الفصل السابع

الطباعة الحيوية بالحبر الحي

أحدثَ باحث في جامعة ويك فورست يُدعى أنتوني أتالا ضجة عندما ظهر في مؤتمر تيد عام ٢٠١١، وقدَّم ما فهمه العديد من الناس — بنحو خطأ — على أنه عرض لكيفية طباعة كُلية بشرية حية؛ وبما أن ٩٠ بالمائة من المرضى على قوائم التبرع بالأعضاء ما زالوا في انتظار زرع الكُلَى، فقد تحمس الكثيرون بطبيعة الحال لما قدمه أتالا، وبعد إزالة الالتباس الناتج، تبين أن طباعة الكُلى الحية بنحو ثلاثي الأبعاد كانت لا تزال في مراحلها البحثية الأولى. كانت «طباعة الكُلى» في الواقع تجرِبة معملية تتضمن طباعة نسيج يشبه الكُلى بنحو ثلاثي الأبعاد قادر على تنقية الدماء وتخفيف البول.

كان للعرض الذي قدمه أتالا في مؤتمر تيد أثر في زيادة وعي الناس بالاحتمالات الملازمة لأعضاء الجسم المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد. يظل أتالا — وهو أحد المبشرين بالطب التجديدي وأحد الباحثين الرواد في مجال الطباعة الحيوية — متفائلًا؛ ففي مقابلة مع رسالة إخبارية تابعة لإحدى الشركات المالية الكبرى، قال أتالا: «لا شك أنه في أحد الأيام، ربما بعد جيل، يمكن أن تمتلك قلبًا مصنوعًا من نسيج الخلايا خاصتك. أليس هذا رائعًا؟»1

(١) طابعة الشباب

سمَّى وليام شكسبير الشيخوخة «الشتاء البشع». تحكي العديد من الثقافات عن ينبوع الشباب الخيالي الذي يمنح الناس الشباب الدائم، ووصفت رواية ترجع للعصور الوسطى القوة العلاجية للينبوع التي تُحوِّل المحاربين الطاعنين في السن إلى شباب.

figure
الهدف الأساسي للطباعة الحيوية هو طباعة عضو بشري يؤدي وظيفته بنحو ثلاثي الأبعاد من مزيج من الخلايا والمواد الحيوية (الرسم مُهدًى من كريستوفر بارنات، نقلًا عن موقعه ExplainingTheFuture.com، القسم الخاص بمفهوم الطباعة الحيوية (http://explainingthefuture.com)).
اغتسل المحاربون القدامى في الينبوع، وكانوا أكثر من ستة وأربعين رجلًا، وعندما خرجوا كانوا في الثلاثين من العمر، ويبدون كأفضل الفرسان. ثم تحدَّث الرجال الآخرون المسنِّون فقالوا: «أترَوْن كم نحن طاعنون في السن وظهورنا منحنية؟ لقد عشنا أكثر من مائة عام وسترَوْننا الآن في شكل آخر.» نزل الرجال في الينبوع، واغتسلوا أربع مرات كما نُصِحوا، ثم خرجوا مبتهجين. وعندما عادوا للإسكندر، تعرَّف عليهم بالكاد؛ فقد كانوا شبابًا للغاية.2

رغم قرون من البحث، لم يعثر أحدٌ بعدُ على ينبوع الشباب. وفي العصور الحديثة، استمر الناس في سعيهم في البحث عن الشباب بالجراحات التجميلية والمفاصل البديلة وصمامات القلب الجديدة والمكملات الإعجازية من الفيتامينات وكريمات البشرة. وأخيرًا، ربما ستنهي تقنيات الطباعة الثلاثية الأبعاد هذا البحث. ستساعد أجزاء الجسم البديلة المطبوعة حسب الطلب من يحتاجون لزراعة الأعضاء أو يمتلكون مفاصل مؤلمة، وسيتمكن أصحاب الدخول الكبيرة من طلب أجزاء بديلة مطبوعة حسب مواصفات خاصة مُحسَّنة للقيام بنشاطهم الترفيهي المحبب، وستجاهد اللجنة الأوليمبية في عام ٢٠٧٢ لتقرير إن كان الرياضيون ذوو الأعضاء المطبوعة حيويًّا يجب منعهم من خوض المنافسات.

ما زالت الأعضاء المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد ضربًا من الخيال، وما زال علم طباعة الأنسجة الحية اليوم في بداية صعوده الطويل ﻟ «سلم الحياة المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد» الافتراضي.

تخيَّل سلمًا طويلًا من الأعضاء البشرية البديلة المرتبة طبقًا لتعقيد تركيبها. ستقع الأجزاء التعويضية الجامدة في الدرجات السفلى من السلم، وفي الدرجات الوسطى ستقع الأنسجة الحية البسيطة مثل العظام والغضاريف، وفوقها مباشرة ستقع الأوردة والبشرة، وتحت قمة السلم مباشرة ستكون هناك الأعضاء الحيوية المعقدة مثل القلب والكبد والمخ، وأخيرًا، وعلى قمة سلم الحياة، ستكون هناك المخلوقات الحية أو ربما يومًا ما أشكال صناعية للحياة ذات وظائف كاملة. لقد وَضعت تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد قَدَمها اليوم على الدرجات السفلى للسلم التخيلي هذا، وتتطلع إلى الصعود للدرجات الوسطى، وتحلم بالوصول يومًا ما إلى قمة السلم.

(١-١) طباعة سلم الحياة بنحو ثلاثي الأبعاد

في أحد خطابات التخرج في مدرسة ثانوية بديلاوير، وصف جو بايدن مستقبلًا باهرًا حيث «سنقدر، باستخدام الطابعات الثلاثية الأبعاد، على تجديد الأنسجة الحية بعد إصابة شديدة أو حرق واستعادتها لحالتها الأصلية. إنه قريب جدًّا في واقع الأمر.»3 مزاعم بايدن الجريئة هي مجرد مزاعم لا أكثر. مع ذلك، فهو ليس مخطئًا تمامًا.

دعونا نبدأ بأسفل السلم؛ أعضاء الجسم البديلة الجامدة مثل تيجان الأسنان أو الأطراف الصناعية. أول موجة من الأعضاء البشرية البديلة المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد والمتاحة تجاريًّا أصبحت موجودة بالفعل، وتتحرك هنا وهناك داخل أجساد البشر العاديين، وربما حتى داخلك أنت. وتوجد الأعضاء التعويضية غير الحية؛ مثل العظام الصناعية وتيجان الأسنان والعدسات اللاصقة وأجهزة السمع المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد داخلَ أجسام آلاف البشر حولَ العالم.

يُقدر فيل ريفز، المدير الإداري لشركة إيكونوليست، وهي شركة استشارات خصصت نشاطها لمجال الطباعة الثلاثية الأبعاد، أن اليوم هناك «عشرة ملايين جهاز مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد لمساعدة ضعاف السمع متداول حول العالم.»4 وحققت أدوات تقويم إنفيزالاين — وهي مشابك أسنان بلاستيكية شفافة مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد حسب مواصفات خاصة وتُستخدم لمرة واحدة — نجاحًا تِجاريًّا ضخمًا. وهناك ما يتراوح بين نصف مليون وثلاثة أرباع مليون سن مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد مزروع في أفواه البشر حاليًّا.5

ومثل أجزاء الطائرات البديلة المتقدمة المطبوعة من التيتانيوم بنحو ثلاثي الأبعاد، فإن الأجزاء البشرية البديلة المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد تُمثِّل قمة عالم التصنيع الرقمي المخصص الذي يُنتَج بأعداد قليلة؛ فعملية طباعة الأسنان وأجهزة مساعدة ضعاف السمع وأدوات تقويم الأسنان مماثلة لتلك الخاصة بأجزاء الطائرات؛ يُمسَح عضو الجسم الذي يُراد طباعته ثم تُرسل البيانات لمعمل متخصص حيث تُحوَّل إلى ملف تصميم صالح للاستخدام، ثم تَطبع الطابعة ملف التصميم باستخدام مطاط طري أو خزف صلب ولامع أو بلاستيك مرن شفاف وطري.

figure
هناك حوالي خمسون ألف أداة تقويم أسنان من نوع إنفيزالاين تُطبع بنحو ثلاثي الأبعاد كل يوم (الصورة أُعيدت طباعتها بإذن من شركة ألاين تكنولوجي).

اليوم، تُصنع أول موجة من الأعضاء المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد من مواد خام مفردة مثل المعادن أو الخزف أو البلاستيك. هذه الأعضاء مناسبة للأغراض التِّجارية؛ حيث إن قيمتها في السوق تستند على حقيقة أنها تناسب جسمًا ذا شكل فريد. والشكل المخصص لتلك الأعضاء، وإنتاجها بأعداد منخفضة، وحقيقة أنها لا تقدم لصانعها أي شكل من أشكال اقتصادات الحجم؛ تجعلها مرشحًا مثاليًّا (ومربحًا) للطباعة الثلاثية الأبعاد. ومسألة تخطي العقبات التنظيمية تُعتبر سهلة نسبيًّا؛ فبعكس الأنسجة الحية أو الأدوية، فإن الأعضاء البشرية الجامدة تتضمن مخاطر صحية عاجلة أقل، ويمكن التنبؤ بآثارها الجانبية بنحو أكبر.

ماذا عن طرَف صناعي له جاذبية جنسية؟ اليوم، وطبقًا لاتحاد مبتوري الأطراف الأمريكي، وهو إحدى مجموعات الدعم الوطنية، فإن حوالي مليوني مواطن في الولايات المتحدة لديهم أطراف صناعية، ومعظم الأطراف الصناعية الحديثة لم تتغير بنحو جوهري عن تلك التي كان يستخدمها الجنود العائدون من المعارك المدمرة للحرب العالمية الثانية؛ فاليد الصناعية مصنوعة من المعدِن وقدرتها على الإمساك بالأشياء الصغيرة تتم عن طريق مجموعة من الخطاطيف تشبه الكلاليب.

تعمل شركة بيسبوك إنوفيشانز، وهي شركة صغيرة تقع في سان فرانسيسكو واستحوذت عليها شركة ثري دي سيستمز مؤخرًا، في مجال تصميم أطراف صناعية مخصصة وطباعتها بنحو ثلاثي الأبعاد. يقول سكوت سميت، أحد مؤسسي الشركة: «لم تتغير كثيرًا الطريقة التي تُصنع بها معظم الأطراف الصناعية على مدار السنين — تُقص قطعة من الفوم على شكل ساق الشخص ثم يُصنع لها قالب وتُشكَّل.»6

يتطور علم صناعة الأطراف الصناعية على نحو كبير بفضل تطور تقنية التصوير التشخيصي الطبي وبرمجيات التصميم والمواد الخام، وتتيح الطباعة الثلاثية الأبعاد لأصحاب الأطراف المبتورة والأطباء مستويات من التخصيص لم تكن متاحة من قبلُ. وتُصمَّم الأطراف الثلاثية الأبعاد الخاصة بشركة بيسبوك لتلائم شكل أجساد من يرتدونها بدقة وأساليب حياتهم وأذواقهم.

تبدأ عملية طباعة الأطراف في بيسبوك بمسح كلٍّ من الساق السليمة للمريض وساقه الصناعية الحالية، ثم تُحول هذه البيانات لملف تصميم إلكتروني، ثم تُوضع صورة الساق السليمة على الصورة الرقمية للساق الصناعية للتأكد من أن الساق الجديدة المخصصة تعيد لجسد من سيرتديها التناسق. وبعد اختيار العملاء التصميم الفريد خاصتهم، تطبع الشركة الطرَف الصناعي بنحو ثلاثي الأبعاد.

figure
طرف صناعي أنيق المظهر (الصورة مهداة من شركة ثري دي سيسمتز).

تتيح أداة شركة بيسبوك الموجودة عبر موقعها على الإنترنت والمسماة «كونفجيوريتور» للعملاء استكشاف نطاق من أشكال التصميم، يتضمن أشكال السيقان والمواد الخام المستخدمة في التصفيح، وأنماط التشكيل النهائي التي تعطي مرتدي الطرَف نفس الشكل اللافت الذي تثيره دراجة بخارية سريعة ذات تصميم شهير أو وشم فريد. أطلقت الشركة اسم «الإكسسوارات» على الأطراف الصناعية التي تُنتجها تيمُّنًا بأجزاء الزينة المتخصصة المستخدمة على أجسام الدراجات البخارية اللامعة باهظة الثمن.

يصف موقع شركة بيسبوك الإلكتروني ما يقدِّمه كما يلي: «إكسسوارات بيسبوك … لا تعيد فقط الشكل المفقود بل تجلب أيضًا تعبيرًا عن الشخصية والفردية بنحو لم يكن ممكنًا من قبلُ.» توضح صور الأشخاص الذين يرتدون الأطراف الصناعية المخصصة التي تُنتجها بيسبوك التغير في نظرة الناس للأطراف الصناعية عن الزمن الذي اعتادوا فيه إخفاء ارتدائهم لها؛ فعملاء بيسبوك يرتدون الأطراف الصناعية بكل فخر.

إذا عدنا لسلَّم الحياة المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد وصعدنا درجة أخرى، فسنترك وراءنا الأطراف الصناعية ونصل إلى الدرجة التالية حيث تقع العظام الصناعية المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد. ما تزال العظام والمفاصل الصناعية المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد مجالًا طبيًّا استكشافيًّا. وفي وقت كتابة هذا الكتاب، فإن المفاصل الصناعية المصنوعة من التيتانيوم حسب الطلب المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد متاحة للمرضى المحظوظين (أو الشجعان بما يكفي) لتلقِّي رعاية طبية متطورة و/أو تجريبية.

معظم العظام المستبدَلة المعيارية تُصنع بالقولبة بالحقن إذا كانت مصنوعة من البوليمر، أو تُصَب من المعادن إذا كانت من التيتانيوم. إن نفس القيود التي تنطبق على صناعة أي جزء بلاستيكي أو معدِني لأي آلة تنطبق كذلك على صنع العظام. على سبيل المثال، يجب قولبة الأجزاء العظمية المنفصلة كلٌّ على حدة ثم تجميعها لاحقًا. وتتطلب العظام المقولبة للتوِّ ظروف تبريد محكمة حتى لا تنكمش أو تتشوه وتبقى نظيفة. ويمكن أن يؤدي التبريد الزائد عن الحد في انكسار العظم البلاستيكي حديث الصنع في حين يؤدي التبريد الناقص عن الحد لإنتاج عظام طرية للغاية ستنشر البقع عليها أثناء الإمساك بها.

حصلت العظام الصناعية المطبوعة من التيتانيوم بنحو ثلاثي الأبعاد على اعتماد الجهات التنظيمية، لكن تلك المطبوعة من البوليمر لم تحصل بعدُ على هذا الاعتماد، وعندما تحصل العظام المطبوعة من البوليمر على هذا الاعتماد، ستتيح احتمالات جديدة لامتلاك البوليمر خصائص خاصة يفتقدها كلٌّ من التيتانيوم والخزف. على سبيل المثال، إن أجزاء العظام المطبوعة من البوليمر والمطبوعة على نحو ثلاثي الأبعاد يمكن أن تُمزج بإضافات حيوية منشطة لنمو العظام ومكونات دوائية فعَّالة مثل المضادات الحيوية ومضادات الالتهابات، ويمكن لرأس الطباعة رش قطيرات من هذه المواد الكيميائية النشطة حيويًّا بدقة لا تُضاهَى.

figure
عظمة فك صناعية «مخبوزة» من مسحوق معدِني (الصورة مهداة من معهد فراونهوفر لتكنولوجيا التصنيع والمواد المتقدمة. توضح الصورة عظمة فك سفلي بشري بهيكل خلوي مُدرَّج كمحاكاة للفك الطبيعي مصنوعة من فوم عظمي معدِني).

اكتسبت إحدى الجراحات المثيرة شهرةً حول العالم في عام ٢٠١٢ عندما زرع فريق من الجراحين عظمة مطبوعة من التيتانيوم في فك امرأة بلجيكية تبلغ من العمر ٨٣ عامًا مصابة بسرطان الفم. بدأت العملية بمسح الفريق الطبي لفك المرأة بالأشعة المقطعية، وحولت شركة تصميم طبية تُدعى زيلوك ميديكال بيانات الأشعة المقطعية لملف تصميم قابل للطباعة، واستخدمت خوارزميات حاسوبية لإضافة آلاف التجاويف والأخاديد غير المنتظمة لعظمة الفك. بهذه الطريقة فإن أعصاب وعضلات وأوردة المرأة يمكنها الالتئام بنحو سريع مع عظمة الفك الجديدة لدمجها بنحو كامل مع جسدها.

في الخطوة الأخيرة من العملية، طُبعت عظمة الفك المصنوعة من التيتانيوم بواسطة شركة بلجيكية تسمى لاير وايز المتخصصة في التقنيات الحديثة للطباعة الثلاثية الأبعاد للأغراض الطبية. طُبعت عظمة الفك الجديدة الملساء اللامعة المصنوعة من التيتانيوم بتوجيه شعاع الليزر إلى مسحوق التيتانيوم؛ مما أدى إلى دمج ٣ آلاف طبقة أفقية معًا بدقة. وأخيرًا، كُسيت العظمة المطبوعة بالخزف. وبعد الجراحة بساعات، تحدثت المرأة وتناولت الحساء.

(٢) هندسة الأنسجة

اقتُبست كلمة «ذي أعضاء آلية» على ما يبدو من الدمج بين البيولوجيا والتكنولوجيا، واشتَهَرت هذه الكلمة بسبب مسلسل تلفزيوني من سبعينيات القرن العشرين من بطولة ستيف أوستن يسمى «الرجل ذو الأعضاء الآلية». كما حصلت زوجته «المرأة ذات الأعضاء الآلية» على مسلسلها الخاص المشتق من المسلسل الأصلي، وكانت تظهر على فترات في المسلسل الأصلي.

كان الرجل والمرأة ذوا الأعضاء الآلية في المسلسلين يمتلكان قوًى بشرية خارقة وحواسَّ حادة للغاية بسبب زراعة عدة أعضاء صناعية باهظة للغاية داخل جسديهما. كان الأطفال يختفون من الساحات والملاعب في أوقات اللعب المعتادة أثناء عرض المسلسلين في الدول التي كانت تعرضهما. أتذكَّر أنني ومجموعة من أصدقائي كنا نجري بسرعة بطيئة للغاية، مُصدِرين أصوات نقرات إلكترونية بينما نؤدي حركات بهلوانية مثيرة أو ندبِّر هروبًا جريئًا من وراء خطوط العدو لكل منا.

كانت الأعضاء الآلية تبدو أمرًا واعدًا منذ عدة عقود مضت، لكن في المستقبل، ستصبح فكرة الاستعانة بأعضاء الجسم الآلية أمرًا بدائيًّا؛ فهي معرضة للأعطال وغير قادرة على التطور وقد لا تتلاءم مع الجسم، وستتوافر فيها العيوب التي نجدها في الرُّكب وعظام الورك الصناعية البديلة. في المستقبل، ستُستبدل بالأعضاء الآلية أنسجة مصممة حسب الطلب ومطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد.

إذا كان البلاستيك هو المادة الخام المفضلة في الصناعة، فإن الخلايا الجذعية ستكون هي المادة الخام المفضلة في الطباعة الحيوية. وكلما تطور الطب التجديدي، عاد إلى الطبيعة. ويكمن مستقبل هندسة الأنسجة في طباعة الخلايا الجذعية بنحو ثلاثي الأبعاد بأشكال دقيقة وتركها لتعمل على إنماء الأنسجة الحية.

تُعتبر الخلايا الجذعية الصَّلصال الخام الذي يكوِّن الجسم البشري، وهي أكثر مهارة منا في صنع أعضاء الجسم. والخلايا الجذعية غير متخصصة؛ مما يعني أنها لم تختر بعدُ طريقًا فيما يتعلق بنوع الخلايا الجسدية التي ستصبح عليها، وبما أن الخلايا الجذعية يمكن حثُّها على التحول إلى أي نوع من أنواع الخلايا، التي يصل عددها إلى ٢١٠ والتي توجد في الجسم البشري، فهي ذات أهمية كبيرة من الناحية الطبية.

استُخرجت أولى الخلايا جذعية التي تم التعرف عليها في الثمانينيات من القرن الماضي من أنسجة الأجنة البشرية التي لم تُولد بعدُ؛ مما أدى إلى اندلاع مناقشات عنيفة حول أخلاقيات مهنة الطب. ومنذ ذلك الحين، استمر الباحثون في اكتشاف المزيد من الخلايا الجذعية، من ضمنها بعض الأنواع المتناثرة في الأجزاء المختلفة للجسم البشري البالغ، والتي تسمَّى الخلايا الجذعية «الجسدية» أو «البالغة». مؤخرًا، اكتُشف أن بعض الخلايا المتمايزة يمكنها الرجوع مرة أخرى إلى حالتها ما قبل التمايز.

طبع جيريمي ماو الأستاذ بجامعة كولومبيا عظامَ ورك جديدة للأرانب في المعمل باذرًا فيها الخلايا الجذعية. في البداية، أزال ماو وفريقُه عظام ورك الأرانب القديمة وصوروها، ثم حوَّلوا هذه الصور لملف تصميم صالح للعمل، وطبعوا الأجزاء البديلة بنحو ثلاثي الأبعاد من عظام صناعية، ثم نثروا الخلايا الجذعية للأرانب على تلك الأجزاء، وأدخلوها جراحيًّا داخل الأرانب. وبعد أربعة أشهر، كانت كل الأرانب تمشي بحرِّية حتى مع زيادة وزن بعضها وتحميلها هذا الوزن الزائد على الأوراك الجديدة بعد بضعة أسابيع من الجراحة.

صمم ماو وفريقه من الباحثين العظام البديلة بقنوات داخلية منحنية متناهية الصغر، سمحت للخلايا الجذعية بالتسلل إلى سطح العظام المزروعة، ومساعدة الأرانب في الشفاء بنحو أسرع. وفي تجارِب أخرى، طبع فريق ماو سنًّا قاطعة لفأر معامل، ونثروا عليها الخلايا الجذعية، وأعادوا زرعها في فك الفأر. وبعد تسعة أسابيع، وبفضل شكل السن المثالي، ودمج الخلايا الجذعية بها، أحاطت العظام والأربطة الجديدة بالسن الصناعية.

في طريقةٍ تُماثل التي يستخدمها فريق ماو في جامعة كولومبيا، طبع الباحثون في جامعة ولاية واشنطن عظمة بنحو ثلاثي الأبعاد باستخدام رذاذ ضبابي نقي مكون من فوسفات الكالسيوم والسيليكون ومسحوق الزنك. صنعت قطيرات الرذاذ النقي طبقات بسمك ٢٠ ميكرونًا (وهو ما يساوي نصف عرض الشعرة البشرية)، ثم نُثرت خلايا عظمية بشرية غير ناضجة على العظمة المطبوعة. نجحت هذه الطريقة حيث نمت الخلايا العظمية غير الناضجة في بيئتها الجديدة، وتحولت في النهاية لأنسجة عظمية حية ناضجة.

(٢-١) الخلايا الجذعية والحبر الحيوي والورق الحيوي

يعرِّف أحد القواميس الطبية الأنسجة بأنها «تجمُّع لخلايا متخصصة بنحو متماثل تقوم معًا بوظائف خاصة محددة.» تتكون أجسامنا من أنواع مختلفة من الأنسجة، بداية من الأنسجة الدهنية التي تكوِّن خلايانا الدهنية إلى الأنسجة الغضروفية التي تكوِّن الغضاريف التي تعمل كوسائد لمفاصلنا وحتى الأنسجة العصبية المكونة من شبكات معقدة من الخلايا العصبية المتصلة ببعضها. تحتفظ الأنسجة الرخوة بشكلها بفضل البنية الأساسية الداخلية الداعمة.

عندما ننجح في طباعة خلايا حية وتنميتها لأنسجة حية، سنكون قد نجحنا في الصعود إلى الدرجات العليا للسلم الافتراضي للحياة المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد. إن الطباعة الحيوية الحقيقية، كما نعرِّفها، تصنع أنسجة حية وليس أجزاء بديلة جامدة؛ لأنها تتضمن وضع خلايا حية في المكان المناسب باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد؛ وذلك من أجل صنع أنسجة حية عاملة ومتنوعة الخواص.

يُعرِّف الباحثون «الطباعة الحيوية» بطرق عدَّة، وبتطور المجال، من المحتمل أن تحمل الكلمة المزيد من المعاني. أحد أساليب الطباعة الحيوية يتضمن استخدام «الحبر الحي» وهو جل قابل للطباعة يحتوي على خلايا حية معلقة داخله. هذا الجل الخاص — الذي يسمى الهيدروجيل — يعمل كوسادة وحماية للخلايا الجذعية أثناءَ دفعها خلال رأس الطباعة، وبمجرد طباعة الحبر الحي ووضعه في المكان الصحيح، يحافظ الهيدروجيل على البناء المطلوب للأنسجة. ستفرِز الخلايا الحية مادة داخل الهيدروجيل والتي ستكوِّن في النهاية مصفوفة داعمة. وباستمرار الخلايا الحية في التطور، ستتحول المصفوفة إلى غضاريف أو أي نوع آخر من الأنسجة الحية.

إن ترسيب النوع المناسب من الخلايا في مكانه المناسب يشبه نوعًا ما عملية زرع حديقة مثالية من الخَضراوات بوضع كل نوع منها في المكان المناسب له بدقة للحصول على أفضل قدر مناسب من الضوء. لا تشبه الخلايا الجذعية بعضها بعضًا. وحتى الآن، فإن الطبيعة ما زالت أفضل من البشر أو الكمبيوتر في صنع حديقة مثالية من الخلايا الجذعية، الموضوعِ كلٌّ منها في موقعها الدقيق.

أحد أكبر مزايا الطباعة الثلاثية الأبعاد باستخدام الحبر الحي لصنع أنسجة رخوة هي قدرة الطابعة على قذف الخلايا بعناية في أنماط وأشكال دقيقة. وبتحسن الطابعة في الطباعة باستخدام عدة رءوس طباعة، يمكن ملء كل رأس طباعة بنوع مختلف من الخلايا، وستكون النتيجة طباعة فوهة لنوع مختلف من الخلايا، بينما تقوم فوهة أخرى بطباعة الهيدروجيل بخواص مواد مختلفة. وباقتباس فكرة الطباعة الثلاثية الأبعاد بالعديد من المواد الخام وتطبيقها في العالم البيولوجي، يقترب الباحثون خطوات من صنع أنسجة صناعية تحاكي الأشكال المعقدة والهياكل الداخلية والتنوعات الخلوية الموجودة في الطبيعة.

يُمثِّل وضع الخلايا في موقعها المناسب تحديًا، لكن هناك تحديًا آخر؛ وهو التأكد من وضع الخلايا بطريقة تجعلها تكوِّن الشكل المناسب في النهاية. إن موقع الخلايا والشكل الناتج للأنسجة أمران مهمَّان لعمل الأعضاء بالشكل المناسب، كما يمكن لعوامل النمو كذلك أن تُطبع وتُضاف إلى الخليط.

على سبيل المثال، تتطلب أنسجة القلب كثافة مرتفعة من الخلايا لضمان خفَقان القلب بإيقاع منتظم. وإذا لم تكن الخلايا المزروعة فوق هيكل السقالات داخل الأنسجة الصناعية للقلب متصلة فيما بينها بنحو محكم، فإن النتيجة تكون إيقاعًا غير منتظم لدقات القلب. وبما أن تصميم الأنسجة قائم على ملف تصميم إلكتروني، فإن الأنسجة المطبوعة حيويًّا باستخدام الحبر الحي ستخرج دقيقة الصنع، وسيكون تصميمها قابلًا للتكرار.

في النهاية، هناك سر آخر لم ينجح البشر بعدُ في حله هو حقيقة أن الخلايا الحية تحتاج إلى زر «بدء». اليوم، لا يعرف أحد بالضبط كيف يدفع الخلايا المزروعة إلى العمل حتى لو كانت موضوعة في المكان المناسب في سقالات مثالية الشكل. الطبيعة هي من يعرف كيف تدفع الأعضاء إلى العمل، ونحن لا نعرف هذا.

ابتكر باحثون من جامعتَي ميزوري وييل مصطلحي «جسيمات الحبر الحيوي» (وهي أسطح شبه كُروية متعددة الخلايا) و«الورق الحيوي» (الجل المتوافق حيويًّا).7 في أحد المقالات في مجلة نيتشر، يصف الدكتور جابور فورجاكس، وهو باحث في جامعة ميزوري، أسلوبه الخاص قائلًا: «إنك تمنحنا خلاياك، ونعمل نحن على تنميتها وطباعتها وتشكيل الهيكل، وتصبح الأعضاء جاهزة للعمل.»
استخدم فريقه طابعة ثلاثية الأبعاد مخصصة مصمَّمة في الأساس لصنع أجهزة إلكترونية متناهية الصغر:

تمتلك الطابعة ثلاث رءوس طباعة، يتحكم فيها جميعًا كمبيوتر موصل بالطابعة، يمكنها وضع أسطح شبه كُروية من الخلايا مثلما تنفث الطابعة المكتبية الحبر.

يطبع رأسان من رءوس الطابعة خلايا الأنسجة (مزيجًا يتضمن، على سبيل المثال، خلايا قلبية وبطانية) بينما يطبع الرأس الثالث ما يملأ الفراغات (مثل الكولاجين) وهو ما يملأ الفراغات بنحو مؤقت حتى تمتزج الخلايا الأخرى. لذا، ولصنع وعاء دموي، على سبيل المثال، توضع خطوط من الخلايا مطعَّمة بخطوط من الكولاجين في الفراغات الوسطى، والتي ستُستخلَص لاحقًا لإزاحة الطريق للدم.8

لفهم لماذا تمتلك الطباعة الحيوية مثل هذه الإمكانيات، من المفيد مقارنتها باختصار بالطرق السائدة في هندسة الأنسجة.

لعدة عقود، كانت الأنسجة الحية تُصنع على مرحلتين: الأولى هي إعداد سقالات الأنسجة من أحد أنواع المواد المتحللة حيويًّا، ولصنع السقالات المُهندَسة باستخدام الأسلوب التقليدي، يعمد الباحثون إلى تشكيلها بقالب ثم تقطيعها أو استخدام كيماويات لتنظيف سطحها المسامي. أما المرحلة الثانية، فتتمثل في زرع الخلايا الحية داخل السقالات.

قارن هذه العملية بعملية الطباعة الثلاثية الأبعاد للخلايا الحية بأشكال دقيقة، وتركها تكوِّن المصفوفات وفي آخر الأمر السقالات الداعمة لها الخاصة بها. ساعدت الطرق التقليدية لهندسة الأنسجة آلاف المرضى على اكتساب الأنسجة الرخوة التي فقدوها؛ لكن عيوبها كثيرة.

وعن هذه العيوب، يقول باحثون مثل ميجيل كاستيلو وإينيس بيريس وباربرا جوفايا وخورخي رودريجيز:
تتضمن عيوب هذه الطرق: الاستخدام المكثف لمذيبات عضوية شديدة السُّمِّية، وفترات التصنيع الطويلة، وعمليات تتضمن عمالة مكثفة، والتخلص غير الكامل من المواد الجسيمة المتبقية في مصفوفات البوليمر، وإمكانية التكرار الضعيفة، والمسام غير المنتظمة الأشكال، والترابط الداخلي غير الكافي داخل المسام والهياكل الرفيعة. بالإضافة إلى ذلك، معظم هذه الطرق تفرض قيودًا على التحكم في الشكل.9

بمعنًى آخر، فإن السقالات الصناعية المصنوعة بنحو يدوي يمكن أن تتحلل حيويًّا مما يؤدي إلى بعثرة الخلايا والجسيمات بنحو فوضوي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأنسجة المصممة القائمة على سقالات مصممة سلفًا مبذورة بالخلايا الحية ربما لا تلائم النسيج الحي القائم داخل المريض بالفعل بنحو مناسب؛ وبما أن الأنسجة البشرية تتخذ أشكالًا كثيرة متباينة ومعقدة، فيمكن أن يكون من الصعب بناء سقالات للأنسجة لها نفس شكل المحيط الخارجي بدقة. وأخيرًا، وفضلًا عن كل ما سبق، فمن الصعب للغاية بذر أنواع مختلفة من الخلايا داخل سقالة موجودة بالفعل.

(٢-٢) طباعة الغضاريف الحية

تُعتبر الغضاريف مثالًا شهيرًا على قدرة الطبيعة على هندسة الأنسجة. داخل الجسم البشري، تمتلك الغضاريف قدرة مدهشة على الحفاظ على شكلها لسنوات، أو لتحمل سنوات طويلة من الجهد، عندما تعمل كوسائد للمفاصل. وهناك طبقة حامية من الغضاريف المَفصِلية تعمل كوسائد لمفاصل الركبة، وتجعل حركتها ناعمة وسلسة؛ مما يمنع العظام من الاحتكاك ببعضها. إن الغضاريف هي ما تجعل آذاننا وأنوفنا قابلة للثني ومرنة أثناء قرصها.

ومثل العظام، فإن أنسجة الغضاريف هي أنسجة بسيطة مصنوعة من بضعة أنواع فقط من الخلايا، ولا تحوي أي أوردة، وغرضها بسيط نسبيًّا. كما أن الغضاريف لا يجب عليها هضم الطعام أو إطاعة أوامر الخلايا العصبية أو الاستجابة السريعة للظروف الخارجية. مع ذلك، فإنه حتى تصنيع نسيج بسيط نسبيًّا مثل الغضاريف ما زال أمرًا لم يستطع الطب القيام به على نحو مناسب.

تُعتبر الغضاريف نسيجًا أساسيًّا للجسم لكن لسوء الحظ فإننا اليوم لا نمتلك طريقة صالحة للتطبيق لصنع غضاريف بديلة، فإذا كنت قد مارست رياضة الإسكواش لسنوات أو كنت عدَّاءً متخصصًا في المسافات الطويلة، فأنت تعرف بالفعل أنه بمجرد أن تَبلَى الغضاريف المَفصِلية، فقد ضاعت للأبد. وغياب تلك الغضاريف بين المفاصل يمكن أن يكون مدمِّرًا ومسببًا للآلام والتهاب المفاصل لدى ملايين البشر الذين يعانون من مشكلات في الرُّكب والمرافق وتيبس في عظام الورك والأصابع.

تُعد الطباعة الثلاثية الأبعاد طريقة واعدة لصنع الغضاريف البديلة. في جامعة كورنيل، شاركت داني كوهين ولاري بوناسار في طباعة غضروف هلالي مَفصِلي لخروف. في البداية أخذنا أشعة مقطعية لركبة الخروف وحولناها إلى ملف تصميم، بعد ذلك، استخرجنا خلايا حية من جسد الخروف وخلطناها بهيدروجيل طبي. وأخيرًا، ضغطنا هذا المزيج في رأس طباعة ثلاثية الأبعاد، وفي هذه الحالة، يكون محقنًا. في مشروع بحثي لاحق، طبع لاري بوناسار غضروفًا لأذن بشرية بنحو ثلاثي الأبعاد بِناءً على ملف تصميم نتج عن بيانات لمسح ضوئي لأذن خارجية.

figure
طبعنا غضروفًا هلاليًّا صناعيًّا باستخدام خلايا حية من جسم خروف. كان ملف التصميم عبارة عن أشعة مقطعية. ازدهرت الخلايا المطبوعة في بيئتها الجديدة لكن لم يُزرع الغضروف الصناعي على الإطلاق (الصورة مهداة من دانيال كوهين ولاري بوناسار).

لا يوجد ما هو بسيط بشأن الجسم البشري، ويظل صنع ولو أنسجة بسيطة مثل الغضاريف عملية معقدة. وعلى الرغم من أنه من الممكن طبع غضاريف حية بنحو ثلاثي الأبعاد، فإن النجاح في ذلك يُمثِّل نصف المعركة فقط؛ فنحن لم نحلَّ بعدُ التحدي الثاني المهم، وهو أن مفاصلنا صُممت لتلقِّي الجهد القاسي. تحتاج الغضاريف الصناعية لتصليبها وتهيئتها قبل أن تصبح جاهزة لزرعها في جسد أي شخص؛ لهذا، فإن الغضاريف المصنَّعة في معامل الأبحاث يجب أن تخضع للضغط الميكانيكي قبل زراعتها.

ومثل طفل مدلل محمي من بيئته، فإن الغضاريف الصناعية التي تمتعت بالحياة المرفهة داخل طبق بتري محمي لم تواجه واقع حياة الجهد القاسي. وفي غياب الضواغط الخارجية مثل أميال من السباحة أو مباريات التنس المرهقة، تبقى الغضاريف الصناعية ضعيفة وليِّنة. وإذا زُرعت الغضاريف الصناعية في ركبة من دون معالجتها، فستنسحق لتصبح لا شيء. عندما عرضت أنا وداني ولاري أول مجموعة من غضاريف الخروف المطبوعة على مجموعة من الجراحين الممارسين، طلبوا منا مغادرة الغرفة فورًا بمجرد أن اكتشفوا أنها ضعيفة للغاية لدرجة أنها لا تحتمل أبسط خيوط الجراحة.

يبحث الباحثون عن حلول لهذه المشكلة. إحدى الطرق الواعدة هي وضع الأنسجة الصناعية داخل مفاعل حيوي لمحاكاة الطريقة التي تنضج بها الأنسجة الحقيقية التي تنضج بالمجهود، ولإعداد الغضاريف المطبوعة حيويًّا للاستخدام الواقعي، فربما يكمن الحل في تطوير المواد الخام المكونة للهيدروجيل. أحد الحلول الأخرى الممكنة ربما يكون التطبيق المبتكر لمصادر ضغط أخرى (مثل الضوء أو الحرارة أو الاهتزازات الصوتية) لإعداد تلك الغضاريف المطبوعة لما سيأتي. نعم، حتى الغضاريف تحتاج إلى الحب القاسي.

(٢-٣) طباعة صمامات القلب

ربما تكون الغضاريف نوعًا أبسط نسبيًّا من الأنسجة الحية لكن هناك بعضها أكثر تعقيدًا وأهمية من غيرها. على سبيل المثال، إذا تلفَت الغضاريف في رُكبتك أو مَرفِقك، فستستمر في البقاء حيًّا (رغم أنك ستكون عاجزًا عن الحركة، وستظل تشعر بالألم). لكن إذا كانت الغضاريف في صمامات قلبك لا تعمل كما يجب، فإن مخاطر الموت بأحد الأمراض القلبية الوعائية تزيد بنسبة ٥٠ بالمائة.

لا يوجد عضو في الجسم أخطر في مَهمته من القلب؛ فهو مصنوع من العضلات والأوعية الدموية والغضاريف، التي تعمل كوحدة واحدة في روتين معقد تصنعه النبضات الكهربائية التي تسري في الجسد. والقلب البشري ينبض في المتوسط مائة ألف مرة يوميًّا تقريبًا. في الحقيقة، فإن نسيج القلب يحتمل النوع الخاص به من الجهد بمتوسط يصل إلى ٨٠ مليون نبضة في السنة، وحوالي خمسة إلى ستة مليارات نبضة في حياة المرء.

أحد أكثر الأجزاء الطبية المعضلة المتعلقة بالقلب هي صماماته الرفيعة الليفية. يمتلك القلب البشري أربع غرف تفصل بينها صمامات تشبه بوابات باتجاه واحد، تفتح ثم تغلق في وقت محدد بدقة للتحكم في اتجاه تدفق الدم الذي يُضخ من غرفة لغرفة. وإذا لم تعمل هذه الصمامات بالشكل المناسب، فسيتوقف القلب عن أداء وظيفته في النهاية. تقول تقارير جمعية القلب الأمريكية إن خمسة ملايين أمريكي كل عام يكتشفون أنهم مصابون بمشكلات في صمامات القلب، كما تُعتبر صمامات القلب المعيبة عيبًا خِلقيًّا شائعًا.

تتسم صمامات القلب بصغر الحجم حيث يبلغ حجمها ما بين القطعة المعدِنية فئة العشرة سنتات في المواليد الجدد وتلك الخاصة بربع الدولار في البشر الناضجين. ويجب على تدفق الدم أن ينبض بقوة في اتجاه واحد فقط، وإذا كان صمام القلب غير مناسب ميكانيكيًّا، فسيبدأ في تسريب الدم ببطء؛ مثل موظف غير كفء في شركة سيتسبب عمله الرديء في النهاية في تدهور عمل وحدات عمل عالية الأداء. ويمكن للصمامات أيضًا إيقاف القلب عن العمل إذا أصبحت سميكة أو متيبسة.

figure
صمام قلب صناعي مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد (الصورة مهداة من جوناثان بوتشر من جامعة كورنيل).

ربما تُوفِّر الصمامات المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد حلًّا يومًا ما. يُعتبر جوناثان بوتشر، الأستاذ في جامعة كورنيل، أحد الباحثين الروَّاد في مجال الهندسة الحيوية لصمامات القلب الصناعية. زرتُ جوناثان في قسم الهندسة الحيوية في جامعة كورنيل الذي يقع داخل مبنًى رخامي أبيض حديث. وداخل المبنى، كانت الأرضيات الحجرية الباردة جدًّا تُضخم صدى الخطوات. فيما عدا ذلك، كان كل شيء يتسم بالهدوء. كان دهليز منطقة استقبال الزوار الشبيه بصندوق كبير ضخمًا للغاية؛ مما يجعل من بداخله يبدون كأقزام.

كان مكتب جوناثان على العكس تمامًا من البيئة المقفرة التي يتردد فيها صدى الصوت خارجه. وساهمت لوحتان زيتيتان زاهيتا الألوان في بث الدفء في المكتب، وقد كانتا هدية من طالبة من إحدى الفرق التي يُدرس لها جوناثان. أخبرني جوناثان قائلًا: «لقد رَسَمَت زيتيًّا بعض القلوب التي استخرجتها من أجنة الدجاج وهي في مراحل التطور المختلفة.» طلبتُ منه تفسيره للتحدي الذي تمثله صمامات القلب اليوم. قال: «اليوم، يستبدل الجراحون صمامات القلب بطريقة من اثنتين: صمامات القلب الميكانيكية أو الصمامات المأخوذة من الأبقار أو الخنازير التي تُنظف وتُعالج مثل قطعة طرية من الجلد الصناعي.»

تعاني الصمامات الموجودة حاليًّا — سواء الميكانيكية أو المأخوذة من الحيوانات — من عيوب خطيرة. الجانب الإيجابي لصمامات القلب الميكانيكية هو أنها تدوم لوقت طويل بعد زرعها. لكن يمكن أن تُحدث جلطة دموية تنتقل إلى المخ. وهذا ما يجعل أصحاب تلك الصمامات يتناولون أدوية مضادة للتجلط ما يسبب سلسلة أخرى من التحديات الطبية، وكذلك قيودًا وظيفية وحياتية.

لا تتطلب الصمامات المنقولة من الحيوانات، وعادةً ما تكون الخنازير، مضادات تجلط لكنها لا تدوم طويلًا؛ فهي ليست قوية بما يكفي للبقاء لفترة طويلة داخل الأجسام النشيطة للمرضى الشباب. وأخيرًا، فإنه لا يمكن للصمامات التعويضية، سواء أكانت ميكانيكية أو مشتقة من الحيوانات، النمو بنفس معدل الجسم المُضيف لها؛ مما يتطلب من أصحابها الخضوع لجراحات قلب مفتوح متكررة لزرع صمامات أكبر.

يوضح جوناثان أن الجراحين يومًا ما سينقذون حياة البشر باتباع أسلوب جديد تمامًا، وهو: الطباعة الثلاثية الأبعاد لصمامات قلب جديدة تُزرع مباشرة في جسد طفل يافع يعاني من عيب خِلقي. ويعتقد جوناثان أن جزءًا هامًّا من هذا الحل يكمن في فك غموض كيف تتطور الخلايا الجذعية داخل الجنين لتصبح خلايا ناضجة تكوِّن صمامات القلب. وإذا تمكن جوناثان من اكتساب معرفة عميقة فيما يتعلق بعملية النضوج هذه، فهو يعتقد أنه سيقترب خطوة من الطباعة الحيوية لصمامات القلب الصناعية مكتملة الوظائف.

يهدف بحث جوناثان إلى فك شفرة ثلاثة أجزاء من لغز الطباعة الحيوية. أولًا: يحاول حل مشكلة الحب القاسي. يرجع هذا إلى أن صمامات القلب المطبوعة، مثلها مثل الغضاريف المَفصِلية، تحتاج إلى التعرض للجهد القاسي داخل حاضنة تسمى المفاعل الحيوي لكي تعمل على نحو ملائم.

يعمل جوناثان على طرق لرفع جودة الطباعة الحيوية لعدة أنواع من الخلايا الجذعية في عملية طباعة واحدة. ولمحاكاة قدرة الطبيعة على مزج أنواع الخلايا المختلفة في أنماط دقيقة تؤدي وظائف مهمة، يطبع جوناثان باستخدام الحبر الحي بنحو ثلاثي الأبعاد عن طريق فوهات طباعة عديدة في نفس المرة. ولطباعة الخلايا الجذعية من أنواع مختلفة في مرة واحدة، أدخل جوناثان تعديلات على طابعة فاب آت هوم الحيوية باستخدام العديد من المحاقن.

وأخيرًا، وبما أن الطباعة الحيوية بطبيعة الحال هي طباعة باستخدام العديد من المواد الخام، يعكف جوناثان على تطوير برنامج يمكنه تصميم حركات العديد من رءوس الطباعة التي يحوي كلٌّ منها نوعًا مختلفًا من الخلايا. يقول جوناثان: «يمكن لأي طابعة ثلاثية الأبعاد اتباع تعليمات من ملف تصميم لطباعة نوع واحد فقط من الخلايا؛ لذا كان علينا ابتكار خوارزمية برمجية لتمكين ملف تصميم واحد من إدارة طابعة ثلاثية الأبعاد ذات فوهات عديدة لطباعة أنواع مختلفة من الخلايا في وقت واحد.»

يتوجه معظم تركيز جوناثان إلى تحديد الشكل المثالي لترسيب الخلايا الجذعية المطبوعة حيويًّا، وبما أن الخلايا المكونة لصمام القلب يجب أن تكون مُجمعة بكثافة في موضع محدد للقيام بوظيفتها، فإن وضع الخلايا في المكان الصحيح أمرٌ مهم للغاية. تشبه الخلايا الجذعية موظفين مجتهدين عاملين بتوجيه ذاتي، يحتاجون فقط النوع المناسب من بيئة العمل. يفسر جوناثان هذا قائلًا: «انظر إلى الخلية الجذعية على أنها نحلة شغالة، إذا أمكنك العثور على طريقة لطباعة أنواع معينة من الخلايا الجذعية في الموقع المناسب على النسيج المصمم، فالأمر يشبه دخول خلية جذعية لمكتب فارغ لتبدأ في البحث عما يمكن أن تقوم به.»

وباستمرار باحثين مثل جوناثان في الكشف عن أسرار الطباعة الثلاثية الأبعاد للأنسجة الحية؛ فالأمل يزيد في تقليل مخاطر زراعة الأعضاء يومًا ما. وأفضل ما يتعلق بالطباعة الثلاثية الأبعاد للخلايا الجذعية المأخوذة من جسد المريض هو أن نظام المناعة خاصته من المرجَّح أن يقبل العضو البديل المطبوع بنحو أكبر، كما أن الأدوية الكابحة للمناعة، مثلها مثل مضادات التجلط التي يستخدمها المرضى الحاصلون على صمامات بديلة، تؤدي إلى حدوث سلسلة متتالية من الآثار الجانبية السلبية. هذا بالإضافة إلى أن الصمامات المطبوعة من الخلايا الجذعية للطفل يمكنها النمو بمعدل نمو جسده وترميم نفسها.

(٣) برامج التصميم بمساعدة الكمبيوتر الخاصة بالجسم البشري

مهما كانت مهارة المصمم، فمن المستحيل تشغيل الكمبيوتر واختيار برنامج للتصميم بمساعدة الكمبيوتر خاص بالجسم البشري. على الرغم من أن بعض أنواع البرامج الجديدة آخذة في التطور في هذا الاتجاه، فإننا ما زلنا على بُعد سنوات عديدة من أن نصبح، على سبيل المثال، قادرين على تصميم ركبة جديدة مُحسَّنة من أجل لاعبة تايكوندو حاصلة على الحزام الأسود ويبلغ طولها ٥ أقدام و١٠ بوصات وتزن ١٤٥ رطلًا، ومعرَّضة للإصابة بإصابات متكررة في الرباط الأوسط للركبة اليمنى.

تشكلت برامج التصميم التِّجارية من خلال أصولها: الهندسة (تصميم المنتج) أو الرسوم (الرسوم المتحركة أو ألعاب الفيديو). أحد الأسباب لوجود القيود الحالية المتأصلة في برامج التصميم هي حقيقة أنه لوقت قريب كان القليل من الناس فقط يتخيلون أننا سنحتاج يومًا لبرامج التصميم بمساعدة الكمبيوتر لتصميم أجزاء الجسم البشري. وإذا فكرت في الأمر، فستجد أن تصنيع أجزاء جديدة من الجسد من المحتمل أن يتبع عملية تصميم مشابهة لتصنيع أجزاء بديلة جديدة للآلات أو تصميم فيلم رسوم متحركة جديد.

في بحثي عن مزيدٍ من المعرفة عن برامج التصميم بالكمبيوتر الخاصة بأعضاء الجسد البشري، اتجهتُ غربًا إلى جامعة يوتا، وهي جامعة بحثية على مستوًى عالمي، تقع في موقع بعيد، لكنه من أكثر المواقع الجغرافية جمالًا وفتنة على مستوى العالم. لعقود، كانت الجامعة مركزًا للابتكار في مجال التصوير الرقمي. تضم قائمة خريجي الجامعة مشاهير عالم تصميم الرسوم في العالم: جون وارنوك، أحد مؤسسي شركة أدوبي؛ وإيد كاتمول، مؤسس استديوهات بيكسار لأفلام الرسوم المتحركة؛ وجيم كلارك، مؤسس شركة سيليكون جرافيكس ولاحقًا شركة نتسكيب. وخريج آخر هو نولان بوشنيل، مؤسس بونج، إحدى أولى ألعاب الفيديو الناجحة تِجاريًّا، والتي صممها أثناء عمله في شركة أتاري.

يقع حرم الجامعة في مدينة سولت ليك سيتي في حِضن فجوة على شكل فوهة بركان عملاقة محاطة بقمم جبلية مسنَّنة تتوهج بلون أبيض في الشتاء وتومض بأوراق خضراء وارفة في الصيف. وبالنسبة إلى شخص مثلي اعتاد المناظر الطبيعية الأقل جمالًا وتأثيرًا للساحل الشرقي للولايات المتحدة، فإن تلك المدينة كانت تشبه وجه القمر. ومثل محطة بحوث على سطح القمر بملايين الدولارات، فإن معهد التصوير والحوسبة العلمية ذا الشهرة العالمية، والذي أُسس عام ١٩٩٤، كان يقبع في فخر على طرَف الحرم الجامعي، وتطل نوافذه على حافَة قمم الجبال المسنَّنة المحيطة به.

تهدف الأبحاث في هذا المعهد لتلاقي مجالات التصوير التشخيصي الطبي والتصوُّر العلمي والحوسبة العلمية وبحوث البيانات الضخمة. هناك شيء في الهواء في ولاية يوتا يمنح شعورًا بأن كل شيء ممكن الحدوث. الولاية مأهولة بالقليل من السكان، وتُعتبر جَنة لهواة التزلج والسفر، وموطن العديد من الحدائق الوطنية وسلسلة من الطرق السريعة ذات المناظر الطبيعية التي تشق مساحات رائعة من البراريِّ.

في مكتب هادئ ذي نوافذ تزيِّن زهور الأركيد الجزء الداخلي منها، جلستُ مع كريس جونسون المدير المؤسس للمعهد، وكان هادئًا ومتأنيًا. لا يوحي سلوك كريس الهادئ والمتأدب بأنه فاز بعدة جوائز على مر السنوات بسبب عمله في التصوير والحوسبة الطبية الحيوية، ومنها مؤخرًا جائزة تشارلز بابيدج التي تمنحها جمعية معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات، والتي تعادل جائزة الأوسكار، عن مجمل الأعمال لكن في مجال الحوسبة. وعلى الرغم من ظهوري المفاجئ في المكتب الذي يستقبل فيه الزوار في المعهد، فقد كان مضيافًا، واستغرق الوقت الكافي لإعطائي جولة وافية في المبنى الجديد اللامع للمعهد والمكون من أربعة طوابق.

سألت كريس سؤالًا أساسيًّا: «هل سيكون ممكنًا في يوم من الأيام وجود برنامج تصميم تِجاري لتصميم وتطوير الأعضاء البشرية؟» رد قائلًا: «ربما.»

فسَّر كريس كلامه قائلًا: «حاليًّا الجسم البشري معقد للغاية من الناحية الهندسية، ونماذج برامج التصميم بمساعدة الكمبيوتر تقوم على الأشكال الهندسية المنتظمة.» ترجمة ما قال كريس هي أن أجسامنا معقدة للغاية ومصنوعة من نطاق عريض من المواد والأنسجة المشكلة بدقة والعظام والأوعية الدموية؛ مما يجعل من المستحيل حاليًّا التقاط ما يكفي من التفاصيل بنحو رقمي بالبرامج والمكونات المادية الموجودة حاليًّا من أجل طباعة أعضاء حية حقيقية بنحو ثلاثي الأبعاد.

يتخيل كريس ما يسميه «الاندماج الكبير» بين التصوير التشخيصي الطبي والبيانات الضخمة وتحريك ألعاب الفيديو وبرامج التصميم بمساعدة الكمبيوتر التقليدية. يستكشف الباحثون في المعهد — من بين أمور أخرى — كيفية التقاط ومحاكاة الجسم البشري بنحو رقمي وتطوير البرامج التي ستلعب يومًا ما دورًا مهمًّا في تطوير الطباعة الثلاثية الأبعاد للأنسجة الحية. باحثون آخرون يطورون خوارزميات حاسوبية يمكنها بكل مهارة الربط بين قطاعات عرضية خضعت للمسح الضوئي من العضو التالف لتكوين نموذج حاسوبي ثلاثي الأبعاد. والتحدي الكبير المستمر هو كيفية الإدارة الفعالة للكَميات الهائلة من البيانات التي تولدها عملية التصوير التشخيصي الطبي.

في صناعة الحوسبة الكبرى، يقطع مصممو ألعاب الفيديو التِّجارية خطوات واسعة في عملية التقاط تفاصيل الأسطح وفهم كيفية تصوير حركات أجسامنا رسوميًّا. والمؤسسة الطبية تحقِّق تقدمًا في التقاط المزيد من التفاصيل الرقمية الدقيقة للأجزاء الداخلية لأجسامنا. ويصمم العلماء الأكاديميون خوارزميات أقوى من ذي قبل لنمذجة البيانات المجمعة من أنظمة حيوية والتنبؤ بها وتحليلها.

لن تصبح الطباعة الحيوية الحقيقية — أي تصميم وتحرير الأنسجة الحية وأعضاء الجسم — واقعًا حتى توجد برامج تصميم بمساعدة الكمبيوتر للجسم قابلة للاستعمال بالفعل؛ فيمكن للتصوير التشخيصي الطبي — وهو أداة قوية — فقط تكوين ملف تصميم من عضو موجود بالفعل. لكن ليس هناك أي برنامج يمكنه تمكين محترف ماهر في مجال الطب من تصميم قلب جديد تمامًا من البداية أو حتى تحرير قلب مصمم بالفعل.

المشكلة في الجسم البشري هي أنه غير منتظم الشكل؛ فأجسامنا تُعَد معجزات فيما يتعلق بالتعقيدات الهندسية، وكل منا يمتلك شكلَ جسد متفردًا يمتلك الكثير من المنحنيات الخارجية وأنواع الخلايا المختلفة وملايين التفاصيل الصغيرة جدًّا. وبتعمقنا أكثر داخل الجسم البشري، تقبع أرض العجائب الحيوية تحت الجلد البشري، وتضاهي في تعقيدها المجرة التي تزخر بالأسرار الغامضة.

أجسامنا تتغير باستمرار؛ فهي مزاجية وتتعرض لحالات من التدفق المستمر المتغيرة دائمًا؛ استجابةً للتغيرات في بيئتنا وعواطفنا وما نأكله. وتنمو ملايين الخلايا وتلتئم وتتغير يوميًّا بطرق غامضة لم نفهمها بنحو كامل بعدُ، وترسل بعض الخلايا إشارات إلى بعضها بطرق لم نفكَّ شفرتها بعدُ.

ستمهد التطورات في برامج التصميم التقليدية والتصوير الطبي وتحليل البيانات الطريقَ للطباعة الثلاثية الأبعاد للأعضاء البديلة للكائنات الحية. لكن هل سنرى قريبًا برامج تصميم تِجارية لهذه الأعضاء البديلة؟ ليس بعدُ؛ لكننا نقترب من تحقيق هذا بمسافة ضئيلة كلَّ عام. قال كريس مازحًا: «أرى تلاقيًا بين عالم برامج المحاكاة والتصوير الطبي وأنظمة التصميم بمساعدة الكمبيوتر. سيؤدي هذا إلى تخصيص مجال الطب لنا، وهو أمرٌ جيد إذا كنت تخطط للحصول على أعضاء بديلة في المستقبل.»

في تصميم المنتجات على المستوى الصناعي، يتعلم المصممون أنه بينما تتطور أدوات التصميم خاصتهم، فإن الطبيعة تصبح مصدرًا مفيدًا للإلهام بنحو متزايد. وفي تصميم أعضاء الجسم البشري، سيكون الأمر مماثلًا؛ فالكائنات الحية هي نتاج ملايين السنوات من دورات التصميم المتكررة التي لا ترحم. تقول جانين بينيوس، مؤلفة ومصممة صاحبة رؤية: «لقد اكتشفنا مرة تلو الأخرى أن المحاكاة الحيوية مفيدة؛ لأنها تتيح استراتيجية للتحول والتبدل لنوعنا، وهي طريقة عملية لنا للتأقلم والازدهار على هذا الكوكب بمحاكاة ٣٫٨ مليار عام من التصميمات والاستراتيجيات الذكية.»10

(٣-١) ظلال الرمادي: التقاط صور لداخل الجسم البشري

إذا لم يكن هناك برامج تصميم للأعضاء البشرية، فكيف يمكن للناس اليوم طباعة الأسنان والعظام البديلة؟ كيف يمكن للجراحين الذين زرعوا فك التيتانيوم طباعة الشكل الدقيق للفك البديل بنحو ثلاثي الأبعاد؟ الأمر بسيط؛ لقد مسحوا جسد المريض بالأشعة المقطعية، وحولوا بيانات الأشعة لملف، ثم حولوا ملف صورة الأشعة لصيغة ملفات يمكنها إرشاد الطابعة الثلاثية الأبعاد.

إن تقنية التصوير الطبي، المدفوعة بالتزايد المستمر في قدرة أجهزة الكمبيوتر وخوارزميات الرسوم الحديثة، أتاحت لنا النظر داخلَ أجسامنا بنحو أعمق من ذي قبلُ. يتجاوز المسح الطبي السطح الخارجي، ويتيح نظرة عميقة داخل أي عضو لتصوير أنسجته الرخوة والصلبة والتجاويف والتمزقات والانسدادات. وترسل الأشعة السينية، وهي أقدم وأكثر طرق التصوير الطبي انتشارًا، شعاعًا كهرومغناطيسيًّا خلال الجسم.

تُعتبر الأشعة فوق الصوتية طريقة أخرى شائعة الاستخدام للتصوير التشخيصي الطبي، وتعمل هذه الطريقة مثل الوَطواط الذي يستكشف طريقه خلال الظلام بإصدار موجات صوتية ترتد عن الأنسجة وتعطي معلومات عن تفاصيل أشكالها وأسطحها. وإحدى التقنيات الأخرى المستخدمة على نطاق واسع في التصوير الطبي هي التصوير بالرنين المغناطيسي التي تُمغنط البروتونات داخل جزئيات الماء بالجسم، وتحول الذبذبات الناتجة إلى صور عالية الدقة للأعضاء والأنسجة الرخوة. هناك تقنية تصوير طبي أخرى تسمَّى التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، وتعمل باكتشاف أشعة جاما من مادة مشعة تُبلع أو تُحقن في جسد المريض ثم تُلتقط بكاميرات أشعة جاما.

إذا شاهدت من قبلُ أي فيلم جريمة طبية أو تصفحت صور أشعة الرنين المغناطيسي أو الأشعة المقطعية خاصتك، فربما تكون قد لاحظت أن صور الأشعة الطبية ليست صورة واحدة بل تتكون من عشرات الصور كلٌّ منها تصوِّر قطاعًا عرضيًّا من الجسم بمِئات الظلال للون الرَّمادي. تبدو العظام بيضاء، وتشبه الأنسجة الرخوة تنوعات الألوان الخفية في سماء يومٍ ملبَّد بالغيوم، وتظهر الفجوات — مثل الأجزاء الداخلية للرئة — على هيئة أشكال مسطحة سوداء.

في أي صورة أشعة طبية، تظهر أنواع الخلايا المختلفة التي تتشارك نفس الكثافة المادية كظلال رَمادية شبه متطابقة. تُعتبر هذه الظلال الرَّمادية المحيرة عقبة كبرى أمام تحويل بيانات الصورة لنموذج كمبيوتر ثلاثي الأبعاد يمكن طباعته بنحو ثلاثي الأبعاد. بنحوٍ ما، هذه الظلال الرَّمادية الخفية لأي صورة أشعة طبية يجب فك شفرتها حتى يمكن تحويلها إلى ملف تصميم إلكتروني.

التدرج من الأبيض للرَّمادي للأسود لا يوفر معلومات كافية لإرشاد طابعة ثلاثية الأبعاد، خلال عملية صنع عضو معقد يتضمن أنواع خلايا متعددة، بمظهر متشابه بطريقة محيرة. تزيد مهارة أجهزة الكمبيوتر في التعرف على الأنماط الخفية حتى في أقل تدُّرجات الألوان في صور الأشعة؛ ولذا هناك الكثير من الأمل، ويبقى تحويل الصور المتدرجة رَماديًّا لبيانات رقمية مفيدة وواضحة مساحة كبرى لبحوث التصوير الطبي. لكن على الرغم من هذه العيوب، فإن الباحثين في مجال الطب والجراحين في طريقهم للطباعة الثلاثية الأبعاد لتشكيلة مدهشة من الأعضاء البديلة والنماذج الجراحية الدقيقة والمليئة بالتفاصيل.

(٤) المستقبل

هناك الآلاف ممن يحتاجون إلى أعضاء بديلة جديدة لأجسامهم إذا توقفت نظيراتها الطبيعية بسبب مرض أو عيب خِلقي أو حادث ما، كما أن خمسين بالمائة ممن تجاوزوا الخمسين من العمر قد يحتاجون إلى قرص صناعي بديل بين الفقرات. وعلى الرغم من الطلب الكبير على تلك الأعضاء البديلة، فإنه يصعب العثور عليها وتتكلف كثيرًا، وطبقًا للشبكة المتحدة لمشاركة الأعضاء، فإن نسبة واحد إلى اثنين فقط من الأمريكيين يموتون بطريقة تجعلهم مناسبين للتبرع بالأعضاء.11 حتى ستيف جوبز، الذي كان أحد أغنى الرجال في العالم، اضْطُر للانتظار لزراعة بنكرياس بديل، ومع ذلك فقد مات بعدها بفترة قصيرة.
إذا كانت الخلايا الجذعية هي المادة الخام الجديدة للطباعة العضوية، فإن طباعة أنظمة أوعية دموية معقدة بنحو ثلاثي الأبعاد تبقى المعادِل في هندسة الأنسجة لركض ميل واحد في أربع دقائق أو أقل من ذلك. في عام ٢٠٠٤، كتب الباحثون في جامعة ساوث كارولينا الطبية الأمريكية أن «تجميع أعضاء رخوة مزودة بأوعية دموية مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد يبقى تحديًا كبيرًا.»12 بعد سبع سنوات، ما زال هذا حقيقة.
ويصف أحد المقالات في مجلة «ساينس» بنحو معبِّر فيقول:
من دون نظام للأوعية الدموية — الطريق السريع لتوصيل العناصر الغذائية والتخلص من الفضلات — فإن الخلايا الحية داخل أي هيكل نسيجي مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد تموت. لكن لا تمتلك الأنسجة الرفيعة المصنوعة من بضع طبقات من الخلايا هذه المشكلة؛ حيث إن جميعها تحصل مباشرة على الأكسجين والعناصر الغذائية؛ لذا فإن المهندسين الحيويين استكشفوا الطباعة الثلاثية الأبعاد كطريقة لصنع أنسجة أولية تحتوي على كَميات كبيرة من الخلايا الحية.13

حتى لو كان من الممكن طباعة أوردة حية بنحو ثلاثي الأبعاد فإن هذا لن يُكمل المَهمة، فبنحو يشبه تعريض الغضاريف المصنوعة في طبق بتري للجهد الناتج عن مفاعل حيوي لتتحول إلى أنسجة ناضجة؛ فإن العضو المليء بالأوعية الدموية — حتى لو كان من الممكن طباعته بنحو ثلاثي الأبعاد — لا يمكن وضعه مباشرة في الجسم، بل يحتاج إلى الاندماج أولًا مع ما حوله؛ فالأوردة والشرايين الجديدة يجب أن تندمج مع الأوردة والشرايين الحالية.

وصف جيمس يو، الأستاذ في معهد الطب التجديدي في جامعة ويك فورست، هذا التحدي قائلًا: «كيف يمكننا صنع أنسجة أُنتجت خارج الجسم وربطها بالأنسجة الأخرى؟ أيًّا كان ما ستضعه داخل الجسم يجب أن يكون مرتبطًا بالأوعية الدموية والدم والأكسجين في الجسم؛ هذا أحد التحديات التي سنواجهها عند التعامل مع الأنسجة الكبيرة.»

يعكف باحثو المستقبل للتقنية الحيوية بالفعل على محاولة التوصل إلى حلول لهذه المشكلات. أحد زملاء ما بعد الدكتوراه في جامعة ستانفورد، يُدعى ياسر شنجاني، سينضم قريبًا إلى الباحثين الطبيين الذين ينظرون للطباعة الثلاثية الأبعاد وبرامج التصميم باعتبارهما أداتين مهمتين في البحث الطبي. يقول ياسر: «أومِن بأن مستقبل هندسة الأنسجة سيندمج بنحو مذهل مع الطباعة الثلاثية الأبعاد.» يتخصص ياسر في طباعة العظام البديلة أو بمصطلحات أكثر تقنية «الطباعة الثلاثية الأبعاد لمواد خام من البوليمر غير العضوي القابل للارتشاف الحيوي» التي ترتبط مع جسم المريض في النهاية بعد زرعها.

يؤمن ياسر بأن الأسلوب الشمولي الذي يمزج بين تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد وبرامج التصميم وعوامل النمو الخاصة بالجسم البشري هو أفضل طريق للمضيِّ قدمًا. وقد عمل ياسر في مرحلة الدراسات العليا مع فرق متعددة التخصصات من علماء الأحياء والجراحين وخبراء التصنيع والمواد الخام. يوضح ياسر: «العظام البديلة المثالية هي التي تكون هيكلًا مصممًا لمحاكاة النسيج الطبيعي فيما يتعلق بالشكل الهندسي والبناء المتناهي الصغر والسلوك الحيوي الميكانيكي، ويحل محله في النهاية نسيج طبيعي.»

سألت ياسر عما سيفعله بالمال إذا مُنح عدةَ ملايين من الدولارات لإنفاقها على تطوير الطباعة الحيوية. وكانت إجابته سريعة وواثقة: «سأنفق بعضها على تعلُّم طباعة الأعضاء المصنوعة من مواد غير قابلة للزراعة داخل الجسم المبذور داخلها عوامل حيوية (مثل الخلايا الجذعية وعوامل النمو). بعد ذلك، أود رؤية الطابعات داخل غرف العمليات، ثم الحلم الكبير هو إرسال روبوتات متناهية الصغر داخل جسم المريض حيث يمكنها طباعة أعضاء جديدة.»

إن طباعة الأنسجة الحية والأعضاء الجديدة مباشرة داخل الجسم سيكون إنجازًا طبيًّا جوهريًّا ومُنقِذًا للحياة. والطباعة داخلَ الجسم يمكنها بنحو ملحوظ تحسين معدلات النجاة بين الجنود المصابين في المعارك أو ضحايا الحوادث في غرف الطوارئ. وفي المواقف الأقل خطورة من الناحية الطبية، فإن القدرة على طباعة أنسجة حية مُشكَّلة بدقة ستفتح مجالات جديدة للرعاية الطبية والتدريب الجراحي، وستتيح طرقًا جديدة لتطوير الأدوية.

إن الأنسجة أو الأعضاء المصغَّرة الصناعية التي يمكن طباعتها حسب الطلب ستعمل كمِنَصات اختبار بحثية مفيدة بنحو كبير،14 فيمكن استخدام هذه الأنسجة الصناعية في دراسة الأمراض أو تنمية الخلايا الجذعية لخلايا متمايزة ناضجة. وبدلًا من اختبار الأدوية الجديدة على الفئران أو في أطباق بتري — وكلاهما وسيط قريب من البشر — فإذا كانت الأعضاء المصغَّرة الصناعية يمكن طباعتها بنحو ثلاثي الأبعاد باستخدام خلايا مريض محددة، فيمكننا حينها تحديد فاعلية دواء جديد وآثاره الجانبية بنحو أكثر دقة.

يمكن للأعضاء المصغَّرة الصناعية المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد مساعدة الجراحين الشباب في التدرب على الجراحة. ظلت الجثث لمدة طويلة حقل التجارِب الرئيسي، وهو ما يُمثِّل عدة مشكلات. فيمكن لمعظم المستشفيات التدريبية أن تتيح لطلابها تشكيلة عشوائية من الجثامين. بمعنًى آخر، مَن وافقوا على التبرع بأجسامهم للعلم يكونون — بنحو محبِط — عُرضة للموت بأسباب لا تتماشى بدقة مع المنهج المقرر لطلاب الطب أو مشروع بحثي معين.

تصلح أي جثة مختارة بعشوائية لتدريس المقررات التمهيدية. على الرغم من ذلك، وبالنسبة لطلاب السنوات المتقدمة (وباحثي الطب) المتلهفين للتعمق في تخصص معين، فإن هذه الطريقة العشوائية تحد من خياراتهم. على سبيل المثال، إذا كانت إحدى كليات الطب تهدف لتدريب طلابها على جراحة أورام المخ فهي تواجه مَهمة صعبة، بل مستحيلة تقريبًا، في الحصول على جثث حديثة الموت بأورام دماغية بنحو قانوني.

وإلى أن يمكننا طباعة الظروف الطبية بدقة بنحو ثلاثي الأبعاد، فإن كليات الطب ستستمر في العمل بأفضل ما هو متاح، وحتى في المستشفيات التي تضم أحدث غرف الجراحة، فإن الجراحين المتدربين يتعلمون الجراحة باستخدام وسائل ارتجالية قليلة التقنية. عندما زرت مستشفًى تعليميًّا كبيرًا، أراني أحد أعضاء طاقم التدريس كيف يدربون الطلاب على جراحة القلب المفتوح؛ وضع المدرس قطعتين من تي-شيرت في صندوق مغلق، وأخبرني أنه مطلوب من الطلاب خياطة قطع القميص معًا بإدخال أدوات جراحية في الثقوب المتناهية الصغر المصنوعة في جانب الصندوق.

figure
نموذج مطبوع قائم على أشعة مقطعية للتدريب الطبي (الصورة مهداة من شركة أوبجيت).

يمكن للطابعات الثلاثية الأبعاد صنع نماذج خاصة للتدريب الجراحي حسب الطلب، ويمكن لهذه النماذج التدريبية المطبوعة أن تُصمَّم بعناية لمحاكاة خصائص الأعضاء أو الأنسجة الطبيعية أو حتى قطاعات كاملة من الجسد. بهذه الطريقة، وحتى ينضج مجال الطباعة الحيوية الحقيقية، فإن كليات الطب يمكنها طباعة أجزاء «صورية» لها شكل وملمس الأعضاء الحقيقية، وتحتوي على ظروف الموت والأمراض حسب الطلب.

اليوم، تُستخدم بالفعل نماذج جراحية مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد للأعضاء أو العظام. والتخطيط الجراحي أو النمذجة الجراحية، هو غرفة قياس الملابس التي يتدرب فيها الجراحون قبل الجراحة باستخدام «أجزاء للتدريب» بمقاس واقعي تُمثِّل العظام أو الأعضاء التي سيُخضعونها للجراحة. لتوفير الوقت والحوادث المحتملة أثناء الجراحة الحقيقية، يتدرب الجراحون على تجميع وخياطة وحتى تدبيس هذه الأجزاء الصناعية، وتساعد النماذج الجراحية كذلك الجراحين في توضيح الإجراءات الجراحية لعائلات المرضى.

figure
يتدرب الأطباء البيطريون على جراحة لعظام الورك لكلب باستخدام نماذج جراحية مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد لعظام الكلب.

النماذج الجراحية المطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد والأجزاء البديلة الجامدة هي مجرد بداية، وستأخذ الطباعة الحيوية الطب المخصص إلى آفاق جديدة. في الوقت الحالي، فإن الباحثين الطبيين والتقنيين يواجهون نطاقًا عريضًا من العقبات، سواء كانت تقنية أو حيوية أو اجتماعية أو تنظيمية.

تتكون أجسادنا من آلاف الأنواع المختلفة من المواد الخام، ويمكن للطابعات الثلاثية الأبعاد اليوم طباعة عدد قليل فقط من تلك المواد في المرة الواحدة. والأعضاء معقدة التركيب تمتلئ بالأوعية الدموية، والعديد من الأعضاء المهمة مثل القلب لا تتيح مجالًا للأخطاء التقنية أو التعديلات. ولا يوجد من يفهم بنحو كامل كيف يبث الحياة في أعضاء الجسم الصناعية، وحتى أبسط أعضاء الجسم تعمل طبقًا لتفاعل داخلي منظم بدقة شديدة لآلاف الأنواع المختلفة من الخلايا.

تبقى هندسة الأنسجة أمرًا صعبًا ودقيقًا تحكمه القضايا الأخلاقية والجدل السياسي وعمليات تنظيمية صارمة بحق. ويمكن أن يستغرق الحصول على موافقة الهيئات الحكومية التنظيمية على الأساليب الطبية الجديدة عدة سنوات وملايين الدولارات المنفقة على البحث، وربما يستغرق الأمر سنوات لتشجيع الجراحين الممارسين والأطباء وشركات التأمين الطبي لقبول الطباعة الحيوية كممارسة طبية قياسية.

ستغير التطورات السريعة في التقنيات الطبية والطباعة الثلاثية الأبعاد شكل الطب. إن الطب الحديث اليوم كان سيبدو إعجازيًّا إذا عُرض على شخص كان يعيش منذ مائة عام، وربما في غضون مائة عام تصبح الطباعة الحيوية إجراءً طبيًّا شائعًا، وتصبح المعادلَ التقني لينبوع الشباب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠