الفصل الثامن

المطبخ الرقمي

سيكون الطاهي الجديد خاصتك طابعةً ثلاثية الأبعاد تقبع في مطبخك موصلة بالإنترنت وتنتظر رسائل نصية أو بريدًا إلكترونيًّا بتعليمات حول وجبتك القادمة.

عندما أتحدث عن الطباعة الثلاثية الأبعاد للطعام، عادةً ما يكون رد فعل الناس التَّندُّر الممزوج بقدر ضئيل من الاشمئزاز. هناك شيء ما يجعل من كبس مواد غذائية خام في رأس طباعة أمرًا غريبًا لدى الكثير من الناس. هذا أمرٌ مثير بالتأكيد لكنه يُعامَل بنفور شديد.

مع ذلك، فإن طباعة الطعام تثير حماس الناس. في إحدى المرات خارج أحد الفنادق في العاصمة واشنطن، رآني مدير موقف سيارات الأجرة الخاص بالفندق أُعاني لحمل طابعة فاب آت هوم ثقيلة وتشبه الصندوق. ترك المدير مكانه واتجه نحوي لكن ليس لإحضار سيارة أجرة لي بل لإلقاء نظرة عن قرب على الطابعة.

صرخ الرجل مشيرًا إلى الطابعة: «لقد رأيت هذه على السي إن إن! هل أنت الرجل الذي يطبع الطعام؟» رددتُ بالإيجاب؛ حيث كنتُ أنا والطابعة بالفعل ذلك الثنائي الذي رآه على شاشة التلفزيون. تفحَّص الرجل الطابعة التي كنت أحملها، وهو يشير إلى سيارة أجرة، واستمر قائلًا في حماس: «لقد شاهدت أنا وزوجتي البرنامج، وأرادت الحصول على واحدة من هذه الطابعات. لديها العديد من الأفكار لصناعة بسكويت الطيور الغاضبة، كما أن شقيقها من الممكن أن يطبع لنفسه بعض البروكلي …»

لاحقًا في نفس الأسبوع، وفي مؤتمر لمديري الفنادق التنفيذيين، قدمت عرضًا عن طباعة الطعام، وكانت الفكرة العامة للمؤتمر هي: «ما الذي ينتظر صناعة الضيافة؟» وعلى مدار اليوم، جلس بضعة من المديرين التنفيذيين متأدبين، وأنصتوا مدوِّنين ملاحظات بين الحين والآخر. وللقضاء على الملل، كان المتحدثون والحاضرون يذهبون بين الحين والآخر إلى مؤخرة الغرفة لتناول أطعمة خفيفة فاخرة أو إعادة ملء أقداح القهوة. وأخيرًا، وبعد يوم طويل من الاستماع وتناول الطعام، بدأ عرضي عن طباعة الطعام.

وضعت طابعة فاب آت هوم على الطاولة، وملأتُها بعجين البسكويت، وبدأت في الطباعة. بعد دقائق، بدأ الجمهور في مد رقابهم والوقوف لرؤية ما الذي تفعله الطابعة، وخَلَت المقاعد. توقفت لبُرهة، محتارًا وقلقًا بعض الشيء، بينما بدأ الحاضرون في الانتقال إلى مقدمة الغرفة.

تفرَّق الحضور، وتشكَّل حشد حول طابعة الطعام. نسي المديرون التنفيذيون الهيبة والمراكز الوظيفية للحظات، وتجمَّعوا حول الحافظة البلاستيكية للطابعة يشاهدون الفوهة، وهي تُصدر أزيزًا، ذهابًا وعودة، وتُخرج عجين البسكويت على هيئة أشكال مختلفة. باستحواذ صانعة البسكويت الأتوماتيكية على الانتباه، أنهيت العرض التقديمي بسرعة، وانتقلت إلى جلسة السؤال والجواب.

رجع الناس إلى مقاعدهم، وبدأت جلسة عصف ذهني. اقترح أحد مديري التسويق أنه يجب على برنامج «ولاء العملاء» خاصتهم تصميم طعام حسب الطلب، وتقديم حلوى طازجة مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد للضيوف في مكتب الاستقبال. اقترحتْ أخرى أن فندقها يمكن أن يضع أطعمة خفيفة مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد ذات توجه معين في قوائم الطعام لخدمة الغرف، أو تصنيع أطعمة خفيفة حسب الطلب لتلبي أذواق الضيوف المتنوعة أو حاجاتهم الغذائية.

اتضح لي أن الجميع — مهما كانت وظيفتهم أو منصبهم — مهتمون بإعداد الطعام. ما زالت الطباعة الثلاثية الأبعاد للطعام في مَهدها، وهي مجال لبضعة مغامرين جُرَآءُ في فن الطهي وباحثين أكاديميين كذلك. لكن طابعات الطعام — مثلها مثل أفران المايكروويف وصانعات القهوة الآلية — لها جاذبية اجتماعية هائلة.

(١) الطهي الرقمي

لن ترى أي طابعة تِجارية ثلاثية الأبعاد للطعام في أي متجر محليٍّ للإلكترونيات، لكن بعد بضع سنوات، ربما تُباع هذه الطابعات في متاجر الأجهزة المنزلية، وستبدو مثل «قرن وفرة أوتوماتيكي»،1 وهو مفهوم تصميمي لعائلة تضم أربعة نماذج أولية لطابعات طعام: ديجيتال تشوكليتير وديجيتال فابريكيتور وروبوتيك شيف وفيرتشوسو ميكسر.

أطلق الفريق الذي صمم فكرة قرن الوفرة، بقيادة مارسيلو كويليو وجيمي زيجلباوم، المفهوم التصميمي على موقع الويب خاصته بنشر مجموعة من الصور المدهشة لكل نموذج أولي مستقبلي. بعد نشر صور تصميمات أفراد عائلة طابعات الطعام هذه، كانت من الواقعية لدرجة أنها أثارت عاصفة فورية من الاهتمام على الإنترنت. لم يكن الناس متأكدين إن كانت صور التصميمات تعرض طابعات طعام حقيقية أم مفاهيم تصميمية مجسَّمة بمهارة. في النهاية وبعد إزالة الالتباس — بنحو أحبط المتحمسين للطباعة الثلاثية الأبعاد ومحبي الطعام ممن ينزعون إلى التقنية — اكتشف محبو الطعام أن هذه النماذج الأولية لم تصبح منتجات متاحة للشراء بعدُ.

كان الهدف من وراء تصميم قرن الوفرة هو تغيير وجه عملية طهي الطعام. يفسر موقع الويب الخاص بالمشروع هذا الأمر: «في الوقت الذي غيرت فيه الوسائط الرقمية كل وجه من أوجه المجتمع، فإن التقنيات الأساسية التي نلقاها في المطبخ اليوم لا تُوفِّر إلا تطويرًا هامشيًّا للأدوات التي نستخدمها منذ مِئات السنين.» صُمم كل نموذج من نماذج عائلة الطابعات الجديدة لتنفيذ عملية أساسية من عمليات الطهي. ما يجعل هذه الطابعات ثورية هو إدخال الحوسبة لمجال الأطعمة. قال كويليو وزيجلباوم، عبر موقع الويب الخاص بهما، إن النماذج الأولية خاصتهما يمكن أن تُوفِّر طريقة جديدة للطهي بالتحويل الفعلي والكيميائي ﻟ «مكونات الطعام» إلى مركبات جديدة وإخراجها في النهاية على هيئة أشكال وتركيبات مستساغة ومبهجة للعين.

figure
ديجيتال تشوكليتير هو مفهوم تصميمي لطابعة طعام يمكنها صنع أنواع شكولاتة مخصصة (الرسم التوضيحي إهداء من مارسيلو كويليو).

توضح الجاذبية الجمالية والعاطفية الكبيرة لنماذج الطابعات هذه الاحتمالات الكامنة في الابتكار التقني للطهي وتناول الطعام، فتلك الطابعات ستُوفِّر فرصًا جديدة للإبداع؛ فقاطعات البسكويت وقوالب الكعك، مثل آلات التصنيع التقليدية، لها القيود الخاصة بها عندما يتعلق الأمر بصنع أشكال ونماذج دقيقة ومعقدة. على النقيض من هذا، فإن الطهي الرقمي، طبقًا لكويليو وزيجلباوم، سيتيح «صنع نكهات وأشكال قوام لا يمكن تخيُّل صنعها تمامًا بطرق الطهي الأخرى.»

إذا كانت تلك الطابعات حقيقية، فإن كلًّا منها ستمتلك شاشة باللمس، وبطاقة ذاكرة داخلية تمكِّن المستخدمين من حفظ وصفات الطعام المفضلة، واتصالًا بالإنترنت حتى يستطيع المستخدم التحكم في مصدر وجودة وطعم كل وجبة وقيمتها الغذائية.2 سيتيح النموذج ذو الاسم الجذاب ديجيتال تشوكليتير لمستخدميه تصميم وتجميع وتذوق العديد من حلوى الشكولاتة بنحو سريع. وطبقًا للتصميم، فإن مكونات تلك الطابعة ستُخزَّن في خراطيش معدِنية موضوعة على حامل دوَّار. وإذا كنتُ سأشتري تلك الطابعة، فسأود تزويدها بزر للنشر حتى يمكنني نشر وصفة ناجحة لصنع نوع معين من الأطعمة المحتوية على الشكولاتة على أحد مواقع الويب أو إرسالها لصديق.

النموذج الأولي الثاني من نماذج تلك الطابعات هو ديجيتال فابريكيتور، وهو طابعة شخصية مجسمة للطعام. وكما يقول الموقع الخاص بالمصممين، فإن عملية صنع تلك الطابعة للطعام تبدأ ﺑ «مجموعة من أوعية الطعام التي تبرد وتخزن مكونات الطعام المفضلة الخاصة بالمستخدم.» ستُخزن الطابعة وتخلط وترسب وتطهو طبقات من المكونات الغذائية؛ مما يتيح صنع نكهات وتكوينات غير ممكنة الصنع بطرق الطهي التقليدية.

توضح صور تلك الطابعة آلة لامعة بحجم فرن المايكروويف تمتلك رفًّا لامعًا يحمل خراطيش فِضيةً للطعام، كلٌّ منها موضوعة في لولب معدِني، ولها المظهر المصقول الجذاب لأوعية رجِّ الكوكتيلات من نوع ويليامز-سونوما. سيُشرف كمبيوتر على عملية صنع الطعام؛ حيث يعطي تعليمات لكل خرطوشة طعام لضخ المكونات الخام التي تحتويها داخل خلاط مركزي؛ حيث تُخلط وتُدفع خلال رأس لتُخرِج الطعام على شكل تركيبات غذائية متقنة ومرتبة بدقة.

العضوان الأخيران من عائلة طابعات الطعام المستقبلية هذه هما روبوتيك شيف وفيرتشوسو ميكسر. تقوم فكرة الأول على تحويل هيئة وتكوين أي طعام صُلب؛ مثل شرائح اللحم أو الأسماك أو الفاكهة. في حين يصور تصميم الثاني آلة مكونة من حاملٍ دوَّار بثلاث طبقات يتيح للطهاة طريقة فعالة لخلط العديد من المكونات المختلفة وتجرِبة الاختلافات الدقيقة في الطعم والتكوين.

أتمنى أن تصبح طابعات الطعام المنزلية يومًا ما سهلة التشغيل ولها جاذبية مثل تلك الطابعات. ستُوفِّر طباعة الطعام — أو الطهي الرقمي — آفاقًا إبداعية جديدة في الطهي، بالإضافة إلى طرق مناسبة لتحضير الطعام لمن لا يمتلكون الوقت الكافي؛ فستتيح طابعات الطعام والوصفات الرقمية وخراطيش الطعام المناسبة لذلك للطهاة صنع أطعمة جديدة ومتوازنة القيمة الغذائية؛ مما يفتح أسواقًا جديدة للطهي.

figure
تصميمات مقترحة لمُصنِّعات طعام رقمية (الرسم التوضيحي مُهدًى من مارسيلو كويليو وأميت زوران).

لسوء الحظ، فإن الطهي الرقمي يظل في الأغلب أمرًا نظريًّا. لم تطلِق بعدُ كبريات شركات ومصنعي الطعام التي تبيع أجهزة منزلية أي طابعات طعام على المستوى التِّجاري؛ وكنتيجةٍ لهذا، فإن معظم عمليات طباعة الطعام اليوم تحدث في معامل الأبحاث؛ حيث يجرب الطلاب والعلماء والمهندسون طباعة الطعام بالصدفة أثناء محاولتهم حل مشكلة تصميمية أو هندسية غير متعلقة بها.

يُعتبر معجون الأطعمة مادة اختبار مناسبة للعلماء والمهندسين. الطعام رخيص ومتوافر وغير سام؛ وبسبب تنوع المكونات الخام المتوافرة، فإن أي باحث واسع الحيلة يمكنه العثور على مكونات الطعام التي تحاكي خصائصها خواص المواد الخام للطباعة الأكثر تكلفة وندرة.

تعرفت أنا وطلابي بالصدفة على مجال طباعة الطعام بسبب مصادفة هندسية أثناء عملنا مع طابعة فاب آت هوم. بدأ هذا عندما أدرك أحد طلاب الدراسات العليا الذين أُشرف عليهم أن الطبقة السكرية التي تُستخدم لتزيين الكعك تصلُح كمادة خام رائعة لتصميم النماذج الأولية لمشروعات التصميم الهندسي ومعايرة إعدادات الطابعات. يذوب سكر تزيين الكعك في الماء؛ لذا من السهل شطفه في الحوض … أو ربما لعقه عندما تكون بمفردك؛ لذا، سرعان ما أصبح المادةَ الأكثر استخدامًا في مشروعات الطباعة الثلاثية الأبعاد.

لم أكن أنا وطلابي الوحيدين الذين جربوا طباعة الطعام بنحو ثلاثي الأبعاد؛ فمنذ سبع سنوات عندما أطلقنا طابعة فاب آت هوم، كنا نتوقع أن يُصنِّع الناس طابعات ويستخدموها لطباعة أجزاء بلاستيكية أو ربما ألعاب أو أشياء مفيدة داخل منازلهم؛ لكن بدلًا من ذلك، أرسل مستخدمو فاب آت هوم لنا تجارِبهم عن طباعة الطعام. كانت نوي شول، إحدى طالبات المرحلة الثانوية من مدينة لويفيل بولاية كنتاكي، من أوائل مستخدمي تلك الطابعة عندما جعلنا تصميماتها مفتوحة المصدر في عام ٢٠٠٦. صنعت نوي، بمساعدة والدها ماور، طابعة فاب آت هوم الخاصة بها، وخصصتها مضيفةً رأسًا تنبثق منه شكولاتة ساخنة.

figure
قطعة الشكولاتة المطبوعة التي أدت إلى فوز الطالبة نوي شول بالجائزة الأولى في أحد معارض العلوم في مدرسة ثانوية في عام ٢٠٠٦.

على مدار عدة أسابيع، جرب آل شول درجات حرارة وفوهات طباعة مختلفة، وأفلحت مجهوداتهم في النهاية في معرض علوم بالمدرسة الثانوية في الولاية؛ حيث صممت نوي وطبعت قطعًا من الشكولاتة على شكل ولاية كنتاكي؛ مما ضمن حصولها على الجائزة الأولى.

(١-١) كيس الحلواني الإلكتروني

تُعتبر طباعة ولو أي معجون طعام بسيط تجرِبةً دقيقة ومعقدة في الهندسة التطبيقية للطعام، ومثل العديد من التسليات في الحياة، فإن طباعة الطعام الثلاثية الأبعاد أصعب كثيرًا مما تبدو؛ فيجب صنع الطعام المطبوع باستخدام القدر المناسب من القوة الآلية بالإضافة لوصفة طعام رقمية مصمَّمة بعناية باستخدام المواد الخام ذات القوام المناسب. ويجب أن تكون المكونات الخام طرية بما يكفي لدفعها عبر طرَف محقن لكنها تمتلك الصلابة الكافية للاحتفاظ بشكلها بعد طباعتها. أضف إلى هذا، التحدي المتمثل في التعامل مع الخواص المتفردة لكل مادة من المواد الغذائية، وتحمُّلها المختلف للحرارة، وطرق طهيها المختلفة.

لا يُعتبر ساندوتش الهامبرجر معقَّد الصنع إذا كنت ستصنعه بالطريقة التقليدية بشواء قطعة اللحم ووضعها على رغيف خبر مع شرائح من الطماطم والبصل وبعض الكاتشب؛ لكن عند استخدام طابعة ثلاثية الأبعاد فإن صناعة هذا الساندوتش تُصبح تحديًا هندسيًّا معقدًا في طباعة الطعام متعدد الطبقات؛ فطباعة ساندوتش هامبرجر لذيذ طازج، بكل التوابل المناسبة، بنحو ثلاثي الأبعاد — لو كان هذا ممكنًا — ستكون عملًا فذًّا في هندسة الطعام.

إن طباعة لحم مفروم خام طازج على هيئة قرصٍ أمرٌ بسيط، وطباعة بعض الكاتشب فوقه كذلك لن تكون مشكلة كذلك، وحتى طباعة وخَبز عجين الخُبز ستكون غالبًا مسألة محسومة هندسيًّا.

تصبح طباعة الطعام صعبة عند صنع طعام طازج أو طبيعي؛ فطباعة شرائح طازجة ولذيذة من الطماطم والبصل والخس ذات طعم جيد وتبدو «طبيعية»، تُدخلك في عالم هندسة الطعام الصناعي الشاق؛ فطباعة ساندوتش هامبرجر ساخن طازج بنحو ثلاثي الأبعاد تُعَد عملًا هندسيًّا يعادل في صعوبته طباعة عضو بشري معقد بنحو ثلاثي الأبعاد؛ ولهذا يجب على الباحثين الأكاديميين ومحبي التقنية من محبي الطعام الاكتفاء في الوقت الحاليِّ بتصميم وطباعة الأطعمة البسيطة الطرية.

تسير العملية الأساسية لطباعة الطعام كالآتي: مثل أي منتج آخر مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد، فإن إعداد الطعام يبدأ بملف تصميم، لكن لا يوجد أي برنامج تصميم تِجاري يمكن النظر إليه بعدُ كبرنامج تصميم للطعام بمساعدة الكمبيوتر. يُنزِل محبو طباعة الطعام ملفات التصميم من الإنترنت أو يصنعون ملفات التصميم خاصتهم من البداية باستخدام برامج التصميم الهندسي.

صُنِعت الطابعات التِّجارية المتاحة للمستهلكين؛ مثل ريب راب أو طابعات ريبليكيتور الشهيرة الخاصة بشركة ميكربوت، لتطبع شرائط من البلاستيك تشبه المكرونة الاسباجيتي من بكرات تغذي رأس الطباعة. ولطباعة الطعام، يجب أولًا تجهيز الطابعة خصوصًا حتى يمكنها العمل بموادَّ خام قابلة للأكل. تُعتبر الطابعات الثلاثية الأبعاد التي تكون مخططاتها الأولية المفتوحة المصدر هي النوع المثالي لإحداث التعديل الذي تحتاج إليه طباعة الطعام في الوقت الحالي.

يحوِّل معظم الناس طابعات البلاستيك خاصتهم إلى طابعات طعام بتوصيل محاقن مليئة بالمواد الخام للأطعمة بذراع الطباعة، ويستخدم بعض الطابعات مِكبسًا بمحرك للضغط على محاقن الطعام. ويتضمن الحفاظ على ضغط المحرك مناسبًا في الوقت الصحيح معايرة المكبس الآلي لكل مرة تعمل فيها الطابعة من أجل استخدام الدرجة المناسبة من القوة. يدرك أي طاهٍ بشري بنحوٍ غريزي متى يجب عليه استخدام الضغط، ومتى يستخدم اللمسة الخفيفة؛ لكن طابعة الطعام لا تعرف هذا.

إحدى الطابعات الاستهلاكية التِّجارية الرائدة، وهي طابعة ريبليكيتور من شركة ميكربوت، يمكن تحويلها إلى طابعة طعام إذا أضيف لها جزء يسمَّى «قاذف سكر الزينة». هذا الجزء يُثبَّت إلى الجدار الداخلي للطابعة الثلاثية الأبعاد؛ وتثبِّت مشابك بلاستيكية فوهة الطباعة بنحوٍ محكم في مكانها، ويمكن للمستخدمين إعادة وضع الطعام الطازج في الفوهة باستخدام غطاء قابل للالتواء.

تُخرج الفوهة الطعام بمساعدة الضغط الذي يوفره ضاغط هواء موصَّل بالطابعة، يستطيع قاذف سكر الزينة تحمُّل ضغط يصل إلى مائة رطل لكل بوصة مربعة، وهو ما يكفي لملء إطار دراجة بالهواء. مع ذلك، فإن موقع الشركة يحذر المستخدمين من تجاوز حاجز المائة رطل لكل بوصة مربعة. لكنهم لا يحددون بالضبط ما الذي سيحدث، لكني يمكن أن أتخيل أنه سيكون هناك انفجار صغير سيلطخ حوائط المطبخ بزبدة الفول السوداني أو النوتيلا أو أي مادة لزجة مشابهة.

تحتاج وصفات الطعام المختلفة لدرجات مختلفة من القوة الميكانيكية، كما تؤثِّر درجة حرارة الغرفة أحيانًا على تدفق معجون الطعام خلال فوهة الطباعة. كذلك فإن حجم — أو قطر — الفوهة يُعد عاملًا مهمًّا؛ فإذا كانت الفوهة صغيرة للغاية، فإن معجون الطعام لن يخرج بالسرعة المناسبة، وإذا كانت الفوهة كبيرة للغاية، فإن الطعام المطبوع سيخرج غير متقن وليس بالشكل المطلوب.

وحتى إذا كانت فوهة الطباعة بالشكل المناسب ويتدفق الطعام بالمعدل الصحيح، فإن بعض المواد الخام للأطعمة لا تتصرف داخل المحقن كما هو مخطط لها؛ فأحيانًا تتجمع قطرات الزيت معًا مكوِّنة كتلًا أو يترسب الماء الموجود في معجون الطعام في قاع المحقن؛ مما ينتج عنه قطعة مشوهة الشكل من الطعام المطبوع لا تبدو بأي حال من الأحوال كما كان ينوي صانعها.

أحد أكثر الجوانب المربكة للطباعة الثلاثية الأبعاد للطعام هو طريقة صنع هذه الأطعمة. غالبًا ما يسيء الناس فهم هذه العملية ويظنون أن فوهة الطباعة ستُخرِج بطريقةٍ ما صدور الدجاج المقلية أو شرائح الخبز الجاهزة للأكل، لكن طابعات الطعام الثلاثية الأبعاد اليوم لا تمتلك القدرة الفنية على تشويح أو قلي أو شواء ما تطبعه. على الرغم من ذلك، تستطيع خَبز البسكويت؛ فالطابعة «تخبز» البسكويت باستخدام مِنصة ساخنة تقبع تحت رأس الطباعة، وأثناء طباعة كل قطعة بسكويت، فإن المِنصة الساخنة تحمص عجين البسكويت النِّيء.

(١-٢) قطع البسكويت الناعم … عالية ومنخفضة الدقة

يتعلق احتفاظ الطعام المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد بشكله ومظهره الجذاب بدقة الطباعة. في السابق، عندما كان الناس يستخدمون كلمتَي «دقة» و«طعام» في نفس الجملة، كانوا يشيرون عادة إلى معاناتهم في الالتزام بالنظام الغذائي. أما في العالم الجديد الجريء لطباعة الطعام بنحو ثلاثي الأبعاد، عندما يتحدث الخبراء عن الدقة، فهم يشيرون إلى مدى احتفاظ الطعام المطبوع بشكله. وطبقًا لبراندون بومان، وهو حداد ماهر سابق وطالب حالي في معمل سولهايم للتصنيع بالإضافة في جامعة واشنطن، فإن عجين البسكويت الناعم يُعتبر مادةَ خامٍ مثالية للطباعة الثلاثية الأبعاد. وحسبما يقول بومان، فإن عجين البسكويت الناعم أثناء خَبزه «يحافظ على الدقة الكافية لطباعة سن في ترس». وعكس عجين بسكويت زبدة الفول السوداني أو رقائق الشكولاتة، فإن عجين البسكويت الناعم يمكنه تحمُّل الضغط العالي ولا يتفتت داخل الفرن.

figure
قطعة بسكويت ناعم لذيذة عالية الدقة مطبوعة بنحو ثلاثي الأبعاد (الصورة مهداة من جيسون بومان من جامعة واشنطن).

توصل براندون لذلك أثناء العمل على مشروع بحثي في هندسة الأنسجة. تضمَّن بحثه تطبيق تقنيات الطباعة الثلاثية الأبعاد لمساعدة ضحايا الحروق الشديدة على إعادة الإنماء السريعة لأنسجة الجسم التالفة. كان الهدف الأساسي لبحثه هو طباعة سقالات للأنسجة القابلة للتحلل الحيوي يؤدي شكلها لتسريع عملية نمو البشرة الجديدة ثم تتحلل ليبقى الجلد الجديد ينمو في سلام.

وبما أن الطباعة الحيوية للأنسجة الصناعية تُعتبر مجالًا حديثًا، فإن الباحثين يصنعون مواد الطباعة خاصتهم. كانت المادة التي اختارها براندون هي أصداف السلطعون المطحونة والمخلوطة بمكونات أخرى لإكسابها القوام المناسب. يقول براندون: «أمضيت الشتاء في جمع أصداف السلطعون وتجفيفها وطحنها لمسحوق لصنع العجين.» لكن جمع السلطعون في المياه المتجمدة لمنطقة بوجيت ساوند، وخاصة في شتاء ولاية سياتل الطويل المظلم، عملٌ بطيء ويعرِّضك للبرد القارس.

وجد براندون أنه يضيع مسحوق أصداف السلطعون الثمين بنحو سريع بسبب المشكلات الميكانيكية للطابعة وقوام معجون الأصداف؛ فالمعجون يتفتت أو يفشل في الحفاظ على شكله بعد طباعته بمجرد أن يخرج من فوهة الطباعة. وبما أن مزيج براندون الثمين كان ينفد بسرعة، فقد أدرك أنه ربما تكون هناك طريقة أخرى لإجراء تجارِب على خصائص مادة المعجون.

كان يحتاج إلى مادة اختبار تشبه في تركيبها وعملها مسحوق أصداف السلطعون، وكان الحل هو مزيج من المِلح والدقيق والسكر والزبد والماء؛ أي عجين البسكويت الناعم. فسَّر براندون الأمر لي عندما تحدثت معه على الهاتف قائلًا: «قررتُ أنه إذا كان يمكنني صنع عجين البسكويت الناعم الذي يستطيع الحفاظ على قوامه، فسيساعدني هذا في صنع سقالات للأنسجة لمساعدة ضحايا الحروق في استعادة بشرتهم مرة أخرى.»

يقول براندون: «أفضل ما في عجين البسكويت هو أنه رخيص ويسهل الحصول عليه.» وأضاف ضاحكًا: «ظن أصدقائي الخبازون أنها طريقة غريبة للقيام بأبحاثي، لكن بالنسبة إليَّ فقد كان الحصول على بسكويت ناعم أتناوله في نهاية يوم عمل طويل داخل المعمل تغييرًا للأفضل.» جمَّع براندون طابعة طعام مخصصة من نوع ريب راب بروسا، وزوَّدها بقاذف لسكر الزينة من إنتاج شركة ميكربوت وبعض محابس لور، أو الفوهات المستخدمة في الأجهزة الطبية.

إليكم وصفة براندون لصنع البسكويت الناعم عالي الدقة المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد:
  • كوب من الدقيق.

  • نصف كوب من السكر المطحون.

  • امزجهما جيدًا ثم أضف.

  • أصبعًا من الزبدة.

  • نصف كوب من العسل.

  • ملعقة صغيرة من الفانيلا.

  • ربع إلى نصف ملعقة صغيرة من المِلح (اختياري).

  • يُدخل هذا المزيج في عشرة إلى خمسة عشر محقنًا للطباعة بسعة ٥٠ سنتيمترًا مكعبًا بمحابس جرين لور.

  • ثم يُخبز من سبع إلى اثنتي عشرة دقيقة في درجة حرارة ٣٥٠ فهرنهايت.

«تَخبِز» الطابعة البسكويت باستخدام مِنصة ساخنة تقبع تحت رأس الطباعة، وأثناء خروج كل قطعة بسكويت، تخبز المِنصة العجين النِّيء. أحب تسمية هذه العملية «الطهي المباشر».

تمثِّل أي وصفة بسيطة للبسكويت الناعم تحديًا هندسيًّا معقدًا. وصف براندون بعض التحديات التي واجهها قائلًا: «أي نوع من صودا أو خميرة الخبز يسبب التمدد السريع، وسيؤدي الماء المستخدم في الوصفة إلى ترهل وتمدُّد البسكويت المطبوع.» بالطبع هناك أيضًا الجانب الجمالي. يضيف براندون: «العثور على التوازن المناسب بين سهولة الطباعة ودقة الخبز وفي نفس الوقت الحفاظ على الطعم هو أصعب ما في الأمر.»

(١-٣) قطع البسكويت التي تحتوي على نص

أحد أفضل الأمور المتعلقة بتناول قطع اللازانيا هو تركيبها الداخلي؛ التنوع الغني لأنواع الجبن وعيش الغراب والمكرونة المختلفة في الجزء الداخلي الطري اللزج والقشرة الخارجية القاسية للمكرونة المخبوزة، لكن الطباعة باستخدام مواد خام متعددة ما زالت في مهدها.

منذ بضع سنوات، طبع فرانتس نيجل — وكان حينها في جامعة كورنيل — قطع بسكويت متعددة المواد الخام بعجين بلونين مختلفين. كان فرانتس بالفعل خبازًا ماهرًا، من النمسا؛ وهي بلد يَشتهِر بالإتقان في الخَبز. في الواقع، كانت جدته معروفة بصنع الحلوى الراقية؛ إذ كانت خبازة متفردة حتى بين صانعي المعجنات المهرة في النمسا.

كان هدف فرانتس هو إثبات أنه يمكن استخدام الطباعة الثلاثية الأبعاد متعددة المواد الخام لصنع أجسام بهندسة داخلية معقدة. كان المشروع التصميمي لفرانتس هو طباعة قطع بسكويت تحتوي بداخلها على مفاجأة خاصة لمن سيتناولها، وفي النهاية، ومثل براندون، وجد أن عجين البسكويت مادة خام مثالية للطباعة.

figure
قطعتا بسكويت مطبوعتان بنحو ثلاثي الأبعاد وتحتويان على حرف «سي» (الصورة مهداة من جيفري ليبتون وفرانتس نيجل).

كانت المفاجأة هي شكل داخلي سيظهر بنحو غير متوقع عند قضم البسكويت. صنع فرانتس ملف تصميم، وأعد مِنصة اختبار لتجرِبتها على طابعة فاب آت هوم باستخدام فوهتي طباعة مختلفتين، تحتوي الأولى على عجين بسكويت الشكولاتة والأخرى على الفانيلا.

بدت المجموعة الأولى من بسكويت الشكولاتة والفانيلا رائعة عندما خرجت من فوهة الطابعة. لقد نجح ملف التصميم بمساعدة الكمبيوتر في مَهمته، لكن المشكلة حدثت عند خَبز البسكويت؛ حيث فقد العجين النِّيء شكله في الفرن بسرعة وانصهر ليتحول إلى كتل مشوهة لا شكل لها. لقد طبع فرانتس قطع بسكويت لذيذة لكنها بدت كقطع فحم رَمادية. الأسوأ من هذا أن المفاجأة المفترض وجودها داخل البسكويت فسدت تمامًا، وصارت لطخة غير واضحة المعالم من العجين الأبيض والبني.

بعد وقفة مع النفس، والمزيد من البحث حول ما إن كان الكاكاو أو الفانيلا له أي خواص غير معروفة تجعله يتصرف بنحو غير متوقع أثناء دفعه خلال فوهة الطابعة، كان فرانتس مستعدًّا للتجرِبة مرة أخرى. تذكَّر فرانتس أنه عندما كان طفلًا، اعتادت جدته صنع بسكويت معروف بشكله المموج الجميل. اتصل بعائلته في النمسا، وبعد القليل من التفسير، نجح في الحصول على الوصفة الثمينة لبسكويت جدته.

بأمل جديد، ملأ فرانز الطابعة بكَمية جديدة من عجين بسكويت الشكولاتة والفانيلا. قام ملف التصميم والطابعة بدورهما في التجرِبة على أكمل وجه؛ حيث أخرجا العجين ذا الشكل المثالي المطلوب على مِنصة الطابعة. بعد ذلك أتى الاختبار الكبير لتحديد ما إذا كانت المجموعة الجديدة من قطع البسكويت ستحتفظ بشكلها، من الداخل والخارج، داخل الفرن.

بعد مرور ٢٨ دقيقة من الانتظار القلق، أخرج قطع البسكويت، ومثل المجموعة الأولى، كانت رائحتها شهية، لكن عكس سابقتها، فإن قطع البسكويت هذه المرة كان شكلها الخارجي مثاليًّا، وقد نجحت وصفة العائلة القديمة.

كانت لحظة الحقيقة تكمن في الخطوة التالية: هل ستحتفظ المفاجأة الموجودة داخل البسكويت بشكلها أيضًا؟ بمجرد أن بردت قطع البسكويت، قضم فرانتس أول قضمة بتلهف، ورفع قطعة البسكويت إلى أعلى ليراها الجميع. لقد نجحت التجرِبة! داخل قطعة البسكويت، حسبما حددت مواصفات المشروع والهندسة الداخلية المعقدة للبسكويت، كان حرف «سي» واضحًا تمامًا بعد أن كشفته القضمة الأولى.

يمكن أن تكون السوق التِّجارية المحتملة لقطع البسكويت بنص مطبوع ومخصص ضخمة؛ فيمكن أن تصبح قطع البسكويت المطبوعة وسائل لتوصيل معلومات سرية ذهابًا وعودة. وربما تساعد طباعة كلمة مرور جديدة داخل مجموعة من قطع البسكويت الطازجة موظفي قسم تكنولوجيا المعلومات في تهدئة العملاء في الشركات التي تفرض تغيير كلمات مرور أجهزة الكمبيوتر.

(١-٤) عالمان مبدعان يطبعان معادلة رياضية سكرية عملاقة

لا تستخدم كل طابعات الطعام الرخيصة فوهة طباعة. ابتكرت لينور إيدمان وويندل أوسكاي — مؤسسا شركة صغيرة مبتكرة بنحو لا يهدأ تسمَّى «إيفل ماد سيانتيست» — طابعة ثلاثية الأبعاد تُدعَى كاندي فاب تستخدم مِدفعًا حراريًّا لصهر السكر الخام وتحويله لأشكال دقيقة التصميم وصلبة للغاية. كان هدف تصميمهما هو صنع طابعة طعام قليلة التكلفة يمكنها استخدام مواد رخيصة قابلة لإعادة التدوير.

استلهمت لينور وويندل تصميمهما من الطابعات الصناعية الثلاثية الأبعاد التي تستخدم الليزر أو مصدر ضوء لتصليد مسحوق البوليمر أو المعدِن. تستخدم كاندي فاب مِدفعًا حراريًّا لصهر السكر أو ما يسميه مخترعاها «إذابة وتصليد انتقائيان بالهواء الساخن» لصهر السكر الخام. تمتلك طابعات كاندي فاب مظهرًا خشنًا يشبه الصخر أو ما يمكن أن يصفه أي تقني بشكل «منخفض الدقة». تستخدم هذه الطابعة برنامجًا مفتوح المصدر وآخر تجاريًّا للقيام بعملها.

صنعت لينور وويندل طابعة كاندي فاب من أشياء شائعة الاستخدام في المنازل؛ فالمِدفع الحراري لصهر السكر كان أداة تسخين هوائي بعشرة دولارات، وهي ما وصفها ويندل على الإنترنت بأنها «الشقيقة الصغرى للسخان الذي يحتويه مجفف الشعر». لقد وصلا هذه الأداة بمِروحة تبريد للتحكم في درجة حرارة السكر خلال عملية الطباعة. بعد ذلك، وصلا ما ابتدعاه بنظام ميكانيكي معاد تدويره من راسمتين قديمتين من نوع إتش بي، ثم صنعا جسم الطابعة من الصناديق الخشبية المغطاة بقطع قماش سميك خيطت ببعضها بآلة خياطة منزلية.

figure
مدفع حراري يكرمل السكر لتشكيل تركيبات ثلاثية الأبعاد من دون الحاجة لأي تجميع (الصورة مهداة من ويندل إتش أوسكاي، www.evilmadscientist.com).

أحد أفضل الأجزاء المحبَّبة إليَّ في القصة هو عملية اختبار طابعة كاندي فاب. لاختبار دقة وحركة المِدفع الحراري، وضعت لينور وويندل قطعة من الخبز تحت المِدفع على سرير الطباعة. أدركا أنهما نجحا عندما حمَّص المِدفع الحراري ببطء الجملة التي يستخدمها مطورو البرمجيات حول العالم عندما يصنعون تطبيقًا جديدًا، والتي ترجمتها: «أهلًا بالعالم».

(٢) إدخال القياس الكمي للذات

إن طابعات الطعام الدقيقة هي أجهزة الإنتاج المثالية لعصر يزداد فيه ارتباط النظام الغذائي والصحة والطب بالبيانات. مهدت المستشعرات القليلة التكلفة، وأدوات التقييم عبر الإنترنت، واختبار الحمض النووي قليل التكلفة، واختبارات التشخيص الطبية المتطورة بنحو كبير الطريق لحركة جديدة فيما يتعلق بالوعي بالجسد؛ وهي القياس الكمي للذات أو «معرفة الذات باستخدام الأرقام». فيمكن لخراطيش الطعام المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد أن تكون وسيلة لإتاحة الطعام للعدد المتزايد من الناس الذين يُحصون ويُسجلون ويُحللون كل قياس حيوي يحصلون عليه.

تُعتبر أجسادنا الهدف لعمليات جمع بيانات تتزايد تعقيدًا. يربط المتحمسون للقياس الكمي للذات أجهزة مراقبة إلى أجسادهم لحصر المسافات التي يمشونها وعدد دقات قلوبهم وأوزانهم والسعرات الحرارية التي تحرقها أجسادهم وكم الراحة التي يحصلون عليها في نومهم. تخيَّل هذا العالم الناشئ لبيانات القياس الحيوي ممزوجًا بالرعاية الطبية المتخصصة ومرتبطًا بطابعة طعام منزلية يتم التحكم فيها رقميًّا.

من السهل تخيُّل طابعة طبية ثلاثية الأبعاد تصنع النسخة المستقبلية من الجرانولا أو قطع الحلوى المعززة دوائيًّا. على الرغم من ذلك، يمكن أن تكون الطابعة أكثر استجابة من هذا؛ فيمكن تحديث الطابعة الثلاثية الأبعاد المنزلية على مدار الساعة بالمشكلات الطبية لصاحبها، ويمكنها استخدام ذكائها الرقمي في خلط ومزج المكونات الخام لطباعة وجبات مصنوعة حسب حاجات أصحابها اليومية.

على مدار الجزء الأكبر من تاريخ البشرية، كانت مراقبة المقاييس الحيوية للإنسان عملية بدائية إلى حد ما؛ فالناس يُحصون نبضات القلب ومعدل التنفس، ويفحصون سطح اللسان أو شكل ورائحة الفضلات، أما الآن فهناك تقنيات طبية جديدة تمكِّن الناس غير العاملين في المجال الطبي من تتبُّع ومراقبة وحتى توقع ما سيحدث لأجسادهم. هناك مجالات أخرى تغيرت بفضل الكَميات المتزايدة من البيانات والقدرة الحاسوبية والإنترنت المتاحة، ويمكن للناس توقع والتحكم في الأسباب التي لا تعتمد على الحدس؛ على سبيل المثال، بين أنماط النوم في الأسبوع الفائت والدخول في حالة اكتئاب في نهاية الأسبوع الحالي.

أول مرة سمعت فيها عن حركة «القياس الكَمي للذات»، كنتُ أتناول الإفطار مع صديقة قديمة لي تعيش في مِنطقة خليج سان فرانسيسكو. انضمت لنا صديقة لها، وكانت امرأة تؤسس شركة جديدة تتضمن منتجاتها تطبيقًا للإنترنت، يتيح للناس تحميل وتحليل البيانات الخاصة بأجسادهم. وبينما كنت جالسًا أرتشف القهوة في سعادة وأتناول اللحم المقدَّد، استغرق الأمر بُرهة لألاحظ أن رفيقتيَّ من الساحل الغربي كانتا تتناولان شايًا أخضر منزوع الكافيين وأومليتًا مصنوعًا من بياض البيض.

تركَّز نقاشنا على موقع كان يُعتبر تجمعًا على الإنترنت يسجل فيه الناس ويدونون ويتحدثون حول بيانات قياساتهم الحيوية. يسجل مستخدمو الموقع معدلات النبض وما تناولوه للطعام ذلك اليوم ومستويات التدريب البدني. بعض المستخدمين كانوا يُحَمِّلون قراءات سكر الدم على الموقع، بينما قام آخرون بتقييمات ذاتية نفسية عبر الإنترنت أو إدخال ما يتناولونه من أدوية.

خلال نقاشنا، أدركت أن طابعة الطعام ستكون تقنية الطعام المثالية في الحِقبة الرقمية؛ فيمكن لمرضى السكر تحميل قراءات سكر الدم ليحسب برنامج الطابعة التوازن الغذائي المناسب لوجبتهم التالية، ويرسل وصفة الطعام المناسبة لطابعة الطعام الثلاثية الأبعاد خاصتهم التي تقبع في المطبخ، ويمكن لمستخدمي الطابعة من أصحاب الوعي الصحي طباعة توست الإفطار بعناصر غذائية مختارة وممزوجة سلفًا داخله.

إن طباعة الطعام القائمة على حصر البيانات تتيح للناس تعديل وصفات الطعام لتحتوي على مزيج خاص من العناصر الغذائية لحصة معينة من الطعام. يمكن لبيانات القياس الحيوي، إلى جانب استخدام طابعة ثلاثية الأبعاد موصلة بشبكة، مساعدة الناس في استهلاك الطعام بنحو معتدل بحيث تعكس مستويات نشاطهم في ذلك اليوم، ويمكن لطابعات الطعام مساعدة من يعانون من زيادة في الوزن في الابتعاد عن تناول الطعام المُصنَّع المُنتَج بكَميات ضخمة وتنوع محدود وفترة صلاحية غير محدودة، والتحول إلى وجبات مطبوعة صحية وطازجة.

يمكن لأي طاهٍ متخصص في إنتاج الطعام بطابعة ثلاثية الأبعاد أن يطبق نظامًا تأديبيًّا صارمًا؛ فمن فوَّت تمارين الركض الصباحية من الكسالى مدمني التلفزيون لن يحصل على قطعتي البيتزا المطبوعة اللتين طلبهما؛ بل ستطبع له الطابعة، بعد قراءة المقاييس الحيوية خاصته، طَبقًا من سلطة سيزر طازجة وقطعة من الخبز المصنوع من القمح الكامل.

يُعتبر عملاق صناعة البرمجيات وعبقري الرياضيات، ستيفن وولفرام، من الجامعين القدامى الدءوبين للبيانات الشخصية؛ وقد كتب على مدونته على موقع شركته قائلًا: «بدأت هذا منذ وقت طويل لأنني كنت دائمًا من المهتمين بالبيانات، وقد افترضت بالفعل أن كثيرًا من الناس يقومون بهذا أيضًا لكن اتضح أنه لا يوجد الكثيرون ممن يجمعون البيانات؛ ولذا فإنني الآن أمتلك على الأرجح إحدى كبريات مجموعات البيانات الشخصية في العالم.»3

يدون وولفرام عاداته اليومية بدقة شديدة. ولعقود، كان يحتفظ بسجلات لعدد ضربات لوحة مفاتيح الكمبيوتر التي قام بها يوميًّا، وعدد الخطوات التي مشاها وعدد الساعات التي قضاها نائمًا أو يتحدث في الهاتف. كتب ستيفن يقول: «يوميًّا — كممارسة للوعي الذاتي — أمتلك أنظمة أوتوماتيكية ترسل إليَّ بضع رسائل بريد إلكتروني عن اليوم الذي سبقه.»

يُعتبر وولفرام أحد رواد تحليل البيانات. على الرغم من ذلك، وبتزايد انجذاب الناس لتحليل بياناتهم الشخصية، ستصبح عادات وولفرام هي النمط السائد. وتنمو حركة القياس الكمي للذات بنحو سريع؛ فمن ناحية، هي تتعلق بالتكنولوجيا — تحليل الحمض النووي والمستشعرات والأدوات التحليلية، ومن ناحية أخرى، هي تتعلق بعلاقة الشخص بجسده.

سيفتح إنتاج الطعام الدقيق متعدد المواد الخام بمساعدة الكمبيوتر وبيانات القياسات الحيوية آفاقًا صحية جديدة؛ فطابعة الطعام الثلاثية الأبعاد — المزودة بمواد خام معدلة بدقة لتلبي احتياجات أجسامنا — ستقرأ الإشارات اللاسلكية بنحو فوري من مستشعرات موصلة بأجسادنا. ومثل طاهٍ واختصاصي تغذية خاص في نفس الوقت، فإن طابعة مطبخك الثلاثية الأبعاد ستطبع لك الوجبة المثالية مؤقتة بالدقيقة التي تدخل فيها من باب المنزل؛ فهي ستقرأ بيانات نظام تحديد المواقع العالمي الخاص بسيارتك حتى تدرك إذا كنتَ عالقًا في الزحام المروري أو ما زالت تعمل لوقت متأخر.

(٣) الطعام المُصَنَّع

تثير طباعةُ الطعام المخصص — حتى لو كان طعامًا صحيًّا ومُحسِّنًا غذائيًّا — أسئلةً فلسفية، وتُحرك عواطف الناس؛ فالطعام المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد يُعتبر طعامًا مُصنَّعًا. ومثل الطباعة الحيوية وهندسة الأنسجة ومعجلات الجسيمات، يمكن النظر إلى طباعة الطعام على أنها هجوم مباشر على الطبيعة.

غالبًا ما يُلام الطعام المصنَّع — وهو لوم مستحق — للمساهمة في الإصابة بأمراض العصر الحديث: السمنة والسرطان وأمراض القلب. في الدول النامية، يشير منتقدو الطعام المصنَّع إلى أن الطعام المُصنَّع بكَميات كبيرة والمستورَد من أماكن بعيدة قضى على الطرق التقليدية في صناعة الطعام الأقل ضررًا بالبيئة والأعلى في القيمة الغذائية. وتُعتبر الدهون المتحولة والحبوب المقشورة والمِلح الزائد وشراب الذرة عالي الفركتوز، من الأطعمة المتهمة عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على جسد رشيق صحيح التغذية.

الطعام المصنَّع المنتج بكَميات كبيرة يتعرض للتلوث البكتيري بنحو كبير، وساهمت سلاسل الوجبات السريعة في إمراض أعداد كبيرة من الناس بتقديم لحم ملوث لهم. ويحتوي الطعام المصنَّع عادة على عشرات المكونات الصناعية التي تعطي الطعام القوام والطعم، وتحفظه أو تحليه أو تقوي نكهته بنحوٍ ما.

أسوأ ما في الأمر أن الطعام المصنَّع يمكن أن يكون سيئ المذاق. صحيح أن رقائق البطاطس لذيذة المذاق، لكن لا توجد مقارنة بين ثمار الخوخ المُنتَجة بكَميات كبيرة والتي تُباع في متجر للبقالة، وبين ثمار الخوخ الطازجة التي قُطفت للتوِّ لتُباع لدى أكشاك الفاكهة على جانب الطريق في نيوجيرسي في شهر يوليو.

لا عجب أن الناس عادةً ما ترتعد أو تسخر عندما تسمع عن الطعام المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد. عبَّر مقال في مجلة «ريدرز دايجست» الشهيرة والمقروءة على نطاق واسع في الولايات المتحدة، ببلاغة عن الجوانب السلبية للطعام المُصنَّع قائلًا:
لسوء الحظ فإن معظم الطعام المصنَّع مثقل بالمُحلِّيات والمِلح والنكهات والدهون الصناعية والألوان والمواد الحافظة والمركبات الكيميائية التي تغير القوام، لكن المشكلة ليست فقط فيما أُضيف له، بل ما نُزع منه؛ فعادةً ما تُنزع من الأطعمة المصنَّعة المكونات الغذائية المصمَّمة بنحو طبيعي لحماية قلبك؛ مثل الألياف القابلة للذوبان في الماء ومضادات الأكسدة والدهون «المفيدة»، أضف إلى هذا المضافات الغذائية، وسيكون لديك وصفة لكارثة.4

إن إدراك أضرار الطعام المصنَّع ليس أمرًا جديدًا؛ ففي مدينة باتل كريك بولاية ميشيجان الأمريكية في أوائل القرن العشرين، كان الناس يذهبون إلى مِصَحَّة باتل كريك لعلاج مشكلاتهم الصحية. أسس الأخوان كيلوج المِصحة، وأصبحا فيما بعد — من قبيل المفارقة — ثريَّين بسبب بيعهما لحبوب الإفطار خاصتهما، وهي أكثر الأطعمة المصنَّعة انتشارًا.

كانت مِصحة باتل كريك تقدِّم ما كان في ذلك الوقت يُعتبر أسلوبًا جديدًا وثوريًّا للعلاج. كان المرضى يتناولون أطعمة قليلة الدهون والبروتين، ويمارسون تدريبات رياضية قاسية. نصح الأخوان كيلوج نزلاء مِصحتهما قائلين: «إذا كنتم تريدون علاج ما يُمرضكم، فكلوا مثل الشمبانزي.»

figure
الطباعة باستخدام الكرفس ومحار الإسقالوب (الصورة مهداة من دانيال كوهين والطاهي ديف أرنولد، معهد الطهي الفرنسي، نيويورك).

في الواقع، وفيما يتعلق بالنظام الغذائي، فإن الأخوان كيلوج كانا محقَّيْن في نصح المرضى بالأكل مثل الشمبانزي. على الرغم من ذلك، فإن البشر — عكس قرود الشمبانزي — لا يقدِرون على تناول الطعام الطازج المجموع من البيئة مباشرة؛ إذ تقضي تلك القرود ساعات يوميًّا في مضغ ما تجمعه من طعام للحصول على العناصر الغذائية التي تحتاج إليها.

وعكس ما يظنه الكثير من الناس، فإن الطعام المصنَّع سبب رئيسي في أن البشر في العصر الحديث يعيشون حياة طويلة وصحية، ويستمتعون بوقت فراغهم. في أحد المقالات في مجلة «أوتنه ريدر» تتساءل ريتشيل لودان، مؤلفة كتاب «في مدح الأطعمة السريعة»، عما سمته ﺑ «اللاضية الغذائية». أدى الطعام المصنَّع إلى تحسين رفاهية الإنسان بنحو كبير؛ فقد قللت طرق تصنيع وحفظ ونقل الطعام من سوء التغذية، وأتاحت للناس الوقت الكافي للقيام بأنشطة أخرى.

تقول لودان إن «الماضي المشرق للاضيين الغذائيين لم يوجد من الأساس؛ لذا فإن معتقدهم الثقافي ليس قائمًا على التاريخ بل على حكاية خيالية.»5 تتيح تقنيات صنع الطعام التحرر والصحة؛ فالثلاجة، التي كانت يومًا تقنية جديدة ثورية، تحافظ على الطعام طازجًا لفترات أطول، كما أن الأسمدة الزراعية توافر الطعام بكَميات أكبر.
تسرد لودان الفوائد التي غالبًا ما تُهمَل أو يُتغاضى عنها للطعام المُصنَّع قائلةً: «أكَّد عالم الغذاء العصري ما كان يُراد الحصول عليه: طعامًا معالجًا ومحفوظًا وصناعيًّا وجديدًا وسريعًا؛ طعام النخبة بسعر متاح لأي شخص. عندما أصبح الطعام الحديث متاحًا، ازداد الناس طولًا وقوة وعاشوا لفترات أطول.»6
figure
محار إسقالوب مقلي مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد (الصورة مهداة من دانيال كوهين والطاهي ديف أرنولد، معهد الطهي الفرنسي، نيويورك).

تُوفِّر طرق الحفاظ على الطعام مثل التخليل والتقديد والتعليب والتغليف المفرغ من الهواء، طعامًا مصنَّعًا مغذيًا ويمكن نقله وتخزينه، كما يتيح الطعام المصنَّع الغذاء للناس الذين يعيشون بعيدًا عن مصدره، كما أن الطعام المصنَّع أقل عرضة للتلف، ويمكنه السفر بعيدًا عن مصدره الأصلي، ويتيح للناس أطعمة كانت قبل ذلك حكرًا على الطبقة الأرستقراطية فقط.

سيتيح المطبخ الرقمي أو طباعة الطعام — مثل أي تقنيات أخرى لإنتاج الطعام — فوائد اجتماعية وصحية جديدة، وستتيح بيانات القياسات الحيوية وقوة أجهزة الكمبيوتر صنع تكوينات من المواد وأشكال جديدة للطعام، وستؤدي طباعة الطعام إلى ظهور جيل جديد من الطعام المصنَّع يتميز بأنه مغذٍّ ورخيص وطازج ولذيذ.

(٣-١) من الطعام المُصنَّع إلى الطعام الصناعي

إذا كان الطعام المصنَّع مثيرًا للجدل، فماذا عن الطعام الصناعي بالكامل؟ أستخدمُ مصطلح «طعام صناعي» هنا لأعني به الطعام الصالح للأكل والمغذي، بل واللذيذ، لكنه لم يُصنع من المكونات الأساسية التي يعتبرها معظمنا طبيعية أو يميزها من الأساس.

هناك طريقتان لطباعة الطعام الصناعي بنحو ثلاثي الأبعاد؛ الأولى مباشرة نسبيًّا وهي مزج معجون نوع مألوف من الطعام، مثل الإسقالوب بالثُّوم على سبيل المثال، وطباعته بنحو ثلاثي الأبعاد على هيئة جديدة. الطريقة الثانية، وهي الطريقة الأكثر مستقبلية في طباعة الطعام، وهي مزج معجون المكونات الأساسية الكيميائية، واستخدام وصفة رقمية لطباعة المادة الغذائية الخام بنحو ثلاثي الأبعاد لتخرج بأشكال تحاكي الطعام «الحقيقي».

إذا فككت أي طابعة تعمل بالليزر، فربما تتذكر أن ثلاثة ألوان أساسية فقط للحبر — السماوي والأحمر الأرجواني والأصفر — يمكنها صنع نطاق عريض من الألوان المختلفة، وبمزج بضعة ألوان أساسية معًا بنسب محددة بدقة، يمكن لطابعة الليزر صنع مستند ملوَّن وجذاب المنظر، وعندما تُطبق فكرة طباعة الألوان هذه في عالم المكونات الغذائية، فسيُتاح عالم جديد بلا حدود من الاحتمالات لصنع الطعام. وباستخدام القليل من المكونات الأساسية للطعام، يمكن لطابعة الطعام المستقبلية مزج المواد الخام بتركيبات جديدة ومختلفة لصنع عدد لا نهائي من أنواع الطعام الجديدة والمتنوعة.

figure
مكونات غذائية أساسية مصفوفة من أجل تجرِبة لطباعة الطعام (الصورة مهداة من كوهين وليبتون وكاتلر وكولتر وفيسكو، جامعة كورنيل).

يومًا ما، سنتمكن من طباعة مكونات غذائية صناعية لتشبه الأطعمة المفضلة المألوفة؛ مثل سمك السلمون المشويِّ والبطاطس المهروسة والبروكلي، وسنطبع السمك واللحم الصناعيَّين للحفاظ على البيئة من الإفراط في الصيد والتكلفة البيئية الكبيرة لتربية الأبقار من أجل اللحم، ويمكن للوجبات الصناعية القابلة للطباعة تغذية الجنود في الظروف الصعبة، كما يمكن لتجمعات اللاجئين الحصول على الطعام المطبوع الذي لا يفسد ويسهل حمله نسبيًّا.

يعاني كوكبنا للتغلب على مشكلتي الزيادة السكانية والطلب المتزايد على اللحم. أحد أكبر مَصدرَيْن للطعام يتوافران بكثرة على كوكب الأرض هما الحشرات والطحالب. في العديد من البلاد، يشوي الناس الجراد واليرقات، لكن الغرب غير مستعد لتناول الحشرات.

يروج عالمان في علم الحشرات في إحدى الجامعات الهولندية، وهما مارسيل ديك وأرنولد فان هويس، للحشرات كغذاء؛ ففي مقال في صحيفة «ذا وول ستريت جورنال»، أشادا بفوائد تناول «الوجبات سداسية الأرجل»:
الحشرات غنية بالبروتين وفيتامين «ب» والمعادن مثل الحديد والزنك، كما أنها قليلة الدهون. وتربيتها أسهل من تربية الماشية، وتُنتج فضلات أقل، كما أنها تتوافر بكثرة. ومن بين كل فصائل الحيوان المعروفة، هناك ٨٠ بالمائة تمشي على ستة أرجل؛ وحُدد أكثر من ألف نوع منها صالح للأكل. ماذا عن الطَّعم؟ غالبًا ما يوصف بأن طعمها يشبه طعم المُكسَّرات.7

بعض المطاعم في هولندا وضعت الحشرات على قوائم الطعام (عادة الجراد ويرقات الخنافس) لكنها لم تكتسب جاذبية كبيرة بعدُ؛ فربما لن يُقبل الناس على تناول خنفساء كاملة مشوية للتوِّ؛ لكن إذا طحنت أجزاء الحشرات ونثرتها داخل أنواع مختلفة وملونة من الجل، فيمكن طباعتها على شكل كرات لحم لذيذة.

عندما كان دان كوهين لا يزال طالبًا بالدراسات العليا، بحث في أطروحته إنتاج الطعام الصناعي أو ما وصفه ﺑ «أسلوب تصميم الطعام من أسفل إلى أعلى». درس دان الهندسة وليس الطهي. وليبدأ مغامرته في عالم طباعة الطعام الصناعي الثلاثية الأبعاد، كانت أول محطة له على الجانب الآخر من الشارع في كلية إدارة الفنادق والضيافة الشهيرة التابعة لجامعة كورنيل؛ وذلك حتى يستعين ببعض الطلاب المهرة في الطهي الراقي لكي ينضموا إلى فريق المشروع.

كان دان يهدف إلى صنع العديد من أنواع الطعام المختلفة من أقل عدد ممكن من المكونات الخام للطعام، وكانت هذه مشكلة خاصة بالاختيار الأمثل؛ أي صنع أكبر عدد من التركيبات بعدد قليل من المكونات الأساسية. على العكس، فإن طلبة الكلية كان لديهم منظور آخر؛ فقد اجتذبهم التحدي الذي كان مرتبطًا بمقرر عن محسنات الطعام الصناعي كان عليهم اجتيازه.

شرع دان وفريقه في مزج المكونات الأساسية للطعام بنحو منهجي لإنتاج أكبر عدد من التركيبات التي يمكنهم الإتيان بها. طبعوا مجموعات مختلفة من النكهات والألوان والألياف الصناعية والمكملات الغذائية وعوامل الحفاظ على القوام، كما مزجوا كَميات متعددة من أنواع مختلفة من الجل والعلكة. ومثل أقزام الأومبا لومبا العاملين في مصنع ويلي وونكا للشكولاتة في رواية الأطفال الشهيرة، قام الطلاب بتجارِب عديدة لطباعة الطعام. وكان دان يُريني كلَّ يوم أنواعًا جديدة من الطعام الصناعي التي تشبه اللبن لكنها مُشكَّلة على شكل المكعبات الطرية أو عيش الغراب والتي كانت بنِّية اللون لكن مذاقها يشبه الموز.

حقق المشروع نجاحًا مدوِّيًا من منظور هندسة الطعام، لكنه حقق فشلًا مدوِّيًا كأسلوب للطهي؛ فقد كان الطعام الصناعي صالحًا للأكل، وحتى طعمه لم يكن سيئًا. لكنه كان غريبًا للغاية؛ فلم يُرِد أحد — حتى الطلاب الذين شاركوا في المشروع — تذوُّقه، عوضًا عن طلبه في أي مطعم أو شرائه من أي متجر للبقالة.

figure
خبز ذرة مطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد على هيئة أخطبوط (الصورة مهداة من جيفري ليبتون، جامعة كورنيل).

أثبت مشروع هندسة الطعام الخاص بدان أن تصنيع الغذاء علم وفن في آنٍ واحد. فلا يمكن تَوَقع مدى تقبُّل المستهلكين للطعام التجاري الصناعي. والسر في ذلك أن يكون الطعام الصناعي سهلًا في التعرف عليه؛ فالحلوى التي هي بنكهة الفراولة يجب أن تكون حمراء، كما يجب أن يكون شكل ومذاق وملمس لحم الدجاج المصنوع من البروتين الصناعي كالدجاج الحقيقي. وعندما تظهر منتجات الطعام الصناعي المطبوع بنحو ثلاثي الأبعاد في أسواق الطعام، ستحتاج إلى أن تبدو كطبق جميل المنظر من لفائف السوشي أو لحم البط المشوي.

من الصعب طباعة طعام صناعي يبدو «حقيقيًّا»، كما أن طباعة الفاكهة والخَضراوات الصناعية أكثر صعوبة. وتشبه تحديات طباعة طعام طازج أو طبيعي تلك التي يواجهها باحثو الطب الذين يحاولون طباعة أنسجة حية؛ فالأطعمة الطبيعية مصنوعة من مزيج معقد من العناصر الكيميائية والمواد الأخرى التي يتفوق تصميمها وتركيبها على التقنيات التي نمتلكها حاليًّا.

(٣-٢) التطبيق القاتل للطباعة الثلاثية الأبعاد

ستُغير الطباعة الثلاثية الأبعاد للطعام طريقة تناولنا للطعام واهتمامنا بصحتنا، وعندما يتقبل الناس المطبخ الرقمي على نطاق واسع كأجهزة الكمبيوتر الشخصية اليوم، فإن الثلاجات في بيوتنا ستحتوي على خراطيش من المعاجين المجمدة للشكولاتة الداكنة أو دجاج البيستو، وسيُنزل هواة الخَبز وصفات الكعك ويطبعون معجنات شهية وفريدة، تضاهي في تعقيدها تلك التي يصنعها الطهاة المحترفون. وستمتلك طابعات الطعام المنزلية الإعدادات التي تتيح للطهاة اختيار قوام وصلابة الطعام، وربما كتابة رسالة خاصة داخل الطعام تنكشف من القضمة الأولى. والعشاق أو أفراد العائلة الواحدة البعيدون عن بعضهم سيتشاركون وصفة لنفس الكعكة التي سيطبعونها ويتناولونها معًا أثناء تبادل الحديث عبر كاميرا الويب.

أنا غير مقتنع بالكامل بأن كلَّ منزل سيمتلك يومًا ما طابعة ثلاثية الأبعاد، لكن لو سأراهن على نوع تقنيات الطباعة الثلاثية الأبعاد الذي سيسود استعماله في البيوت؛ فسيكون رِهاني على طباعة الطعام. تُذكِّرني طباعة الطعام بالأيام الأولى لأجهزة الكمبيوتر الشخصية، عندما بدتْ ألعاب الفيديو في البداية شيئًا تافهًا دفع الملايين لشراء أجهزة كمبيوتر شخصية؛ فربما تكون طباعة الطعام بالنسبة إلى الطباعة الثلاثية الأبعاد ما كانت عليه ألعاب الفيديو بالنسبة أجهزة الكمبيوتر الشخصية: النشاط غير المهم الذي أصبح «التطبيق القاتل».

figure
عجينة ذرة مموجة مطبوعة على شكل وردة ولذيذة الطعم عند قليها (الصورة مهداة من جيفري ليبتون والطاهي ديف أرنولد).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠