الفصل السادس

برامج التصميم: لوح الرسم الرقمي

تُشكِّل برامج التصميم عالمنا؛ فتقريبًا وراء كل نموذج معماري ونموذج أولي لأي منتج ومنتج مكتمل ملف تصميم إلكتروني. إن الكرسيَّ الذي تجلس عليه، والدباسة التي على مكتبك، وسيارتك، وحتى أزرار قميصك، كانت رقمية قبل أن تصبح أجسامًا مادية؛ فملفات التصميم الإلكترونية هي لغة الهندسة الحديثة.

تُعتبر برامج التصميم القلب النابض للطباعة الثلاثية الأبعاد. ومثل الرسومات اليدوية المرسومة على الورق بالقلم التي أرشدت بناة السفن في العصر الفيكتوري خلال عملية البناء، فإن ملف التصميم يخبر الطابعة الثلاثية الأبعاد كيف تعمل.

(١) معالج كلمات للرسم

ظهرت أولى أدوات تصميم إلكتروني بدائية وبسيطة في الخمسينيات من القرن العشرين، وكان يستخدمها الباحثون والعلماء من أجل القيام بعمليات حسابية متخصصة وعمليات محاكاة حاسوبية بدائية. ظهر أول برامج التصميم التِّجارية في السوق في الستينيات، وكان يُكلِّف نحو نصف مليون دولار (كانت تبيعه شركة تسمَّى كونترول داتا كوربوريشن). عندما كنتُ طالبًا جامعيًّا، كنا نحسد الأساتذة الذين حالفهم الحظ وتعاملوا مع كمبيوتر مركزي من إنتاج كونترول داتا كوربوريشن. كان ذلك الكمبيوتر العملاق يستغرق دقيقة لمعالجة ملف التصميم، وهو أمرٌ يمكن أن يقوم به هاتفك المحمول ثلاثين مرة في الثانية.

في عام ١٩٨٢، كتب جون ووكر، وهو المدير التنفيذي لشركة برمجيات صغيرة تسمى أوتوديسك، مذكرةً داخلية لموظفيه، وصف فيها رؤيته لتصميم جديد وجذري لأحد المنتجات البرمجية. عرض منتجه الجديد بكل حماس على أنه «معالج كلمات للرسومات» قليل التكلفة يمكنه العمل على كمبيوتر دقيق. في نفس الوقت تقريبًا، وعلى بعد بضعة آلاف من الأميال، كان تشاك هال يُصنِّع أول أجسام بدائية بالطباعة الثلاثية الأبعاد في العالم.

بعد الكثير من النقاش بين موظفي أوتوديسك، سمى ووكر برنامج التصميم الجديد «مايكروكاد». في عصرنا الحالي، تُعتبر برامج التصميم المكتبية القليلة التكلفة منتجًا مهمًّا. لكن في ذلك العصر، كانت رهانًا على مستقبل مجهول. السبب في أن هذا البرنامج كان أداة تصميم جذرية لم يكن لأنه كان برنامجًا للتصميم بل بسبب أنه كان يمكن تشغيله على كمبيوتر مكتبي. كانت جاذبيته الأساسية في السوق تعتمد على تكلفته، فيما يخص كلًّا من سعر البرنامج وحقيقة أن مستخدمه لم يكن عليه استثمار عشرات الآلاف من الدولارات في الحصول على قدرة حاسوبية كبيرة.

كان تصور ووكر للمايكروكاد هو أنه أداة تصميم ستُوفِّر نفس الأداء الذي تُوفِّره الأدوات المنافسة الباهظة التكلفة لكن بجزء بسيط من التكلفة. كتب ووكر واصفًا البرنامج قائلًا: «يمكن تثبيته على جهاز كمبيوتر مكتبي يتراوح سعره ما بين ١٠ آلاف إلى ١٥ ألف دولار، وهو ينافس في أدائه وخصائصه أنظمة التصميم بمساعدة الكمبيوتر التي تُنتجها شركة كمبيوتر فيجن التي يُقدَّر سعرها بسبعين ألف دولار.»

في ثمانينيات القرن الماضي، كانت النمذجة الثلاثية الأبعاد مجالًا للمصممين والمهندسين المحترفين الذين يستخدمون برامج النمذجة المعتمدة على الكمبيوتر بنحو أساسي لوضع أجزاء الآلات تحت اختبارات التحمل. كانت أجهزة الكمبيوتر الدقيقة تقنية جديدة وبدائية، على نحو يشبه كثيرًا مجموعات أدوات الطباعة الثلاثية الأبعاد المنزلية اليوم. لقد كانت هذه الأجهزة ضئيلة مقارنة بأجهزة الكمبيوتر المركزية أو خوادم يونيكس المبكرة، وكانت تفتقد القوة اللازمة لتشغيل مشروعات تصميم صناعية معقدة.

خلال حقبة الكمبيوتر الشخصي التي اتسمت بالبساطة والتهور، كانت سوق أجهزة الكمبيوتر المكتبية ما تزال في بداياتها. لم يكن مليارديرات العصر الحالي — الذين سيراكمون ثرواتهم من بيع برمجيات لأجهزة الكمبيوتر الشخصية — قد أصبحوا مليونيرات في تلك الحقبة، وكانوا إلى حد كبير غير معروفين خارج الدوائر التقنية الحديثة. لم تقترب مايكروسوفت وأبل من دخول قائمة فورتشن ٥٠٠ على الإطلاق، وكان بيل جيتس لا يزال يسافر بالطائرات في الدرجة الاقتصادية.

في ذلك الوقت، كانت شركة تصميم البرمجيات الوليدة الخاصة بووكر عبارة عن وحدة غير منظمة تتألف من موظفين بدوام جزئي. وكان من المتوقع أن يعمل كل موظف ١٤ ساعة أسبوعيًّا على الأقل مقابل مرتب سنوي دولار واحد، بالإضافة إلى حصة من الأسهم.

أضاف ووكر في مذكرته قائلًا: «لا يوجد أي منتجات منافسة معروفة تخص أجهزة الكمبيوتر الدقيقة اليوم (على الرغم من وجود بعض برامج الرسومات البدائية لأجهزة أبل، ويجب أن نسعى بنحو حثيث لتفسير اختلافنا عنهم).»1 يمكن لبرنامج مايكروكاد التعامل مع الرسومات ثنائية الأبعاد، وكان الهدف منه صنع المخططات المعمارية أو ربما أَتْمتة عملية رسم المخططات الأولية.

بعد مرور عقود، اتضح أن مايكروسوفت وأبل وأوتوديسك قامروا بنحو صحيح على أجهزة الكمبيوتر الدقيقة. وباكتساح موجة أجهزة الكمبيوتر المكتبية القليلة التكلفة المشهدَ التقني في تسعينيات القرن الماضي، استغل برنامج مايكروكاد (والمسمى الآن أوتوكاد) وغيره من برامج التصميم بمساعدة الكمبيوتر التِّجارية ذلك الزخم. وحتى الهواتف المحمولة التقليدية في العصر الحالي تمتلك قوة حاسوبية ومرئية أكبر من الكمبيوتر المركزي في السبعينيات.

اليوم، شركة أوتوديسك عالمية دخلها بمليارات الدولارات. وقد بيع أكثر من عشرة ملايين نسخة من برنامج الأوتوكاد. وقد ولَّت أيام «معالجة الكلمات من أجل الرسومات» وأصبح برنامج أوتوكاد الحديث أداة تصميم قوية للنماذج الثلاثية الأبعاد.

(١-١) فهم الإحداثيات «س» و«ص» و«ع»

على أي برنامج للتصميم فهم الجوهر الثابت والهندسي للعالم المادي التناظري بسهولة، وتحويله إلى وحدات ثنائية منفصلة. يسرد الفيزيائي الشهير على مستوى العالم ريتشارد فاينمان في مذكراته محادثة صورت تلك الطبيعة غير الرمزية وغير اللفظية لهندسة الأشكال:
في إحدى المرات، كنا نناقش أمرًا ما — لا بد أننا كنا في الحادية أو الثانية عشرة آنذاك — وقلتُ: «لكن التفكير ليس في الحقيقة إلا التحدث إلى ذاتك.»
فرد بيني: «أوه، حقًّا؟ هل تعرف الشكل العجيب لعمود نقل الحركة في السيارة؟»
رددت: «نعم، ما به؟»
قال: «جيد، أخبرني الآن كيف وصفته عندما كنت تتحدث إلى نفسك.»2

يوضح فاينمان نقطة جيدة، فعين العقل البشري تدرك الشكل والتكوين والسلوك للعالم المادي كمجموعة سلاسل متصلة لا نهائية من الأجسام المختلفة الأشكال، لكن اختزال كل هذه المعلومات إلى مجموعة من الرموز التي يمكن العمل بها وإعادة وصفها لشخص آخر أمر صعب.

يجب على برامج التصميم تحويل عالمنا المادي المتنوع والملتبس إلى «لغة» دقيقة واضحة. تفوقت أجهزة الكمبيوتر المبكرة بسرعة على البشر في الحساب وفهم الرموز مثل الأرقام أو النصوص. وعلى الرغم من ذلك، فقد استغرق الأمر عقودًا واستثمارات كبرى في قدرة أجهزة الكمبيوتر المتاحة لمعالجة الأشكال الهندسية الأولية.

figure
ملف تصميم (الصورة اليمنى) يصف بنحو إلكتروني الجسم المادي الذي سيُطبع (الصورة اليسرى) ويرشد الطابعة خلال مراحل الطباعة (الصورة مهداة من باثشيبا جروسمان).

يقرأ ملف التصميم الإلكتروني شكل الأجسام المادية باستخدام مجموعات من الإحداثيات «س» و«ص» و«ع»؛ فعند وصف شكل مكعب بسيط، يكفي تحديد الارتفاع والعرض والعمق، لكن عند وصف شكل أكثر تعقيدًا كزهرة، يمكن أن تصبح الأمور أكثر تعقيدًا بكثير. تَصنع أجهزة الكمبيوتر أشكالًا مثل هذه الأجسام المادية «العامة» الثلاثية الأبعاد، على هيئة مجموعات من آلاف أو ملايين المجموعات الثلاثية من الإحداثيات «س» و«ص» و«ع».

عندما يَعرض برنامج التصميم لمستخدمه جسمًا مصممًا على شاشة الكمبيوتر، فإن معالج الكمبيوتر يعمل من وراء الكواليس على معادلات رياضية حسابية صعبة تؤدي إلى إنتاج هذه الصورة المناسبة. وفي كل مرة ينقر المستخدم على التصميم الجاري العمل عليه أو يمد أطرافه بالفأرة، يُجري الكمبيوتر بسرعة كبيرة سلسلة من الحسابات لضبط الإحداثيات «س» و«ص» و«ع» الخاصة بالجسم.

ليس من الصعب فهم تغييرات التصميم لمكعب بسيط مصنوع من مادة مفردة، لكن الأمور تزداد تعقيدًا عندما تصبح الأشكال منحنية أو معقدة، فحتى الأسطوانة البسيطة التي يمكن وصفها على نحو دقيق بارتفاعها وقطرها تحتاج إلى بعض الحسابات لعرضها بنحو صحيح بكل منحنياتها وظلالها. وبالنسبة إلى المشروع تصميم ينشئ مشعًّا معدنيًّا كثير التفاصيل، سيحتاج ملف التصميم لفهم وتتبُّع الكثير من نقاط البيانات للإحداثيات «س» و«ص» و«ع» لفهم كل منحنًى وتجويف وحافَة تكوِّن سطح الجسم.

في تسعينيات القرن الماضي، عندما أصبحت برامج التصميم متاحة للشركات العادية والشركات الهندسية الصغيرة، تغير التصميم الصناعي للأبد. وبعكس الذاكرة البشرية المتقلبة أو الرسم البياني اليدوي، فإن ملف التصميم يُصنع بعناية وتُسجَّل بياناته بنحو دقيق ومُحكم. ويمكن إرسال الملف فورًا لأي مكان حول العالم، ويمكن أن يكون المستلم غريبًا يمكنه دون أن يطلب منه ذلك دراسة المعلومات التي يحتويها الملف وحفظها وتعديل التصميم الأصلي أو ربما طباعة الجسم بنحو ثلاثي الأبعاد.

يعمل برنامج التصميم على أَتْمتة الجوانب الشاقَّة لعملية التصميم، ويقلل معالج الكلمات الوقت والورق المهدرَيْن في عملية كتابة المستندات بالآلة الكاتبة، ويخفف من مشقة تكرار التصميمات، ويمكن لأي مصمم تكرار التصميم بنحو سريع على الشاشة ثم الرجوع إلى نسخة سابقة. ومن السهل التجريب فيما يتعلق بمادة ولون سطح ما بالنسخ واللصق من أي جزء من التصميم لأي جزء آخر. ويتتبع برنامج التصميم كل تغيير يُجرى على التصميم، ويمكنه تخزين نقاط بيانات أكثر مما يمكن للبشر تذكُّره.

هل تتذكر تعلُّم كيفية رسم مكعب على الورق باستخدام قلم رَصاص؟ إذا حافظت على بساطة المكعب، فلن تجد صعوبة في رسمه على الورق، لكن إذا أردت التجريب في التصميم وإضافة بعض التفاصيل، فإن الأمور ستصعب عليك.

في المدرسة الابتدائية، أتذكَّر أني كنت أفرك ورقتي بالمِمْحاة إذا ارتكبتُ خطأً أو أردت تغيير تصميم المكعب خاصتي، وإذا قررت بعد فوات الأوان أن زواياه يجب أن تُرسم بقلم رَصاص أصفر زاهٍ من البداية بدلًا من الرَّمادي، فكنت سأحتاج إلى أن أبدأ من جديد بورقة جديدة وقلم رصاص أصفر. وحتى تكرارات التصميم البسيطة كانت مكلفة من حيث الوقت والورق والإحباط. فإذا طلب مني مُدرسي أن أضيف تفاصيل لسطح المكعب أو أرسم بضعة أنفاق داخلية، فإن هذه الإضافات البسيطة ستتجاوز ما أستطيع عمله.

كانت أول تجرِبة لي مع برامج التصميم هي كتابة برنامج لتصميم رسومي في المدرسة الثانوية. في الكلية، عملت في وظيفة بدوام جزئي في مساعدة مُصنِّع هولندي في صنع صفائح معدنية بسيطة على الكمبيوتر. وتوضح حقيقة أنه طلب من طالب في سنته الجامعية الأولى ومهووس بالتكنولوجيا مساعدته في هذا كيف أن القليل من المهندسين المحترفين كانوا يستخدمون التصميم بمساعدة الكمبيوتر في تلك الأيام. صممت أنا وزميلي جاي شافيف برنامجًا بسيطًا يسمح للمهندس برسم المخطط الخارجي للصفيحة المعدنية كما لو كانت مصنوعة من الورق، مع تجاهل سُمكها المادي الحقيقي.

كانت الفكرة هي أن مسئولي الإنتاج سيُدخلون بيانات سُمك الصفيحة لاحقًا عندما يصل المخزون المادي للمصنع بالفعل. ونتيجة لهذا، فإن تصميم المهندس سيُضبط تلقائيًّا. كانت هذه مجرد فكرة بسيطة وبعيدة تمامًا عن الرسومات المتحركة في العصر الحالي التي تتميز بواقعية الصورة وآنية اللحظة ومشاهد علوية من وضع الطيران. لكن الأستاذ الجامعي المشرف عليَّ، موشيه «شيفي» شبيتالني، كان يمتلك البصيرة والفطنة ليدرك أن التصميم بمساعدة الكمبيوتر لم يكن يتعلق بتحسين التصميم نفسه فقط.

يمكن لبرامج التصوير التواصل بكل سهولة مع الأقسام المختلفة للمصنع. أتاح برنامجنا أن يتساهل المُصنِّع فيما يتعلق بمعايير التوريد، ويشتري نطاقًا أكثر اتساعًا من المواد الخام من ذلك الذي كان يمكنه الحصول عليه بمخطط تقليدي «ثابت». حقق البرنامج نجاحًا كبيرًا، وبيع في النهاية مقابل ٤ ملايين دولار (والتي حصلت أنا وصديقي منها على دولارين ونصف مقابل كل ساعة عمل).

لاحقًا، عندما كنتُ في العشرينيات من العمر وأعمل ضابطًا بحريًّا، كانت وحدتنا تمتلك قسمًا خاصًّا للمخططات الأولية. كان هذا القسم يقع في غرفة مضاءة جيدًا حيث كان العديد من الرسامين المدربين من النساء والرجال عاكفين على طاولات الرسم المنحنية يرسمون مخططات مفصلة لهيكل السفينة ومحركاتها وأجزائها الأخرى.

عملت أنا وقائدي على تقديم برنامج للتصميم الثلاثي الأبعاد لوحدة الهندسة البحرية، ونجحنا في النهاية. لكن إقناع المصممين به لم يكن سهلًا؛ فقد استثمروا عدة سنوات في تعلُّم حرفتهم، وكان هناك قلة شجاعة — عادةً ما كانوا من الملتحقين الجدد بالخدمة — مستعدة لتعلم كيفية استخدام أدوات التصميم الإلكترونية. على الرغم من ذلك، وفي النهاية، فقد أدرك الجميع — حتى أصحاب المناصب العليا — أن برامج التصميم ليست فقط أكثر كفاءة، لكنها، وبغضِّ النظر عن تكرارات التصميم، تمتلك قدرة داخلية على إجراء حسابات وتوقعات لا يمكن لبشر القيام بها.

كان المهندسون المعماريون البحريون يستطيعون رسم شكل خزان المياه على الكمبيوتر وبعد ذلك — استجابة لمعلومات من الأقسام اللوجستية — يغيِّرون حجمه رقميًّا بنحو سريع. ويمكنهم على نحو افتراضي «وزن» الخزان وتحديد تكلفة تصنيعه. أهم ما في الأمر هو أن الكمبيوتر يمكنه حساب أثر اختيارات شكل وحجم الخزان على استقرار السفينة في أعالي البحار؛ وهو أمرٌ يستغرق من أي مختص ما يزيد على الأسبوع.

أفضل ما تقدمه برامج التصميم هو أنها تحوِّل العالم المادي إلى عالم رقمي مما يوفر كل فوائد الأَتْمتة لعملية التصميم. أما ما يعيب هذه البرامج فهو أنها، وحتى اليوم، ما زالت غير قادرة على قراءة الماهية الكاملة للأجسام المادية رقميًّا. إن أجهزة الكمبيوتر تتعامل مع مجموعات متوقعة من عدد محدد من العناصر؛ على سبيل المثال، حساب كل مجموعات حركات الشطرنج المختلفة والممكنة التي يمكن للاعبي شطرنج القيام بها. لكن العالم المادي لا يمكن اختزاله في سهولة إلى مجموعة من الاحتمالات المحدودة.

(٢) برامج التصميم اليوم

تتطور تقنيات الطباعة الثلاثية الأبعاد وبرامج التصميم معًا لتغير الطرق التي يصمم ويصنع بها الناس الأشياء. على الرغم من ذلك، فإن علاقتهما معًا كانت من طرَف واحد على الأغلب؛ فقد تطورت الطباعة الثلاثية الأبعاد اعتمادًا على برامج التصميم، لكن العكس غير صحيح. لكن في الحقيقة، فإن برامج التصميم بدأت الآن فقط في النظر إلى الطباعة الثلاثية الأبعاد بنحو جدِّيٍّ كوسيلة رائعة للتصميم.

ليس هناك الكثير مما يمكن لملف التصميم أن يعطيه للطابعة الثلاثية الأبعاد؛ فإذا كنا سنطبع صخرة «حقيقية» أو روبوتًا مكتمل الوظائف أو كُلية جديدة، فستحتاج إلى برامج التصميم لزيادة قدراتها. ومعظم الأجسام المنتَجة بأعداد كبيرة تُصنع من أجزاء منفصلة وتُجمَّع بدلًا من صناعتها في قطعة واحدة معقدة التصميم. لا تستطيع برامج التصميم تخطيط ما تحت سطح الجسم؛ ولذا فإن التفاصيل الداخلية للجسم تظل بعيدة عن متناول الكمبيوتر وبرنامج التصميم العاديين.

figure
جسم مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد لنموذج صلب لمحرك توربيني نفاث صُمِّم ببرنامج أوتوديسك إنفنتر (الصورة مهداة من جونزالو مارتينيز من شركة أوتوديسك).

اليوم، هناك قسمان رئيسيان لبرامج التصميم المتاحة للطباعة الثلاثية الأبعاد؛ القسم الأول يسمَّى «النمذجة الصلبة» ويستخدمه المهندسون والمصممون الصناعيون. يوفر هذا النوع من البرامج لمستخدميه مكتبة جاهرة من المكعبات والأسطوانات والأجسام الكُرَوية، وغير ذلك من الأشكال المادية المعيارية التي يمكن قطعها ومطها ودمجها بنقرات من فأرة الكمبيوتر. الغرض من هذه المجموعة الجاهزة من الأشكال هو تسهيل عملية التصميم. ومن هناك، يعدل المصمم ويضبط لبنات البناء الأساسية هذه من الأشكال المعدة مسبقًا في تصميمات فريدة.

القسم الثاني لبرامج التصميم يسمى «نمذجة الأسطح». بدأت الاستعانة ببرامج نمذجة الأسطح في مجال تصميم الرسوم المتحركة، ومؤخرًا استعانت بها شركات تصميم الرسوم وألعاب الفيديو، وهي تعمل بنحو رائع عندما لا يمكن تصميم شخصية رسوم متحركة أو عالم خيالي بنحو مناسب بتوفير مكتبة جاهزة من الأشكال الأساسية.

(٢-١) تصميم أجزاء الآلات: النمذجة الصلبة باستخدام الكمبيوتر

نشأت برامج النمذجة الصلبة من التصميم الصناعي والتصنيع، وتتميز حزم تلك البرامج بالكفاءة، وتُوفِّر مكتبة جاهزة ومدمَجة من الأشكال الأساسية والأشكال الهندسية المعيارية لأجزاء الآلات التي يمكن تعديلها ودمجها بسرعة. على سبيل المثال، يمكن دمج أسطوانتين معًا لصنع مِطرقة، ويمكن طرح أسطوانة ثالثة من الشكل لصنع ثقب يتيح تعليقها على الحائط. وبسبب أن برنامج النمذجة الصلبة يقدِّم أي شكل على هيئة مجموعة من الأحجام، فإن معظم الطابعات الثلاثية الأبعاد اليوم يمكنها «التحدث» إلى هذه الأنواع من ملفات التصميم بطلاقة.

تمتلك برامج النمذجة الصلبة سنوات من تجارِب التصنيع والتصميم مدمجة بها، وهذا واضح أثناء استخدامها. «تتحدث» تلك البرامج بمفردات المصانع القديمة باستخدام كلمات مثل دفق وحفر وشطف، وهي تعرض عمليات التصميم بنحو واقعي قابل للتمييز؛ على سبيل المثال، كثقب محفور أو قطع مفرغ أو حافَة منحنية.

ظهرت برامج النمذجة الصلبة في التسعينيات من القرن الماضي عندما زادت قدرة أجهزة الكمبيوتر لدرجة أنه بات يمكن لبرنامج التصميم «تذكُّر» تكرارات التصميمات السابقة، والسماح للمستخدم بالتبديل بينها، والتراجع عن تغييرات وتغيير أبعاد بأثر رجعي. إننا ننتظر بنحو مسلَّم به الآن من الكمبيوتر الخاص بأي منا أن يتذكر كل نسخة من أي مستند أو جدول إلكتروني أو ملف تصميم لكن الأمر لم يكن دائمًا بهذه السهولة. لكن عندما اكتسبت برامج التصميم أخيرًا هذه القدرات، عصف هذا بعالم التصميم بمساعدة الكمبيوتر. أتاحت النمذجة البارامترية للمصممين تعديل وتحرير تصميماتهم، من دون الاحتياج إلى أقلام رَصاص ومماحٍ وقطع ممزقة من الورق.

ساهمت برامج التصميم في انسيابية تدفق العمل، وحسنت من التواصل، ومكَّنت الشركات من تخزين معلومات التصميم. وقبل أن تصبح برامج التصميم جزءًا مهمًّا من عملية التصنيع، كان المصممون والمهندسون والمصنعون يعملون في غرف نظامية متفرقة لكنها مرتبطة بعضها ببعض على نحوٍ ما. أما اليوم، فيمكن لأداة النمذجة الصلبة إخبار مستخدميها إن كان أي تصميم مقترح لآلة جديدة سيخرج بنحو مناسب عندما يوضع في آلة قولبة بالحقن باستخدام نوع معين من البلاستيك الأخضر. كما يمكن لبرامج التصميم مساعدة المصممين في تقليل عدد الأجزاء المتفرقة للتقليل من تكلفة التصنيع والتجميع.

يمكن لحُزَم التصميم بمساعدة الكمبيوتر التِّجارية أن تكون مرتبطة بسلسلة التوريد الخاصة بأي شركة، فإذا رغب المهندسون في تغيير حجم أو تركيب جزء رئيسي من محرك، فيمكنهم فحص التغيير بفحص مخزون الشركة لمقارنة التصميم الجديد لهذا الجزء بالأجزاء الموجودة بالفعل. إذا أضيفت أداة جديدة لمخزون الشركة، فسيُسجَّل إن كان لها أثر على المكونات الأخرى وستُبلَّغ وتُحدَّث سلسلة التوريد بالكامل.

(٢-٢) رسم شخصيات على الشاشة: برامج الرسوم الإلكترونية الثلاثية الأبعاد

إذا كانت النمذجة الصلبة قد نشأت في أوساط المهندسين، فإن برامج نمذجة الأسطح نشأت في أوساط مصممي الرسوم المتحركة والرسامين. ترجع أصول برامج نمذجة الأسطح إلى حقل الترفيه؛ صناعة أفلام الرسوم المتحركة والسينما وألعاب الفيديو. اليوم، يستخدم العلماء برامج النمذجة الثلاثية الأبعاد لصنع نماذج لتكوينات الحَمض النووي أو المركبات الكيميائية، كما يصنع المهندسون المعماريون ومنسقو المواقع نماذج جميلة تزخر بالتفاصيل لبيع مشروعاتهم للعملاء المحتملين.

وإذا كان الكمبيوتر يحتاج إلى الإحداثيات «س» و«ص» و«ع» للمواقع لفهم شكل الجسم، فكيف يمكنه التقاط جميع التفاصيل الخاصة بشخصية متحركة أو جزَيْء معقد التكوين؟ تلتقط نمذجة الأسطح تفاصيل العالم عن طريق التغطية الرقمية للأشكال بشبكات افتراضية تشبه شبكات الصيد مصنوعة من أشكال هندسية قياسية مضلعة. وتسمَّى أحيانًا نمذجة الأسطح ﺑ «النمذجة المضلعة» حيث يطابق كل شكل مضلع يكوِّن الشبكة الافتراضية نقطة بيانات على سطح الشبكة النظرية.

يخزن برنامج التصميم كل نقطة بيانات حتى يمكن للمصمم استخدامها، ومعظم النماذج الثلاثية الأبعاد اليوم مصنوعة من سطح شبكي مثلث بسبب سرعتها، ويمكن للكمبيوتر التعامل مع هذه المعلومات بسهولة. على الرغم من ذلك، ومهما كانت دقة تفاصيل غِلاف الأشكال المنحنية، فإن المثلثات في النهاية أشكال مسطحة وليست منحنية.

الجانب الإيجابي لبرامج نمذجة الأسطح هو أنها مثالية لتصوير تنوع الكون من حولنا؛ فيمكن لهذه البرامج تصوير عوالم خيالية جميلة المنظر ومليئة بالتفاصيل في الأفلام وألعاب الفيديو. وبتحررها من عبء المجموعات المحدودة من أشكال المكعبات والأجسام الكُرَوية البدائية، وبتأكيدها على عرض ما يحدث على السطح بدلًا من عرض كيفية ملاءمة أجزاء الآلة بعضها لبعض، فإنها تُعتبر لوحًا فارغًا للرسم أمام مصمم الرسوم. إنها نقطة بداية يمكن للمصمم إضافة المزيد من التفاصيل إليها مثل لَمعان السطح والتركيب والجلد والشعر الواقعيين والبراري.

لكن برامج نمذجة الأسطح لها عيوبها؛ فالرسومات المتحركة تحتاج إلى التحرك بسلاسة على الشاشة، وأن تبدوَ واقعية. وإذا كان الضوء يسطع على وجه إحدى الشخصيات، فيجب عليه أن ينساب مع حركات الشخصية، كما يجب على الخلفية التحرك بسرعة مناسبة. والحفاظ على هذه التفاصيل الدقيقة عملية تسمى «التصيير».

التصيير السريع يصنع رسومًا مرئية واقعية لحد كبير. ويعتمد التصيير على خوارزميات مدمجة في برنامج التصميم تعمل بنحو آنيٍّ لدفع أي فعل للأمام، ويؤدي التصيير السريع ببرامج نمذجة الأسطح إلى استنزاف موارد الكمبيوتر. ومن الممكن طباعة تصميمات منشأة بأحد برامج نمذجة الأسطح على نحو ثلاثي الأبعاد (على سبيل المثال، تُعتبر طباعة صورة اللاعب في أي لعبة فيديو بنحو ثلاثي الأبعاد من التطبيقات الشهيرة لهذا النوع من الطباعة). على الرغم من ذلك، وكما ذكرنا سالفًا، فإن طباعة شكل السطح ليست كافية؛ فتهيئة تصميمات نمذجة الأسطح ليسهل طباعتها بنحو ثلاثي الأبعاد تتطلب بضع خطوات إضافية.

في الواقع فإن معظم أدوات التصميم الحديثة يمكنها القيام بالقليل من كلٍّ من النمذجة الصلبة ونمذجة الأسطح، ومن السهل إلى حد ما تحويل نموذج صُلب لنموذج سطحي بصنع شبكة افتراضية للجسم المصمَّم. على الرغم من ذلك، فإن التحول من شبكة لنموذج صُلب أكثر صعوبة؛ فمن السهل نسبيًّا تحويل نغمات موسيقية لملف صوتي بصيغة إم بي ثري، لكن العكس أقل سهولة، وقد وجه العديد من العلماء جهودهم في محاولة حل هذه المشكلة لكنها تظل مشكلة صعبة الحل حسابيًّا.

(٢-٣) التصميم أم المسح الضوئي؟

تزداد شهرة المسح الضوئي كطريقة لالتقاط تفاصيل الأجسام المادية بنحو رقمي. منذ فترة ليست بالطويلة، كان المسح الضوئي لأي شيء يعني مسح مستند ورقي أو صورة فوتوغرافية لتحويلها إلى ملف رقمي. أما اليوم، فإن الناس يمسحون واجهات المباني من أجل المشروعات المعمارية أو يستخدمون الرنين المغناطيسي لمسح مَرفِق به ألم للبحث عن علامات وجود تمزق في الأربطة.

يقوم مسح البيانات كذلك بتمثيل شكل وأبعاد العالم المادي على هيئة مجموعة من الإحداثيات الثلاثية الأبعاد. تقبع بيانات المسح في مكان ما بين الأشكال البدائية لبرامج النمذجة الصُّلبة والشبكة التخيلية التي تلف الأجسام الرقمية في برامج نمذجة الأسطح. تخيَّل أنك غمرت نفسك في الصمغ ثم وضعتها في كومة ضخمة من قصاصات الورق الملون الرفيعة. حين تقف ستجد أن القصاصات التصقت بك في كل مكان، وأن سطح جسدك أصبح مغلفًا بطبقة كثيفة من النقاط الملونة المتناهية الصغر.

تخيَّل الآن أن شخصًا يشاهد هذا المنظر يمتلك الصبر لتسجيل موقع كل قطعة مفردة لاصقة من القصاصات الملونة على جسدك بكل دقة. ربما في محاولته الأولى، سيسجل هذا الشخص بصبر موقعَ كل قصاصة ملونة على نحو وصفي؛ على سبيل المثال، «قصاصة مفردة حمراء على طرَف الأنف». لكن بعد بذل مجهود شاقٍّ في كتابة موقع كل قصاصة، يدرك الشخص طريقة أكثر كفاءة لالتقاط تفاصيل جسدك المغطى بالقصاصات بكل ألوانها، ألا وهي تدوين موقع كل قصاصة ورقية متناهية الصغر، طبقًا لموقعها الدقيق في الفضاء أو بالإحداثيات «س» و«ص» و«ع» خاصتها.

هذه هي الطريقة التي تلتقط بها الماسحات الضوئية بنحو أساسي الأبعاد المادية للأجسام مثل سطح مغطًّى بالقصاصات الرقمية. كل قطعة من القصاصات الرقمية تُمثِّل نقطة بيانات، وتحتوي كل نقطة من هذه النقاط على معلومات عن موقع كل نقطة صغيرة تقع على سطح جسمك في الفضاء الثلاثي الأبعاد والمسجلة كمجموعة من الإحداثيات «س» و«ص» و«ع».

اسم آخر يمكن إطلاقه على هذه القصاصات الرقمية التي تغطي أسطح الأجسام هو «السحابة النقطية». تلتقط معظم الماسحات السحابة النقطية رقميًّا وتغذي جهاز كمبيوتر بها، وبعد تحميل بيانات المسح لبرنامج تصميم، يُجري البرنامج سلسلة من الحسابات السريعة لتحويل هذه السحابة النقطية إلى سطح شبكي، أحيانًا تحسب نقاط البيانات المفقودة المطلوبة لملء فجوات السطح.

العلاقة بين الطباعة الثلاثية الأبعاد والسحابات النقطية علاقة شديدة التناغم. يفتح مسح البيانات عالمًا جديدًا من احتمالات التصميم ويطلق القدرة الحقيقية الثورية للطباعة الثلاثية الأبعاد. ويفيد المسح في التقاط الجوانب الهندسية للجسم الذي لا يوجد له ملف تصميم؛ على سبيل المثال، الأجسام الطبيعية مثل النباتات والحيوانات والناس والنماذج التشريحية، وكذلك الأجسام الجامدة مثل الصخور، وحتى المناظر الطبيعية. يفيد المسح كذلك في التقاط أشكال الأجسام الصناعية عندما لا يتوافر الملف الأصلي للتصميم أو لا يوجد من الأساس؛ مثل الأجسام الأثرية والأجزاء المكسورة.

في رأيي، فإن بيانات المسح هي الجسر الذي سيقلل الفجوة بين العالَمَين المادي التناظري والرقمي الثنائي. فتعد الأجسام المادية التي تخضع للمسح وإعادة الإنتاج بداية الخط المتلاشي بين الأصل والنسخة، بين العمل المحمي بحقوق النسخ والعمل المشتق. فبيانات المسح، بمجرد التقاطها في ملف تصميم، يمكن تعديلها وتكرارها ونسخها. ويومًا ما، سنقدر على إدخال تعديلات على العالم المادي من حولنا بسهولة تعديلنا للصور الرقمية.

figure
بيانات سحابة نقطية والسطح الشبكي المقابل لها (الصورة مهداة من ليجانج ليو، جامعة تشجيانج، الصين).

أما المعوقات التي تواجه المسح، فهي قدرة أجهزة الكمبيوتر وعدم وجود خوارزميات ذكية بما يكفي من أجل «ملء الفجوات» لإكمال تفاصيل أي سحابة نقطية رقمية. إن الكمبيوتر لا يفهم بالضرورة ما مسحه؛ لذا لا يمكنك فقط مسح زهرية ورود ثم تطلب من الكمبيوتر جعل أحد أسطحها أكثر سمكًا؛ لأنه لن يدرك بالتحديد أين يبدأ السطح وأين ينتهي، وأي اتجاه يجب أن يصبح أكثر سمكًا. ومثل أي أدوات برمجية رقمية أخرى، فإن البيانات الممسوحة ضوئيًّا لا تلتقط التفاصيل الداخلية للجسم، لكن هذا آخذ في التغير الآن بفضل تطور تقنيات التصوير الطبي التشخيصي مثل ماسحات الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي والموجات فوق الصوتية.

(٢-٤) لماذا لا تستطيع برامج التصميم مواكبة التطور؟

ما زالت برامج التصميم الحديثة ترزح تحت قيود جذورها الأصلية، ونعني بهذا حقيقة أنها نشأت من مجالي التصنيع وصناعة الرسوم المتحركة اللذين بدأ فيهما مؤخرًا فقط استخدام الطباعة الثلاثية الأبعاد. إن نفس أدوات التصميم التي كانت موجهة للتعامل مع قدر محدود من القدرة الحاسوبية وتوفير الوقت والمال وتحسين نقل المعرفة، تفرض — للمفارقة — قيودًا كذلك على ما يمكن طباعته بنحو ثلاثي الأبعاد؛ وكنتيجة لهذا، فإن ملف التصميم لا يصور التفاصيل الداخلية للأجسام المادية (على الأقل من دون أي عمل إضافي مخصص). كذلك لا يمكن لبرامج التصميم صياغة سلوك التركيبات المعقدة من المواد الخام المتنوعة والتنبؤ به بنحو بياني.

على سبيل المثال، تعاني برامج النمذجة الصلبة من أن مكتبتها المعيارية للأشكال البدائية لا يمكن دائمًا تعديلها وتحريرها للحصول على أشكال هندسية غير منتظمة. على الرغم من ذلك، فإن الطابعة الثلاثية الأبعاد يمكنها صنع أشكال غير منتظمة وغير معتادة، لا يمكن لآلات التصنيع التقليدية صنعها؛ لهذا فإن الكثير من القدرات التصميمية تبقى من دون استخدام. ولا تقدِر برامج النمذجة الصُّلبة على تلبية مطالب فضاء التصميم هذا، الجديد وغير المستغل بنحو كبير. وباستمرار تطور تقنيات الطباعة الثلاثية الأبعاد فإن النمذجة الصلبة التقليدية ستصبح تقنية تصميم بالية؛ أي أداة قوية لكنها بنحوٍ ما بدائية.

تتشارك برامج نمذجة الأسطح التي يستخدمها مصممو الرسوم المتحركة وألعاب الفيديو في قيد مماثل؛ ألا وهو غياب بيانات التصميم اللازمة لوصف التفاصيل الداخلية لأي جسم، فإذا كنتَ ستصمم وستحاول طباعة إبريق شاي ملون ومليء بالتفاصيل، ومغطًّى برسومات مبهجة بنحو ثلاثي الأبعاد، فربما سيبدو ذلك الإبريق رائعًا من الخارج لكنه لن يؤديَ وظيفته. ولأن ملف التصميم لم يحدد شكل تجويف الإبريق الداخلي أو أن يكون بزبازه مجوفًا، وأن يلائم غطاؤه فتحته العليا، ويكون سهل الفتح في آنٍ واحد؛ فإن الإبريق المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد سيفتقد لأي نوع من الهيكل الداخلي، وسيصبح غير قابل للاستخدام.

وحتى التصميمات الثلاثية الأبعاد متقنة التصميم وشديدة التفصيل، لا يمكنها إرشاد الطابعات الثلاثية الأبعاد خلال عملية الطباعة لأي شيء تحت سطح الجسم المطبوع، وبالنظر إلى منشأ برامج نمذجة الأسطح، فإن هذا القيد منطقي. لم يحتَجْ مصممو الرسوم المتحركة من قبلُ لطباعة «ملفات التصميم» خاصتهم بنحو ثلاثي الأبعاد. وهناك بعض البرامج المتخصصة التي يمكنها «تخمين» شكل ما يقع تحت السطح وملء التفاصيل الناقصة، لكن هذه العملية غالبًا ما تكون عرضة لحدوث الأخطاء والإخفاقات.

إن طباعة ما تحت السطح مجرد تحدٍّ واحد من ضمن تحديات أخرى. أحد تلك التحديات هو حقيقة أن الطباعة الثلاثية الأبعاد قادرة على صنع أجسام معقدة جدًّا، تتضمن تصميماتها نقاط بيانات أكثر مما يمكن لقدرة أجهزة الكمبيوتر اليوم التعامل معه. على سبيل المثال، تخيَّل أنك أردت تصميم وطباعة درع بنحو ثلاثي الأبعاد، مكون من ملايين الحلقات المتناهية الصغر المصنوعة من مزيج من أنواع البلاستيك، بعضها طري وبعضها صُلب؛ سيكون النسيج المكتمل المطبوع مرنًا ليطابق جسدك بدقة.

بالاستعانة ببرنامج للنمذجة الصلبة، ستجد أن تصميم حلقة واحدة من درع الزرد يُعتبر أمرًا بسيطًا وسريعًا، لكن صنع ملايين من هذه الحلقات المتناهية الصغر وربطها معًا مَهمة مرهقة ومضيعة للوقت. وإذا كان يجب عليك تخصيص نوع مختلف من البلاستيك لكل حلقة في الدرع، فلن يستطيع الكمبيوتر إكمال العمل، وحتى لو استطاع الكمبيوتر تتبُّع كل الأنواع المستخدمة من البلاستيك، فإن النمذجة الثلاثية الأبعاد للدرع ستفوق قدرة أي أداة تصميم تقليدية في العصر الحالي.

تتجه الطباعة الثلاثية الأبعاد للتصنيع باستخدام العديد من أنواع المواد الخام، وهي ساحة أخرى ليست برامج التصميم مستعدة لخوضها بعدُ؛ فامتلاك القدرة على الطباعة بالعديد من المواد الخام المختلفة في نفس المرة يمكِّن المصممين من مزج المواد الخام بطرق جديدة تمامًا لم تكن ممكنة في التصنيع التقليدي. ولا تتيح فقط الطباعة المتعددة المواد الخام إنتاج أجسام معقدة ومتعددة الأجزاء في عملية واحدة، بل تسمح كذلك بصنع أنواع جديدة تمامًا من المواد الخام؛ مثل المواد الخام المُدرَّجة التي تتحول تدريجيًّا من نوع إلى آخر.

مع ذلك، فإن التحدي يكمن في أن برامج التصميم ليست مستعدة بعدُ للتعامل مع مواد خام متعددة، وشتانَ الفارق بين تصميم أداة من الصلب أو التيتانيوم، وتصميم أخرى من مزيج من التيتانيوم الخفيف من الداخل، الذي يتحول إلى صُلب صلد كلما اتجهنا للخارج. وفي الوقت الذي يمكن فيه لبعض الطابعات الثلاثية الأبعاد بالفعل صُنع أداة معقدة من عدة مواد خام، فلم يوجد برنامج تصميم بعدُ يمكنه إتاحة هذا.

figure
يد بشرية طُبعت مباشرةً بنحو ثلاثي الأبعاد بالاستعانة بصورة أشعة مقطعية من دون تحويل بيانات المسح لملف إس تي إل أو سطح شبكي (الصورة مهداة من دانييل دايكوفسكي من شركة أوبجيت).

صعوبة أخرى تظهر عند مزج العديد من المواد الخام بطرق جديدة؛ إذ تتغير خواص المادة بنحو جذري في بعض الأحيان بتغيُّر شكل الجسم المطبوع، مما يزيد من التعقيد الذي ما زالت برامج التصميم اليوم غير قادرة على التعامل معه. وتَعِد القدرة على مزج العديد من أنواع المواد الخام المختلفة في جسم ملموس مطبوع بقدر كبير من الاحتمالات التصميمية الجديدة؛ لكن حتى تتطور هذه البرامج لمواجهة التحدي، فهذه الاحتمالات ستبقى غير مستكشفة.

عندما يمتلك الجزء المُصمَّم سمات بارزة معقدة ودقيقة أو يتكون من مواد خام متعددة أو يتضمن سطحه ملايين الأسطح المختلفة وكثيرة التفاصيل؛ فيجب أن يشغل ملف التصميم خاصته قدرًا كبيرًا من الذاكرة. وهذا يوضح لماذا لا تقدِر بعدُ برامج التصميم الحديثة اليوم على صنع نموذج مليء بالتفاصيل ليد بشرية كاملة من لحم ودم، بخلاياها ونهاياتها العصبية وتركيبات أوعيتها الدموية.

(٣) ما تصممه ليس (بالضرورة) هو ما تطبعه

إن تحويل ملف التصميم لجسم قابل للطباعة هو ما يوضح العلاقة الطويلة التي من طرف واحد بين الطباعة الثلاثية الأبعاد والتصميم بمساعدة الكمبيوتر. واستجابة لهذا، فإن من يُصنعون ويعملون بالطابعات الثلاثية الأبعاد ابتكروا طرقًا لمساعدة ملفات التصميم في إخراج الأجسام المطبوعة كما هو مخطط لها. بعض البرامج مثل ماتريالايز ماجيكس ونيتفاب تعمل كأدوات «إصلاح» لمساعدة المستخدمين في تحديد وتصحيح أي خطأ موجود في ملفات التصميم خاصتهم.

نريد هنا ذكر جانب آخر من الطباعة الثلاثية الأبعاد متعلق ببرامج التصميم بنحو مختصر؛ ألا وهو ملفات إس تي إل. (هل تذكرون جون تي لي من شركة إيه بي سي إيمدجنج؟) لإعداد ملفات تصميم العملاء للطباعة، كان جون يحوِّل هذه الملفات لصيغة ملفات سي تي إل. تلعب هذه الملفات دورًا مهمًّا في تحويل ملف التصميم لصيغة يمكن طباعتها بنحو ثلاثي الأبعاد.

(٣-١) المعيار الحالي: صيغة إس تي إل

المعايير وصيغ الملفات هي لغة التعامل في التكنولوجيا وأساس مهم للعمل البيني فيما بين التقنيات. على سبيل المثال، فإن صيغة ملف إم بي ثري أتاحت للجميع — بما في ذلك صنَّاع المشغِّلات الموسيقية ومستهلكوها — تبادل وبيع وشراء وتنزيل الملفات الموسيقية، جاعلة صناعة الموسيقى الحالية ممكنة. والصيغ المعيارية المماثلة للملفات هي القلب التجاري النابض للأشكال الأخرى من الوسائط؛ فكل الكاميرات الرقمية تحفظ الصور بصيغة جيه بي إي جي، والتي تتوافق مع طابعات الليزر وبرامج تصفُّح الإنترنت.

يمتلك عالَم الطابعات الثلاثية الأبعاد صيغة ملفات معيارية خاصة به هي إس تي إل. بدأ استخدام هذه الصيغة في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت الطابعات الثلاثية الأبعاد مجرد أدوات جديدة لصنع النماذج الأولية، وكانت أجهزة الكمبيوتر وبرامج التصميم ما زالت نسخًا ضعيفة وقليلة الإمكانيات مما هي عليه اليوم. ومثل برامج التصميم في العصر الحالي المحدودة بعيوبها الأساسية، فإن صيغة الملفات هذه صُممت لتبسيط طباعة ملفات التصميم على الطابعات الثلاثية الأبعاد الناشئة.

للتحويل الرقمي لملف التصميم لصيغة يمكن طباعتها بنحو ثلاثي الأبعاد، فإن ملفات إس تي إل الأولى كان يجب عليها تذكُّر حقيقة أن الطابعات الثلاثية الأبعاد لا تستطيع التعامل مع الكثير من التفاصيل المادية. كانت ذاكرة أجهزة الكمبيوتر محدودة وباهظة الثمن في ذلك الوقت؛ ولهذا فإن حقيقة أن صيغة الملفات هذه كانت تحذف معظم تفاصيل التصميم كانت أمرًا مثاليًّا في ظل القدرة الحاسوبية المحدودة المتاحة. على سبيل المثال، يمكن لملف التصميم الاحتواء على معلومات اللون وتفاصيل تصميمة أخرى دقيقة، كانت مهمة ملف إس تي إل التخلص منها. وأي طابعة قياسية ثلاثية الأبعاد كانت تحتاج فقط إلى معالجة المثلثات التي تلمس الطبقة الحالية التي تُطبع، ويمكنها تجاهل المثلثات الباقية بنحو مؤقت حتى يحين وقت صناعة الطبقة التالية.

بعد مضي ثلاثة عقود، ما زالت ملفات إس تي إل موجودة، لكن فائدتها الأساسية أصبحت عاملًا يحد من احتمالات التصميم للطباعة الثلاثية الأبعاد؛ فإذا أرادت الطباعة الثلاثية الأبعاد أن تحقِّق كل ما تبشِّر به، فإن صيغة إس تي إل — التي ظلت قيمة لعقود — تحتاج للتواري عن الأنظار، وبرامج التصميم آخذة في التطور، وكذلك الطابعات الثلاثية الأبعاد.

اليوم، تتعامل برامج التصميم بنحو روتيني مع ملفات التصميم التي تتضمن مليارات إحداثيات المواقع أو الشبكات الدقيقة والمعقدة، بالإضافة إلى ذلك، فإن أفضل الطابعات الثلاثية الأبعاد اليوم يمكنها مواكبة هذا، وتقترب من الطباعة بدقة تساوي ١ ميكرون. على الرغم من ذلك، فإن ملف إس تي إل، الذي هو الجسر الحيوي بين هاتين التقنيتين، لا يمكنه مواكبة التطور.

(٣-٢) المعيار الجديد: صيغة إيه إم إف

إحدى الطرق الممكنة لتغيير وتحديث ملف إس تي إل هو أن يُستبدل به معيار جديد قائم على لغة الإكس إم إل يُدعى إيه إم إف. بصراحة، لقد شاركتُ في وضع هذا المعيار؛ لذا فأنا من مناصريه بطبيعة الأمر. لقد عملت على وضع هذا المعيار مع مجموعة من مُصنعي الطابعات الثلاثية الأبعاد وموفري برامج التصميم بمساعدة الكمبيوتر ومستخدمين خبراء. عملنا معًا في إطار مؤسسة دولية تدير تطوير وتنفيذ المعايير التكنولوجية، وهي الجمعية الأمريكية لاختبار المواد.

يحافظ هذا المعيار الجديد على بناء السطح الشبكي لصيغة إس تي إل، لكنه أضاف المزيد من القدرات لعكس التطور في برامج التصميم والطابعات الثلاثية الأبعاد. على سبيل المثال، فإن تلك الصيغة يمكنها التعامل مع ألوان ومواد خام مختلفة وصنع شبكات وهياكل أخرى داخلية كثيرة التفاصيل، تُعتبر إحدى الفوائد الكبرى للتصنيع بالإضافة. ويمكن استخدام المثلثات المنحنية في تصوير الأسطح المنحنية بنحو أكثر دقة وإحكامًا من المثلثات المسطحة التي تستخدمها صيغة إس تي إل.

صدقت منظمة المعايير رسميًّا على معيار إيه إم إف في مايو من عام ٢٠١٠، لكن الاختبار الحقيقي لأي معيار هو العمل به. في وقت كتابة هذا الكتاب، لم يستخدمه بعدُ موفرو الطابعات الثلاثية الأبعاد، وربما يستغرق الأمر سنوات؛ فنحن عالقون في معضلة عويصة: موفرو برامج التصميم بمساعدة الكمبيوتر وشركات الطابعات الثلاثية الأبعاد، في انتظار رؤية إن كان هناك من سيقامر بالاعتماد على المعيار الجديد، والاستغناء عن حصان الحرب القديم المرهَق؛ صيغة إس تي إل.

(٤) الجيل التالي من برامج التصميم: الالتقاط الرقمي

إذا كان الجيل الأول من برامج التصميم امتطى موجة أجهزة الكمبيوتر المكتبية والتصنيع التقليدي، فإن الجيل الجديد منها سيركب موجة «الالتقاط الرقمي» أو «التقاط تفاصيل الواقع». يكمن مستقبل تسويق برامج التصميم في جعل التقاط تفاصيل الواقع أمرًا متاحًا يمكن للجميع استخدامه، وسيحتدم سباق الاستيلاء على أسواق المستهلكين بين شركات البرمجيات. تأمُل شركة أوتوديسك — وهي نفس الشركة التي أطلقت برنامج مايكروكاد، معالج الكلمات للرسوم، في الثمانينيات من القرن الماضي — أن تكون مرة أخرى على قمة موجة التغيير الكبرى القادمة. كان رد أوتوديسك هو صنع «وان تو ثري دي» وهي مجموعة من أدوات التصميم المجانية الموجَّهة للأطفال وعامة المستهلكين.

figure
جمجمة مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد التُقطت تفاصيلها رقميًّا ببرنامج وان تو ثري دي كاتش (الصورة مهداة من جوش مينجز).

تبني شركات تصميم بمساعدة الكمبيوتر أخرى (مثل سوليد ووركس وبي تي سي وراينو وستكش أب، على سبيل المثال لا الحصر) وحدات برمجية للمصممين. لكن، ومثل أي مجال عمل آخر احتل مكانه في حقل ناضج ومكتمل، فإن شركات برمجيات التصميم تواجه اختيارًا يصعب تخطيه؛ فمن ناحية، يجب على الشركة تهيئة وإعداد مواردها التنظيمية لاستغلال فرصة السوق الجديدة هذه؛ ومن ناحية أخرى، يجب عليها الاستمرار في الحفاظ على محرك إنتاجيتها الأساسي الذي لا يزال يخدم ٩٩ بالمائة من التصنيع التقليدي (ويدر عليها ربحًا).

يقول جونزالو مارتينيز، نائب رئيس قسم المنتجات الاستهلاكية بأوتوديسك: «مستقبل برامج التصميم يكمن في تسهيل الانتقال ذهابًا وعودة بين الواقع والبرمجيات. هدفنا هو تسريع هذه العملية. نمتلك الآن الأدوات التي تلتقط التفاصيل المادية لأي جسم حتى لو بلغت مليارات النقط البيانية، ونهدف لتسهيل عملية التعامل مع هذه البيانات للناس لتُفهَم من وجهة نظر بشرية وتجيب على السؤال: «ما هذا الجسم؟»»

يقول جونزالو: «نستكشف طرقًا جديدة لتصميم وتصنيع الأشياء. بنينا العام الماضي معمل تصنيع بأحدث التقنيات.» وأضاف مازحًا: «الآن نمتلك أكبر مجموعة من الطابعات الثلاثية الأبعاد في ساحل أمريكا الغربي.»

إذا أصبح التقاط تفاصيل التصميم للأجسام المادية عملية سريعة وغير مرهقة، فإن الجميع يمكن أن يصبحوا مصممين. وبمجرد أن تصبح الطباعة الثلاثية الأبعاد تقنية موجودة في كل مكان، فإنه يمكن لأي شخص أن يصبح مُصنِّعًا. قال جونزالو ضاحكًا: «سيصمم ابني ذو الأحد عشر عامًا جسمًا معقدًا كان يستغرق مني ثلاث سنوات لتعلُّم كيفية تصميمه.»

أضاف جونزالو: «الهدف طويل الأمد هو إنتاج مكتبات الأشكال من بيانات السحابات النقطية. هذا جيد بالنسبة إلى الهندسة العكسية، ويسرع من عملية التصميم إذا أردنا نسخ الجسم أو تغييره رقميًّا. باختصار، فإن الجيل التالي من برامج التصميم سيسرع من عملية التقاط تفاصيل الواقع على الكمبيوتر.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠