المقدمة

«الأمل واليوتوبيا عند إرنست بلوخ» موضوع هذا البحث. وقد يتبادر إلى الذهن سؤال عن علاقة كلٍّ منهما بالآخر، أي علاقة البشر وأمانيهم باليوتوبيا التي تعطي انطباعًا أوليًّا بأنها بناء عالمٍ مثالي في الخيال، وكأن الأمل يرتبط بالخيال الذي قد لا يحققه على الإطلاق، وليس هذا بطبيعة الحال هو هدف البحث؛ ولذا يجب البدء بتعريف كلٍّ منهما. أما الأمل فهو تعبير عن تطلعات الجنس البشري إلى حياةٍ أفضل في المستقبل، يسودها الإخاء والمساواة وتقوم على أساس من العدل في ظل مملكة للحرية، وأما اليوتوبيا فهي النظام الذي يحقق هذه التطلعات في مكانٍ ما على هذه الأرض. وليس المقصود باليوتوبيا هنا هي الترجمة الحرفية للكلمة التي تعني «لا مكان» لأن اليوتوبيا موضوع هذا البحث هي يوتوبيا عينية قابلة للتحقيق وفق شروطٍ داخلية وخارجية، أي شروطٍ ذاتية وموضوعية تجتمع في لحظةٍ تاريخيةٍ ملائمة توفر شروط تحققها.

وقد تم اختيار هذا الموضوع لأهميته الشديدة في عصرنا الحديث الذي اتفقت الآراء على أنه عصر أزمةٍ كبرى. وغالبًا ما تبرز فلسفة الأمل في العصور التي يغلب عليها التوتر والاضطراب وتزداد فيها الصراعات، وقد شهد القرن العشرون حربين عالميتَين وحروبًا أهلية لا حصر لها، وخيبة آمال في ثوراتٍ كبيرة وآمالٍ عظيمة، فلا بد أن يكون هناك بعث لروح الأمل، ولا بد أن يكون الأمل — ونحن على مشارف الألف الثالث للميلاد — هو المطلب الأساسي والمشروع. أما لماذا «الأمل واليوتوبيا عند إرنست بلوخ» على وجه التحديد، فلم يكن هذا أيضًا من قبيل الصدفة أو العشوائية؛ إذ لا يوجد في عصرنا فيلسوف تغنَّى بالأمل مثلما فعل هذا الأخير، حتى لقد وضعه — أي الأمل — عنوانًا لأهم كتبه على الإطلاق وهو «مبدأ الأمل»، كما أنه — أي بلوخ — يعد أكبر فيلسوفٍ يوتوبي في القرن العشرين أهاب بالإنسان أن يمسك بهذا المبدأ الذي تحول عنده إلى مبدأ للمسئولية التي يحملها الإنسان على عاتقه ليحقق بإرادته الثورية آماله وأحلامه في يوتوبيا واقعية وعينية.

ومنهج البحث هو المنهج التحليلي النقدي، لأن بلورة النسق الفلسفي الكامل لفلسفة الأمل قد استلزمت التحليل والشرح والتفسير والنقد، كما أن هذا النسق لم يقدم من قبلُ إلى المكتبة العربية، التي لم تعرف من كتب بلوخ سوى الترجمة العربية لكتاب «فلسفة عصر النهضة». وكان من الضروري — نظرًا لضخامة هذا النسق الذي ضم التراث البشري في داخله — تقديم الإطار النظري الكلي وإسقاط تفاصيلَ كثيرة لا تخل بالهيكل العام لفلسفة بلوخ. وقد كانت هناك صعوبةٌ كبيرة في استخلاص البنية الفلسفية، وترجع هذه الصعوبة إلى أن بلوخ قدم مشروعًا فلسفيًّا ضخمًا وطموحًا لا يفتقر فقط إلى الاتساق والتماسك، بل يتسم أيضًا بالغموض والإبهام بسبب صياغته في لغةٍ معقدة يصعب فك رموزها، وأسلوب يغلب عليه المجاز ويكثر من استخدام الصور الشعرية والأسطورية والمصطلحات الصوفية، وقد زاد من هذه الصعوبة الطابع العام للفكر الألماني الذي لا يعرف في كثير من الأحيان بساطة العرض وسهولته، بل يميل دائمًا إلى التعقيد والتكثيف والتجريد باعتبارها — في نظر المفكرين الألمان — دليلًا على عمق الفكر وأصالته؛ مما جعل بلوخ لفترةٍ طويلة غير مقروء خارج ألمانيا، بل وغير مقروء أيضًا من أبناء وطنه — باستثناء الصفوة من المتخصصين والمثقفين — ويرجع هذا إلى صعوبة فهمه من قبل المثقف العادي.

غمر بلوخ نسقه الفلسفي في تفاصيلَ هائلة من التراث البشري بأكمله، وعرض لكل فروع المعرفة من فلسفة وفن وأدب وموسيقى وشعر، كما عرض لحضارات العالم ودياناته القديمة بحيث يمكن القول بأنه آخر المفكرين الموسوعيين في القرن العشرين، وأفرط أيضًا في استخدام المصطلحات والعبارات اليونانية واللاتينية والأقوال والمأثورات القديمة التي لم تعد تستخدم الآن؛ في محاولة لإحيائها وإضفاء معانيَ جديدة عليها إلى الحد الذي يمكن معه القول بأنه أوجد في اللغة الألمانية قاموسًا ثقافيًّا خاصًّا لفلسفته، كما أسرف باعتباره ناقدًا أدبيًّا في الوقت ذاته في استخدام الصور الفنية (الاستعارة والتشبيه والكناية والرمز) التي زادت من غموض لغته.

وكان من الضروري للتغلب على هذه الصعوبات إسقاط تفاصيلَ جزئية واستطراداتٍ كثيرة كان من الممكن — في حالة تتبعها — أن تخرج بالبحث عن السياق المرسوم له، كما كان من الضروري استخلاص النسق الكلي لفلسفة الأمل، وتقديمه بالعرض والتحليل أولًا ثم بالتعقيب النقدي على بعض التفاصيل والجزئيات التي استلزمت الوقوف عندها وتم نقدها في موضعها. وأخيرًا ينتهي العرض التحليلي الكلي بتقييمٍ عام في خاتمةٍ نقدية للإطار العام لفلسفة الأمل واليوتوبيا.

ينقسم البحث إلى ستة فصول تتدرج في خطٍّ تصاعدي بدءًا من حياة بلوخ إلى عرض البناء النظري لفلسفته في الأمل، ثم محاولة تطبيق هذا النسق النظري على التاريخ البشري المنظور إليه نظرةً يوتوبية. ويتناول الفصل الأول «حياة بلوخ ونواة تفكيره اليوتوبي» ويقدم تعريفًا بالفيلسوف وعصره. وينقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام؛ أولًا: حياة بلوخ ومؤلفاته، وفيه عرضٌ تاريخي لحياته وأسفاره وعلاقات الصداقة التي جمعته ببعض فلاسفة عصره وأدبائه، والتعريف بمؤلفاته وأعماله. ثانيًا: المؤثرات الفكرية في فلسفته، وهي عديدة ومتنوعة، منها مؤثراتٌ فلسفية كالفلسفة اليونانية وخاصة أرسطو، والفلسفة الكلاسيكية الألمانية من ياكوب بوهيه وهيجل وشيلنج، والفلسفة الماركسية التي تركت بصماتها على الطابع العام لتفكير بلوخ، ومؤثراتٌ أدبية كالحركة التعبيرية التي غلب أسلوبها الأدبي على لغة بلوخ الفلسفية، ومؤثراتٌ دينية وخاصة التراث الصوفي المسيحي واليهودي وفكرة الخلاص. ثالثًا: مدخل إلى فلسفته ومفاهيمها الأساسية وفيه تعريف بأهم المقولات التي قام عليها النسق الفلسفي للأمل واليوتوبيا، مثل مقولات اﻟ «ليس-بعد» وما قبل الظهور و«الإمكان» و«الأمل» و«الأمام» و«الجديد» و«الأقصى».

ويتناول الفصل الثاني «البناء الأنثروبولوجي للأمل» وهو الجذر الأول من فلسفة الأمل الذي يصور انعكاس الوعي باﻟ «ليس-بعد» على الذات البشرية، وينقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام: أولًا: نشأة الوعي، وفيه تتبع لظواهر الوعي البشري منذ بدايته الأولى عند الطفل، ويعرض لنظرية في نشأة الوعي من الدوافع، وأهمها وأولها الجوع، فهو الذي يدفعنا ويحركنا إلى الأمام. كما يتتبع آثار الحلم البشري بأبعاده المختلفة وأنواعه، وكيف تطور الوعي باﻟ «ليس-بعد» من أحلام اليقظة. ثانيًا: طبقات الوعي، ويعرض لطبقات الوعي المختلفة ومنها ما قبل الوعي، وهو اللاوعي بالمعنى الفرويدي أي المكبوت أو المنسي، والوعي باﻟ «ليس-بعد» وهو الوعي بشيءٍ جديد لم يأتِ بعدُ أو بشيء يرجح حدوثه بناءً على شروطٍ ذاتية وموضوعيةٍ محددة، وهو ما يُسمى الوعي بالمستقبل. ثالثًا: معوقات الوعي باﻟ «ليس-بعد»، ويشمل المعوقات المختلفة التي تحول دون ظهور وعي اﻟ «ليس-بعد» إلى النور، ومنها العائق التاريخي الذي يسلم بوجود التام والكامل منذ البداية، الأمر الذي يجهض كل محاولة للتقدم نحو الجديد، ومنها النزعة الرومانسية، إذ استعبدها الماضي حين اعتبرت أن الكمال كله كان في الماضي، ومنها اليوتوبيات الاجتماعية التي لم تكن قادرة على التطور بسبب النزعة السكونية التي سادتها، كل هذه المعوقات حالت دون ظهور الوعي باﻟ «ليس-بعد» الذي لا يمكن اكتشافه بفعل التذكر، بل بالحدس الذي يؤدي وظيفة يوتوبية.

ويتناول الفصل الثالث «البناء الأنطولوجي للأمل»، وهو الجذر الثاني من فلسفة الأمل الذي يمثل البناء الأنطولوجي لنظرية اﻟ «ليس-بعد» أي لنظرية الوجود الذي لم يتحقق بعدُ، وينقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام؛ أولًا: أنطولوجيا اﻟ «ليس-بعد» ويعرض لأربعة مفاهيمَ أنطولوجيةٍ أساسية تدل على حركة الواقع الجدلي للمادة والتاريخ، وتكشف عن صيرورتها نحو تحقيق الأمل اليوتوبي، مفهوم «اللا» المتعلقة بمبدأ الوجود، وهي ليست نهائية ولا مطلقة وإنما تعلن عن نفسها في حالة الجوع بوصفها افتقارًا أو لا تملك؛ ولذلك فهي مغروسة فينا وتسعى دائمًا للخروج من حالة الكمون عندما تنطلق اللا وتخترق الجوع لإشباعه. ثم تتحول «اللا» المتكررة والكائنة في «الهنا والآن» إلى اﻟ «ليس-بعد» الكائنة بطبيعتها في المستقبل، فعندما تعبر «اللا» عن السخط على الصورة التي صار إليها الشيء المفتقد تظهر اﻟ «ليس-بعد» اليوتوبية وتتخذ صورة السلب الذي يدفع الحركة الجدلية قدمًا، وبذلك تتحول «اللا» إلى اﻟ «ليس-بعد» التي تتطلع بدورها إلى «الكل» المرتبط بعلاقةٍ ذات هدف بكل من «اللا» واﻟ «ليس-بعد». أما علاقة هذين الأخيرَين بالعدم فليست علاقةً بهدف، لأن هذا العدم أبعد ما يكون عن العدم المتضمن في السلب الجدلي الذي يسلب كل ما قد صار ليبلغ به مرحلةً جديدة. فالإحباط والفشل هما الخطر الدائم الذي يتهدد كل عمليةٍ جدلية، ويشير كل من العدم والكل إلى الاتجاه الذي يوجه اﻟ «ليس-بعد» إما سلبًا فيكون «العدم» وإما إيجابًا فيكون «الكل». ثانيًا: مقولة الإمكان التي تدور في فلكها مقولة اﻟ «ليس-بعد»، ولها طبقاتٌ متعددة تعكس درجات المعرفة والإدراك:

(١) الممكن الصوري وهي بناءات أو تركيباتٌ لغوية ممكنة على مستوى القول لكنها بغير معنًى على الإطلاق. (٢) الإمكان الموضوعي من الناحية المعرفية، ويتمثل هذا الإمكان في الصيغ والتركيبات التي تعبر عن اعتقاد أو ترجيح يقوم على مبررات تؤيده، لكن هذا التبرير المعرفي لم يصل بعدُ إلى النضج الكافي لجعل الإمكان موضوعيًّا، أي أن الإمكان هنا مشروط بصورةٍ جزئية، والذي يميزه عن غيره من أشكال الإمكان هو المعرفة الموضوعية الجزئية بشروطه؛ أي بالشروط التي تجعله ناضجًا للتحقيق. (٣) الإمكان الموضوعي من جهة الموضوع نفسه، ويتميز الإمكان في هذا المستوى بأنه ينصب على شروط الموضوع نفسه التي لم تظهر بشكلٍ كافٍ، ويتم الانتقال من المعرفة بالموضوع إلى الموضوع نفسه، أي إلى الخصائص والعوامل الداخلية والخارجية التي تشارك مشاركةً إيجابية في إنضاج صيرورته وتحقيق إمكاناته. (٤) الإمكان الواقعي في الواقع نفسه وهو المادة التي تظهر كل الأشكال الكامنة في رحمها بفضل الصيرورة الدائبة فيها. (٥) تحقيق الإمكان، وهو تلاقي العامل الذاتي مع العامل الموضوعي في إطار الشروط والقوانين التي تعين ذلك الإمكان ومدى قابليته للتحول دون مبالغة أو تغليب لأحد العاملَين المتشابكين على الآخر، وبهذا يتحقق صنع التاريخ وتظهر إمكاناته في صورها المختلفة، ويتغير المجتمع والطبيعة من جذورهما. ثالثًا: أنطولوجيا المادة، ويتناول مفهوم المادة عند بلوخ، فليست المادة هي الكتلة الصماء، وليست هي المادية التي ينظر إليها المثاليون ورجال الدين نظرة التعالي والازدراء ويسلبونها حق الميلاد الذي أُعطي لها منذ عهد الفلاسفة قبل سقراط. بل صارت هي الأم الأزلية التي خرجت من رحمها الأزلي الأشكال المتجددة باستمرار ولم تزل تخرج منه دون أن تستنفد إمكاناته أبدًا، وبذلك وضع بلوخ الأساس المادي الطبيعي ليوتوبياه الواقعية، واعتنق المفهوم الأرسطي للمادة وتتبع تطوره عند ما يسمى باليسار الأرسطي من ابن سينا وابن رشد وابن جبيرول وحتى ممثلي هذا الاتجاه في أواخر العصور الوسطى، ومن جوردانو برونو في عصر النهضة حتى اسبينوزا في القرن السابع عشر إلى أن اكتملت المادية الجدلية والتاريخية في الفلسفة الماركسية.

يتناول الفصل الرابع «جدل الزمان والتاريخ» ويعتبر الجدل بجانب الإمكان — كأسلوب وجود — والزمان — كشكل وجود — من أهم التحديدات أو المقومات الأنطولوجية للموجود الذي لم يوجد بعدُ، باعتبار أن الجدل هو منطق الزمانية ومنطق الصراع والتغير في الجوهر المادي للعالم. وينقسم الفصل إلى ثلاثة أقسام؛ أولًا: الجدل عند بلوخ، ويعرض باختصار لمسار الجدل في تاريخ الفلسفة، وكيف أثبت الجدل وجوده كمنهج في تاريخ الفكر الفلسفي. ومع ذلك يدلنا تاريخ الجدل على توجهه صوب الذات مرة — كما عند أفلاطون قديمًا وكانط حديثًا — وصوب الموضوع مرةً أخرى — كما عند الفلاسفة قبل سقراط قديمًا وأوغسطين في العصور الوسطى وبرونو في عصر النهضة وحتى اسبينوزا في العصر الحديث — إلى أن جمع هيجل بينهما عندما قدم نموذجًا للمنهج الجدلي بمعناه الموسوعي والكوني الشامل، وقضى على ثنائية الفكر والوجود التي وضعها الفكر الفلسفي طوال تاريخه، وثنائية المنطق والميتافيزيقا والمعرفة والوجود. وعلى الرغم من ذلك فإن إيقاع الجدل عند هيجل — القائم على فكرة التذكر — يختلف عن الجدل المادي عند بلوخ، فهو يظل عند هذا الأخير حركة تحمل ما لم يتحقق بعدُ وينبغي تحقيقه في داخلها باستمرار، ولذلك فهو جدل القلق، أي عدم التحقق وعدم الامتلاء النهائي. ثانيًا بنية الزمان التاريخي، ويعرض الجذور العميقة لمشكلة الزمانية في الفكر الفلسفي قديمه ووسيطه وحديثه ومعاصره. فهناك الزمان الدائري في الفكر اليوناني، والزمان المستقيم — وهو زمان الأديان — في الفلسفة الوسيطة التي عبرت عن الفكر الديني كما عند أوغسطين، والزمان المطلق في العلوم الطبيعية التي أقام صرحها إسحاق نيوتن، والزمان كبُعدٍ رابع كما عند أينشتين في النظرية النسبية، ثم الزمان الذاتي في الفكر المعاصر كما عند برجسون وهوسرل وهيدجر، حتى نصل إلى الزمان التاريخي عند بلوخ حيث تتفاوت سرعته وكثافته من ناحية الامتلاء بالمضمون وحيث التداخل العميق بين الزمن الفلكي والكوني الذي لا يخلو من التطور والصيرورة الكيفية المتجددة، وبين زمن التجربة الإنسانية التي تصنع التاريخ البشري المتجدد باستمرار. إن آنات الزمان المختلفة ليست متجانسة، وإنما هي في معظم الأحيان متفاوتة تفاوتًا كيفيًّا عن بعضها البعض، فأشكال الماضي من ناحية تاريخ الطبيعة، وأشكاله من جهة تاريخ البشرية لا يسيران في خطٍّ واحد. بل إن التاريخ البشري نفسه توجد فيه عصورٌ تاريخيةٌ متميزة من حيث بنيتها الممتلئة بمضامين التطور ومعانيه المختلفة في الاقتصاد والفن والتنقية … إلخ. ثالثًا اللحظة الممتلئة، وفيه تتبع للحظة التي يتحد فيها الذات والموضوع والوجود والماهية ويتحقق فيها الوجود الأسمى غير المغترب. ويبدأ بلوخ في البحث عن مغزى الوجود في اللحظة الممتلئة من خلال الأعمال الأدبية وأهمها «فاوست» جوته ومقارنتها ﺑ «دون كيشوت» سرفانتيس. وفاوست هو المثال الأسمى للرجل اليوتوبي، والرمز المجسد للقلق اليوتوبي المغامر إلى ما وراء الحدود والمخاطر للبحث عن الجديد، وهو رمز التعطش الدائم للمعرفة. وفي فاوست تنطلق الإرادة الثائرة وتتشكل في العالم ومن خلاله للوصول إلى القصد اليوتوبي أي لحظة الوجود الكامل والمطلق. أما دون كيشوت فهو من أهم الشخصيات الأدبية — بعد فاوست — التي سعت للوصول إلى اللحظة التي تحقق فيها وجودها الأسمى، ولكن إرادته الضعيفة — على العكس من فاوست — أخفقت في التوسط مع العالم الخارجي، فانفصلت عن الواقع العيني الذي كانت تعيش فيه ولم تصل للحظة المنشودة أبدًا. ويبحث بلوخ عن اللحظة الممتلئة في الخير الأسمى الذي هو نهاية سلم القيم أو المثل العليا. وإذا كانت هذه القيم قد ظلت لفترةٍ طويلة قيمًا ذاتية أي نابعة من عقل الإنسان، فإن للمشكلة جانبًا موضوعيًّا تتفاعل معه ولا يمكن فصله عن الوعي أو الإرادة. ولذلك فإن عملية التقييم لا تعتمد على الوعي المعياري نفسه بل تعتمد كذلك على الموضوعات التي تزود هذا التقييم بالمحتوى المادي. ويستمر البحث عن اللحظة الممتلئة في الديانات سواء القديمة منها أو السماوية، ففي الديانة الإغريقية القديمة تحولت لحظة الوجود الأسمى إلى ما يمكن تسميته بالديانة الفنية كما تمثلت في التراجيديا الإغريقية، أما لحظة الوجود الأممي في الديانة المصرية القديمة فهي لحظة الصمت والسكون والثبات، وهي الأمل في الخلود وفي التوحد مع أوزوريس. وأما الديانة الرافدية القديمة فقد ربطت الأمل أو الخلاص بالإله المسيطر على الدورة الفلكية المتكررة، وأما في الديانة الصينية فالكونفوشيوسية تجد لحظة الوجود الأسمى في الاعتدال والْتزام الحد، والتاوية وجدتها في «عدم الفعل» للاتحاد مع التاو أو طريق السماء. وأما الديانة الإيرانية القديمة — الزرادشتية — فقد وجدت اللحظة الممتلئة في الصراع بين النور والظلام، وفي الديانة البوذية الهندية تمثل الوجود الأسمى في لحظة تدمير العالم أو في لحظة الخلاص بالانطفاء وهو ما يسمى بالنيرفانا. وأما عن الديانات السماوية فقد كانت اللحظة الكبرى في الديانة اليهودية هي لحظة الخلاص ووعد الإله بلحظة يوتوبية للخلاص في سماءٍ جديدة وأرضٍ جديدة، وفي الديانة المسيحية تجلَّت اللحظة الممتلئة في قيام المسيح من القبر وصعوده إلى السماء وكأنه مرساة الأمل التي تأخذ البشر معها ليكونوا مثل الإله وتلك هي بشارة الخلاص المسيحي. ويأتي مضمون اللحظة الممتلئة في الدين الإسلامي في الخضوع لإرادة الله ولكتابه الكريم والسير على سنة رسوله. وأما في التجربة الصوفية حيث تختفي الثنائيات الحادة بين الأنا واللا-أنا، وبين الذات والموضوع، فتسمى هذه اللحظة بالآن الأبدية أو اللحظة الخالدة. ويتم التبادل بين كلٍّ من اللحظة والأبدية في وحدةٍ جدلية هي اللحظة الأسمى التي لم تعد موجودة في الزمان بل تكون «الآن» فيها دائمة، وتكون اﻟ «هنا» في كل مكان. وأخيرًا اللحظة الممتلئة في الموت أو بمعنًى آخر في الصور الخيالية المفعمة بالأماني التي رسمتها الأديان للحياة بعد الموت. لقد نظرت الديانة المصرية القديمة للموت على أنه بداية الحياة الحقيقية، واعتبرت أن الخلود هو لحظة الوجود الأسمى، أما عن الموت في الكتب المقدسة فلم تظهر فكرة الخلود في الديانة اليهودية إلا في مرحلةٍ متأخرة، ولم يكن الموت هو اللحظة الأسمى في الديانة المسيحية بل البعث أو القيامة من الموت، لأن المجيء الثاني للمسيح هو لحظة الوجود الأسمى. ومع النزعة الرومانسية اختفى الخوف المعتاد من الموت وأصبح نوعًا من التغيير والراحة الأبدية. ويرفض بلوخ فكرة الموت كما جاءت في الديانات والحضارات السابقة، كما يرفض فكرة الخلود من هذا المنظور الديني الساكن، ويرى أن لحظة الوجود الأسمى أو لحظة الخلود الأعظم ما هي إلا لحظة الفعل أو العمل والإبداع، فإذا كان الموت هو سلب الوجود، فإن مجيء الموت هو الذي يضفي على اللحظة قيمتها، كما أن لحظة الامتلاء والسعادة القصوى لن يوقفها الإنسان — لفرط طموحه واتساع أمله — ولن يخاطبها على لسان فاوست «تريثي قليلًا، فما أجملك!» لأن من الممكن — مهما تصورناها ذروة الإمكان — أن تتكرر على الدوام في صور لا تنفد جدتها ولا ينتهي تنوعها.

ويتناول الفصل الخامس «تجليات الأمل في اليوتوبيات التاريخية» ويعرض لتجلي الأمل وتتبع بذوره فيما يمكن تسميته باليوتوبيات التاريخية، أي في تاريخ التقنية والكشوف الجغرافية والفنون المختلفة، وقد انقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام؛ أولًا: التجلي اليوتوبي في تاريخ التقنية، والتي بدأت في العصر اليوناني مع الميثولوجيا عندما سرق بروميثيوس النار ليعطيها للإنسان مانحًا إيَّاه سر التقنية، وتوسطت الطاقة لتحول الإنسان المقهور إلى إنسانٍ صانع. وعندما عجزت قدراته المادية والعلمية — في العصور القديمة والوسيطة — عن اختراع أشياءَ عينية لتحقيق حياةٍ أفضل، لم تعجز مخيلته عن اختراعها في الخيال. وفي عصر النهضة تحول هذا السحر إلى ما يسمى بالسيمياء التي استخدمت السحر والتنجيم لفك رموز الطبيعة كما عند باراسلس وياكوب بوهمه، إلى أن تأسست في القرن السابع عشر والثامن عشر الجمعيات السرية التي زعمت أنها تملك معرفةً سرية بالطبيعة والدين. وتقف يوتوبيا فرنسيس بيكون على رأس اليوتوبيات التي حررت التقنية من أسرها السحري؛ مما جعلها أول يوتوبيا للتقنية تميزت بالتفاؤل وكشفت عن إمكاناتٍ هائلة أثبت تحققها في المستقبل صدق حدسها، كما قدم توماسو كامبانيلا «مدينة الشمس» التي تميزت بحدسٍ يوتوبي أضفى على التقنية رؤيةً مستقبلية، وقد حقق التقدم العلمي والثورة الصناعية أغلب صور التقنية التي رسمها خيال كامبانيلا. ثم كانت المادية الآلية بقوانينها الحتمية فظهرت تقنيةٌ مغتربة منذ البداية عن قوى الطبيعة، ونشأت بينهما علاقةٌ قائمة على الاستغلال والافتقار إلى التوسط وإلى العلاقة الجدلية التي يجب أن تقوم بين المجتمع البشري والعالم المادي. ثانيًا: التجلي اليوتوبي في الكشوف الجغرافية، فعلى الرغم من أن الاكتشافات الجغرافية بدأت لأغراضٍ تجارية، إلا أنها تحولت إلى نوع من اليوتوبيات الجغرافية، فلكي يكون الاكتشاف يوتوبيا عينية لا بد أن يتعلق بالمستقبل، وقد عُنيت اليوتوبيات الجغرافية في المقام الأول باكتشاف طرق وأراضٍ جديدة بحيث أصبحت اليوتوبيات الأخرى مدينة لهذه الكشوف، وارتبط تاريخ الكشوف الجغرافية لفترةٍ طويلة من الزمن بالأساطير التي تبحث عن أرض الذهب وجنة عدن. ولذا كان الهدف اليوتوبي من بعض الرحلات هو السعي وراء الحلم الأسطوري أو الجنة الأرضية التي حددها الكتاب المقدس في أورشليم، ولذلك ظل الشرق لفترةٍ طويلة هو قِبلة اليوتوبيا الجغرافية. ثم ارتبطت الكشوف الجغرافية منذ هنري الملاح وكولمبس من بعده بالظروف الاقتصادية، فلم يعد الهدف هو جنة عدن بل أصبح هدفًا اقتصاديًّا. وبفضل التقدم العلمي الهائل تجاوزت الكشوف الجغرافية الأرض وما عليها وتحولت الآمال إلى الفضاء الواسع بعد أن تحررت الأجساد البشرية من الجاذبية الأرضية، فكانت رحلات استكشاف الكواكب الأخرى، على الرغم من أن هذه الأرض التي يحيا عليها البشر ما زالت تتضمن داخلها عالمًا أفضل وليس علينا إلا البحث عنه بين الكائنات البشرية وعلى هذه الأرض. ثالثًا: التجلي اليوتوبي في تاريخ العمارة والفنون، ويتناول هذا القسم: (١) التجلي اليوتوبي في فن العمارة، فقد عبر هذا الفن عن أحلامٍ مفعمة بالأماني كما في جدار بومبي الروماني، ثم خضع — كسائر الفنون والعلوم الأخرى — لسيطرة السلطة الدينية في العصور الوسطى، فعبر عن صور ورسومٍ مستوحاة من الكتاب المقدس. وصاحب التغيرات السياسية والاقتصادية والدينية التي حدثت في عصر النهضة، صاحبها تحول في الفنون يعكس ما تمتعت به الطبقة الحاكمة وكبار التجار وأمراء المدن من مظاهر ثراء وفخامة، فتحول الفن من الكنائس إلى القصور البديعة، وأصبحت المناظر الطبيعية — وليست الدينية — هي مجال فن العمارة، وتحول الفن القوطي — الخاص بطراز الكنائس — إلى فن الباروك الذي تميز بنزعة التكلف مثله مثل فن الروكوكو من بعده، إلى أن تحولت العمارة في العصر الحديث إلى إنشاءاتٍ مجردة ومدن بلا حياة وسيطر عليها سكون العالم الآلي، فأصبحت غريبة عن الإنسان، كما أصبح الإنسان مغتربًا عنها. وبذلك لم تحقق اليوتوبيا المعمارية هدفها في تشكيل المكان بشكلٍ أكثر جمالًا، ولم تستشرف مكانًا أكثر ملاءمة للإنسان لبناء «وطنٍ» إنسانيٍّ جديد. (٢) التجلي اليوتوبي في فن التصوير، ويعد التصوير من خلال الأضواء والظلال والتكوينات والأبعاد والزوايا من أقدر الفنون على استشراف المستقبل وإلقاء الضوء على أشياء لم توجد بعدُ في عالم الواقع. وقد مر التصوير بمراحل تطوُّر مختلفة كشف في كل مرحلة منها عن بُعد من أبعاده اليوتوبية الكامنة في داخله، فإذا ابتعدنا عن المرحلة الزمنية التي كان الفن فيها خادمًا للدين، وجدنا أن الفن الهولندي قد عبر عن موقف من الحياة لا ترفُّع فيه، وفي نهاية العصور الوسطى ظهرت في الصورة أبعادٌ مفتوحة على العالم الطبيعي وتصوير المنظر المفتوح المفعم بالأمل للإيحاء بالامتداد الهائل لعالمٍ لامتناهٍ. ثم تحول الرسم إلى التصوير في أماكنَ طبيعية أكثر اتساعًا وانفتاحًا في الهواء الطلق لإرضاء الذات البشرية التواقة للرحيل لعالمٍ أفضل. (٣) التجلي اليوتوبي في الأعمال الأدبية، وفيه محاولة لتلمُّس العنصر اليوتوبي والاهتداء إلى بعد الأمل في عملَين أدبيَّين كبيرَين هما «الكوميديا الإلهية» لدانتي و«فاوست» لجوته، فكانت الأولى رمزًا للسكون الأبدي الثابت أي ليوتوبيا مكانيةٍ مغلقة ليس لها مستقبل، وكانت الثانية نابضة بالوعي الحي الإرادي أي أنها يوتوبيا زمانيةٌ متحركة. وننتهي من هذا إلى أن تقييم العمل الفني لا بد أن يكون في حدود ما يحمل هذا العمل من بُعدٍ يوتوبي، أي بقدر ما يعبر مضمونه عن الأمل الكامن فيه.

ويتناول الفصل السادس «تجليات الأمل في اليوتوبيات الاجتماعية». وينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ أولًا: يوتوبيات العصور القديمة والوسيطة، ويتناول هذا القسم: (١) جمهورية أفلاطون وكيف أنها كانت أبعد ما تكون عن الديمقراطية وعن الطبيعة البشرية؛ إذ فاقت كل النظم اليوتوبية في سكونيتها وبُعدها عن اليوتوبيا الإنسانية، وبقيت أقرب إلى تقرير واقعٍ اجتماعي قائم بالفعل. (٢) الرواقية والدولة العالمية، فقد نادت الرواقية بدولةٍ عالمية تجمع كل البشر في وحدة عالمية هدفها الانسجام الكامل مع الطبيعة. (٣) يوتوبيا الكتاب المقدس، وأثر الرواقية على ما قد نلمسه من خطٍّ يوتوبي في الكتاب المقدس. (٤) مدينة الله للقديس أوغسطين، حيث قدم أوغسطين صورةً يوتوبية في كتابه «مدينة الله» أبرز فيها التاريخ في شكل صيرورة للخلاص تربط آدم بالمسيح على أساس من الوحدة الرواقية للجنس البشري، وهي صورة هدفها جعل البشر قديسين، أي أنها يوتوبيا انعقدت فيها الآمال والأحلام على ميلادٍ روحي جديد لأغلبية البشر، وإن كانت هذه الأحلام والآمال لا تتجه اتجاهًا حقيقيًّا إلى المستقبل. (٥) مملكة الإنجيل الثالث، ليواخيم الفيوري الذي نقل مملكة النور من العالم الآخر إلى داخل التاريخ ليودع اليوتوبيا في المستقبل التاريخي. ثانيًا: يوتوبيات عصر النهضة، وينقسم هذا القسم إلى: (١) يوتوبيا توماس مور، التي تعد أول صورةٍ حديثة للأحلام المفعمة بالأماني لشيوعية-ديمقراطية نمت مع بداية القوى الرأسمالية، كما هي تعبير عن نزعةٍ ليبرالية حرة ذات مضمونٍ ديمقراطيٍّ إنساني. (٢) مدينة الشمس لتوماسو كامبانيلا، وهي يوتوبيا قائمة على النظام وعلم التنجيم، والمقابلة بين يوتوبيا مور ومدينة الشمس لكامبانيلا هي مقابلة بين الحرية والنظام، ويجب أن تفهم العلاقة بين الحرية والنظام في إطارٍ جدليٍّ مادي لكي تنتهي إلى اليوتوبيا العينية. ثالثًا: يوتوبيات العصر الحديث، وينقسم هذا القسم إلى: (١) اليوتوبيا والحق الطبيعي، ويعرض لحقيقة العلاقة بين الحق الطبيعي — بما ينشده من عدل وتأكيد للكرامة الإنسانية — واليوتوبيات الاجتماعية — بما تنشده من سعادة بشرية — فكلاهما يؤمن بأن الوجود الحاضر يجب دفعه للأمام لكي يتحرر من كل الظروف التي تعوق فتح الطريق لحياةٍ أفضل. (٢) اليوتوبيات الفيدرالية، التي يمثلها كلٌّ من روبرت أوين وشارل فورييه، ثم ظهرت يوتوبياتٌ مركزية — حيث تنوعت الأشكال اليوتوبية في تلك الفترة — ذات تنظيماتٍ اقتصاديةٍ كبيرة ونزعةٍ جماعيةٍ صناعية عند كابيه وسان سيمون وأتباعه. (٣) الصهيونية ويوتوبيا الأرض الجديدة-القديمة، وهي يوتوبيا قائمة على العرقية والعنصرية الدينية، وحام حلمها اليوتوبي حول فلسطين وأخفت من الماضي وضعًا بعينه لتضعه أمامها وتسعى لتحقيقه في المستقبل، وكأن هذا المستقبل في اليوتوبيا الصهيونية ينشأ من الماضي. (٥) الماركسية واليوتوبيا العينية، لقد سعت اليوتوبيا السابقة كافة إلى تحقيق العدل وبناء عالمٍ أفضل، ولكن ندر بينها من امتلك إرادة التغيير واكتشف التوسط التاريخي مما أسفر عن يوتوبياتٍ تأمليةٍ مجردة. وإصلاح العالم لا يأتي بالتأمل بل بالفعل وبالنظرة الجدلية إلى الواقع مع مراعاة قوانين العالم الموضوعي حتى تتحول اليوتوبيا من تأمليةٍ مجردة إلى يوتوبيا عينية ذات نزعةٍ اشتراكية، وهذا ما فعلته الماركسية في رأي بلوخ. وينتهي الفيلسوف الاشتراكي إلى أن تاريخ اليوتوبيا ليس إلا تطورًا تدريجيًّا لهذه النزعة التي اكتملت — في رأيه — في الماركسية، ومعها تقدمت الاشتراكية من اليوتوبيا إلى العلم، وقد جسَّد ماركس بشكلٍ مادي توقعات اليوتوبيا بوسائلَ اقتصادية عندما بحث في جدل الإنتاج ووضع الأسس المادية لجدل التاريخ، وألغى الثنائية بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وبين الممارسة التجريبية واليوتوبيا من أجل إعادة تنظيم المجتمع بشكلٍ ثوري. إنها يوتوبيا عينية بسبب ارتكازها على عنصرَين أساسيين هما توجهها للمستقبل وارتباطها بإمكاناتٍ حقيقيةٍ موضوعية كامنة في الواقع الفعلي، وإن لم تتحقق بعدُ في العالم الخارجي.

إن الأمل النابع من خطةٍ علميةٍ مدروسة والمرتبط بالممكن الوشيك التحقق هو أفضل ما في حياة الإنسان، بشرط أن يرتبط بالمعرفة الدقيقة بالواقع مع الممارسة العملية، ولا يمكن أن يزدهر العقل بغير الأمل، ولا يمكن أن يتكلم الأمل بغير العقل، لأن وحدتهما وحدةٌ ضرورية. والأمل الصحيح يتوسط النزوع التاريخي كما يتم في العالم وعن طريقه ويتجه نحو هدفه وهو تحقيق «المجتمع الإنساني الحر». وإذا كانت الماركسية — في رأي بلوخ — هي المعنية بتحقيق الهدف النهائي للأمل وهي الفلسفة الوحيدة القادرة على تحقيق الحلم اليوتوبي، فإن نزعته التفاؤلية وإصراره على الأمل حتى اللحظة الأخيرة من حياته لم يحجبا عنه رؤية الواقع الفعلي وتجاربه المريرة، ولم تغفل عينه عن المصاعب «الموضوعية» التي تواجه تحقيق الأمل المتجدد، ولهذا لم يغِب عنه أن من الممكن أن يخيب الأمل في الأمل لأنه لا يتعامل مع وقائعَ ثابتة، بل مع مسارٍ تاريخيٍّ جدلي لا يمكن له أن يتوقف، ولهذا يتطلب الأمل في المستقبل دراسةً جادة لكل الشروط الذاتية والموضوعية التي تساعد على إظهاره إلى النور، وينتهي البحث بملاحظاتٍ نقديةٍ ختامية تتناول التقييم العام للنسق الفلسفي الكامل لفلسفة الأمل واليوتوبيا عند إرنست بلوخ وتحاول أن تبين أنها فلسفةٌ معاصرة وحية — على الرغم من جوانب النقد الكثيرة التي يمكن أن توجه إليها — خاصة بعد الزلزلة الأخيرة للتطبيق الاشتراكي للفلسفة الماركسية.

وأخيرًا عسى أن يكون هذا البحث قد وفَّق بعض التوفيق في تقديم مفكرٍ معاصر يثير إشكالاتٍ معاصرة لا نستطيع أن نبقى بعيدين عنها: كأزمة الماركسية وسقوط حلمها — على الأقل مؤقتًا — وأهمية النقد الفلسفي، والتأكيد على الحرية والديمقراطية وكرامة الإنسان الفرد، والتفكير اليوتوبي المستقبلي، فما أحوج أمتنا العربية — في مرحلتها الراهنة — إلى هذا البعد المستقبلي الهام!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١