الفصل العاشر

آفاق جديدة في التصميم والهندسة المعمارية والفن

يصمم جاري بعض الأدوات المنزلية. عندما أذهب لتناول العشاء لديه في منزله، يُريني بتفاخرٍ آخر إبداعاته الأكثر مبيعًا. في إحدى الأمسيات، عرض عليَّ أباجورة ذات تصميم مموج. مرة أخرى، عرض عليَّ رشاشَيْ فُلفُل ومِلْح متشابكَيْن في قطعة واحدة. بغضِّ النظر عن الشيء الذي كان يصممه، فبمجرد أن يبدأ عرضه المسائي، كنت أدرك بالفعل أين سينتهي الحديث.

كان جاري يحب أن يخبر ضيوفه للعشاء أن مرحلة التصميم هي الجزء الممتع، لكنها مجرد البداية. أما التحدي الحقيقي — وكما يقول، وهو ما يفرق بين المحترفين والهواة — فهو تحويل التصميم إلى شيء مُصنَّع. إن القفز من تصميم النموذج الأوليِّ لمنتج يُنتَج بأعداد كبيرة كان مُساويًا للقفز فوق صَدْعٍ آخذٍ في الاتساع.

كان جاري يوضح أن المصمم الجيد يجب عليه التأكد من أن فكرة التصميم يمكن صنعها فعليًّا باستخدام آلة المصنع، ويجب على المصمم أيضًا أن يكون مروِّجًا ماهرًا ليقنع مُصنِّعًا بأن تصميمه يمكنه أن يدرَّ الأرباح الكافية لتعويض استثمار المُصنِّع الضخم في إقامة خط إنتاج.

لم أرَ جاري هذا منذ فترة؛ لكني لا أُطيق الانتظار لأخبره بأن الأيام العصيبة التي كان يشهدها قد ولَّت؛ فالطابعات الثلاثية الأبعاد هي أجهزة الإنتاج التي كان الفنانون والمصممون في انتظارها. ربما تكون الأشكال المعقدة والفريدة أمرًا مقلقًا لمهندسي التصنيع، لكن بالنسبة إلى الفنانين ومصممي الأزياء وصانعي المجوهرات والمهندسين المعماريين، فإن الأشكال المعقدة والأشكال الهندسية الجديدة تمثلان فرصًا جديدة غير مستكشفة.

يغترف المهندسون المعماريون والمصممون الصناعيون والفنانون بسرعة ولهفة، من الاحتياطي الضخم الجديد من احتمالات التصميم؛ فالطباعة الثلاثية الأبعاد تُزيل الحواجز الخاصة بالموارد والمهارات التي منعت العديد من المصممين الموهوبين من تحقيق أفكارهم على أرض الواقع، وتصنع تقنيات التصميم والطباعة الثلاثية الأبعاد أولى نجاحات تِجارية لها في المجالات التي تتطلب صنع المنتجات بأعداد صغيرة؛ مثل تصنيع المجوهرات وجوانب الديكور المنزلي الحديثة والباهظة الثمن وتصميم الأزياء التجريبي.

(١) أجهزة الكمبيوتر التي تتصرف مثل الطبيعة

العديد من الأجسام الموجودة في الطبيعة لها أبعاد منتظمة تضاهي المعادلات الرياضية عندما تُقاس. هل رأيت صَدَفة المحار مقسومة لنصفين؟ الفراغ الحلزوني المكوِّن للصَّدَفة يُعتبر تعبيرًا فيزيائيًّا عن مفهوم رياضي قديم يسمَّى «متتالية فيبوناتشي». دائمًا ما تمتلك منحنيات الفراغ الحلزوني الداخلي نفس الشكل، سواء كانت الصَّدفة في حجم كرة تنس الطاولة أو بِطِّيخة كبيرة.

توجد متتالية فيبوناتشي في كل مكان في الطبيعة. تتشابك أغصان الشجر طبقًا لهذه المتتالية، وكذلك تتشكل أزهار الخرشوف ونباتات السَّرخس، وحتى أنماط التفاف ودوران طحالب الكِلْب.

تسير متتالية فيبوناتشي في نظام ممنهَج؛ حيث يُعتبر كلُّ عددٍ مجموعَ العددين السابقين عليه؛ ولذا تسير المتتالية كما يلي: ١، ١، ٢، ٣، ٥، ٨، ١٣، ٢١ وهلُمَّ جرًّا. ويمكن لأي قاعدة بسيطة إنتاج هذه المتتالية التي تتكشف تدريجيًّا. وطبقًا لهذه القاعدة، يمكن للكمبيوتر حساب سلسلة طويلة من أعداد متتاليات فيبوناتشي بكل سهولة.

وبازدياد قدرات أجهزة الكمبيوتر، فإن الباحثين يرَوْن أن إحدى أكثر الطرق فاعلية في تقليد ذكاء التصميم الطبيعي هي تطبيق القواعد الرياضية أو الخوارزميات لإنتاج الشكل. إن الصور الفنية الكسرية الثلاثية الأبعاد والمصنوعة بالكمبيوتر موجودة منذ عقود، لكنها ظلت حبيسة العالم الافتراضي حتى وقتٍ قريب. ما تغيَّر هو أن الطباعة الثلاثية الأبعاد جعلت من الممكن نقل النماذج المجرَّدة المعقَّدة من عالم الكمبيوتر إلى أرض الواقع. وقبل ظهور الطباعة الثلاثية الأبعاد، كانت الغرف الداخلية للفراغ الحلزوني الداخلي لصَدف المحار مستحيلة الصنع بأي وسيلة أخرى سوى الطبيعة.

يستخدم المصممون برامج التصميم التقليدية منذ فترة طويلة، ويُعتبر التصميم الحيوي نموذجًا جديدًا آخذًا في الازدهار حاليًّا؛ حيث وُجدت أخيرًا أجهزة إخراج يمكنها إطلاق هذه المفاهيم والتصميمات للعالم المادي. وتتفتح عوالم جديدة من احتمالات التصميم بسبب تحرير الطابعات الثلاثية الأبعاد للنماذج الرياضية وقوانين الطبيعة من قيودها المجردة.

تُنتِج الخوارزميات، أو المعادلات، أنماطًا بتنوعات عديدة بتنوع البشر. وباستخدام مزيج من البيانات والخوارزميات، يمكن للمصممين صنع تنوع كبير من الأشكال والأنماط ثنائية وثلاثية الأبعاد. وبعض الخوارزميات يُنتج تركيبات متشعبة، وبعضها يُنتج أشكالًا منحنية مثل مجموعة من فقاقيع الصابون، والبعض الآخر يُنتج أشكالًا ذات نتوءات عشوائية ذات زوايا مثل بِلَّورات الكوارتز.

تُعتبر عملية التصنيع الطبيعية عملية تَكرارية؛ فكل كائن حي، من النبتة البسيطة حتى الجنين البشري، يتبع مجموعة صغيرة نسبيًّا من «قواعد» التطور التي تُطبق بنحو متكرر، بدءًا ببَذرة أو خلية جرثومية بسيطة. ومثل صيغة رياضية مكررة تُطبق على البيانات، فإن البَذرة تتطور في عدة أشكال وهيئات وأنماط، مدفوعة بإشارات من بيئتها أو مواردها المحدودة المتاحة. وعلى مستوًى أصغر، فإن أي لوح من بِلَّورات الثلج على الزجاج الأمامي للسيارة ينمو ويمتد، طبقًا لنمط متكرر منتظم، يبدأ بنواة تبلور.

يمكن لطاولات القهوة أن تنموَ كذلك. تُعتبر طاولة «فراكتال تي» طاولة قهوة مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد، وهي من إنتاج المصممين جيرنوت أوبرفيل وجان فيرتل وماتياس بار. ويصف المصممون ابتكارهم الثلاثي الأبعاد الرائع كأحد الابتكارات التي يعزز مظهرها «الرابطة المتزايدة بين الطبيعة والصيغ الرياضية». استُلهِم شكل هذه الطاولة من أنماط النمو والتركيب المنتظمة لفروع الأشجار، وصُنِعت الطاولة كقطعة واحدة مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد — من دون مُفصَّلات أو وصلات — باستخدام الطباعة الفراغية وراتينج البلاستيك نصف الشفاف، ويوضح مصمموها أن «إنتاجها كان مستحيلًا باستخدام وسائل التصنيع الأخرى.»

figure
طاولة قهوة شكلها قائم على لوغاريتم يحاكي تركيب ونمو فروع الأشجار (الصورة مهداة من إم جي إكس، أحد أقسام شركة ماتيريالايز ومن تصميم جيرنوت أوبرفيل وجان فيرتل وماتياس بار).

تُعتبر طاولة فراكتال تي رائعة هندسية؛ فالسيقان المتداخلة كسيقان الأشجار تسير في جسم الطاولة بالكامل، وتتفرع لأفرع أصغر فأصغر حتى تزداد كثافتها كلما اتجهت لأعلى، ويذكِّرنا جسم الطاولة نصف الشفافة بعُصارة الأشجار المتجمدة. وقد عُرضت الطاولة في عدة متاحف راقية؛ مثل متحف فيكتوريا وألبرت في لندن، ومتحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، ومتحف ديزاين هاب في برشلونة.

إذا تصفحت موقع شركة شيبوايز، فستجد أن المجوهرات المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد من أشهر الأشياء في السوق؛ فالمجوهرات تتسم بصغر حجمها نسبيًّا، وحقيقة أنها ليست مصنوعة لغرض مهم — أي أن حياة البشر لا تعتمد عليها مثل أجزاء الطائرات المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد — جعلتها مُنتجًا شهيرًا للتصميم والطباعة.

أحد أوائل المصممين وأكثرهم شهرة في مجال الطباعة الثلاثية الأبعاد هي باثشيبا جروسمان. تصمم باثشيبا المنحوتات والمجوهرات والمنتجات المنزلية التي تُمثِّل أشكالها الهندسية قوانين رياضية وفيزيائية شهيرة، وتمتلك تصميماتها فكرة عامة واحدة وهي الرياضيات.

figure
صممت باثشيبا جروسمان هذه القطعة المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد لتمثل مفهومًا رياضيًّا يُدعى «زجاجة كلاين» عدلته ليصبح فتاحة زجاجات (الصورة مهداة من باثشيبا جروسمان).

تقول باثشيبا على موقعها الإلكتروني: «أنا فنانة تستكشف المساحة بين الفن والرياضيات.» من تصميماتها الأساسية التصوير المادي لخوارزمية حسابية شهيرة، وهي حلقات بورومين، وهو مدلاة مكونة من ثلاث دوائر متداخلة لا تتلامس حوافها أبدًا. ومثل مدلاة حلقات بورومين، فإن معظم ابتكارات باثشيبا تمتلك أشكالًا هندسية داخلية دقيقة ومتكررة، يجب تصنيعها بطابعة ثلاثية الأبعاد. ولا يمكن للطرق التقليدية لصنع المجوهرات مثل قوالب الشمع أو اللحام صنع غرف داخلية مجوفة متكررة.

تختص شركة التصميم أونيلينو بتصميم المجوهرات والمنحوتات الكسرية القابلة للطباعة بنحو ثلاثي الأبعاد، والتي يقل ثمنها عن حد المائة دولار، الذي يقدِر عليه معظم المستهلكين. الواجهة التِّجارية لأونيلينو التي تتيحها شركة شيبوايز بها العديد من المعروضات؛ مثل المدلات المتشعبة المصنوعة من معادن مختلفة، التي تُمثِّل كلٌّ منها نموذجًا حسابيًّا. وتُعتبر شجرة فيثاغورس حاملًا للمجوهرات؛ فتصميمها القائم على خوارزمية للأفرع المثلثة المدببة، عبارة عن حامل للقلادات والأقراط وغيرها من الحُلي.

figure
تُعتبر نيري أوكسمان، الأستاذة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، من الباحثين البارزين في مجال التصميم التوليدي، وهي تستخدم الطباعة الثلاثية الأبعاد لصنع أشكال مصممة حسب خوارزميات حسابية لصنع هيئات لم يكن صنعها ممكنًا بالمواد الخام التقليدية مثل الخشب والزجاج والصلب (الصورة مهداة من نيري أوكسمان ودبليو كارتر (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا) وجو هيكلين (شركة ذا ماثووركس) ومركز بومبيدو في باريس بفرنسا، ومن تصوير يورام ريشيف).

أُسست شركة نيرفس سيستم عام ٢٠٠٩ على يدَيْ خريجَيْ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، جيسيكا روزنكرانتز وجيسي لوي-روزنبرج، وتتخصص في التصميم التوليدي. وهي تصمم النماذج الرياضية التي تقوم عليها تصميمات منتجاتها المنزلية ومجوهراتها المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد. وتُعتبر منتجاتها، التي تُعد تصويرًا براقًا وراقيًا للطحالب والشعاب المرجانية والخلايا والأوردة، مستوحاة من قوانين الطبيعة. وهي تشارك أنظمتها الرياضية مع عملائها عن طريق تطبيق مصغر تفاعلي، والذين يمكنهم استخدامها لتصميم منتجاتهم الخاصة المتفردة.

يصف جوش هاركر، مصمم وفنان مستقل، نفسه كفنان ونحَّات كلاسيكي «يستخدم البِتَّات، الواحد والصفر؛ للتعبير عن نفسه بأسلوب بشري لصنع شيء جديد.» تعرفت على أعمال جوش عبر موقع التمويل الجماعي «كيك ستارتر» حيث جمع مبلغًا قياسيًّا لتمويل مشروع نحت يسمى «كرانيا أناتوميكا فيليجري» وهو عبارة عن جمجمة بيضاء مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد مصنوعة من البلاستيك ومخَرَّمة بنحو منمق وتزييني. عندما تحدثنا عبر الهاتف، اكتشفت أنه نشأ في وادي نهر المسيسيبي في ولاية إيلينوي. وصف جوش طفولته البوهيمية التي تضمنت «العيش في الفترة التي تلت الستينيات من القرن الماضي في مجتمع مشترك خارج النطاق الحضاري، وجليسات أطفال عنيفات، وانغماسًا فنيًّا كاملًا ومآسيَ عائلية». اليوم، جوش فنان متفرغ ونحات رقمي بارز. يقول جوش: «معظم ما أصممه رقمي.»

تعلَّم جوش كيف يستخدم برامج التصميم والطابعات الثلاثية الأبعاد منذ عدة سنين مضت عندما كان يمتلك ويدير شركة تصميم للمتاجر الصغيرة. يقول جوش: «لا أدري كيف يمكن للمصمم البقاء في السوق هذه الأيام من دون إتقان استخدام الأدوات اللازمة لذلك.» بعد مرور نحو عَقد له في المجال، أصبح من الصعب للغاية مقاومة العودة إلى الفن والنحت. في عام ٢٠٠٨، تفرَّغ للفن لاستكشاف حبه للنحت الرقمي والطباعة الثلاثية الأبعاد.

استخدم جوش في البداية الطباعة الثلاثية الأبعاد لصنع أشكال هندسية معقدة ينشئها على الكمبيوتر. يقول جوش: «اعتدت صنع أشكال هندسية على الكمبيوتر كانت شديدة التعقيد بدرجة يصعب معها صنعها. وكنت أرسم تصميمات لسنوات، لكنها كانت شديدة التعقيد بدرجة يصعب نحتها يدويًّا. لا ينجح هذا، سواء كنت أستخدم الطين أو الخشب أو الصخر.»

يعكس بعض منحوتات جوش دراسته الكلاسيكية مثل التماثيل العارية ودراسات الشخصيات. ويُصمَّم العديد من منحوتاته رقميًّا ويُطبَع بنحو ثلاثي الأبعاد. وتعكس مجموعته «عُقد وحبائك» افتتانه بإمكانيات التصميمات المحتملة المتأصلة في تشكيلات الطبيعة مثل الجذور أو الكروم أو الشبكات العصبية أو أنظمة الأوعية القلبية.

يقول جوش: «أنا محظوظ بوجودي في العصر الذي يحدث فيه هذا.» ويضيف مؤكدًا: «إنه عصر ثوري للفنون. لم توجد مِن قبلُ إمكانية تطوير وإعادة إنتاج لهذه الأشكال من التعقيد العضوي. أتطلَّع قُدمًا لأرى ما سيأتي مستقبلًا.»

يمكن للعمليات الفيزيائية غير الحيوية إنتاج أشكال كذلك. إيال جيفر من تل أبيب يصنع ما يسميه «فن الكوارث». باستخدام خوارزميات محاكاة، يُعيد إيال بناء لحظات مأساوية عابرة عادةً ما تختفي في طرْفة عَين. وباستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد، يمكنه تجسيد هذه اللحظات على أرض الواقع، بكل قوتها؛ على سبيل المثال، حادث سيارة أو تسرب نفطي. أثر القيام بهذا هو تجميد الوقت في الواقع المادي.

figure
شلال نفط. استخدمت محاكاة السوائل للنفط لحساب أبعاد الشكل الهندسي ثم جُمِّدت لصنع النموذج المطبوع (الشكل الداخلي) (الصورة مهداة من إيال جيفر، كافة الحقوق محفوظة ٢٠١٢، www.eyalgever.com).

(١-١) الموضة: نِعال مُحسَّنة وأحذية مستدامة

أحد أقوى تطبيقات التصميم التوليدي هو استخدام خوارزميات الكمبيوتر للعثور على أفضل وأمثل حل لمشكلة ما؛ فبالتكرار السريع واختبار احتمال وراءَ احتمال، يمكن للكمبيوتر إنتاج مواصفات تصميم تؤدي طباعتها بنحو ثلاثي الأبعاد لصنع جسم محسَّن يلاءم شخصًا أو بيئة ما. ويُعتبر تصميم الموضة مجالًا ملائمًا للتصميمات المتناسقة المحسَّنة المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد. زرنا كلية الموضة في لندن لمعرفة المزيد عن أحدث صيحات الأحذية المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد.

بدأ لقاء ما بعد الظهيرة في الكلية عندما دخل فيليب ديلامور وبعض الطلاب وقدموا أنفسهم لنا، ثم وضعوا حذاءين على طاولة الاجتماعات. أوضح فيليب أن الحذاءين المطبوعَيْن نتاج مشروع تصميم لأحد الطلاب لنَيل درجة الماجستير. كان كلا الحذاءين مطبوعَيْن بنحو ثلاثي الأبعاد، وكانا ثمرة التعاون بين الكلية وشركة برمجيات تصميم في لندن اسمها «ويذين تكنولوجيز».

يدير فيليب استديو التصميم الرقمي بالكلية؛ حيث يجرب الطلبة التقنيات المتقدمة؛ مثل غرفة تصوير الجسم بالكامل، ومؤخرًا الطباعة الثلاثية الأبعاد. يقول فيليب: «تصبح شركات تصميم الموضة أكثر مشاركة واهتمامًا بالعاملين في المجال.»

بغضِّ النظر عن عامل الراحة، فإن الحذاءين لم يكونا كأي حذاء رأيته من قبلُ. أنا لست من متابعي الموضة بأي حال من الأحوال، لكن هذين الحذاءين كانا شيئًا مختلفًا تمامًا، ويُعتبران تحولًا واضحًا عن آلاف السنوات من التصميمات التقليدية. أحد الحذاءين كان أسود اللون ومغطًّى بأشواك قصيرة تشبه تلك التي تكون على ظهر حيوان النيص أو ربما سريرًا من المسامير. أخبرنا المصمم، روس باربر، قبل اللقاء بأسابيع أن هذا الحذاء ارتداه عارض أزياء في أحد العروض.

أخبرنا روس أن ما يجعل حذاءيه متفرِّدين ليس شكلهما لكن الجهد الهندسي والتصميمي الذي بُذِل فيهما. تصنع الشركة التي ساعدت برامجها في تصميم الحذاءين — ويذين تكنولوجيز — حلولًا تصميمية قائمة على تصميمات الطبيعة. على سبيل المثال، يتضمن أحد المشروعات الحديثة للشركة تعزيز التبادل الحراري لمجموعة محرك معدِنية. درس مهندسو الشركة حركة تدفق المياه داخل خياشيم الأسماك لصنع مجموعة محرك فعالة جدًّا وتتميز بأشكال داخلية هندسية مموجة وخيشومية الشكل.

figure
حذاء مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد صممه روس باربر في كلية الموضة في لندن وحُسِّن بواسطة شركة ويذين تكنولوجيز. خِيطَ الحذاء الجلدي الداخلي يدويًّا لجعل الحذاء أكثر راحة عند ارتدائه على ممشى عرض الأزياء (الصورة مهداة من روس باربر).

أوضح روس لنا أنه لا يوجد أي صمغ يربط أجزاء حذاءيه المطبوعين بنحو ثلاثي الأبعاد معًا؛ فقد طُبعا من بوليمر شديد التحمل عادةً ما يُستخدم في صنع الأجزاء الصناعية البديلة. ولتحسين عامل الراحة، خاطَ روس حذاءً جلديًّا داخليًّا يدويًّا حصل عليه من أحد متاجر أحذية الرجال. النتيجة هي غطاء قدم مهجَّن بجزء علوي تقليدي، بينما وُضعت الأربطة ولسان الحذاء داخلَ غِلاف مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد.

مرر فيليب الحذاء على الحاضرين حول الطاولة. حملتُه بيدي متعجبًا من خفة وزنه، ورغم جاذبية الحذاء كتعبير عن الموضة اللافتة للانتباه، فإن الحذاء كان تطبيقًا رائعًا لاستخدام البوليمر المتين والمستخدم في مجال الهندسة وخوارزميات ويذين تكنولوجيز المعقدة.

figure
حذاء نمطي مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد من تصميم هون تشانج (الصورة مهداة من هون تشانج).

كان أنتوني روتو، مدير التكنولوجيا التنفيذي في شركة ويذين، يزور الكلية أيضًا عصر ذلك اليوم. قال أنتوني إنه وروس عدلا إحدى خوارزميات التصميم التي كان يستخدمها مصممو الشركة عادةً في صنع أجزاء طبية بديلة خاصة بتقويم العظام؛ مثل مفاصل الوَرِك الصناعية. ولمواجهة تحدي التصميم الخاص بصناعة حذاء خفيف الوزن ومتين في آنٍ واحد، عدَّل روس وأنتوني خوارزمية صنع المفاصل الصناعية لتحسين تركيب وشكل نعل الحذاء.

بعد شهور من العمل والمحاولات، صمم وطبع روس وأنتوني حذاءً جذاب المنظر وخفيف الوزن ومريحًا ومتينًا. أوضح أنتوني أن نعل الحذاء يُمثِّل عملية التصميم التوليدي على أرض الواقع: كان النعل قد صُنع بشكل يشبه الشبكة أو التعريشة. هذه الشبكة المصممة حسب مواصفات خاصة هي ما جعل الحذاء خفيف الوزن لكنه قابل للتحمل أكثر من النعل القاسي المطاطي التقليدي.

عندما يسمع العديد منا كلمة «شبكة»، يتخيل حديقة زهور أو كرمة عنب خضراء مزهِرة تتسلق هيكلًا شبكيًّا أبيض. هذه هي الشبكة ثنائية الأبعاد، وهي سهلة الإنتاج باستخدام طرق التصنيع التقليدية، لكنْ حتى ظهرت الطباعة الثلاثية الأبعاد في مجال التصميم، كانت الشبكات الثلاثية الأبعاد مستحيلة الصنع.

تُعتبر الشبكات تركيبًا هندسيًّا أساسيًّا يُستخدم في نطاق عريض من التطبيقات بطريقة تشبه استخدام العجين الخام كأساس للمعجنات. تُعتبر التركيبات الشبكية مثالًا كلاسيكيًّا للتصميم التوليدي. وهي تصمم من خلال خوارزمية حاسوبية تُنتج أوتوماتيكيًّا تركيبًا متكررًا بنحو منتظم أو شبه منتظم أو عشوائي. بعض التركيبات الشبكية الثلاثية الأبعاد تتضمن شكلًا هندسيًّا داخليًّا زاويًّا مكونًا من أشكال منتظمة متكررة متناهية الصغر (مثل المثلثات المجسمة) بينما يبدو البعض الآخر كتشابكات عشوائية من الألياف.

بعد إنهاء روس لعرضه، تحولنا للحذاء الثاني الموجود على الطاولة. كان الحذاء مطبوعًا بنحو ثلاثي الأبعاد كذلك، وكان صندلًا نسائيًّا مفتوحًا من الأمام، بكعب مدبب وطويل جدًّا، ولونه أبيض باهت، وجزء علوي ناعم بلون الخوخ. صمم الطالب هون تشانج هذا الحذاء تحت إشراف فيليب. قال هون إن مشروع التصميم خاصته اتبع أسلوبًا مختلفًا، لا يركز كثيرًا على التركيب الداخلي للحذاء ومتانته، وإنما يركز أكثر على جاذبيته وتصنيعه.

figure
الجيل القادم من ملابس البحر: ثوب سباحة مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد من تصميم جينا فيزيل وماري هوانج من شركة كونتينيوام (الصورة مهداة من جينا فيزيل وماري هوانج من شركة كونتينيوام).

كان هون، مثل الكثير من المصممين، يحب حقيقة أن طباعة أفكاره التصميمية بنحو ثلاثي الأبعاد أكسبته تحكمًا أكبر في عملية التصنيع. وفي وقت مبكر من الفصل الدراسي، فكر هون في البداية في استخدام القولبة بالحقن لصنع حذائه. زار هون مصنعًا للأحذية في إسبانيا، وشاهد الضرر البيئي الذي يسببه الصمغ والعمليات الكيميائية الأخرى التي يستخدمها المصنع.

لجأ هون للطباعة الثلاثية الأبعاد، ووجد أن التصنيع بالإضافة مكَّنه من صنع حذاء من مكونات نمطية. كانت مكونات الحذاء قابلة للاستبدال حتى يمكن لمن ترتديه تفكيك الحذاء الذي تمتلكه واستبدال الكعب بلون مختلف؛ لصنع مظهر جديد تمامًا. الأجزاء النمطية القابلة للتفكيك لا تحتاج كذلك للصقها معًا بالصمغ، وهو ما يُعتبر جانبًا إيجابيًّا فيما يتعلق بالبيئة.

(١-٢) المحاكاة الحيوية

على مدار معظم التاريخ المسجل للتصميم في العالم الغربي، نظر الناس إلى الطبيعة والتكنولوجيا كقطبَيْن متنافرَيْن. كان يُنظر إلى الطبيعة كشيء عشوائي وغير قابل للتوقع، وقوة تحتاج إلى الكبح، أما التصميم، فكان عملية تنظيم لفوضى الطبيعة بوضع بصمة العقلانية الإنسانية على المواد الخام. فكر في أسلوب تصميم الأثاث المزخرف للعصر الباروكي أو الأيقونات الموجودة في الكنائس الأرثوذوكسية الروسية رائعة المنظر والمطلية بالذهب، والتي صُورت تفاصيلها بعناية شديدة.

صحيح أن التصميم المعماري الحديث تبنَّى الأشكال المتناسقة والمستوحاة من الطبيعة منذ عقود مضت، لكن الجميع لا يتفقون على أن الدور الابتكاري للمصمم المعماري كمصمم يجب أن يكون إرشادَ وتنظيمَ تطبيق الخوارزميات القائمة على علم الأحياء لحل مشكلة تصميمية؛ وهذا ما يجعل التصميم التوليدي مثيرًا للجدل وثوريًّا.

إذا كان «التصميم التوليدي» هو عملية صنع أشكال وأنماط ثلاثية الأبعاد بتكرار القواعد والقيود الرياضية، فمن يصنع التصميم إذن: الكمبيوتر أم الإنسان؟ ربما يقول البعض إن التصميم التوليدي ليس عملية تصميم في الواقع؛ بسبب أن نواتجه تُعد حصيلة عمليات تكرار لنماذج رياضية؛ فالكمبيوتر ينفذ فقط الصيغ والبيانات ليختبر قدراتها، لكن الفنان هو من صمم هذه القواعد.

إن عملية تطورية هي التي «صَممت» شكل صَدفة المحار للبقاء في بيئة بحرية صعبة، وهي عملية استغرقت ملايين السنين، وتضمنت مليارات تكرارات التصميم (أو الأجيال الجديدة). وبمساعدة الكمبيوتر والبيانات وتقنيات الطباعة الثلاثية الأبعاد، يفترض المصممون قيامهم بدور العملية التطورية؛ فيمكن للمصممين أَتْمتة مجموعة من قواعد التصميم ومراقبة الأشكال الناتجة، وهي تتكون وتتحول إلى نمط. ويمكن للمصمم تطبيق نفس القاعدة لتكرار عملية التصميم مرات عديدة، ويمكن له كذلك تنويع قواعد التصميم واختيار القواعد التي تُنتج أفضل منظر أو أكثر النتائج إثارة للاهتمام. وتجعل التقنيات الجديدة المصممين والفنانين والمهندسين المعماريين يَضْطلعون بدور جديد ويتبنَّوْن طريقة جديدة من التفكير في التصميم.

إن جيني سابين مصممة معمارية رائدة وأستاذة للهندسة المعمارية في جامعة كورنيل. تستكشف بحوثها التداخل بين الأنظمة الحيوية والحوسبة وتصميم تركيبات المواد. أجرينا مقابلة مع جيني لمعرفة المزيد عن عملية التصميم التوليدي والهندسة المعمارية. قالت جيني: «في السنوات الأخيرة، شهدت عمليات التصميم في الهندسة المعمارية انتقالًا من التصميم الإنشائي للتصميم التوليدي. وأصبحت برامج الابتكار والمحاكاة جزءًا من عملية التصميم.»

حصلت جيني على درجة الماجستير في الهندسة المعمارية من جامعة بنسلفانيا ودرَّست تلك المادة هناك لست سنوات. أثناء دراستها للحصول على تلك الدرجة العلمية، وجدت نفسها منجذبة للتقلب والنطاق الابتكاري غير المستكشف تقريبًا للتصميم التوليدي بمساعدة الكمبيوتر والطباعة الثلاثية الأبعاد. تقول جيني: «أحد الأمور المثيرة بشأن التصميم التوليدي هو أنك لا تدري النتيجة النهائية بالضبط حتى تحين النهاية.»

أحد مشروعات جيني البحثية التعاونية الحالية مشروع يُدعى «إي سكين» ويستخدم البيانات الخلوية لاستلهام تصميمات لمواد بناء مرنة. تستخدم جيني وفريقها الطباعة الثلاثية الأبعاد لاستكشاف والتقاط السلوك الحيوي في النماذج التوليدية القائمة على المُكوِّنات. طلبنا المساعدة من جيني لفهم دور التصميم التوليدي المستوحى من الطبيعية في طباعة الجيل التالي من مواد البناء.

تقول جيني: «الهدف الأكبر لمشروع إي سكين هو فهم كيف يمكن أن تصبح الأبنية أكثر حيوية في الطريقة التي تتفاعل وتتكيف بها مع البيئة المحيطة.» يوفر العلماء في المشروع كَمِّيات ضخمة من البيانات، التي تُجمَع من الخلايا البشرية الموضوعة على ركائز مُهندَسة، صممها علماء المواد في الفريق. بعد ذلك، يحاول المهندسون المعماريون في الفريق القيام ﺑ «الهندسة العكسية» للسلوك الملاحظ؛ حيث يصممون «خوارزميات» لمحاكاة السلوكيات والعمليات الخلوية التي أنتجت التركيب الملاحظ. يطبق الفريق بعد ذلك هذه الخوارزميات لإنتاج حلول تصميم جديدة محتملة على نطاق أوسع.

يقوم المشروع على الاعتقاد بأن النشاط الخلوي يمكنه مساعدة الناس في تعلُّم كيفية تصميم مواء بناء أكثر توفيرًا للطاقة يمكنها الاستجابة للظروف البيئية المتغيرة مثل الخلايا. في إحدى الرسائل الإلكترونية، أوضحت جيني ذلك قائلةً:

تَعرف الخلايا كيف تستجيب للتغيرات البيئية وتتكيف معها، سنلتقط نحن هذه التحركات ونحوِّلها إلى هيئة رقمية، وفي النهاية نُخرج الناتج باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد. ستتيح لنا تلك الطابعة استكشاف السلوكيات والعمليات الحيوية عبر قيود المواد الخام والتصنيع أثناءَ الوقت الفعلي. إننا لا نستخدم تلك الطابعة كأداة تمثيل بقدر ما نستخدمها لاستكشاف العلاقات بين الجزء والكل في شكل مكونات قابلة للتكيف.

figure
جسم مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد مستوحًى تصميمه من التركيب الخلوي (الصورة مهداة من جيني سابين).

ينتمي هذا المشروع البحثي إلى عائلة من الأساليب تسمَّى «المحاكاة الحيوية». تصف الكاتبة الأمريكية المتخصصة في العلوم الطبيعية، جانين بينيوس، المحاكاة الحيوية بأنها «عملية تعلُّم من تصميمات الحياة ثم تقليدها. إنها عملية ابتكار مستوحاة من الطبيعة.» معظم الحماس المتعلق بالتصميم بمساعدة الكمبيوتر والطباعة الثلاثية الأبعاد نابع من الأمل في أننا سنتكمن أخيرًا من الطباعة الثلاثية الأبعاد لأجسام ذات أشكال محسَّنة من أجل بيئتها أو استخدامها.

ومع تقدم التكنولوجيا، نستمر في العودة إلى الطبيعة للحصول على الإلهام، وتمثل تصميمات الطبيعة حلولًا رائعة وعملية لتحديات الواقع. وكما قال مهندس التصميم المعماري، مايكل بولين، في مؤتمر تيد عام ٢٠١٠: «يمكنكم النظر إلى الطبيعة ككتالوج لمنتجات استفادت من ٣٫٨ مليار عام من البحث والتطوير.»

(١-٣) التصميم سريع الاستجابة

في كلية أخرى للهندسة المعمارية في وسط لندن، يطبع الطلاب بنحو ثلاثي الأبعاد تركيبات تشبه أقراص العسل، ونماذجَ أولية معمارية مستقبلية على شكل قِباب. زرتُ كلية الرابطة المعمارية للهندسة المعمارية أثناءَ زيارتي للندن. كانت الكلية مخفية جيدًا ضمن عدة منازل متشابهة كبيرة مصنوعة من الحجر الرَّمادي، وكانت تبعُد بضع بنايات سكنية عن ميدان ترفالجر. اكتشفت لاحقًا أن الكلية اشترت هذه الصفوف من المنازل منذ عدة سنوات قبل أن ترتفع أسعار البيوت في لندن بنحو فلكي كما هو الحال اليوم. إذا وقفتَ في الشارع، فإن الشيء الوحيد الذي يدل على وجود الكلية هو لافتة تتدلى على استحياء من أحد البيوت الحجرية الرَّمادية.

في وقت لاحق عبر البريد الإلكتروني، تعرفت على أستاذ النمذجة الأولية الرقمية في الكلية، يرون فان أمجيد، الذي كان من المفترض أن ألتقيَ به. كان وراءَ باب الكلية الأمامي رَدهة تقود إلى مِنطقة استقبال مُشْمِسة وصاخبة. في اليوم الذي كنتُ فيه هناك، كان المكان مليئًا عن آخره بالطلاب التوَّاقين للالتحاق بالكلية؛ حيث سلَّموا أوراق التقديم وحافظات التصميمات النفيسة الملفوفة بورق بُني اللون.

إن يرون فان أمجيد أحد الخبراء المقيمين المتخصصين في التصميم والطباعة الثلاثية الأبعاد. وبعد التعارف، قادني من مِنطقة الاستقبال للأسفل عبر مجموعة سلالم إلى وحدة النمذجة الأولية الرقمية، وهي عبارة عن مجموعة من الغرف الغائرة تحت الأرض المتصلة ببعضها، والتي تقع في الجزء الخلفي من الكلية. غطت عدة آلات تصنيع صغيرة أسطح الطاولات، بينما تدلت منحوتات تجريدية مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد من السقف، وكان معظم الأسطح الأفقية في المكان ملأى بمنتجات تجارِب تصميم وطباعة ثلاثية الأبعاد غريبة الشكل.

لم تكن غرف الوحدة دائمًا مخصصة للأغراض التعليمية. أخبرني يرون أن هذه الغرف استضافت حفلة لفرقة بينك فلويد الموسيقية في السبعينيات. قبل ذلك، وفي الخمسينيات، اعتاد طلبة الهندسة المعمارية إقامة حفلات رقص حيث توجد آلات التصنيع الآن.

استعانت الكلية بخدمات يرون منذ خمس سنوات لتدريس التصميم والنمذجة الأولية الرقمية. قال يرون: «كانت الإثارة تستحوذ عليَّ عندما وصلت هنا، كان هناك طلب ضخم ومكبوت على منهج تصميم يعتمد على الكمبيوتر بنحو كبير، وكان من المنطقي بالنسبة إلى من في الكلية أن تكون الطابعة الثلاثية الأبعاد ببساطة امتدادًا للكمبيوتر كأداة تصميم أساسية.»

هناك مذهبان رئيسيان للتصميم المعماري على مدار تاريخه: الأول يرى أن التصميم المعماري فن، والثاني يرى أنه عملية تحليلية مرتبطة أكثر بالهندسة. يقول يرون: «كان التصميم بمساعدة الكمبيوتر بالفعل جزءًا من المنهج لسنوات عديدة، ما كان جديدًا هو فكرة أن الكمبيوتر له دور في عملية التصميم الفعلية، وأنه يمكننا تطبيق الخوارزميات لمساعدتنا في تصميم وصنع تركيبات وهياكل جديدة.»

يضيف يرون: «بعد وصولي إلى هنا بسنتين أو ثلاث، تسللت النمذجة الأولية الرقمية إلى كل المناهج هنا بنحو غير مباشر. يدرك الناس أن برامج التصميم والطابعات الثلاثية الأبعاد ليست غاية في حد ذاتها لكنها مجرد أداة لدعم المنهج الذي ينوون تدريسه بالفعل.»

يضيف يرون: «يحسِّن الكمبيوتر من عملية التصميم المعماري، وأنا أسمي هذا التفكير الثلاثي الأبعاد. بدأنا الآن في الحصول على التقنية التي نحتاج إليها لالتقاط التعقيد الحقيقي للأجسام — البيانات — ثم يمكننا البدء في استخدام هذا وتحويله إلى خوارزمية ثم إلى جسم مصمم.»

يضيف يرون — ملخِّصًا بكفاءة الدورَ الجديد والمتنامي للبيانات في عملية التصميم: «اللحظة المنتظرة في أي مشروع تصميم هي عندما تتدفق البيانات.» أصبحت الكَمِّيات المتزايدة من البيانات أكثر من أي وقت مضى هي المادة الخام للتصميم «الذكي» القائم على الخوارزميات والطباعة الثلاثية الأبعاد. تتدفق البيانات في عملية التصميم المعماري من مصادر عدة. أصبح المسح بالليزر جزءًا تقليديًّا من عملية التصميم المعماري هذه الأيام، كما تُمثِّل أجهزة الاستشعار مصدرًا آخر متناميًا وغنيًّا للمعلومات.

أوضح يرون أن رؤيته طويلة الأمد (التي يتطلب تحقيقها أكثر من فصل دراسي واحد أو اثنين بالطبع) هي تصميم طابعة ثلاثية الأبعاد سريعة الاستجابة. يتخيل يرون طابعة ثلاثية الأبعاد للبناء يمكن استخدامها في موقع البناء لطباعة المنازل والهياكل الأخرى بنحو فوري. هذه الطابعة ستستجيب في الوقت الفعلي للبيانات المتدفقة إليها من المستشعرات، وسيتم بنحو سريع معالجة بيانات المستشعرات المتدفقة بواسطة برامج تصميم ذكية ترشد الطابعة لتصنيع هياكل وتركيبات محسَّنة من أجل الظروف الموجودة في بيئة معينة.

ستستقبل الطابعة الثلاثية الأبعاد سريعة الاستجابة تعليمات تصميم مُحدَّثة باستمرار وتعدل عملية الطباعة طبقًا لهذه التعليمات. ويمكن لبرامج التصميم المستقبلية سريعة الاستجابة باستمرار تعديل بناء الهياكل المطبوعة، كما يمكن لها تعديل شكل مساحة الهيكل لجعله أكثر استقرارًا. وبالإضافة لإرشاد الشكل، فإن برامج التصميم الذكية وسريعة الاستجابة المستجيبة يمكنها كذلك توجيه المواد الخام، أو مجموعة المواد الخام، التي تستخدمها الطابعة الثلاثية الأبعاد.

كيف ستبدو مثل هذه الطابعة أثناء التشغيل؟ شغل يرون على جهاز الكمبيوتر المحمول خاصته فيديو تصوريًّا لها. أظهر الفيديو «رأس طباعة» كبيرٍ يضع طبقة تلو طبقة ليصنع قُبَّة تُشبه خلية النحل بجدرانٍ مموجةٍ وقمة مدببة. جزء من التصميم التصوري لهذا التركيب الموضح في الفيديو كان جدرانًا تحتوي على أعمدة تهوية مطبوعة.

يقول يرون: «ستتضمن عملية التصميم الذكاء، وكلما زادت قوةُ وتعقيدُ برامج التصميم، أصبح من الممكن طباعة هياكل وتركيبات بنحو ثلاثي الأبعاد تحدد أشكالها طبيعة البيئة التي تحتويها.» طريقة أخرى للتفكير في هذه الطريقة ستكون أن برامج التصميم ستعمل كمخطط إلكتروني ديناميكي وسريع الاستجابة «يتحدث» للطابعة الثلاثية الأبعاد داخلَ حلقة تواصل مغلقة.

علمتُ أن يرون يُشرف على مشروع طلابي في الكلية لبناء طابعة ثلاثية الأبعاد كبيرة بما يكفي لطباعة هياكل وتراكيب يصل حجمها لعدة أمتار. وبما أن مثل هذه الطابعة ليست متاحة تجاريًّا بعدُ، فإن يرون وطلابَه يستعينون بآلة حفر وتقطيع بالكمبيوتر، ويحاولون تزويدها برأس طباعة ثلاثية الأبعاد. يستخدم يرون وفريقُه الآلةَ لصنع رأس طباعة يمكنه الدوران والنزول بحرِّية في الفراغ.

ربما ستمر من خمس إلى عشر سنوات قبل أن تصبح الطباعة الثلاثية الأبعاد سريعة الاستجابة واقعًا، حسبما يقول يرون. أظن أن الإنشاء الفعلي لطابعة كبيرة هو الجزء السهل نسبيًّا في المشروع، لكن صنع برامج تصميم ذكية يمكنها الاستجابة واتخاذ قرارات ملائمة في الحال سيستغرق وقتًا أطول.

وعكس العارضة المصنوعة من الصلب التي تُنزل في المكان المراد برافعة بِناء، فإن أي بناء مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد يمكن صنعه من مزيج مخصص من مواد بناء مهيأة لتحمل الضغوط والأحمال التي يواجهها البناء. ومثل عظمة نامية يزيد سمكها عندما تتحمل وزنًا ثقيلًا، فإن الجسر سريع الاستجابة المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد يمكن زيادة سمكه استجابة للضغط، سواء كان صوريًّا أو حقيقيًّا.

تعبِّر مقالة على مدوَّنة «فابالو» التي تهتم بأخبار التصنيع الشخصي والطباعة الثلاثية الأبعاد عن هذا قائلة: «تخيل عوارض بها مناطق قوية للأحوال التي تحتاج إلى أن تكون فيها كذلك، ومناطق أخرى خفيفة، أو حتى مناطق متفرقة، من دون أي مواد بناء إطلاقًا. يمكن صنع كل قطعة بنحو خاص لمنح أفضل قوة فيزيائية لتنفيذ غرض ما في المبنى بأقل تكلفة من المواد الخام.»1

في الوضع المثالي، يمكن صنع الهياكل المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد من موارد متاحة محليًّا مثل الرمال أو التراب، ويمكن لبرامج التصميم الذكية مزج المواد معًا، وهو فن معقد في حد ذاته. ولكي تصبح الطباعة الثلاثية الأبعاد سريعة الاستجابة واقعًا، سنحتاج إلى مواد بناء أفضل وقدرة حاسوبية كافية لتحليل البيانات وصنع نماذج منها بنحو سريع جدًّا، ولضبط التصميم في الوقت الفعلي.

يمكن للطابعات سريعة الاستجابة المساهمةُ في مواجهة التحديات الاجتماعية؛ فيمكن شحنها لصنع أماكن إيواء للمجموعات السكانية المتنقلة أو اللاجئين أو لمساعدة ضحايا الكوارث الطبيعية. في المواقف غير الكارثية، وبتطور مواد البناء، يمكن للطابعات سريعة الاستجابة صنع منازل صديقة للبيئة ومريحة للمناطق عالية الكثافة السكانية. ويمكن أن يكون البناء الذكي الفوري سريع الاستجابة مفيدًا للأغراض العسكرية واستكشاف الفضاء.

يمكن للطابعات المحمولة سريعة الاستجابة صنع منازل قليلة التكلفة. وطبقًا لمورجان بيك من مجلة «تكسكنولوجست» فإن بناء منزل قياسي من طابقين على مساحة ٢٨٠٠ قدم مربع في الولايات المتحدة يمكن أن يستغرق من ستة أسابيع إلى ستة أشهر. وبينما تُمثِّل مواد البناء جزءًا كبيرًا من تكلفة البناء، هناك مصدر آخر كبير للتكلفة والتعقيدات؛ وهو عملية البناء نفسها وعمال البناء.

تتيح لنا الطباعة الثلاثية الأبعاد وأجهزة الكمبيوتر التعلم من الأنظمة الطبيعية واستغلال قوة النماذج الرياضية في عملية التصميم. يلخص المصمم هيو دابرلي الأمر قائلًا: «لم يعُد التصميم يهتم فقط بالأشياء؛ فقد تزايد اهتمامه بالأنظمة، وفي الوقت الحالي، أنظمة الأنظمة أو الأنظمة الإيكولوجية. بنحوٍ ما، إن هذه الأنظمة حية وتنمو وتتطور معًا.»

(٢) طباعة حوائط مموجة وأشكال زخرفية مخصصة

هناك بالفعل أبنية مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد. يطبع الباحثون اليوم بنحو ثلاثي الأبعاد بيوتًا أسمنتية باستخدام برامج التصميم التقليدية وطابعات ثلاثية الأبعاد مخصصة. إن الطابعات الثلاثية الأبعاد المستخدمة في البناء — مثلها مثل نظرائها صغيرة الحجم — يمكنها صنع أشكال كان صنعها حتى الآن مستحيلًا؛ مثل قنوات لتحسين التهوية، وسمات هيكلية مطبوعة سلفًا، ومنحنيات وزخارف رائعة للتزيين.

يطبع باروخ كوشنيفيس، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا الجنوبية أبنية. منذ عدة سنوات، بدأ هو وطلابه اختبار الطين كمادة بناء. اليوم تطور عمله المبكر لدرجة أنه يمكنه صنع أبنية كبيرة من الخرسانة بطابعة ثلاثية الأبعاد، يُسميها روبوت البناء المستخدم لتقنية «صنع المحيط الخارجي».

يعمل روبوت البناء هذا بنفس المبادئ التي تعمل بها طابعة ثلاثية الأبعاد شخصية مزودة بفوهة تخرج منها المواد الخام. ويتتبع الروبوت المساحة التي سيشغلها البناء بإخراج سيل من معجون الخرسانة المعزز بالألياف. وبتحرك الفوهة في كل مكان، فإن الطبقة السفلى تقسو لتحمل الوزن المتزايد للحوائط المتنامية.

figure
تُخرج تقنية صنع المحيط الخارجي أسمنتًا معززًا بالألياف من فوهة (الصورة مهداة من باروخ كوشنيفيس من مركز تقنيات التصنيع المؤَتْمت السريع في جامعة كاليفورنيا الجنوبية).
figure
يطبع إنريكو ديني هياكل من مزيج من الرمال والمواد اللاصقة، والنتيجة النهائية هي سطح حجري قوي وأملس. سيكون من الصعب للغاية نحت هذه الأشكال والمنحنيات يدويًّا من الصخر أو الرخام (الصورة مهداة من إنريكو ديني وأندريا مورجانتي).
figure
هذا الهيكل الرائع المسمى «المقعد العجيب» مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد من الخرسانة. من المستحيل صنع الأشكال المنحنية والقنوات الداخلية المجوفة الخاصة بهذا الهيكل باستخدام طرق صب الخرسانة التقليدية (الصورة مهداة من سانج وو ليم وريتشارد باسويل ومن تصوير أنييس سانفيتو).

يمكن حاليًّا لتقنية صنع المحيط الخارجي إنشاء بناء ارتفاعه ٧ أقدام بطول ٢٣ قدمًا وعرض ١٥ قدمًا. وحسب تقدير باروخ فإن طابعته يمكنها بناء قدم مربعة من الحوائط في أقل من ٢٠ ثانية. ولوضع دفقات سميكة من خطوط الأسمنت في ثوانٍ، يمتلك الروبوت مِجرفتين دوارتين يمكنهما تنعيم كل طبقة من الخرسانة أثناء طباعتها.

لا يمكن حاليًّا لتقنية صنع المحيط الخارجي تضمين بنية تحتية أساسية داخل الخرسانة الخام مثل المواسير وأسلاك الكهرباء. بالرغم من ذلك، ويومًا ما، يمكن إضافة أدوات بناء أكثر تعقيدًا لتنضم للمِجرفتين اللتين ترشدان الطابعة. على سبيل المثال، يمكن لواضع مواسير آلي إضافي وضع المواسير في الأسمنت القاسي.

تقول إحدى أشهر مقولات كاتب الخيال العلمي بروس سترلينج: «كما يبني النمل الأبيض قلاعًا فوق الأرض، يمكن للروبوتات صنع ناطحات سحاب فوق القمر». وبوضع استكشاف الفضاء في الاعتبار، موَّلت وكالة ناسا عدة مشروعات بحثية تعتمد على روبوتات البناء الخاصة بباروخ للتوصل إلى طريقة جيدة للبناء في الفضاء الخارجي. يحلم باروخ بتشييد أبنية فوق القمر والمريخ يومًا ما، وتوفير مساكن عاجلة وقليلة التكلفة على سطح الأرض.

على الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي، وخارج مدينة بيزا في إيطاليا، اخترع المصمم والمهندس المعماري الإيطالي إنريكو ديني طريقة بناء بمساعدة الكمبيوتر، قائمة على الطباعة الثلاثية الأبعاد، تستخدم الرمال ومادةً لاصقة صناعية لصنع حجر رملي صناعي. تُعتبر الرمال أحد أكثر المواد الخام الخاصة بالبناء توافرًا في العالم. يصف إنريكو ابتكاراته المطبوعة بأنها ملساء وتشبه الرخام وباردة وصلبة في ملمسها. أطلق إنريكو على طابعة البناء خاصته اسم «نظام دي شيب الآلي للبناء». يدير كمبيوتر موصل بطابعة دي شيب برنامج تصميم بمساعدة الكمبيوتر الذي يرشد الذراع الآلية فوق سرير من الرمال بدقة تصل إلى الملِّيمتر.

تعمل طابعة دي شيب بإخراج سائل لاصق من مِئات الفوهات الصغيرة فوق سرير من الرمال. يحتوي هذا الخليط على محفِّز يجعل المادة اللاصقة أكثر سرعة في ربط الرمال ببعضها، وبعد أربع دورات، تتصلب الطبقة المطبوعة. وتُنثر رمال جديدة فوقَها، ويُعاد معايرة الذراع الآلية حتى يمكنَه ترسيب طبقة أخرى من المادة اللاصقة فوق الأولى، ويستغرق الأمر يومًا تقريبًا لتتصلب الحوائط المطبوعة.

وطبقًا لموقع الويب الخاص بإنريكو، فإن المادة اللاصقة قوية، ويمكن أن تحل محل الحديد كمادة معزِّزة لهياكل البناء. ويمكن أن يُصنع الحجر الصناعي المطبوع بطابعة دي شيب من أي نوع من الرمال، وهو أقوى وأقل تكلفة من الأسمنت البورتلاندي. والبناء المبني من الحجر الرملي المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد أسرع في التشييد من ذلك المبني من مواد البناء التقليدية.

في وقت كتابة هذا الكتاب، لا أعلم هل كان هناك من يسكن في بيت مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد. على الرغم من ذلك، فإن شخصًا ما ربما يخاطر ويقرر استغلال احتمالات التصميم المتأصلة في البيت المطبوع. ومثل الحرية الهندسية التي تتيحها الطابعات الثلاثية الأبعاد التقليدية لكن على نطاق أوسع، فإن طابعة البناء الثلاثية الأبعاد يمكنها طابعة أشكال فيزيائية غير معتادة وغريبة. تخيَّل العيش في منزل حجري عملاق يشبه البيت الجليدي أو بيوت الهنود الحمر، ويمكنك زخرفة السقف بسخاء أو حتى رسم أشكال زخرفية عليه.

ليس في الإمكان بعدُ طلبُ مخطط لمنزل خرساني مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد، لكن على قياس أصغر، يمكنك البدء بمقعد خارجي بسيط مصنوع من الخرسانة. طوَّر فريق من الباحثين في جامعة لوفبرا (جامعة نوتنجهام حاليًّا) مقعدًا مطبوعًا بنحو ثلاثي الأبعاد من الخرسانة سُمي «المعقد العجيب» بالدمج والتوسع في استخدام أساسيات عمل تقنية صنع المحيط الخارجي.

يتكون تركيب «المقعد العجيب» المطبوع من هيكل يشبه خلية النحل مكون من قنوات وجيوب هوائية داخلية يسميها الباحثون «فراغات». هذه الفراغات تعمل كحوامل للصوت أو عوازل حرارية أو تُوفِّر ببساطة مساحة مفتوحة يمكن وضع مكونات بناء إضافية فيها أو ربما مواسير وأسلاك كهرباء، كما ذكرنا سلفًا. يوفر هذا المقعد لمحة عن الاحتمالات التي تتيحها طباعة هياكل أكبر وأكثر تعقيدًا بنحو ثلاثي الأبعاد. ويمكن للهيكل المطبوع أن يحتويَ على مواسير سباكة وأسلاك ودوائر كهربائية جاهزة، كما يمكن صنعه بحيث يحتوي على فتحات هوائية ذكية أو فراغات بحيث يمكن إضافة بنية تحتية إضافية بسهولة لاحقًا.

(٢-١) المصمم الروبوتي

يقول المؤلفان ستيفن تود ووليام لاثام في كتابهما الكلاسيكي عن الرسوم المصممة بالكمبيوتر والمسمَّى «الفن التطوري وأجهزة الكمبيوتر»: «لا يتبع الكمبيوتر التعليمات دون تفكير لكنه يستخدمها لإعطاء اقتراحات، ويترك الحرية للفنان لاتخاذ الخيارات الجمالية النهائية.»2 سيكون للجيل التالي من الأدوات البرمجية الخاصة بالتصميم الذكي نفس الأثر على عملية التصميم.

يومًا ما، سيرشد برنامج تصميم ذكي وسريع الاستجابة أو ما يُطلق عليه «مصمم روبوتي» عملية الابتكار، وسيسرع من اكتشاف حلول التصميم. اليوم، تُوفِّر بالفعل خوارزميات الكمبيوتر حلولًا تصميمية أكثر تعقيدًا من أي شيء يمكن للمصمم البشري التفكير به. في المستقبل، سيغير المصمم الروبوتي — الموصَّل بطابعة ثلاثية الأبعاد ومصدر بيانات — دور المصمم أو الفنان أو المهندس المعماري البشري.

في المستقبل، لن يُضيع البشر وقتًا في وضع واختبار حلول تصميم محتملة. بدلًا من ذلك، سنمد المصمم الروبوتي بتصور على مستوًى عالٍ عن مشكلات التصميم؛ أهدافها وقيودها وسياقها. وسيحدد المصمم البشري ضوابط الحل المرغوب به. وبدلًا من أن يصبح المصممون والفنانون والمصممون المعماريون لا حاجة لهم بسبب الأدوات الجديدة، فإنهم في المستقبل سيقتحمون آفاقًا إبداعية جديدة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤