عام ١٨٦٦م

انتهت أدوار الوقائع الحربية الكبرى على أثر انقضاء العام الفارط. وكان من المعتزم تمضية الأشهر الأولى من هذا العام الجديد في توطيد إدارة منظمة في الأقاليم، والإقبال على تنمية قوات الإمبراطورية الجديدة وتعزيزها. لكن حال دون ذلك انضمام أحزاب جديدة في كل يوم إلى رجال الفوضى وعصابات اللصوص، فكان ذلك باعثًا إلى زيادة تقدير الخدم الجلى التي كانت تقوم بها الأورطة السودانية المصرية يوميًّا. ولم يستتبَّ الأمن في المنطقة المخفورة بالنقط التي يحتلها هؤلاء الجنود إلا بفضل مواظبتهم على مطاردة تلك العصابات المتحازبة. وكثيرًا ما كانت تنقلب هذه المطاردات إلى حرب عوان تنتصر فيها دومًا الجنود السودانية المصرية مع قلة عددهم في كل المرات عن عدد أعدائهم.

وفي بداية عام ١٨٦٦م، لم تكن الأورطة السودانية المصرية الجديدة قد استعدت بعدُ للذهاب إلى المكسيك لتحل محل الأورطة السودانية التي بها، مع أن الخديوي إسماعيل أصدر في ١٠ ذي القعدة سنة ١٢٨٢ھ/٢٧ مارس سنة ١٨٦٦م أمرًا إلى وكيل الشركة العزيزية «الشركة الخديوية فيما بعد» ليصدر التعليمات اللازمة لنقل جنود الأورطة الجديدة إلى مصر، وهذا نصه:

علمنا من الخطاب الوارد من حضرة صاحب السعادة جعفر باشا — حكمدار السودان — أنه أرسل من «تاكه» إلى ميناء سواكن أربعمائة جندي سوداني مع عائلاتهم لإرسالهم إلى مصر. ولمناسبة عدم وجود ركاب أو بضائع بكثرة في هذا الأوان بجدة لنقلهم إلى السويس، فبدلًا من عودة بواخر الشركة التي بجدة ببعض ركاب أو بضائع قليلة، يمكن لإحدى بواخر الشركة التي بجدة أثناء العودة المرور على سواكن وأخذ هؤلاء العساكر منها وأيضًا البضائع التي تجدونها، وذلك أفضل من عودتها فارغة، وبذلك تستفيد الشركة. وقد حرر هذا لإصدار التعليمات اللازمة.

ورغم كل هذه الأوامر والتعليمات، لم تسافر هذه الأورطة إلى المكسيك لمجاوزة مدة تجهيزها الحد المألوف بسبب ما حدث من الطوارئ، ولما تبيَّن أن الحرب أوشكت أن تضع أوزارها، وأن الأورطة التي بها قد دنا رجوعها إلى وطنها.

وفي يوليو سنة ١٨٦٦م مرَّت الإمبراطورة بفيراكروز لتبحر منها إلى أوروبا، ولم يكن بهذه المدينة من الجنود غير عساكر الأورطة السودانية المصرية لتأدية التشريفات اللازمة لها.

وفي ليلة ٢٥ يوليو سنة ١٨٦٦م، هاجمت فرقة مؤلفة من ٢٠٠ مكسيكي نقطة يحتلها ٢٦ جنديًّا من جنود الأورطة السودانية المصرية. ورغم أن الهجوم عليهم كان فجأةً مع قلة عددهم، فقد استمرت رحى الحرب دائرة إلى الساعة صباحًا. ثم انسحب العدو تاركًا في حومة الوغى تسعة من القتلى وعددًا كبيرًا من الجرحى.
وإليك ما قاله قومندان الأراضي الحارة في تقريره عن هذه المعركة:

لقد استحقَّت الفرقة السودانية المصرية جزيل المدح والثناء لسلوكها العجيب.

وقد نال اثنان من جنودها وسام الحرب، وهما: بخيت إبراهيم الشربيني، وبخيت بركة.

وكان العدو يزداد جرأةً وإقدامًا يومًا بعد يوم، فرُئِيَ أنه من أصالة الرأي تحصين مدينة فيراكروز. وقد قامت الأورطة السودانية المصرية بالشطر الأكبر في هذا العمل.

وفي ١٥ أغسطس سنة ١٨٦٦م، أقيم استعراض بمناسبة عيد الإمبراطور نابليون الثالث، فانتهزت هذه الفرصة للاحتفال بتسليم الجنود السودانية المصرية الأوسمة الفرنسية التي اكتسبتها ببطولتها في وقائع هذه الحرب. ثم حدثت بعد ذلك عدة وقائع بلغ بها عدد المعارك التي اشتبكت فيها الأورطة السودانية المصرية إحدى عشرة معركة في سنة ١٨٦٦م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠