل دور الذات إلى الحد الأدنى في الرؤية والصياغة كان الموضوع تاريخًا. وإذا ما زاد دور الذات إلى الحد الأقصى في الفهم والتأويل والعبارة كان الموضوع قراءة. أمَّا إذا اختفى الموضوع الأول كليةً لحساب الذات وأبدعت موضوعًا مشابهًا في الروح له أو بديلًا عنه كان انتحالًا. وفي الحالات الثلاث، لا فرق بين الذات والموضوع إلا في الدرجة.

١  هناك نماذج عديدة لتدوين تاريخ الفلسفة من فلاسفة كما فعل أرسطو في بداية كل علم، وكما فعل أوزيبيوس في «تاريخ الكنيسة» في القرن الرابع الميلادي، وكما فعل أسبينوزا في كتابه عن «مبادئ فلسفة ديكارت» وكانط في تاريخ العقل في نهاية «نقد العقل الخالص»، وهيجل في تاريخ الفلسفة ومقارنته بين فشته وشلنج، وفيورباخ في تاريخ الفلسفة الحديثة، ورسل في «تاريخ الفلسفة الغربية» وفي «حكمة الغرب»، وهيدجر في كتاباته عن نيتشه وشلنج وكانط. ويمكن تحويل ذلك إلى موضوع مستقل لدراسة الفلسفة وتاريخ الفلسفة وكيفية تكوين الوعي التاريخي الفلسفي عند الفلاسفة، سواء في الفلسفة اليونانية أو الغربية أو الإسلامية. وكان هناك درس قديم في الثانوية العامة بهذا العنوان مجرد إحصاء يُنسى دون رؤية أو ربط بالعصر الحاضر.
٢  بالإضافة إلى كتب تاريخ الحضارات لصاعد الأندلسي له أيضًا «كتاب حركات النجوم». ولأبي سليمان المنطقي صاحب «صوان الحكمة» مؤلفات فلسفية مثل: مقالة في مراتب قوى الإنسان وكيفية الإنذارات التي تنذر بها النفس مما يحدث في عالم الكون، في أن الأجرام العلوية طبيعتها طبيعة خامسة وأنها ذات أنفس، وأن النفس التي لها هي النفس الناطقة، كلام في المنطق، مسائل عدة سُئل عنها وجواباته لها، تعاليق حكمية ومُلَح ونوادر، رسالة في اقتصاص طرق الفضائل ورسالة في المحرك الأول، مقالة في الكمال الخارجي بنوع الإنسان، رسالة في وصف الوزير أبي عبد الله العارض، رسالة في السياسة. وابن النديم بالإضافة إلى «الفهرست» له فهرس الكتب وكتاب التشبيهات. أمَّا طاش كبري زاده صاحب «مفتاح السعادة» فله حوالي سبعة وثلاثون مؤلفًا بين العلوم الرياضية والطبيعية والمنطقية والدينية، ويحيل إلى رسالته في «الشفاء». ويأخذ حاجي خليفة لقب العالم الفاضل الأديب المؤرخ الكامل الأريب. وللشهرزوري بالإضافة إلى «نزهة الأرواح» في تاريخ الحكماء له أيضًا: الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية، الرموز والأمثال الإلهية في الأنوار المجردة الملكوتية، مدينة الحكماء، التنقيحات. ولابن هندو بالإضافة إلى «الكلم الروحانية» الرسالة المشوقة في الفلسفة، وصف المعاد الفلسفي، مفتاح الطب ديوان الشعر، النموذج الحكمة، البلاغة من مجمل الحكمة، نزهة العقول.
٣  هذه المؤلفات مرتبة ترتيبًا زمانيًّا هي:
  • (١)

    حنين بن إسحاق (٢٦٤ﻫ): نوادر الفلاسفة والحكماء.

  • (٢)

    ابن النديم (٣٨٥ﻫ): الفهرست.

  • (٣)

    الخوارزمي (٣٨٧ﻫ): مفاتيح العلوم.

  • (٤)

    ابن جلجل (بعد ٣١٠ﻫ): طبقات الأطباء والحكماء.

  • (٥)

    أبو سليمان السجستاني (بعد ٣٩١ﻫ): صوان الحكمة.

  • (٦)

    ابن هندو (٤٢١ﻫ): الكلم الروحانية في الحكم اليونانية.

  • (٧)

    البيروني (٤٤٠ﻫ): تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة.

  • (٨)

    صاعد الأندلسي (٤٦٢ﻫ): طبقات الأمم.

  • (٩)

    المبشر بن فاتك (٤٨٠ﻫ): مختار الحكم ومحاسن الكلم.

  • (١٠)

    الشهرستاني (٥٤٨ﻫ): الملل والنحل.

  • (١١)

    البيهقي (٥٦٥ﻫ): تتمة صوان الحكمة.

  • (١٢)

    القفطي (٦٤٦ﻫ): إخبار العلماء بأخبار الحكماء.

  • (١٣)

    ابن أبي أصيبعة (٦٦٨ﻫ): عيون الأنباء في طبقات الأطباء.

  • (١٤)

    ابن خلكان (٦٨١ﻫ): وفيات الأعيان.

  • (١٥)

    الشهرزوري (٦٨٧ﻫ): نزهة الأرواح.

  • (١٦)

    الكتبي (٧٦٤ﻫ): فوات الوفيات.

  • (١٧)

    ابن خلدون (٨٠٨ﻫ): المقدمة.

  • (١٨)

    طاش كبري زاده (٩٦٨ﻫ): مفتاح السعادة ومصباح السيادة.

  • (١٩)

    حاجي خليفة (١٠٦٧ﻫ): كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون.

  • (٢٠)

    الخوارزمي (بعد ١١٠٠ﻫ): مفتاح العلوم.

  • (٢١)

    إسماعيل باشا (١٣٤٨ﻫ): هدية العارفين (ذيل كشف الظنون).

  • (٢٢)

    رضا كحالة (١٤١٤ﻫ): معجم المؤلفين.

هذه هي المدونات المحللة كعينة منها ويمكن إضافة غيرها مثل:
  • (١)

    الشهرستاني (٥٤٨ﻫ): تاريخ الحكماء.

  • (٢)

    الصفدي (٧٦٤ﻫ): الوافي بالوفيات.

  • (٣)

    ابن قطلوغبا (٨٧٩ﻫ): تاريخ التراجم.

  • (٤)

    الزبيدي (١٢٠٥ﻫ): تاج العروس.

٤  تتحدد البداية بالقرنين الثالث والرابع، والوسط بالقرون الخامس والسادس والسابع، والنهاية ابتداءً من القرن الثامن، قرن ابن خلدون حتى هذا القرن.
٥  يستعمل صاعد «عظيمة» للدلالة على حدث هام.
٦  صاعد الأندلسي: «طبقات الأمم»، نشره وذيَّله بالحواشي وأردفه بالروايات والفهارس الأب لويس شيخو اليسوعي. نُشر بتتابع في السنة الرابعة عشرة من مجلة المشرق، المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين، بيروت ١٩١٢م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١