الفصل الخامس

الطباعة في طبقات

هذا الفصل موجَّه لمحبي التكنولوجيا، ولمن يريدون التعمق في الأسرار الميكانيكية للطباعة الثلاثية الأبعاد. خلافًا لذلك، فإن الوصف المختصر لتقنية هذه الطباعة الذي ذكرناه بالفعل هو كل ما تحتاج إليه للاستمتاع بما تبقى من هذا الكتاب؛ لذا يمكنك تجاوز هذا الفصل إذا أحببت.

الاسم الاصطلاحي الرسمي للطباعة الثلاثية الأبعاد — وهو التصنيع بالإضافة — هو في الواقع اسم وصفي بنحو كبير لطريقة العمل الخاصة بالطابعات الثلاثية الأبعاد. تشير كلمة «بالإضافة» إلى الطريقة التي تصنع بها الطباعةُ الثلاثية الأبعاد الأشياءَ، سواء بترسيب أو دمج المواد الخام في طبقات لصنع جسم صلب ثلاثي الأبعاد. تشير كلمة «التصنيع» إلى حقيقة أن الطابعات الثلاثية الأبعاد تصنع هذه الطبقات طبقًا لنوعٍ ما من العمليات المنهجية القابلة للتكرار والتوقع.

يمكن لأي طابعة ثلاثية الأبعاد أن تكون صغيرة بما يكفي لتلائم حقيبة المشتريات أو تكون بحجم سيارة ميني فان صغيرة، ويمكن للطابعات أن تتراوح تكلفتها من بضع مِئات من الدولارات إلى نصف مليون دولار. والسمة التي تجمع بينها جميعًا هي أنها تتَّبع التعليمات من الكمبيوتر لوضع المواد الخام في طبقات لصنع جسم ثلاثي الأبعاد.

(١) الطبيعة الحقيقية لعملية التصنيع

عملية الطباعة الثلاثية الأبعاد في طبيعتها عملية تصنيع وليست طباعة. هذا ما أثار اهتمامنا عندما سمعنا بأن شركة عالمية مثل إيه بي سي إيمدجنج أضافت الطباعة الثلاثية الأبعاد للخدمات التي تقدمها. ولمعرفة المزيد، تواصلنا مع جون تي لي مدير النمذجة الثلاثية الأبعاد وخدمات صنع النماذج الأولية السريعة في الشركة. وافق جون على اصطحابي في جولة تعريفية بعملية الطباعة الثلاثية الأبعاد في مقر الشركة في واشنطن العاصمة.

قال لي جون: «دخلتْ إيه بي سي مجالَ الطباعة الثلاثية الأبعاد بِناءً على طلب عملائنا.» لسنوات، كانت الشركة تصنع مخططات ورقية ومنتجات مطبوعة أخرى، أما الآن، فإن العملاء يُفضِّلون الأجسام الثلاثية الأبعاد. وأضاف جون: «نصنع نماذج معمارية ونماذج أولية للمنتجات لشركات الهندسة والتصميم المعماري، ويُفضِّل عملاؤنا امتلاك جسم ملموس يمكنهم عرضه على عملائهم وتتناقله الأيدي.»

تعمل شركة إيه بي سي في السوق منذ عام ١٩٨٢، ومنذ حوالي خمس سنوات، عينت الشركة جون لإدارة مشروعهم المتنامي للنمذجة الثلاثية الأبعاد وصنع النماذج الأولية السريعة. درس جون الجيولوجيا والجيوفيزياء في جامعة رايس في تسعينيات القرن العشرين، وتَعرَّف على الطباعة الثلاثية الأبعاد في بداية مسيرته الوظيفية عندما كان يعمل في شركة تُنتج خرائط جغرافية ثلاثية الأبعاد.

يومض مقر الشركة في واشنطن العاصمة بالفخر والانتباه للتفاصيل، بداية من الموقع الإلكتروني للشركة المنظَّم بعناية، حتى الطاولة اللامعة ذات السطح الزجاجي، والمصمَّمة على الطراز الإسكندنافي في غرفة الاجتماعات الرئيسية. نمت الشركة من ورشة للطباعة في واشنطن إلى ٣٥ مركزًا للطباعة و٥٥٠ موظفًا في العديد من المدن حول العالم. وبعد انتهاء الجولة التقديمية، قادني جون عائدَيْنِ لمنطقة إنتاج الشركة. كانت غرفة الطباعة الأساسية في الشركة تشبه فصلًا ذا حجم مناسب ونكهة صناعية جديدة مثيرة للارتياح. كان موظفو الشركة ذوو الملابس غير الرسمية يديرون العديد من الطابعات الملونة ثنائية الأبعاد التي تُصدر أزيزًا، والعاملة على المستوى الصناعي وذات أَسِرَّة الطباعة الكبيرة.

سألت جون إن كان ينظر إلى الطباعة الثلاثية الأبعاد باعتبارها عملية طباعة أم تصنيع. صمت جون قليلًا ثم قال: «أعتقد أن تسمية «الطباعة الثلاثية الأبعاد» هي في الغالب تسمية لأغراض تسويقية، فالطباعة الثلاثية الأبعاد عملية تصنيعية؛ فهي يمكنها أن تكون عملية مادية مثيرة للفوضى والتلوث. إننا نستخدم موادَّ كيماوية، واعتمادًا على ما أقوم به هنا، أرتدي القناع الواقي من الغازات أحيانًا.»

تمتلك شركة إيه بي سي العديد من نماذج الطابعات الثلاثية الأبعاد الصناعية المختلفة والمنتشرة حول العالم في عدة مواقع تابعة للشركة. في مقر الشركة في واشنطن، كان «مصنع» الشركة الصغير الخاص بالطباعة الثلاثية الأبعاد موجودًا في أحد أركان منطقة الإنتاج الرئيسية وراء العديد من مكاتب وحجيرات الموظفين. كانت الغرفةُ الزجاجيةُ الساطعةُ الإضاءة هذه يومًا ما مطبخًا صغيرًا وغرفةً للاستراحة. كانت هناك طابعتان صناعيتان ثلاثيتا الأبعاد ومتوسطتا الحجم تغطيان مساحة كبيرة من أحد الحوائط.

يدير جون خدمات الطباعة في الشركة باستخدام طابعات حديثة باهظة الثمن تصنع أي نموذج ملون ومفصَّل في يوم أو يومين. وتختلف الأُطُر الزمنية للإنتاج اعتمادًا على تعقيد النموذج وهل كان ملف التصميم الخاص بالعميل مُسَوَّدة أولية لم تُجرَّب أم ملفًّا نهائيًّا؛ ومِنْ ثَمَّ يوفر تصميمًا قابلًا للطباعة. إن معظم النماذج الأولية المطبوعة مطبوعة باللون الأبيض. مع ذلك، فإن بعض النماذج والخرائط تُطبع بالألوان.

في غرفة الطباعة بالشركة، تقبع آلة شبيهة بالصندوق بجانب العديد من الطابعات الثلاثية الأبعاد. هذه الآلة تمتلك مقدمة زجاجية وكُمَّين في كل جانب. داخل الآلة ووراء اللوح الزجاجي في المقدمة، يقع مِدفع هوائي قوي. أراني جون كيفية إدخال الذراعين في الكُمَّين على كل جانب من الصندوق وإطلاق الهواء بقوة باستخدام المِدفع الهوائي تجاه جسم مطبوع حديثًا؛ لإزالة ما تبقى من المسحوق عن سطحه. على الحائط المقابل، كانت هناك عدة أحواض معدِنية صغيرة تمتلئ بالفقاعات الصادرة من مذيبات، والتي تُوضع فيها الأجسام المطبوعة لوضع اللمسات النهائية على أسطحها وإذابة أي بقايا للمسحوق.

أراني جون نموذجًا أبيض لامعًا لقصر كبير يليق بإمبراطور. يوجد في مقدمة القصر ثمانية أعمدة تُكون شرفة كبيرة، وفوق سقف القصر، كان هناك درابزين دقيق الصنع يُطوِّق طابقًا مسطحًا تعلوه قبة ذات خطوط نصف قطرية محفورة بعناية، وعلى الجانب الأيمن من القصر، كانت هناك مجموعة من درجات السلم المنحنية التي تقود الزوار إلى الباب الرئيسي.

لم يكن هذا النموذج المعماري الزاخر بالتفاصيل ممكنَ الصنع باستخدام أساليب التصنيع البلاستيكي التقليدية مثل القولبة بالحقن، ولم يكن لأي آلة (أو شخص) أن يمتلك المهارة لتشكيل شكله الدقيق من كتلة من البلاستيك الصلب، كذلك فإن نماذج الورق المقوَّى التقليدية ليست بنفس الجدوى. كما أن الفراغ وراء الأعمدة المكونة للشرفة الأمامية، إذا شُكِّلَ بالطرق التقليدية، كان سيؤدي إلى انهيارها بفعل الضغط.

figure
النموذج المعماري النهائي المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد: دير قديم (الصورة مهداة من شركة ميدويست ستديوز؛ تصوير: إيد واتسون).

كان جون غير منبهر بهذا النموذج المطبوع؛ حيث إنه صَنع ما هو أعقد من هذا بكثير. في هذا الشأن قال جون: «تتيح لك الطباعة الثلاثية الأبعاد صنع بعض الأجزاء والنماذج المذهلة؛ فهي تصنع بعض الأشكال الهندسية التي لا يمكن صنعها بأي طريقة أخرى.»

(٢) تصنيفان للطابعات

عادةً ما أُخبر الناس أن هناك تصنيفين رئيسيين لتقنيات الطباعة الثلاثية الأبعاد؛ التصنيف الأول يرسب طبقات المادة الخام بعضها فوق بعض لصنع الأشياء، والتصنيف الثاني يدمج المواد الخام لصنع الأشياء.

التصنيف الأول — ولنُسمِّه «طابعات الترسيب الانتقائي» — يرسب المادة الخام في طبقات. هذا النوع من الطابعات يقذف أو يرشُّ أو يكبس المادة الخام، التي على هيئة سائل أو معجون أو مسحوق، من خلال محقن أو فوهة. والطابعات الثلاثية الأبعاد المستخدمة في المنازل والمكاتب عادةً ما تكون من النوع الذي يعمل بالترسيب؛ بسبب أن وحدات الليزر أو المدافع الحرارية المستخدمة على المستوى الصناعي يمكن أن تكون هشة وخطيرة للغاية.

التصنيف الثاني من الطابعات التي تدمج المواد الخام (لكن لا ترسب أو تضع المواد الخام بعضها فوق بعض) يستخدم في المعتاد الليزر أو مادة لاصقة للربط بين المواد الخام. هذا النوع من الطابعات — يسمى «طابعات الدمج الانتقائي» — يستخدم الحرارة أو الضوء لتصليد المسحوق أو البوليمر الضوئي الحساس للضوء. هل تتذكر الزعم الجريء لمندوب مبيعات شركة كيوبيتال الذي أخبرني وزملائي أنه صنع الجسم التوضيحي الذي عرضه علينا باستخدام آلةٍ «طبعتْه» باستخدام الليزر؟

(٢-١) الطابعات التي تقذف أو تكبس أو ترش

دعونا أولًا نستكشف طابعات الترسيب الانتقائي التي ترسب نوعًا ما من المواد الخام من خلال رأس طباعة أو فوهة. ربما تكون المادة الخام الخاصة بالطباعة هي البلاستيك الطري الذي سيتصلب بمجرد اصطدامه بسرير الطباعة أو عجين بسكويت أو حتى خلايا حية في جل طبي خاص. إذا رأيت طابعة ثلاثية الأبعاد شخصية، في وسائل الإعلام، مثل طابعات شركة ميكربوت، فمن المحتمل أن تكون رأيت هذا النوع من الطابعات.

الاسم التقني الرسمي لأسلوب الطباعة الذي يستخدمه هذا النوع من الطابعات يسمى «النمذجة بالترسيب المنصهر». ابتُكر هذا النوع من الطابعات في ثمانينيات القرن الماضي على يد سكوت كرامب الذي أسس بعد ذلك شركة قائمة على هذه التقنية، وإذا رأيت آلة توصف بأنها طابعة تعمل باستخدام النمذجة بالترسيب المنصهر، فهذا يعني أنها تُخرج مواد خام طرية من خلال رأس الطباعة.

هذا النوع من عمليات الطباعة الثلاثية الأبعاد يبدأ قبل أن يبدأ رأس الطباعة عمله بخطوات عدة. الخطوة الأولى هي العثور على ملف تصميم البرمجي لإعطاء البرنامج الداخلي الخاص بالطابعة الثلاثية الأبعاد (الذي يعرف أيضًا باسم البرنامج الثابت) ما يحتاج إليه من تعليمات للطباعة. بمجرد أن يصبح ملف التصميم جاهزًا، يوصل المستخدم الكمبيوتر المحمول خاصته بالطابعة، ويحفظ ملف التصميم بصيغة ملفات خاصة يمكن لبرنامج الطابعة قراءته والعمل به (سنفسر تفاصيل عملية التحويل هذه لاحقًا).

figure
الجسم الأبيض الموضح ما زال في طور الطباعة. إذا نظرت عن قرب فيمكنك رؤية الطرف المخروطي الداكن يلامس قمة الجزء الأبيض، وينبثق عنه شريط رفيع من البلاستيك الأبيض. والبلاستيك الداكن هو هيكل دعم مطبوع سيزول لاحقًا (الصورة مهداة من شركة استراتاسيس).

بمجرد قراءة البرنامج الثابت للطباعة للملف المهيأ، يحسب المسار الميكانيكي والحركات الخاصة برأس الطباعة. على سبيل المثال، يحتاج رأس الطباعة لمعرفة أين يجب أن تُرسب فوهة الطباعة الإطار الخارجي لشكل التصميم والكمية اللازمة من المادة الخام التي يجب على رأس الطباعة إخراجها وأين يضعها وما إلى ذلك.

بمجرد إنهاء البرنامج الثابت للطابعة تخطيط هذا التتابع من العمليات، يمكن لعملية الطباعة المادية البدء. تحرك الطابعات التي ترسب المواد الخام في المعتاد رأس الطباعة فوق مجموعة من القضبان الرأسية والأفقية (يسميها المهندسون المسند أو الهيكل المؤقت) التي تدفع رأس الطباعة أينما تحتاج أن تكون. ولترسيب الطبقة الأولى، يخطط رأس الطباعة الإطار الخارجي للحيز الذي سيشغله الجسم الذي سيُطبع. وتمثل الطبقة الأولى، التي تشبه تخطيطًا بقلم رصاص حول الجزء السفلي من قدح قهوة، المخطط الخارجي لقاعدة الجسم، ثم يستمر رأس الطباعة في التحرك ذهابًا وعودة؛ لملء محيط الشكل مثل طفل يملأ شكلًا في كتاب للتلوين.

بعد وضع أول طبقة في الحيز الذي يشغله الجسم، يرتفع رأس الطباعة بنحو طفيف ويعود للعمل لوضع الطبقة الثانية، وتستمر الطابعة في تكرار هذه العملية حيث تضع بتأنٍّ قطاعًا عرضيًّا تلو الآخر من الجسم بعضه فوق بعض، كما هو موضح في ملف التصميم، وهي عملية يمكن أن تستمر لساعات بل لأيام.

الأمر الجيد المتعلق بهذا النوع من الطباعة الثلاثية الأبعاد هو أن تقنية الطباعة يمكن تبسيطها لنُسخ منخفضة التقنية نسبيًّا وقليلة التكلفة، ويمكنها استخدام نطاق عريض من المواد الخام؛ فأي مادة خام يمكن إخراجها من الفوهة يمكن طباعتها بنحو ثلاثي الأبعاد. سكر التزيين والجبن وعجين البسكويت هي مواد خام شهيرة لمحبي الطباعة والطعام. إحدى مواد الطباعة التي بدأ استخدامها حديثًا هي «الحبر الحي» وهو مزيج من الخلايا الحية الموضوعة في جل طبي خاص التي يستخدمها الباحثون في مجال الطب من أجل أبحاث الطباعة الحيوية الثلاثية الأبعاد.

على الرغم من أن شركات التصنيع والتصميم تستخدم طابعات كبيرة وباهظة الثمن من هذا النوع، فإن طابعات الترسيب الانتقائي مثالية للاستخدام المنزلي أو المدرسي أو المكتبي. وحتى الطابعات رخيصة الثمن من هذا النوع تعمل بصوت منخفض، كما أن استخدامها لرأس طباعة منخفض الحرارة بنحو نسبي يجعلها أكثر أمانًا في تشغيلها من الطابعات التي تستخدم أشعة الليزر عالية القدرة.

أحد أكبر الجوانب السلبية لطابعات الترسيب الانتقائي هو أنه يمكنها طباعة الأجسام باستخدام المواد الخام التي يمكن إخراجها من رأس الطباعة فقط؛ ولذا يجب تشكيل الزجاج أو المعدِن المنصهر، على سبيل المثال، في ظروف مختلفة. ومعظم الطابعات التي تعمل بالترسيب، المتاحة في السوق اليوم، تحافظ على بساطة عملية التصنيع باستخدام نوع خاص من البلاستيك يُصنع مخصصًا لها. ويُباع بلاستيك الطباعة الثلاثية الأبعاد على هيئة جدائل ملفوفة تشبه مكرونة الإسباجيتي التي توضع نهاياتها مباشرةً في الطابعة حيث يُذاب البلاستيك ويُخرج من خلال رأس الطباعة.

الطباعة بنفث البوليمر

figure
طابعة تنفث البوليمر تُصنِّع واحدًا من التصميمات المرشحة لغلاف هذا الكتاب.

تُعتبر الطابعات التي تنفث البوليمر أحدث أنواع الطابعات العاملة بالترسيب، وقد طورتها عام ٢٠٠٠ شركة إسرائيلية تسمى أوبجيت جيومتريز (والتي اندمجت مع شركة استراتاسيس عام ٢٠١٢). تقتبس الطابعات التي تنفث البوليمر التقنيات من كلا النوعين الرئيسيين للطابعات الثلاثية الأبعاد، بجمعها بين رأس الطباعة الذي يرش البوليمر الضوئي السائل على هيئة طبقات رفيعة للغاية، وتصليدها لهذا البوليمر من خلال مصباح للأشعة فوق البنفسَجية قوي.

إن فائدة استخدام هذا النوع من الطابعات هي أن رش القطيرات يُعتبر طريقة سريعة ودقيقة لتصنيع طبقات رفيعة للغاية يصل سمكها إلى ١٦ ميكرونًا، وللتوضيح فإن قطر كرة الدم الحمراء يصل إلى ١٠ ميكرونات، ودقة الطابعات التي تنفث البوليمر تجعلها مثالية لاستخدامها في التطبيقات الصناعية أو الطبية؛ حيث يمكن أن تُمثِّل الأشكال «عالية الدقة» وسرعة الطباعة عاملين مهمين للغاية في عملية الطباعة. ويمكن لتلك الطابعات استخدام عدة رءوس طباعة في نفس الوقت حيث يمكنها الطباعة باستخدام العديد من المواد الخام في عملية طباعة واحدة.

يكمن أحد أكبر عيوب الطباعة باستخدام هذه الطابعات في القيود المتعلقة بالمادة الخام التي تستخدمها، وهو نوع من البلاستيك يسمَّى البوليمر الضوئي. والبوليمر الضوئي نوع من البلاستيك باهظ الثمن وشديد التخصص يستجيب للأشعة فوق البنفسَجية، ويمكن أن يكون البلاستيك أحد أكثر مواد التصنيع الموجودة صلابة لكن معظم أنواع البوليمر الضوئي هشة وسريعة الانكسار نسبيًّا، وهو ما يحد من نطاق تطبيقاتها.

التشكيل النهائي بالليزر

أحد أنواع الطباعة بالترسيب الانتقائي هو «التشكيل النهائي بالليزر»، وهو ما يقذف مادة على هيئة مسحوق داخل شعاع ليزر قوي يوجهه بحرص. بعض المسحوق يفلت من الشعاع ويقع جانبًا، لكن الجسيمات المحظوظة التي ترتطم بنقطة بؤرة شعاع الليزر تنصهر وتندمج فورًا في سطح الجزء المتنامي. ولهذا، وأثناء مسح نقطة بؤرة الليزر للحدود الخارجية للجسم المطبوع، وإخراج الفوهة للمزيد من المسحوق، فإن الجزء الذي يُطبع ينمو طبقة بطبقة.

figure
معدِن مسحوق يُقذف داخل شعاع ليزر. تنصهر الجسيمات التي ترتطم بنقطة البؤرة وتُكوِّن الجسم المعدِني تدريجيًّا (الصورة مهداة من ريتشارد جريلز من شركة أوبتوميك).

مِيزة هذه العملية هي أنه يمكنها صنع أجسام من مواد خام صلبة مثل التيتانيوم والصلب غير القابل للصدأ. قبل ابتكار عمليات «الطباعة» المعدنية هذه، لم تنظر الصناعات «الكبرى» للطباعة الثلاثية الأبعاد بجدية؛ بسبب أنها كانت تعمل فقط بالبلاستيك (البوليمر)، وعندما ظهرت عمليات طباعة المعادن مثل التشكيل النهائي بالليزر، أصبحت الصناعات الكبرى مثل صناعات الطائرات والسيارات أكثر اهتمامًا بالطباعة الثلاثية الأبعاد. وتستخدم تقنية التشكيل النهائي بالليزر اليوم لصنع أجسام معقدة من المعادن الصلبة مثل رِيَش التوربينات المصنوعة من التيتانيوم ذات قنوات التبريد الداخلية.

وبما أن أكثر من فوهة واحدة يمكن أن تقذف المسحوق خلال شعاع الليزر في نفس الوقت؛ فيمكن استخدام العديد من المعادن الشائعة في نفس الوقت من أجل «طباعة» سبائك (معادن مختلطة) بنِسب قابلة للضبط، ويمكن أن تتغير النسبة بِناءً على موضع الرأس؛ مما يؤدي إلى صنع سبائك متدرجة.

التصنيع الرقائقي

وأخيرًا وليس آخرًا، هناك نوع آخر من أنواع الطباعة بالترسيب الانتقائي، وهو التصنيع الرقائقي. لا تستخدم الطابعات المعتمدة على هذا الأسلوب رأس طباعة لتكوين طبقات، بل — كما يشير اسم الأسلوب — تُحوَّل المادة الخام لرقائق أو صفائح رفيعة، ثم تُدمج معًا لتصنع جسمًا واحدًا ثلاثي الأبعاد.

تبدأ عملية التصنيع الرقائقي بملف تصميم، وبدلًا من استخدام رأس طباعة، تقوم سكين أو شعاع ليزر بالعمل. باتباع إرشادات ملف التصميم، تقطع أداة القطع الحدود الخارجية للشكل المطبوع من طبقة رقيقة من الورق أو البلاستيك أو المعدِن. تخيَّل أنك أمسكت بقدح قهوة ووضعته على قطعة من الورق ثم قطعت حدوده الخارجية على الورق لتأخذ شكل قاعدة القدح.

بعد انتهاء أداة القطع من عملية القطع، تزيح الطابعة ما قُطع جانبًا وتضع طبقة رقيقة جديدة من غشاء لاصق لقطع الطبقات التالية. تكوم الطابعة الطبقات المقطوعة من الورق أو البلاستيك أو المعدِن. وعندما ينتهي تقطيع القطاعات العرضية للجسم الذي يُطبع، تُصفح الطابعة وتكبس الطبقات المقطوعة لدمجها معًا في جسم ثلاثي الأبعاد صلب. وبعض طرازات هذا النوع من الطابعات تدمج صفائح مقطوعة من ورق الألومنيوم بذبذبات فوق صوتية قوية تتسبب في حك أي طبقة بالتي تسبقها لتكون معًا طبقات مرصوصة بنحو سميك.

(٢-٢) الطابعات التي تصهر أو تدمج أو تلصق

العائلة الثانية الكبيرة من الطابعات الثلاثية الأبعاد هي تلك التي تستخدم عملية الدمج الانتقائي لصهر أو دمج المواد الخام في طبقات. استخدم العديد من أوائل الطابعات الثلاثية الأبعاد التِّجارية هذه الطريقة. هناك نوعان من هذه الطريقة، بنحو خاص، يُستخدمان على نطاق واسع: الطباعة الفراغية والتصليد بالليزر.

الطباعة الفراغية

تُعتبر الطباعة الفراغية أو الستيريوليثوجرافي إحدى أولى الطرق التِّجارية للطباعة الثلاثية الأبعاد. تخيَّل وعاءً صغيرًا مليئًا بالبوليمر السائل يقبع داخل طابعة بحجم الثلاجة المنزلية. تمرِّر الطابعة شعاع الليزر فوق سطح من نوع خاص من البلاستيك، وهو البوليمر الضوئي الحساس للأشعة فوق البنفسجية، الذي يتصلب عند التعرض له. وكل مسحة من الليزر تخطط الإطار الخارجي والقطاع العرضي للشكل الذي يُطبع في طبقات متتابعة.

بعد كل مسحة لليزر، تنخفض الطاولة القابلة للتحريك التي يقبع عليها الجزء المطبوع بمقدار ضئيل من المِلِّيمتر. هذا الجزء يسقط قليلًا في السائل ثم يغمر بوليمر ضوئي جديد قمته. وبعض طابعات الطباعة الفراغية تعمل في الاتجاه المعاكس بتوجيه الليزر لأعلى للبوليمر الضوئي ثم رفع (بدلًا من خفض) الجسم المطبوع لتنغمر قاعدته (بدلًا من قمته) في سائل جديد.

بعد الانتهاء من طباعة جسم ثلاثي الأبعاد بهذه الطريقة، ما زال هناك ما يجب القيام به؛ إذ يجب شطف المواد الخام الزائدة، وأحيانًا يحتاج الجسم لصنفرة أسطحه يدويًّا. واعتمادًا على ما يُطبَع، يتم أحيانًا المزيد من المعالجة في «فرن» للأشعة فوق البنفسجية.

الجانب الإيجابي للطباعة الفراغية هو أن الليزر سريع ودقيق، ويمكن لأشعة ليزر متعددة العمل بنحو متوازٍ لتخطيط الأشكال بدقة أعلى مما تقوم به رءوس الطباعة الثلاثية الأبعاد الحالية، والتي تعمل بقذف المواد الخام. ويمكن للطابعات الثلاثية الأبعاد الصناعية اليوم صنع نماذج وأجزاء دقيقة الصنع، بطبقات رفيعة يصل سمكها إلى ١٠ ميكرومترات، وهو ما يقل سمكًا عن قطعة ورق رقيقة. وبينما تستمر جودة وأنواع البوليمر الضوئي الخام في التطور، فإن آلات الطباعة الفراغية يمكنها صنع نطاق أكثر توسعًا من الأجسام بمواد خام متخصصة.

figure
بينما يخطط ليزر الأشعة فوق البنفسَجية شكل القطاعات العرضية المتوالية، فإن الأجزاء الصُّلبة تُخفض ببطء في الخزان (الصورة مهداة من شركة سوليد كونسبتس).
figure
أحد أول النماذج في العالم لعملية الطباعة الثلاثية الأبعاد. ترجع تقنية الطباعة المستخدمة، وهي الطباعة الفراغية، لأوائل ثمانينيات القرن العشرين (الصورة مهداة من تشاك هال).

أحد الجوانب السلبية للطباعة الفراغية هو أن الأبخرة الناتجة من البوليمر الضوئي غير المعالج يمكن أن تسبب التسمم إذا استُنشقَت. كذلك، فإن البوليمر الضوئي ليس قويًّا وشديد التحمل مثل نظرائه من اللدائن الحرارية المستخدمة في التصنيع بالقولبة بالحقن، كما أن تكلفة وتعقيد الإبقاء على آلة تستخدم الليزر يجعل تكلفة الطباعة الفراغية مرتفعة للغاية بالنسبة إلى الاستخدام المنزلي، لكن هناك آلات أقل تكلفة تستخدم ليزر الأشعة فوق البنفسَجية قليل التكلفة من أقراص البلو راي ربما تؤدي إلى نمو هذه السوق، ويمكن لآلات الطباعة الفراغية حاليًّا الطباعة بمادة خام وحيدة فقط في كل مرة.

التصليد الانتقائي بالليزر

ابتكر باحثان من جامعة تكساس، هما كارل ديكارد وجوزيف بيمان تقنية التصليد الانتقائي بالليزر في ثمانينيات القرن العشرين.1 يتبع التصليد الانتقائي بالليزر أسلوبًا مشابهًا للطباعة الفراغية. لكن بدلًا من استخدام البوليمر الضوئي السائل في وعاء، تستخدم مسحوقًا.

ومثل الطباعة الفراغية، فإن عملية الطباعة بالتصليد الانتقائي لليزر ليست كما يتصور العديد من الناس أنها «عملية طباعة». تمرر هذه الطابعات شعاع ليزر قويًّا على سطح سرير من المسحوق. ينصهر المسحوق حينما يتعرض لشعاع الليزر، ثم تضع أسطوانة دوارة داخل الطابعة طبقة جديدة من المسحوق على الجانب العلوي، وتخفض سرير الطباعة جزءًا ضئيلًا من الملِّيمتر.

الطباعة باستخدام المسحوق بدلًا من المواد السائلة لها مزايا؛ فالجسم المطبوع من المسحوق تقل احتمالات انهياره خلال عملية الطباعة؛ حيث إن المسحوق غير المنصهر يعمل كداعم ذاتي. في بعض الحالات، يمكن إعادة تدوير بقايا المسحوق غير المستخدمة واستخدامها في عملية طباعة أخرى. والمواد الخام التي على هيئة مسحوق تكون أكثر تنوعًا؛ حيث إن العديد من المواد الخام يمكن الحصول عليها على هيئة مسحوق، بما في ذلك النايلون والصلب والبرونز والتيتانيوم.

الجانب السلبي للتصليد بالليزر هو أنه يصنع أجسامًا مسامِّية الأسطح وليست ملساء، ولا يمكن للطابعات التي تستخدم هذه التقنية حاليًّا طباعة عدة أنواع من المسحوق في وقت واحد، كما أنها ما زالت غير مناسبة للاستخدام في المنازل أو المكاتب؛ وبما أن بعض أنواع المسحوق تميل للانفجار إذا لم يكن التعامل معها بنحو صحيح، لذا تحتاج الطابعات بالتصليد بالليزر لوضعها بغرفة مغلقة بإحكام ومليئة بغاز النيتروجين.

figure
شعاع ليزر يصهر ويدمج معدِنًا على هيئة مسحوق. ينتهي الحال بالجسم المطبوع مغمورًا تحت مسحوق في نهاية عملية الطباعة (الصورة الإيضاحية مهداة من شركة سوليد كونسبتس).

وأخيرًا، فإن الطباعة بالتصليد بالليزر تُصدِر حرارة شديدة، ولا يمكن الإمساك بأي جسم مكتمل الطباعة مباشرةً بعد إخراجه من الطابعة. وبِناءً على حجم وسُمك الطبقات، ربما تحتاج الأجزاء الأكبر إلى أن تُترك لتبرد لفترة تصل إلى يوم.

الطباعة المجسمة

في عملية الطباعة المجسمة يُخرِج رأس الطباعة مادة لاصقة — أو نوعًا معينًا من الصمغ — لتغطيَ مسحوق المادة الخام. ابتكر هذه التقنية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين طالب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يدعى بول وليامز، بالتعاون مع الأستاذ المشرف عليه إيلاي ساكس.

في ذلك الوقت كانت أنظمة التصنيع بالإضافة التِّجارية تستخدم الليزر، وفي بعض الأحيان مواد سامة للطباعة، وكانت الأنظمة في حجم شاحنة صغيرة. وكانت أولى آلات التصنيع بالإضافة معقدة التشغيل وباهظة الثمن؛ وحيث إن الطباعة المجسمة كانت بديلًا مرحَّبًا به، سجل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لاحقًا براءة اختراع التقنية التي تقوم عليها الطباعة المجسمة، ورخَّصَتْها للعديد من الشركات (حيث أصبحت أساس العديد من الطابعات الثلاثية الأبعاد التِّجارية حول العالم).

figure
يُنفَث الصمغ الملون خلال عملية الطباعة المجسَّمة بالألوان على سرير من مسحوق قائم على النشا ثم تُبسط طبقة جديدة من المسحوق ثم تتكرر العملية (الصورة مهداة من ديفيد مكارثي).
كان سر نجاح الطباعة المجسمة يكمن في بساطتها. كانت رؤية بول وليامز لها رؤية جريئة وخاصة؛ بالنظر إلى أحدث التقنيات آنذاك. كتب بول في أطروحة الماجستير خاصته قائلًا: «هدف التصنيع المكتبي هو صنع أجزاء بضغطة زر، من دون الاحتياج إلى القيام بأي شيء آخر.»2 تخيلَ وليامز الطباعة المجسمة كنظام تصنيع مكتبي يتميز بالسرعة والدقة وانخفاض التكلفة وسهولة الاستخدام.

اليوم، حققت الطباعة المجسمة رؤية صانعها وأصبحت طريقة شهيرة ومنخفضة التكاليف للطباعة الثلاثية الأبعاد، وبما أن الطابعات التي تعمل بالطباعة المجسمة تُكوِّن الطبقات عن طريق ضخ الصمغ فوق المواد الخام، فإن هذه الآلات لا تستخدم الليزر، ويمكن أن تستخدم نطاقًا عريضًا من أنواع المواد الخام. ولا يحتاج هذا النوع من الطابعات لدعم مكونات عالية القدرة؛ ولهذا فإنها موفرة للطاقة في تشغيلها. لكن الجانب السلبي لها يكمن في أن الأجسام المطبوعة بها تميل لأن تكون لها أسطح خشنة؛ وذلك بسبب صعوبة صنع طبقات شديدة الرفع دون شعاع ليزر.

إحدى كبرى مميزات الطباعة المجسمة هي قدرتها على استخدام الألوان في الطباعة؛ فعندما يُرسب الصمغ، يمكن أيضًا نفث بضع قطيرات إضافية من الحبر الملون مما يسمح بتصنيع نماذج ملونة ثلاثية الأبعاد. ويمكن كذلك استخدام الكثير من أنواع المواد الخام التي على هيئة مسحوق، والتي تتنوع ما بين ما يشبه النشا، وهو ما يُنتج أجسامًا بقوام يشبه الحجر الرملي إلى مسحوق الصَّلصال الذي يحتاج إلى وضعه داخل أحد الأفران ليصبح صُلبًا. استخدم البعض في الطباعة المجسمة مسحوق الزجاج والعظام المطحونة والإطارات المقطَّعة وحتى نُشارة الخشب. وبعض الطابعات تستخدم مسحوق معادن مثل البرونز، ثم يحتاج البرونز المُغرَّى إلى وضعه في فرن ليصبح صُلبًا.

(٣) إعداد ملفات التصميم

تبدأ عملية الطباعة باستخدام ملف تصميم. ومثل الجبل الجليدي الذي يقبع الجزء الأكبر منه تحت الماء، فإن عملية الطباعة تحتاج إلى قدر ضخم من الإعداد يتضمن إعداد ملف التصميم وتحضير الطابعة. خلال زيارتي لشركة إيه بي سي إيمدجنج، أخبرني جون أن أحد أكبر التحديات (الذي لا يُلاحَظ كثيرًا) هو مساعدة عملائه في حفظ ملفات التصميم خاصتهم بصيغة مناسبة.

يجب أن يكون ملف التصميم متوافقًا مع البرنامج الداخلي في الطابعة الثلاثية الأبعاد. يرشد هذا البرنامج (أو ما يعرف باسم البرنامج الثابت) مكونات الطابعة الميكانيكية إلى ما يجب أن تقوم به، ولا يكون دائمًا إعدادُ ملف تصميمٍ مكتملٍ لطباعته على نحو ثلاثي الأبعاد عمليةً بسيطة.

في شركة إيه بي سي إيمدجنج، تبدأ عملية الطباعة الثلاثية الأبعاد عندما يسلِّم عملاء الشركة — وأغلبهم من المهندسين والمهندسين المعماريين — ملفات التصميم لجون. تميل معظم المهن لتفضيل نوع معين من برامج التصميم. على سبيل المثال، العديد من المهندسين المعماريين يستخدمون برنامج جوجل سكتش آب. هذا البرنامج مجاني، ويُعتبر أداة تصميم سهلة الاستخدام للمعلمين والمهندسين المعماريين والمصممين المبتدئين. ويميل المهندسون لصنع ملفات التصميم باستخدام برنامج متقدم وتِجاري للنمذجة الصُّلبة. ويعمل جون مع الجغرافيين أو الجراحين أو صناع الخرائط بنحو متكرر وتأتي بياناتهم من ماسح ضوئي أو مستشعر عن بُعد أو تصوير طبي تشخيصي.

هناك تحدٍّ متكرر في عملية الطباعة الثلاثية الأبعاد، وهو كيفية التعامل مع مسألة أن معظم برامج التصميم صُنعت من دون وضع الطباعة الثلاثية الأبعاد في الاعتبار. يأتي ملف التصميم بمجموعة مربكة من الصيغ المختلفة للملفات، كلٌّ له تحدياته وخصائصه. وخلال زيارتي لإيه بي سي إيمدجنج، أخبرني جون: «في عالم الطباعة ثنائية الأبعاد، إذا كان لديك مستند مُنجز بنحو سيئ أو غير جذاب، ونقرت على زر الطباعة، فما زلت ستحصل في النهاية — بنحوٍ ما — على مستند مطبوع، حتى لو لم يكن ما تريد حقًّا.»

استمر جون قائلًا: «أما في الطباعة الثلاثية الأبعاد، فالأمر لا يسير وفق قاعدة «المُدخلات الرديئة تؤدي إلى مخرجات رديئة»؛ فإذا كانت المُدخلات رديئة فلن يخرج أي شيء؛ ففي عالم الطباعة الثلاثية الأبعاد، إذا حصلت على ملف تصميم سيئ الإعداد، سينتهي بك الحال بلا شيء، أو الأسوأ من ذلك، سينتهي بك الحال بتبديد مواد خام باهظة التكلفة.»

يحتاج معظم ملفات التصميم، وخاصة تلك المصممة لأجسام معقدة، إلى بعض التعديل المُتقَن. قال جون في هذا الشأن: «على الرغم من أن الناس تتحدث كثيرًا عن جودة برامج التصميم، فما يهم حقًّا هو مهارة صانع ملف التصميم؛ فيمكن لملف التصميم السيئ أن يبطئ من عملية الطباعة؛ حيث إنني أحتاج إلى إعادة ضبطه وإصلاحه من أجلهم.»

figure
مشهد الطباعة الثلاثية الأبعاد هو نظام بيئي معقد مكون من العديد من المنتجات والأدوات والتطبيقات (المفتوحة المصدر) التي تضم البرمجيات والأجهزة والخدمات، ويتراوح مستخدمها ما بين المستهلك العادي إلى المستهلك الصناعي (مصفوفة ترانفام (إصدار ٦، ١١ /٢ /٢٠١٢ )، مهداة من توان ترانفام: tuan@tranpham.com | @ttranpham | http://www.linkedin.com/in/ttranpham).

بعد تقديم العملاء لملفات التصميم، فإن الخطوة التالية لجون هي تحويل الملف إلى صيغة خاصة بالطباعة الثلاثية الأبعاد تسمى «إس تي إل». هذه الصيغة صيغة ملفات معيارية يرجع تاريخها إلى عقود حيث صنعها تشاك هال مخترع تقنية الطباعة الفراغية ومؤسس شركة ثري دي سيستمز. هذه الصيغة مشابهة قليلًا لصيغة البوست سكريبت التي تحوِّل مستندات الكمبيوتر إلى شيء تستطيع طابعات الورق ثنائية الأبعاد قراءته والتعامل معه.

قال جون: «جزء كبير من عملي هو ضبط الجودة للتأكد من أن ملف إس تي إل سيقوم بما هو مفترض أن يقوم به.» تعود صيغة الملفات الموجودة اليوم لعصرٍ كان الناس يحتاجون فيه إلى أقل القليل من طابعاتهم الثلاثية الأبعاد. ووظيفة هذه الملفات ليست وظيفة سهلة. وتلك الصيغة كان لها تاريخ طويل ومميز، لكنه ببساطة لا يستطيع مجاراة التقدم الجاري في تقنيات الطباعة وبرامج التصميم.

يكمن التحدي في حقيقة أن ملف إس تي إل يجب بطريقةٍ ما أن ينقل تعقيدات التصميم والتفاصيل المتشابكة التي ربما تكون مباشرة في شكلها الرقمي لكن يصعب توصيلها لرأس الطابعة الثلاثية الأبعاد. على سبيل المثال، تطورت برامج التصميم في عصر آلات التصنيع التي تقطع الأشياء بدلًا من صنعها من طبقات؛ ولهذا — وبالنظر إلى تاريخ برامج التصميم الهندسية الصناعي — فإنها ما تزال تتعلم كيف تقوم بعمليات إضافة بدلًا من عمليات طرح.

بعد تحويل ملف التصميم لصيغة إس تي إل، فإن تلك الصيغة «تغلف» «الشكل» الرقمي للجسم المصمَّم داخلَ سطح افتراضي يسمَّى الشبكة، وهو مصنوع من آلاف (وفي بعض الحالات ملايين) المضلعات المتشابكة. كل مضلع متشابك (كثيرًا ما تُستخدم المثلثات) من المضلعات التي تكوِّن سطح الشبكة يحمل معلومات تخص شكل الجسم. في أمر محير بعض الشيء لغير المهندسين، أثناء تحويل ملف التصميم، يتضمن أي شيء يسمَّى سطحًا أي جزء يتعرض للهواء من الجسم المصمم. على سبيل المثال، فإن أيًّا من أسطح الجسم يمكن أن يكون سطحًا خارجيًّا للجسم أو داخل تجويفه الداخلي.

عندما تنتهي عملية التحويل لصيغة إس تي إل، فإن السطح الافتراضي لملف إس تي إل المغلف يجب أن يكون محكمًا تمامًا، ويشبه بنحوٍ ما عملية تغليف جسم مادي بنوع من مادة محكمة مقاومة للماء. إن هذا الملف هو ملف يغطي ويقرأ سطحه الشبكي منحنيات أسطح الجسم المُصمم وتجاويفه الداخلية بنحو دقيق وكامل. ومثل أي ثقب أو فجوة في أي حذاء شمواه محكم الإغلاق ومضاد للمياه، فإن أي فجوة في السطح الشبكي لملف إس تي إل يمكن أن تسبب مشكلات لاحقًا.

بمجرد أن يصبح ملف إس تي إل محكم الصنع وجاهزًا للاستخدام، فإن الجسر الرابط بين التصميم بمساعدة الكمبيوتر والتصنيع بمساعدة الكمبيوتر يكون قد اكتمل تقريبًا. وبعد تغليف الجسم المراد طباعته بنحو ثلاثي الأبعاد بسطح شبكي بالشكل الملائم، يجب إعداده للمرحلة الأخيرة؛ عملية التصنيع بالطبقات. في هذه المرحلة، يقوم ملف إس تي إل بآخر عمل له؛ يقرأ البرنامج الثابت للطابعة الملف ثم «يقطع» التصميم الرقمي المغلف بشبكة لطبقات افتراضية رقيقة ستقابل الطبقات الفعلية الرقيقة التي سرعان ما ستُطبع بنحو ثلاثي الأبعاد.

تُمثِّل كل طبقة افتراضية من ملف إس تي إل قطاعًا عرضيًّا لما سيصبح جسمًا نهائيًّا مطبوعًا. هل تتذكرون الإطار الخارجي التخطيطي لقاعدة قدح القهوة؟ هذا الإطار الخارجي سيساوي «طبقة» واحدة في الملف، وسيشكل طبقة مفردة مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد. وبعد تخطيط المحيط الخارجي، ستحتاج الطابعة للقيام بمسح مجالي ذهابًا وعودة؛ لملء داخل المحيط، تمامًا مثل تلوين الأشكال في كتب التلوين.

بعض الطابعات الثلاثية الأبعاد تمتلك أداة تصوُّر مدمجة تتأكد من تحويل ملف التصميم بمساعدة الكمبيوتر إلى ملف بصيغة إس تي إل. في المستقبل، سيعمل برنامج ذكي على التأكد من أن ملف التصميم يمكنه طباعة ما كان يريده مصممه. في الوقت الحالي، يرشد خبراء مثل جون كل أنواع ملفات التصميم منذ بداية تجسيدها رقميًّا؛ وحتى تصبح نموذجًا جذابًا متينًا مطبوعًا بنحو ثلاثي الأبعاد. قال جون في هذا الإطار: «بمجرد أن يصبح ملف التصميم جاهزًا، فقد انقضى أصعب ما في الأمر.»

إذا كان البشر يقومون بكل شيء حتى الآن، فإنه في هذه المرحلة، بمجرد أن يصبح ملف التصميم جاهزًا، تعمل الطابعة من تلقاء نفسها؛ ففي أعماق الطابعة تُملي أدواتُ التحكم بالغة الصغر والمستشعرات — الشبيهة ببرامج الطابعة في طابعات الورق — على الطابعة ما عليها القيام به للتأكد من أن كل شيء يسير كما ينبغي. أخبرني جون قائلًا: «بعد النقر على زر الطباعة، يمكن للطابعات العمل من دون إشراف طوال الليل.»

figure
الجسم المطبوع بعد إخراجه من سرير الطباعة المليء بالمسحوق وتنظيفه (الصورة مهداة من شركة ثري دي سيستمز).

(٣-١) طباعة هياكل الدعم والمعالجة البَعدية

تنتهي عملية الطباعة في شركة إيه بي سي إيمدجنج بعملية المعالجة البَعدية. عندما تنتهي الطباعة، يأتي دور البشر مرة أخرى. معظم الأجسام المطبوعة لا تخرج من عملية التصنيع لامعة ومثالية التشكيل؛ ولذا بعد سحب الجسم المطبوع للتوِّ من الطابعة، يأتي دور بعض التنظيف والإعداد اليدوي، وهو إجراء يسمى «المعالجة البَعدية».

التعامل مع أجسام معقدة التكوين ومطبوعة للتوِّ، مثل أي خطوات أخرى في عملية الطباعة الثلاثية الأبعاد، لها منحنى التعلم خاصتها؛ فيمكن أن تكون الأجزاء المطبوعة حديثًا هشة عندما تخرج من آلة الطباعة. قال جون: «جزء من منحنى التعلم هو أن تكسر العديد من الأشياء وتحرق الكثير من المواد الخام.»

تساهم نفس القدرات التي تجعل الطباعة الثلاثية الأبعاد طريقة جديدة وقوية لصنع أشكال ونماذج جديدة في زيادة تعقيدات عملية التصميم والتصنيع. وتكون الأجسام التي تمتلك الكثير من الأجزاء الطويلة أو تلك ذات التصميمات الملتفة أو المجوفة بنحو كبير الأكثر صعوبة في طباعتها. تخيَّل الطباعة الثلاثية الأبعاد لجسر بروكلين أو نموذج معماري له سقف مسطح رقيق لكنه عريض.

لطباعة سمات رائعة مثل أجزاء شبكية متداخلة بنحو معقد ودقيق، يجب على المصمم الجيد أن يأخذ في الاعتبار هياكل الدعم. تُطبع المواد الخام لتلك الهياكل جنبًا إلى جنب مع المواد الخام الأساسية، ومثل السقالات المؤقتة في أي مشروع بِناء، فإن هياكل الدعم تساعد في الحفاظ على شكل الجسم أثناء عملية الطباعة الثلاثية الأبعاد. بعض الطابعات تتطلب هياكل دعم، وبعضها يعتمد على المسحوق الخام لتوفير هذا الدعم، لكن بعض المصممين يوفرون هياكل دعم إضافية من أجل المزيد من المرونة. وتُزال مواد الدعم في نهاية عملية الطباعة في مرحلة المعالجة البَعدية.

تعتمد درجة ونوع المعالجة البَعدية على تعقيد تصميم الجسم المطبوع، وأي نوع من راتينج البلاستيك مصنوع منه، ومدى الجودة التي يحتاج إلى أن يبدوَ عليها. وربما تتضمن إزالة المواد الخام الداعمة بعض عمليات الصنفرة اليدوية والغسل والتنعيم. وبعض الأجسام المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد من الممكن أن تُصنفَر أو تُدهَن أو تُلحَم مع أجسام أخرى؛ اعتمادًا على الغرض منها.

(٤) المواد الخام

إذا كان التعامل مع ملف التصميم يُعتبر تحديًا فيما يتعلق بالربط بين العالَمَين الرقمي والمادي، فإن التحدي الثاني هو إجبار المواد الخام على التشكل كما يريد المصمم. تتكون المادة الخام في العالم الرقمي من نقط ملونة متناهية الصغر من الضوء وتدفقات سريعة من التعليمات الثنائية، لكن العالم المادي ليس منظمًا وسهل التعامل معه على نحو مماثل.

تعمل الطابعات الثلاثية الأبعاد اليوم في الغالب بالبلاستيك. وعلى الرغم من أن كلمة البلاستيك أصبحت مرادفًا للمواد القليلة التكلفة، فإن بلاستيك الطباعة الثلاثية الأبعاد ليس رخيصًا. في الواقع إن تكلفة مواد الطباعة البلاستيكية تزيد على نحو سريع لتصبح جزءًا مهمًّا من تكلفة تشغيل الطابعات الثلاثية الأبعاد.

إن معظم مصنِّعي الطابعات الثلاثية الأبعاد يعدُّون المواد الخام خاصتهم؛ ففي شركة إيه بي سي إيمدجنج عندما أراني جون دِلاءً مليئة بمسحوق طباعة للأغراض التِّجارية، شبَّه تكلفة بلاستيك الطباعة الثلاثية الأبعاد بنموذج العمل سيئ السمعة المسمى بنموذج «ماكينة الحلاقة والشفرات». قال لي: «الأمر يشبه ما تفعله شركة جيليت، يبيعون ماكينة الحلاقة بثمن زهيد لكن يجب عليك شراء الشفرات التي تناسبها من جيليت فقط.»

وحقيقة أن تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد الصناعية تُحسَّن لتستخدم مواد خام خاصة بمُصنع معين إما تدفع الابتكار إلى الأمام أو تضعفه؛ وذلك بناءً على الطرَف الذي تتحدث إليه. الجانب السلبي لهذا هو أن المستخدمين ينصرفون عن تجرِبة المواد الخام الأرخص بسبب أنهم يخافون من خرق ضمان المُصنِّع. أما الجانب الإيجابي للمواد الخام المملوكة لمُصنِّع معين فهو أن مُصنعي الطباعة الثلاثية الأبعاد يكونون متحمسين للاستثمار في تطوير مواد خام تدر الربح وتمتلك أداءً عالي الجودة مما سيدفع التقنية إلى الأمام.

يومًا ما، ستحتوي مواد الطباعة على أنسجة حية أو قطعًا متناهية الصغر من القدرة الحاسوبية أو ستكون قادرة على التصرف بطرق تتحدى الفهم. لكن اليوم، يجب على معظم الشركات وهواة الطباعة الرضا بالمواد الخام المتاحة المتمثلة في البلاستيك والمعادن والخزف والأطعمة نصف الصلبة القابلة للأكل، وبدرجة أقل الخرسانة والزجاج.

يُعتبر البلاستيك أكثر المواد الخام استخدامًا في الطباعة الثلاثية الأبعاد، ويقسم مهندسو البلاستيك المواد البلاستيكية لصنفين رئيسيين: البلاستيك الحراري والبوليمرات المتصلبة حراريًّا. الفرق بينهما يمكن بسهولة تذكُّره بالتفكير في البيض والجبن؛ فمثل الجبن، ينصهر البلاستيك الحراري بالحرارة ولا يتغير تركيبه الداخلي؛ ومن ثَم يمكن أن ينصهر ويعيد الانصهار مرات عديدة. ومثل البيض، تتصلب البوليمرات المتصلبة حراريًّا عند التعرض للحرارة، ويمكن استخدامها مرة واحدة فقط لأن تركيبها يتغير بالتسخين ولا يمكن صهرها مرة أخرى لسائل يعاد استخدامه.

يستخدم معظم الطابعات الموجهة للمستهلكين (من النوع الذي يرسب المواد الخام من خلال رأس طباعة) نوعًا من البلاستيك الحراري يسمى أكريلونتريل بوتادين ستايرين، وهو نفس النوع المستخدم في مكعبات الليجو. ويستخدم معظم الطابعات الثلاثية الأبعاد التي تعمل بتقنية الطباعة الفراغية بوليمرات متصلبة حراريًّا حساسة للضوء (البلاستيك الذي يشبه البيض). أما الطابعات التي تستخدم التصليد بالليزر فتستخدم بلاستيكًا حراريًّا مسحوقيًّا (البلاستيك الذي يشبه الجبن).

يمكن للطابعات الثلاثية الأبعاد أيضًا استخدام صنف آخر من البلاستيك، وهو البلاستيك المرن المعروف باسم البوليمر المرن. وكما يوحي اسمه فإن هذه المادة الخام التي تشبه الشريط المطاطي تمتلك خواص مرنة متعددة. وبعض أنواع هذه المادة، مثل السيليكون، يمكن ضغطها من خلال محقن ثم تجفيفها بواسطة الهواء. ويمكن طباعة أجسام أخرى طرية ومرنة بصهر البوليمر المرن المتلدن بالحرارة في عملية شبيهة بالمستخدمة في صناعة البلاستيك الصلب.

في الأيام الأولى للطباعة الثلاثية الأبعاد، هاجم المتشككون هذه التقنية الجديدة ورأَوْا أنها ليس لها مكان بين آلات التصنيع «الحقيقي». لماذا؟ لأنه في تلك الأيام لم تقدِر الطابعات الثلاثية الأبعاد على تصنيع الأجزاء المعدِنية. أما الآن فإن الطابعات الثلاثية الأبعاد يمكنها طباعة الصلب والتيتانيوم وحتى التنجستن، وهي معادن صلدة يصعب تشكيلها باستخدام عمليات التصنيع التقليدية.

تُعتبر الأجزاء المعدِنية المطبوعة للآلات تطبيقًا صناعيًّا شهيرًا للطباعة الثلاثية الأبعاد للمعادن. وهناك العديد من الطرق الممكنة لطباعة المعادن. إحدى تلك الطرق تَستخدم عملية متعددة الخطوات يُغطى فيها مسحوق المعدِن في البداية بمادة رابطة بلاستيكية حساسة للحرارة، ثم يُصهران معًا بنحو انتقائي باستخدام الليزر. يلي ذلك إزالة المسحوق غير المنصهر، ثم يُوضع الجسم المعدِني المتبقي في فرن ساخن لتنصهر المادة الرابطة البلاستيكية الصمغية. أما الطرق الأكثر مباشرة لطباعة المعادن فتتضمن استخدام نفاثات لإخراج معدِن مذاب أو لدمج مسحوق معدِني خام باستخدام الليزر مباشرةً.

figure
المخطط الأولي (الصورة العلوية) والأجزاء المصنَّعة (الصورة السفلية) باستخدام مجموعة من الطرق وتكلفتها الفِعليَّة (الصورة مهداة من روبرت ماكيردي).

حتى الآن، لا تقدِر الطابعات الثلاثية الأبعاد للاستخدامات المنزلية على طباعة المعادن بنحو مباشر. لكن هذا آخذ في التغير؛ حيث يمكن للطابعات المتاحة للمستهلكين مثل فاب آت هوم إخراج جِلٍّ مخلوط بمسحوق معدِن. ولتصليد الجل المطبوع لمعدِن، يُوضَع الجسم المطبوع في فرن أو أتون. وغني عن القول أن هذه الخطوة الإضافية من وضعه في الفرن ليست بسيطة إطلاقًا؛ فهي يمكن أن تعرِّض الجسم المطبوع لمخاطر الانكماش والتشقق والاعوجاج.

يمتلك الخزف المطبوع نفس السطح الناعم والخواص الداخلية للخزف المصنوع يدويًّا والمُصلد في الأفران. أحد التطبيقات الواعدة للطباعة الثلاثية الأبعاد هو طباعة العظام الصناعية من الخزف اعتمادًا على الأشعة المقطعية للمريض. يمكن لهذه الأجزاء أن تُصنع بنحو مخصص، وبما أنها أقل مسامِّية، فيمكن أن تزيد قوتها من ثلاثة إلى خمسة أمثال عن قوة مثيلاتها المصنوعة بالطرق التقليدية.3 وتقلل العظام الصناعية الخزفية القوية إمكانية انكسار أجزاء متناهية الصغر منها أثناء الجراحة؛ مما يحدُّ بنحو كبير من مخاطر حدوث التهابات ما بعد العملية.
يُعتبر الزجاج، وهو من أكثر المواد الخام استخدامًا في تاريخ الحضارات البشرية، من أكثر المواد التي استغرقت وقتًا ليُقبل الناس على استخدامها في الطباعة الثلاثية الأبعاد. والزجاج مادة صادَّة للماء؛ ولهذا فإنه لا يلتصق جيدًا. كذلك فإن مسحوق الزجاج لا يمكن التنبؤ برد فعله عندما يتعرض للحرارة. لكن طالبَيِ الدراسات العليا في جامعة واشنطن جرانت مارشيلي ورينوكا بارابهاكار، والأستاذين دوين ستورتي ومارك جانتر، نجحوا في طباعة أجسام مستخدمين الزجاج المعاد تدويره في معمل بحثي.4 لكن التطبيق التِّجاري لطباعة الزجاج ما زال محصورًا في الفن والمجوهرات.

يومًا ما، مع تطور التكنولوجيا، ستصبح عملية التصميم والطباعة الثلاثية الأبعاد أتوماتيكية، ولن تكون هناك حاجة لأي خبراء مهرة. وهناك نقاش داخلي في مجتمع الطباعة الثلاثية الأبعاد يُذكرنا بنقاش «تلفزيون في كل بيت» الذي كان سائدًا منذ ما يزيد على نصف قرن مضى. سألتُ جون عن رأيه في هذا خلال زيارتنا لشركة إيه بي سي إيمدجنج.

رد قائلًا: «أعتقد أنه ربما لن تكون هناك طابعة ثلاثية الأبعاد في كلِّ منزل أو مكتب في المستقبل. لكني أرى مستقبلًا آخر يُنزِّل فيه الناس والمهندسون والمعماريون ملفًا مصممًا باستخدام الكمبيوتر للشيء الذي يريدونه، ويطبعونه في ورشة الطباعة الموجودة في حيهم، بدلًا من إرسال طلب لأي مستودع للحصول عليه.» وأضاف جون: «الآن، نحن لا نبعد كثيرًا عن هذا النموذج بالفعل؛ يذهب سُعاتنا طيلة اليوم لتوصيل الأجزاء المطبوعة لعملائنا باستخدام الدراجات.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠