مقدمة

يشتمِل هذا الكتاب على فصولٍ أربعةٍ، هي بِمثابة هوامش على وَضْعنا الفكري الراهن الذي بلغ من التخبُّط والتَّردِّي مبلغًا لا يصلُحُ معه إلا مُراجعة الأسس والعودة إلى المنابع؛ وأعني بها منابع الفكر المُعاصر التي أصبحت حقًّا إنسانيًّا مُكتسبًا وإرثًا بشريًّا مشاعًا غير مقصورٍ على أمةٍ دون أمةٍ أو موقوفٍ على قومٍ دون قوم.

لم يعُد أحدٌ بحاجةٍ إلى «زرْقاء يمامة» حديثةٍ لكي يُدرك أنَّ العالم مُقدِمٌ على مرحلةٍ جديدةٍ من الانصهار والاندماج تتضخَّم فيها الكيانات العابرة للحدود الإقليمية ويشهد مفهوم «الاستقلال» و«السيادة» sovereignty زلزالًا عنيفًا، في هذا العصر الذي فاجأتْنا فيه تقْنيات الاتِّصال بما لم يكن في الحُسبان، ففتحت من فوقنا السماوات ورفعت الأغطية. لم يعُد الانكفاء الثقافي مُمكنًا، وبات الانزواء في الكهوف المحلية والالتحاف بالتصوُّرات القديمة أمرًا مُستحيلًا. علينا أن نطلُب المعرفة أينما بَزَغَتْ، ونحجَّ إلى العلم حيثما كان، و«ألا نخشى من الأمواج بل من الخُروق في سفينتنا.» علينا أن نخرج مُختارين من كُهُوفِ الماضي، قبل أن نبرُز منها مُضطرِّين بُروز الضَّبِ من الجُحر المدخن وبروز الدُّودِ من الجِيَفِ المُحْتَرِقة.

(١) بين العِلم والتعالُم

يعرض الفصل الأول لأزمة التعليم، ويُقدِّم تجربةً فكريةً شهيرةً للفيلسوف الأمريكي جون سيرا أخذْنا بجانبها الصائب وضربْنا صفحًا عن جانبها الخلافي. تُظهرنا تجربة «صندوق اللغة الصينية» Chines Box لجون سيرل على أنَّ المرء يُمكن، بطريقةٍ ما، أن يبدو ذكيًّا وهو غير ذكي، ويبدو فاهمًا وهو لا يفهم، ويبدو مُتعلمًا وهو أميٌّ صميم. وربما يكون المرفق التعليمي عندنا قد تحوَّل بأسرِه إلى «صندوق لغةٍ صينيةٍ» كبير، يُبرمَج فيه عقل النشء على تقديم خربشاتٍ ردًّا على خربشات، منذ باع القائمون عليه التعليم و«أكلوا من خُبز الهيكل»، واختزل التعليم إلى امتحانٍ وبرمجةٍ آلية، وتَمرُّسٍ بتقديم إجاباتٍ جاهزةٍ عن أسئلةٍ جاهزة، وتعويلٍ على الذاكرة المحض. وكأنه تواطؤٌ عامٌّ على تنصيب الجهل، وعلى وأدِ الإبداع وطمْس المُبدعين وهم في المهد براعم.

(٢) فقه الديمقراطية

ونعرِض في الفصل الثاني لقضية الديمقراطية، فلا نجِد بُدًّا من العودة إلى أبجديتها كما وضعها مُعلِّمو الديمقراطية الكِبار من أمثال جون ستيوارت مل وجون ديوي وشارلس فرانكل وكارل بوبر؛ ذلك أننا نستخدِم هذه اللفظة في مُماحكاتِنا الهزليَّة استخدامًا يَزيغ بها عن معناها القويم الذي قَصدَه بها أئمتها، والذي يجعلها الآلية السياسية التي من شأنها أن تخلُق مُجتمعًا قادرًا على حلِّ مشكلاته وتصحيح أخطائه وتعديل وجهته دون كُلفةٍ باهظةٍ ودون إراقة دماء.

والديمقراطية قبل كلِّ شيءٍ منُاخ.

إنها المناخ الصحي للنَّبتة البشرية المُبدِعة المفطورة على التحوُّل والخلق لا على التكرار والاجترار. إن الحرية التي يُتيحها المناخ الديمقراطي ليست ترفًا ورفاهةً وزيادة فضل؛ إنها «خاصةٌ جوهرية» essential property للنَّبتة البشرية، بها تكون ما هي وبدونها تكون أيَّ شيءٍ آخر. وأنت حين تسلُب الإنسان حريَّتَه فأنت لا تسلُبه شيئًا يُمكن أن يعيش بدونه أو يتقوَّم بغيره، إنما تسلُبه «ماهيته» التي بها يكون بشرًا يبتكِر ويختار ويُبدع نفسه، ويحمل بالتالي مسئوليتَه ولا يُلقيها، بمكرٍ وتواطؤٍ أخرس، على عاتِق الطغاة يختارون له ويُسيِّرونه ويحملون عنه عبء الحياة.

لسنا نعني بذلك أن الديمقراطية مفتاحٌ سحري يَحلُّ جميع المشكلات أو حجابٌ موصوفٌ يحفظ حامِلَه من العين، أو باب مغارةٍ أسطوريةٍ يفضي إلى الكنز في لحظةٍ فارقةٍ تفصل بين الشقاء والنعيم.

الديمقراطية ليست بابًا بل طريق،
طريق تُعبِّده الأقدام ذاتها،
طريق «يُخَطُّ لا من أجل السير وإنما بفعلِه.»
ومن ثَمَّ فلا وجه ولا مُبرِّرَ ولا معنى لتسويف السَّير.

(٣) الطب النفسي ونظرية الأنظمة

ويعرض الفصل الثالث ﻟ «النظرية العامة للأنظمة» general systems theory ومُتضمَّناتها في مجال الطب النفسي. كان لدفيج فون برتالانفي، مؤسِّس نظرية الأنظمة، مُدركًا للفرق الجِذري بين الأنظمة الفيزيائية والأنظمة البيولوجية، وكان يَضيقُ بهيمنة الفيزياء التقليدية على العلم الحديث؛ ذلك أن ميكانيكا نيوتن كانت علمًا للقوى والمسارات، بينما يحتاج الفكر التطوُّري الناشئ آنذاك إلى علمٍ جديدٍ للكيانات المُركَّبة المُعقَّدة. أدرك برتالانفي أن الكائنات الحية هي «أنظمة مفتوحة» open systems لا يُمكن للديناميكا الحرارية الكلاسيكية أن تصِفها. وقد أسمى هذه الأنظمة «مفتوحة» لأنها تحتاج إلى أن تتغذَّى على فيضٍ مُستمرٍ من المادة والطاقة من بيئتها كيما تبقى على قيد الحياة. «ليس الكائن العضوي بالنظام السكوني المُغلَق على الخارج والمُكوَّن دائمًا من نفس المكوِّنات، بل هو نظامٌ مفتوحٌ في حالة «شِبه الثبات» حيث المادة واردةٌ إليه من البيئة الخارجية وصادرةٌ منه إلى تلك البيئة، بشكلٍ مُستمرٍّ وبدون توقُّف.» وعلى خلاف الأنظمة المُغلقة التي تظلُّ في توازنٍ حراري، فإن الأنظمة المفتوحة تحفظ نفسها بعيدًا عن التوازُن، في هذه الحالة من الثبات الديناميكي القائم على التدفُّق المُستمر والتغيُّر الدائب. ومن هنا كانت الديناميكا الحرارية الكلاسيكية غير مُلائمةٍ لوصْف الأنظمة المفتوحة.
لقد جرَتْ مياهٌ كثيرةٌ في مجال الفكر البيولوجي وحدث تحوُّلٌ كبير في «النموذج الإرشادي» paradigm أفضى إلى ما يُعرَف الآن ﺑ «الفكر الإيكولوجي» (البيئي). يقِف الفكر الإيكولوجي على النقيض من الفكر العلمي التقليدي الذي يقوم على التجزئة والتحليل ويَعوق — بحكم طبيعته ذاتها — فهم الأنظمة الإيكولوجية؛ فالفكر العقلاني التقليدي هو فكرٌ «خطي»، linear بينما ينشأ الوعي الإيكولوجي عن حدْسٍ عميقٍ بالأنظمة غير الخطية. لقد أخذ الفكر التجزيئي الرَّدِّي يُثبِت فشله في جميع الميادين كلما ظهرتْ على الساحة مشكلات تتعلَّق بتصوُّرات من قبيل «النَّسَق»، «الكلية»، «الغائية» … وتطلَّب الأمر طرائق جديدةً من التفكير.
كانت الحاجة إلى نموذجٍ جديدٍ مُلحَّة بشكلٍ خاص في مجالي علم النفس والطب النفسي؛ حيث فشل التصوُّر «الآلي» للإنسان بجميع تجلِّياته السلوكية والتحليلية والسيبرنيطيقية في إفساح مجالٍ تفسيري لما يتحلَّى به الكائن البشري من خصائص فريدةٍ: كالإبداعية، وحرية الإرادة، وسطوة المُثل العُليا، وأفعال التضحية والإيثار، وتجاوز الذات، والكدْح إلى «غايةٍ» telos تجذبه من الأمام ولا تدفعه «من الخلف» a tergo، وكلها خصائص جوهريةً لا يسَعُها التفسير الآلي بالِغًا ما بلغَ من الدقة والتعقيد.

تقدِّم نظرية الأنظمة هذا النموذج البديل الذي يؤكِّد على الكلِّ العُضوي، ويرى إلى الإنسان ككائنٍ فاعلٍ إيجابي نشِط، يعيش في عالمٍ رمزي ويميل نحوَ التنظيم الأعلى الذي تُتيحُه طبيعة النظام المفتوح للكائن العضوي الحي، ويفسح مجالًا للقيم المقصورة على الإنسان والقِيَم «فوق-البيولوجية» داخل النظرية العلمية للعالم.

(٤) ألوان من النسبية

وفي القسم الرابع عَرضٌ مُفصلٌ لضروبٍ من النسبية، هو بمثابة هامشٍ مُطوَّلٍ على متن «صراع الثقافات». وهو في الأصل قراءة في موسوعة ستانفورد الفلسفية أثريتُها بقراءاتٍ عديدة في الفكر العلمي الجديد وفلسفة القيم. يقوم هذا الجهد على فكرة أن المعرفة قوةٌ مُغيرةٌ مُحرِّرة. ونحن حين نقِف على الآليات التي تجعلنا نرى العالم من زاويةٍ واحدة فرضتْها علينا ثقافتنا التي نشأنا عليها، نكون في الوقت نفسه وبالفعل ذاته قد تحرَّرْنا بشكلٍ ما من سجن الإطار ومَلكْنا مفتاحه. عندئذٍ فقط نكون في موضعٍ نملك منه أن نُفرِّق بين الضروري والعرضي، بين الأزلي والتاريخي، بين الإلهي والبشري، بين الكوني والمحلي، بين المُطلَق والنِّسبي.

من شأن الصدام بين الأُطر الثقافية المُختلفة أن يُولِّد الحسَّ النقدي الذي يُحرِّر سُجناء الأُطُر من انحيازاتهم اللاشعورية، ويُخلِّصهم من مفاهيم برمَّتها تشرَّبوها مع ثقافتهم المحلية ومن نظرياتٍ بأكملها ابتلعوها مع لُغتهم القومية التي لُقِّنوها صغارًا. وليس من قبيل المُصادفة أنَّ الحضارات الكبرى كانت ثمرةً لصدامٍ ثقافي؛ فالصدام الثقافي خيرٌ لا شر. ومن تلاقُح الآراء وتبادُل النقد ينشأ العلم وتنمو المعرفة.

هكذا يتبيَّن أن الصدمة الثقافية التي تتعرَّض لها اليوم جميع الأُمم في عصر «السماء المفتوحة» هي شيءٌ يدعو للاستِبشار والتفاؤل أكثر ممَّا يدعو للهَلَع والتوجُّس. إن ثورة المعلومات، وتقنيات الاتصال التي فاقَتِ التوقُّع، قد جعلت «الآخر» يُقاسِمنا دارَنا ويؤاكِلنا في صحْنِنا! ذلك خير؛ فإلمامُنا بثقافات الآخرين وطرائقهم يجعلنا أقْدَرَ على غربلة مفاهيمنا وتطويرها وإثرائها، ويجعلنا أقدَرَ على فصْل العابر من الدائم والمُتحوِّل من الثابت، ويجعلنا، مثلما نود؛ أنفذ بصيرةً بما هو مُقدَّسٌ مثاليٌّ مُفارِقٌ سرْمَد.

يستدعي ذلك في الذهن قول هيجل «ينبغي أن أتعرَّف على نفسي في الغريب.» لقد قدَّم هيجل تصوُّرًا للثقافة يُقرِّبها من مفهوم «البيت» — أي المكان «المُجرَّد»، حيث تأوي الرُّوح في نهاية المطاف — كمقابلٍ ﻟ «المنزل» أي المكان العياني الملموس الذي أدخُلُه متى شئتُ وأخرج منه، وأبنيه وأهدمه. وهو تصوُّرٌ غير بعيدٍ عن تصوُّر هيدجر للثقافة بوصفِها تَقصِّيًا تاريخيًّا للجوانب المُشتركة مع الآخرين، وغير بعيدٍ عما ذهب إليه هيدجر من أن فكرة الثقافة نفسها — الثقافة المُفرَدة الواعية بذاتها — تتطلَّب، من أجل تحقق هويتها، المُقارنة بالثقافات الأخرى. «أن يتعرَّف المرء على خاصَّتِه في المُغاير، أن يكون «في بيته» وهو في المُغاير — تلك هي الحركة الأساسية للرُّوح؛ الرُّوح التي يتألَّف وجودها من العودة إلى نفسها ممَّا هو آخر.»

يؤكد هيجل على أن الثقافة ليست حيِّزًا عيانيًّا كالمنزل، وإنما هي بُقعة أكثر تجريدًا كالبيت. ويذهب أيضًا إلى أن المرء لا يتأتَّى له أن يُميِّز ثقافةً ما ويُقدِّرها — حتى ثقافته الأم — إلَّا بالتأمُّل في الثقافات الأخرى والانعكاس عليها. والحقُّ أن ما يقوله هيجل هو أكثر من مُجرَّد مُصاداةٍ لفكرة التعرُّف الذاتي التي يتضمَّنها تصوُّر هيدجر عن الثقافة كطريق أو مسلك، والتي تقول بأن ليس لدَينا معالم نُحدِّد بها مسار طريقنا سوى النظر إلى الطُّرق الأخرى. أن أُمَيِّز نفسي في الغريب ليست مسألة نظرٍ أو حتى حركةً جسدية؛ فالتِقاء الثقافات الذي يتطلَّبه وعيُ أنَّ أي ثقافةٍ بذاتها لا يُشبه تغيير المنازل، إنما هو عند هيجل مهمةٌ أصعب من ذلك بكثير: مهمَّة أن أجعل بيتًا لنفسي في الغريب — أن نتَّخِذ ثقافاتٍ بديلةً بأن نجد بيوتًا هناك — في تلك الثقافة الجديدة — وأن نعود إلى أنفسنا إذ ذاك!

وبعد:

ليست السُّكنى في الغريب واتِّخاذ بيتٍ في المُغاير شيئًا ثانويًّا أو ترفًا زائدًا يُمكن أن يتمَّ الأمر بدونه، بل إن «روح الثقافة نفسها تتألَّف حصرًا من العودة إلى ذاتها مِمَّا هو آخر.» فأن نكون في بيتنا حقًّا في مكانٍ ما يتطلَّب منَّا أن نكون في بيتِنا في أماكن عديدة!

د. عادل مصطفى
الكويت في ٢٣ / ١ / ٢٠٠٤م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤