ملاحظات نقدية ختامية

بعد عرض النسق الفلسفي الأساسي لفلسفة الأمل، يمكن القول إن بلوخ أقام هيكلًا فلسفيًّا ضخمًا وضع فيه كل التراث الإنساني، ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة أن يكون هناك أخطاء وتفصيلاتٌ كثيرة يمكن الخلاف حولها، وقد ورد ذكر هذه التفصيلات في موضعها، ويبقى أن نسلط الضوء على بعض القضايا الأساسية التي أثارها هذا الهيكل الكلي، والتي يمكن توجيه النقد إليها. ويقتضي التقييم النهائي لهذه الفلسفة طرح بعض الأسئلة التي ستترتب عليها الملاحظات الختامية.

(١) الأمل والفكر الماركسي

قدم بلوخ فلسفته في الأمل بوصفها فلسفةً ماركسية، فهل كان بلوخ ماركسيًّا حقًّا؟ وهل اختلفت رؤيته الماركسية عن الماركسية التقليدية أو الحرفية؟ وماذا يبقى من فلسفته بعد انهيار التطبيق الاشتراكي للفكر الماركسي؟ على الرغم من أن بلوخ لم يكن عضوًا في الحزب الشيوعي فيما كان يسمى بألمانيا الشرقية، إلا أنه كان يعدُّ نفسه مفكرًا ماركسيًّا، ولكنه تعرض للنقد الشديد من قِبل رجال الحزب ومفكريه الرسميين، بسبب ما في فلسفته من آفاقٍ مستقبلية ويوتوبية تدعو إلى تجديد الفكر الماركسي. وقد وجد الماركسيون الرسميون في هذه الأفكار مخالفة لروح الفلسفة الماركسية؛ مما دفعهم إلى التشكك في انتمائه الفكري واتهامه بأنه يخرب الماركسية من الداخل. والحقيقة أن بلوخ أخذ من الفكر الماركسي فلسفته المادية ومنهجه، وآمن به كعقيدةٍ ثورية، ولكنه تخلى عن روحه وفلسفته المغلقة، فجمع بين الرؤية الماركسية الأساسية للتاريخ والتغير الاجتماعي، ونزعة الخلاص التي تمتد جذورها في ثقافته وتراثه الحضاري من التراث اليهودي-المسيحي، وقرأ التاريخ من منظور الظلم والاضطهاد وإهدار حقوق الإنسان؛ مما جعل خصومه يعتقدون أن ماركس — وبخاصة ماركس الشاب — قد أصبح مجرد مرحلة انتقال ممهدة لفلسفة الأمل عنده، وكأن فلسفته «الأخروية-الدنيوية» في الخلاص يمكن أن تحلَّ محل الماركسية اللينينية، وكأن نظريته في الخلاص لم تقدم إجاباتٍ فلسفية ولا واقعية على مشكلات التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، واكتفت بالنظر إليها نظرةً خالصة، بل ذهب بعض نقاده إلى القول بأنها قد عاقت حل هذه المشكلات في مرحلة البناء الاشتراكي لأنها — في رأيهم — لم تكن فلسفةً علمية بالمعنى الصحيح، ولم تملك النظرية ولا المنهج القادرين على مواجهة المشكلات التاريخية والاجتماعية الواقعية في تلك المرحلة (مرحلة البناء الاشتراكي) بل إن هذه الفلسفة اليوتوبية يمكن — في نظر خصومه — أن تظهر في العالم الرأسمالي في مظهرٍ ثوري وإنساني وإن بقيت مع ذلك عاجزة عن بيان الطريق الواقعي للقضاء على تناقضات الرأسمالية. ولذلك فإن تصور بلوخ اليوتوبي والمثالي للاشتراكية قد أثبت عجزه من الناحيتَين النظرية والعملية، كما أن اشتراكيته ونزعته الإنسانية قد وقعتا في التجريد والمثالية بحيث اقتلعتا الاشتراكية والإنسانية معًا من جذورهما الواقعية. وبذلك أصبحت الاشتراكية في فلسفته مجرد فكرةٍ إنسانية عامة أو نزعة أخلاقية أصيلة نحو الحرية والعدالة والكرامة البشرية. وما دام بلوخ قد تجاهل الظروف الاجتماعية والتاريخية الواقعية ولم يكترث — على حد زعمهم — بالصراعات الطبقية ولا بالإنجازات السياسية والعملية الفعلية، فإن اشتراكيته تصبح اشتراكيةً مجردة بلا مضمون، وإدخال العامل الذاتي في التاريخ — في صورة النزوع والأمل المفتوح على الدوام وفي الخلاص — لا بد أن يؤدي إلى نزعةٍ إرادية وفردية.

ويمكن الرد على هذه الانتقادات بأنه من الطبيعي أن يهاجم الماركسيون الرسميون إدخال بلوخ لعامل الذات في التاريخ لأن النظرية الماركسية — كفلسفةٍ شمولية — قد رسمت صورةً كلية للإنسان والعالم وأهملت التفاصيل الجزئية لهذه الصورة إلى حد أنها أدمجت الفرد في المجموع الكلي، ففقدت الذوات الفردية هويتها واتحدت بالكل من أجل أهدافٍ كلية. وبناءً على ذلك ترفض الماركسية كل من يخالفها الرأي في هذا الشأن وتتهمه بالرجعية. وعندما أعاد بلوخ للذات الفردية كيانها وكرامتها اتُّهم بخروجه عن روح الفلسفة الماركسية الحقيقية. ولم يدرك هؤلاء أن النظرية الماركسية ذاتها هي التي ابتعدت عن روح الفلسفة الحقيقية بتجمدها عند أفكارٍ ثابتة وبُعدها عن النقد الذاتي الذي هو السمة الأساسية لكل فلسفةٍ حقيقية. إن فشل النظم الاشتراكية والأخطاء التي ارتكبت في ظلها، لا يعود فقط لأخطاء في التطبيق، وإنما يعود بالدرجة الأولى إلى وجود خلل في البنية المعرفية للنظرية الماركسية نفسها. وإن فلسفة بلوخ — على الرغم من أنها تتضمن عناصرَ صوفية — تنطوي على عناصرَ تقدمية وديمقراطية. لقد كان طموحه الأكبر هو تجديد الماركسية وتفسيرها تفسيرًا خلَّاقًا وتحريرها من التزمُّت وعبادة الأشخاص. وينبغي — كما يقول موريس جودولييه — فهم النظرية الماركسية في المجتمع المدني وممارستها باعتبارها ثقافةً نظرية لا تستطيع احتكار الحقيقة. إن الماركسية هي «ساحةٌ فكرية للحوار أكثر من كونها مجموعة من الطروحات المتفق عليها سلفًا.»١ لذلك يحمد لبلوخ أنه أراد أن يُخرج الماركسية من أيديولوجيتها المغلقة ويفتحها على آفاقٍ مستقبليةٍ أوسع.
وإذا كان خصوم بلوخ يتهمونه بأنه يحاول تدمير الماركسية وتخريبها من الداخل، فهل كان مسئولًا عن انهيارها بعد وفاته باثني عشر عامًا؟ ألم يكن من الممكن أن يتغير المسار التاريخي للمجتمعات الاشتراكية لو كانت قد أخذت في الاعتبار النقد الذي وجهه بلوخ — وغيره من الفلاسفة — لتجديد الفكر الماركسي؟! لقد أعلنت المجتمعات الاشتراكية أنها جاءت لتقضي على مجتمع الطبقات، فهل استطاعت بالفعل أن تقيم مجتمعًا خاليًا من الطبقات؟ أم أنها أزالت الطبقات الإقطاعية والرأسمالية لتقيم مجتمعًا طبقيًّا من نوعٍ آخر؟! ألم يؤسس الحزب الاشتراكي مجتمعًا طبقيًّا جديدًا تربع رجاله على القمة؟ ألم تخلق هذه المجتمعات فجوةً عميقة بين الحزب من جانب والشعب الذي زعمت أنها جاءت لخدمة مصالحه من جانبٍ آخر؟! لقد فسر جاك بيديه سبب طبقية النظام الاشتراكي بأن الحركة الشيوعية كانت متوجهة بالضرورة نحو المجتمع المخطط الشامل وهو بطبيعته مجتمعٌ طبقي، والتخطيط الشامل يبني نظامًا تراتبيًّا، أوجد بالضرورة وعلى طول السلسلة التراتبية خطًّا فاصلًا بين الحكام والمحكومين، وترتب على هذا أن أصبح شكل التخطيط نوعًا من أنواع احتكار السلطة في الإنتاج وسيطرة البعض على البعض الآخر.٢ وإذا كانت الملكية تحدد السلطة، فإن انتزاع الملكية من أصحابها يعني بالضرورة انتزاع حريتهم أيضًا وتركيز الملكية والحرية والسلطة معًا في قبضة الدولة أو الحزب الذي أعطى لنفسه الحق الأبدي في أن يكون هو الحزب الحاكم الوحيد بلا منازع.

والآن وبعد انهيار المجتمعات الاشتراكية، ماذا يبقى من الماركسية، إذا قدر لها أن تنهض مرةً أخرى؟ ربما يكون الأمل الوحيد لبعثها من الرماد هو أن تكتسي ثوبًا أكثر إنسانيةً. وهنا يبقى الجانب الإيجابي من فلسفة بلوخ الذي يجب التأكيد عليه والإشادة به، وهو أن الأفكار المتعلقة بالأمل تمثل أسمى تطلعات الروح الإنساني. وسيكشف المستقبل عما إذا كانت فلسفة الأمل هي الوسيلة الصحيحة التي يتم فيها هذا البعث أم أنها ستكون مجرد خيالاتٍ عابرة في عقول من أبدعوها.

(٢) الأمل والحقوق الإنسانية

لقد جاءت الماركسية من أجل القضاء على كل الظروف التي تجعل الإنسان مستعبدًا ومهجورًا ومحتقرًا، فهل أزالت بالفعل أسباب قهره؟ وهل رفعت الظلم الواقع عليه؟ وهل أمكنها تحقيق العدل الاجتماعي بين أبناء مجتمعاتها؟ وهل كفلت لهم قدرًا من الحرية بما يحفظ لهم كرامتهم الإنسانية؟ ربما لا تكون هناك حاجة الآن للإجابة عن هذه الأسئلة، فالانهيار الأخير للنظم الاشتراكية قدم الإجابة بشكلٍ عملي. وليست هذه الأطروحة مجالًا لبحث أسباب انهيار التطبيق العملي للفكر الاشتراكي، فقد سارع المفكرون والمحللون السياسيون — فور الانهيار العظيم — إلى شرح أسبابه ونتائجه وهي كثيرة ومعقدة وبعضها يتعلق بأسبابٍ خارجية وأخرى داخلية. ولكن المهم في هذا الموضع هو اكتشاف بلوخ المبكر — وفي ذروة التطبيق الاشتراكي للفكر الماركسي — لأهم أسباب الإخفاق ألا وهو إغفال الحقوق الإنسانية. ولم يكن هذا الإغفال أحد أخطاء التطبيق — وهي عديدة — ولكنه كان أحد عيوب النظرية الماركسية ذاتها؛ إذ أعلن ماركس «أن الحق ليس هو هدفنا بل الثورة»، وكذلك دعا إنجلز الطبقة العاملة إلى التخلص من المعنى الزائف للعدل والإنسانية والبحث عن حل لمشاكلها في الصراع الطبقي للبروليتاريا. وهذا الصراع لا يقوم على أساس من القانون باعتبار هذا الأخير — في رأي إنجلز — أيديولوجيةً برجوازية، وأن الهدف الأقصى للنزعة الاشتراكية ليس بناء مجتمعٍ عادل ولكن بناء مجتمع بلا طبقات.

أدرك بلوخ هذا الخلل الأساسي في الماركسية وسلط عليه الضوء. وفي ذروة الطغيان الستاليني رفع راية الحق وبيَّن أن إنهاء استغلال الإنسان لإنسانٍ آخر لا يمكن أن يتحقق في مجتمع تُهان فيه الكرامة البشرية، وأن السعادة لا يمكن لها أن تزدهر إلا في مناخ الحرية، كما لا يمكن أن يأتي العدل من فوق كقدر، ولكن لا بد أن يأتي العدل من أسفل، وبدونه لن تقوم للحقوق الإنسانية قائمة، فلا ديمقراطية بدون اشتراكية، ولا اشتراكية بدون ديمقراطية. أما الماركسية فقد سمحت بقيام مجتمعاتٍ اشتراكية بدون ديمقراطية. والواقع أن موقف بلوخ — كما يقول Ljubomir Tadie — يستحق التقدير، ففي ذروة الأزمة أكد على ضرورة إحياء التراث الثوري، كما شدد على أن التفكير بشكلٍ فلسفي في قضية الحقوق الإنسانية يعني أن نبحث عن الحقيقة والحرية والمعنى، فالحرية بالنسبة له هي أساس الحق. وفي حوار له مع «فرتس فليمار» أشار بلوخ إلى أن مقولة الديكتاتورية لم تحلل بالقدر الكافي في النظرية الماركسية، ونتيجة لهذا سمحت بإمكانية ممارسة الظلم من مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا.٣ وعلى المجتمعات الاشتراكية ألا تكتفي بالقضاء على الاستغلال الرأسمالي وطغيان المصنع، بل عليها أيضًا ألا تقيم مصنعًا للطغيان. فتصوُّر بلوخ للاستغلال كان أعمق من التصور الماركسي له؛ إذ لم يحصره في الإنتاج الرأسمالي فقط كشكل من أشكال السيطرة القديمة والجديدة، بل نظر إليه كأحد أشكال إهانة الإنسان والحط من كرامته.

(٣) الأمل واللاهوت

من الإشكالات الهامة التي تثيرها فلسفة بلوخ للأمل اتهامها بالغائية الدينية، وبأنها ليست إلا محاولة للتوفيق بين الماركسية والدين. فهل يمكن القول بأن الأمل — بعد رحلته الطويلة عبر التراث البشري — انتهى في اللاهوت؟ وهل اهتمامه بالتراث الديني لكل ديانات العالم واستخدامه الدائم للغة الكتاب المقدس واستعارته للكثير من آياته انتهت إلى غلبة الفكر الديني على فلسفته؟ الحقيقة أن هذه المشكلة تبلورت في المساحة الواسعة التي أفسحها بلوخ لأهمية التراث الثقافي بالنسبة لتاريخ الفلسفة. وقد فهم التراث بالمعنى الواسع الذي يشمل كل ميادين الفكر والفلسفة والأدب والفن والعلم والدين، وقدم نسقه الفلسفي في إطار تقييم الإنجازات الثقافية للماضي وإمكان استخدامها في بناء الوعي الاجتماعي للجماهير. وجاء طرح بلوخ لمثل هذه القضايا من منطلق خوفه على المستقبل الذي يُعدُّ من أهم أبعاد فلسفته، خوفه من أن تُلقي الماركسية بكل الميراث الثقافي بعيدًا وتُشكِّك في قيمته العقلية، وخوفه أيضًا من خطر التعرض للوقوع في هاوية الفراغ الثقافي إذا بدأت البروليتاريا — التي كان من المفترض أن تنتصر في نهاية الأمر — من فجوةٍ فلسفية ومعرفية فأراد أن يربطها بالتراث الإنساني. وقد اعتبر الماركسيون الرسميون — مثل مانفريد بور٤ — أن هذه نظرةٌ تشاؤمية للطاقات الإبداعية الخلاقة للطبقة العاملة، وأنه ليس هناك تراثٌ ثقافي يصلح لكل الأزمان، وأن ما هو صالح ومفيد من التراث مرتبط بفترةٍ تاريخيةٍ محددة لأن مضمون التراث الثقافي يتغير بتطور النظام الاجتماعي.٥ وواقع الأمر أن وجهة النظر هذه مردود عليها؛ فعلى الرغم من أن كل ثقافة مرتبطة بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بظروف عصرها، إلا أن الثقافات والحضارات الأصيلة والعريقة التي تركت بصماتها على التاريخ تتضمن جزءًا يعلو على الزمان والمكان، كما تتضمن إمكاناتٍ قابلة للتطور. وإذا لم يكن هذا صحيحًا فكيف نفسر أن أعمالًا لأفلاطون وأرسطو — في مجال الفلسفة — ما زالت قيد البحث والدراسة في العصر الحاضر. وكيف أن أعمالًا لشكسبير وجوته وغيرهما — في مجال الأدب — ما زال يعاد تشكيلها؟! ولو لم تكن لهذه الأعمال قيمةٌ ثقافية وعقلية لما أمكن تناولها بالدراسة والبحث على مدى عصورٍ طويلة، ولو لم يكن في هذه الأعمال بذور أمل لما أمكن أن يلتقطها الباحثون والمبدعون ليكتشفوا ما فيها من إمكانات ويطوروه في أشكال وصيغٍ متجددة.

كان من الطبيعي أن يكون الدين هو أحد جوانب التراث الثقافي الذي يتعين على الماركسية — في رأي بلوخ — أن تأخذه بعين الاعتبار. والواقع أن هذه نتيجةٌ حتمية لفلسفته — إذا أراد أن يكون صادقًا مع نفسه وما يؤكده من عدم إهمال التراث الثقافي بمعناه الشامل — وجدير بالذكر أن اعتراضات بلوخ على الإهمال الماركسي للدين قد ظهرت في العديد من كتبه، ولكنها اتخذت شكلًا صريحًا ومباشرًا في كتاباته المبكرة مثل «روح اليوتوبيا» و«توماس مونتسر» في حين اتخذت شكلًا مقنعًا في «مبدأ الأمل» الذي حاول فيه بلوخ أن يطابق بين الأمل والماركسية، على نحو ما تحولت «مملكة الخلاص» في الكتابات الأولى إلى «مملكة الحرية» في مبدأ الأمل. كتب بلوخ في روح اليوتوبيا قائلًا: «هناك مشاكل أبدية للاشتياق (…) مشاكل تتجاوز التاريخ وتلهب روح الإنسان وتخلق وعيه الديني (…) حتى يوم الحساب الأخير، حتى الحصاد المروع لسفر الرؤيا.» وكتب أيضًا ما يفيد بأن هذا الاشتياق هو القوة الدافعة للتغيير، وأن الاشتياق للخلاص هو القوة الدافعة للتطور التاريخي: «الاشتياق، الحلم، الحنين إلى المملكة المتعالية التي تقدم أساسًا لجدل قوى الإنتاج، والصراع الطبقي ومقولاتٍ أخرى للصيرورة التاريخية.»

وفي كتابه عن «توماس مونتسر» لاهوتي الثورة أخذ بلوخ العنصر الديني بشكل أكثر جدية — كما ظهر واضحًا من عنوان الكتاب الذي يربط بين اللاهوت والثورة — وأثبت أن هناك علاقة بين الظاهرة الاجتماعية التاريخية والظاهرة الدينية، وأن الوعي الثوري في الحركات الدينية ينمو في تاريخيةٍ عينية ويساعد في خلق وعيٍ تاريخي. والنقطة الأساسية في دراسته التحليلية التاريخية لحياة مونتسر هي الارتباط الإيجابي بين اللاهوت والتحول الاجتماعي، فعلى الرغم من ارتباط مونتسر عقليًّا وروحيًّا بالتصوف إلا أنه لم يهرب إلى عالمٍ صوفيٍّ روحاني، بل اهتم بتغيير العالم الواقعي، لأن التحول الداخلي يأتي أولًا ثم يتجه إلى الخارج؛ إلى الواقع الاجتماعي المحيط به. وعلى الرغم كذلك من أهمية العامل الاقتصادي والسياسي في عمليات التغير الاجتماعي، إلا أن هناك شيئًا ما أكثر من مجرد نظريةٍ اقتصادية لتفسير الثورة والحركات التي تطالب بالتغير الاجتماعي. والمطلوب هو فهم وتحليل الخيال الديني، ومعرفة أن الأحلام والدوافع والخيال لم تكن أبدًا مجرد أيديولوجياتٍ فارغة لأن أحلام اليقظة نشأت من الروح.

في «مبدأ الأمل» يتجاوز بلوخ الرؤية الماركسية التي تؤكد دور العامل الاقتصادي والاجتماعي في تشكيل الإنسان والتاريخ، ويضيف إليها دور التاريخ الثقافي والتراث العقلي أو «البناء الفوقي» الذي يراه ماركس مجرد انعكاس للبناء التحتي. وهذا التراث العقلي يتضمن الدين الذي حثَّ ماركس البروليتاريا على التخلص منه. لقد التفَّ بلوخ حول صورة المستقبل التي رسمها ماركس وألقى بالعامل الاقتصادي في ميتافيزيقا أوسع، وأضاف للماركسية أبعادًا أنثروبولوجيةً متعددة الجوانب تساهم في تشكيل المستقبل. وهذه الصورة اليوتوبية المستقبلية التي رسمها بلوخ دفعت خصومه إلى اتهام فلسفة الأمل بأنها ليست ماركسية بأية حال. ذلك لأن الفلسفة الماركسية الرسمية — كما يقول مانفريد بور — يجب أن تبدأ فيما وراء كل دين، ولأنها تطورت من صراعها مع الدين وانقطاع الجسور بينهما، كما أن كل من يريد بناء عالمٍ أفضل لا بد أن يمحو كل تفكيرٍ ديني، بل ويحيل الدين إلى متحف التاريخ. والخلاصة أن المنبع الديني لفلسفة الأمل يجعلها متناقضة مع الماركسية ومتطابقة مع الفلسفة البرجوازية المعاصرة. والقول بأن هناك أسرارًا في العالم، والإصرار على الحاجة المستمرة للدين في المجتمع الخالي من الطبقات، وطرح أسئلة عن الوجود وعن معنى الموت، وارتباط كل هذه المشكلات بظاهرة الاغتراب، وارتباط كل شيء بالأمل، كل هذا جعل بلوخ قريبًا من فلسفات الوجود.٦

لا شك أن هذا النقد محاولة لوضع الفكر الفلسفي في قالبٍ محدد، وتصنيفه وفق إطارٍ ضيق الأفق كأن يكون الفيلسوف وجوديًّا أو ماركسيًّا أو مثاليًّا … إلخ، في حين أن الفكر الفلسفي الذي يعبر عن أبعاد التجربة الإنسانية لا يمكن تقطيع أوصاله أو قَوْلبته على هذا النحو، وليس هناك ما يمنع أن يجمع الفيلسوف في فكره أبعادًا مختلفة ومتنوعة من الفلسفات الأخرى. وليس هذا دفاعًا عن بلوخ بوجهٍ خاص، ولكنه دفاع عن أي فكرٍ حر بوجهٍ عام. هذا من جانب، ومن جانبٍ آخر يفرض هذا السؤال نفسه في هذا المجال: هل هناك ضرورة لإلغاء الدين من أجل قيام مجتمعٍ اشتراكي؟ وهل استطاعت الماركسية — بالفعل — أن تمحو الدين من ذاكرة الشعوب التي سيطرت عليها فيما كان يسمى بالمجتمعات الاشتراكية؟ إن الانهيار الهائل والسريع لهذه المجتمعات، وما أعقبه من ظهور النزعات الدينية والقومية يشهد على زيف هذا الادعاء. وما فعلته الماركسية ما هو إلا محاولة للاستعاضة عن الدين السماوي بآخرَ دنيوي، وتحويل عبادة الإنسان لله إلى عبادة الإنسان للإنسان، وخلق فئةٍ معصومة من الخطأ وضعت نفسها في مصافِّ الأنبياء، ومحاولة استبدال الاستشهاد بنصوص من ماركس وإنجلز ولينين بآيات الكتب المقدسة. ربما نتفق مع الرأي القائل بضرورة فصل الدين عن الدولة، ولكن ليس هناك ضرورة على الإطلاق لفصل الإنسان عن دينه ومشاعره الروحية من أجل قيام مجتمعٍ اشتراكيٍّ عادل. وإذا كانت الديانات السماوية، وغير السماوية، قد دعت إلى التسامح، فإن الديانة الماركسية — إذا صح هذا التعبير — لم تعرف التسامح، بل قهرت كل من لا يعتنقها أو يخالفها الرأي؛ مما جعل النظم الاشتراكية تتحول إلى نظم استبدادية. والحقيقة أن نظرة بلوخ للتراث الديني كانت أوسع أفقًا وأكثر عمقًا من الماركسية، التي أحالت الدين إلى متحف التاريخ وتجاهلت أن التراث الديني كان أساسًا للإبداعات الفنية والأدبية والعلمية. وإذا كان بلوخ يرفض الدين بمعناه الماورائي فهو ينظر إلى الجانب الثوري منه، وإلى منظور الأمل في كل ديانات العالم. ومحاولة تثوير الدين هي من الأمور المشروعة، فالدين بطبيعته ينطوي على جانبٍ ثوري ضد أوضاعٍ فاسدة، وجاء ليبشر بأملٍ جديد لنصرة الفقراء والضعفاء والمضطهدين في الأرض.

وعلى الرغم من كل ما سبق فإن فلسفة بلوخ ستبقى ناقصة ومجتزأة إذا لم نضعها في أفق ماركس والماركسية والصراع الطبقي والحركة الاشتراكية العالمية. ولا يستقيم البحث في هذه الفلسفة بغير وضعها في هذا السياق «الأيديولوجي» الذي حاول الكثيرون من النقاد أن يخففوا منه، أو يقللوا من شأنه، أو يبينوا بُعده عن الماركسية الأصيلة واختلاطه بعناصرَ غريبة عليها من مثالية وصوفية ودينية ووجودية … إلخ. وقد كانت الماركسية هي الخلفية الأيديولوجية لمبدأ الأمل، بحيث كانت هذه الخلفية بمثابة الرصيد المدَّخر والإعداد الضروري للجبهة التي يدور فيها الصراع من أجل إبراز «الجديد»، ويتم فيها قلب الأوضاع بغية تحقيق «الحلم» أو «الأمل» اليوتوبي في مجتمع الحرية والعدالة. وجملة القول أن «مبدأ الأمل» لا ينتهي بالإطلال على عالمٍ أخروي مثل مملكة الرب التي ينتظر المؤمنون المسيحيون أن تصبح يومًا من الأيام حقيقة على الأرض، وإنما يختتم الكتاب بتأكيد الجانب الإنساني الخالص من الماركسية الذي سيقضي على اغتراب الإنسان والمحاولات التاريخية المتكررة لتجريده من إنسانيته، وكذلك بتأكيد أن هذه الإنسانية الماركسية لم تستنفد بعدُ ولم تتحقق كتجربةٍ حيةٍ معيشة. وتقف الحرية — هذه الكلمة التي طالما أُسيء فهمها واستعمالها — عند نهاية الطريق باعتبارها الهدف الذي يتوجه إليه الأمل وهي — أي الحرية — ليست هدفًا يتحقق في لا مكان (وهي الترجمة الحرفية لكلمة يوتوبيا) وإنما يتحقق خطوة خطوة؛ بالتحرر من الحاجة والخوف، بحرية تفتيح الطاقات والإمكانات لدى الفرد والجماعة، وحرية التضامن مع جميع البشر. فالحرية ليست حلمًا بعيدًا في الضباب، وإنما هي قابلة للتحقق في الواقع، وإن كان ذلك بطريقةٍ تدريجية. إن الحرية «إمكان واقعي» كما يؤكد بلوخ بصفةٍ مستمرة، وعلينا نحن ألا نضيع فرصتها.

(٤) الأمل كمقولةٍ معرفية

أثارت مقولة الأمل مشكلاتٍ عديدة، من أهمها الاعتراض على إمكان إقامة نسقٍ فلسفي على أساس مقولةٍ غير عقلية. لقد ارتبطت الكلمة لفترةٍ طويلة بمعنًى عاطفي يقصد به التمني أو الرجاء. فهل نجح بلوخ في أن يتجاوز المعنى الوجداني الذي يوحي به مفهوم الكلمة إلى معنًى فلسفي أكثر شمولًا؟ وبمعنًى آخر: هل أصابه التوفيق في تحليله للوعي الذاتي والموضوعي بالأمل؟ وهل استطاع بتحليله الأنثروبولوجي والأنطولوجي لحلم اليقظة واﻟ «ليس-بعد» أن يؤسس الأمل كمقولةٍ معرفية تتضمن مضمونًا معرفيًّا حقيقيًّا بالمستقبل وتستشرف ما لم يأتِ بعدُ في الحاضر؟ إن هذه الأسئلة تعبر عن أحد الإشكالات العديدة التي تثيرها فلسفة الأمل. وقد أقام بلوخ — كفيلسوفٍ ماركسي — نسقه الفلسفي على بعض القضايا المنهجية الأساسية للماركسية وأهمها أن مهمة الفلاسفة ليست تفسير العالم، بل تغييره، وأنه «في المجتمع البرجوازي يتحكم الماضي في الحاضر، وفي المجتمع الشيوعي يتحكم الحاضر في الماضي.» أخذ بلوخ هاتين القضيتَين وأضاف إليهما قضيةً أخرى «والحاضر يحكم الماضي بانفتاحه على المستقبل»، ولم يكتفِ بربط مبدئه المعرفي الأساسي بما تم في الماضي فقط، بل بشكلٍ أساسي بما سوف يأتي في المستقبل. بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل هناك جانبٌ معرفيٌّ حقيقي لمقولة الأمل، أم أن فلسفة الأمل تُحمِّل الأمور أكثر مما تحتمل، وتنفتح على المستقبل انفتاحًا غير مسئول من الناحية المعرفية؟ بعبارةٍ أخرى، هل يمكن الكلام بشكلٍ جاد عن الجانب المعرفي للأمل؟

لقد سبق التعريف بالبنية الأنثروبولوجية والأنطولوجية للأمل في التوقع واﻟ «ليس-بعد» كما سبق شرح اتجاه المادة والوعي كليهما نحو المستقبل. ولكن هذا الاتجاه للمستقبل يمكن في رأي هارولد ﻫ. أوليفر٧ أن يعقد الأساس الذي بنى عليه بلوخ فكره. فلو سلَّمنا معه بأن الجوع هو الفزع الأول من الفراغ، وأن الحياة تتجه دائمًا ناحية الإشباع، فإنه لا يقف عند هذا الحد وإنما يصر على طريقته اليوتوبية على أن أي إشباع لا يتحقق تحققًا كاملًا شاملًا، أي على أن كل إشباع بطبيعته ناقص، ومن ثم لا تكمن عظمة الحياة في أنها إشباعٌ كامل، بل في أنها تتجه على الدوام إلى الأمام حيث إمكانية الجديد المتجدد باستمرار، هذا الجديد الذي يتجه بدوره إلى أقصى وأشمل جديدٍ ممكن.٨ ويمكن الرد على هذا الاعتراض بأنه من الطبيعي أن يختار بلوخ التعالي المتجه إلى الأمام، خاصة إذا كان ينكر التعالي الرأسي والماورائي ويحاول أن يقيم فلسفته على أساسٍ دنيوي وواقعيٍّ مادي. ومع هذا يظل السؤال قائمًا: هل هناك معنًى للحديث عن معرفة بواقع لم يتحقق بعدُ؟ يتفق أوليفر مع بلوخ — أو غيره ممن يستخدمون مقولة الأمل — على وجود عنصرٍ مستقبلي أو توقعي في فعل المعرفة، ولكن الاعتراف بهذا لا يتضمن — في رأيه — أن لغة الخطاب المستقبلي تقدم لنا أي معرفةٍ حقيقية بالمستقبل، مهما نظرنا إلى الوجود والتاريخ من جهة الغاية النهائية التي يتجهان إليها والتي يسميها بلوخ بأوصافٍ مختلفة مثل الجديد والأقصى … إلخ.٩ والرد على هذا الاعتراض بأن المعرفة بالمستقبل هي بالضرورة معرفةٌ غامضة أو لا ترقى إلى حد وصفها بأنها معرفة؛ يمكن أن نوجزه فيما يلي:

أولًا: إن هذه المعرفة المستقبلية هي عند بلوخ معرفةٌ جدلية قابلة للنمو والتطور باستمرار. ثانيًا: إن حديثه عن الجديد والممكن — إلى آخر ما تم عرضه في مقولة الإمكان واﻟ «ليس-بعد» — لا يتضمن أن أي جديد أو أي ممكن يحمل بذور التحقق، وإنما يحملها الجديد الذي يتم الوعي به ودراسته دراسةً علمية في سياق الشروط الذاتية والموضوعية المحيطة به، بحيث يبقى على الإرادة الإنسانية أن تحقق هذا الجديد الممكن في الواقع العيني. ومعنى هذا كله أن المعرفة المستقبلية ليست غامضة كما يتصور بعض نقاد بلوخ، وإنما تقوم دائمًا على أساسٍ جدلي وعلى وعيٍ دقيق وإرادةٍ ثورية حتى تتحول إلى معرفةٍ واقعيةٍ عينية.

وتتضمن مقولة الأمل في رأي بعض النقاد التحليليين بعض الأسئلة التي تدور حول منطقية هذه المقولة ومدى صدقها أو دلالتها الحقيقية من الناحية المعرفية. فقد تبدو هذه الناحية المنطقية غير أساسية أو غير مهمة بالنسبة للفلاسفة الذين يهتمون بتغيير العالم. ولكن هل يمكن — في نظر النقاد التحليليين — أن يحميهم هذا من النقد اللغوي والمنطقي لعباراتهم المتوهجة عن الأمل؟ وهل يمكن القول بأن عبارات الأمل التي تنطوي على توقعٍ معين عن المستقبل، هي عباراتٌ صادقة أو كاذبة، أم هي — كما يقول بعض الوضعيين المناطقة — شبيهة بعبارات الميتافيزيقا التي لا هي صادقة ولا كاذبة بل فارغة من المعنى؟ سنورد هنا مثلًا لهذا النقد التحليلي المنطقي ورد في المقال السابق الذكر لهارولد أوليفر، فهو يقول فيه إن هناك ثلاث نظريات عن الوضع الأنطولوجي للمستقبل وكلٌّ منها تقدم إجابةً مختلفة عن الأسئلة التالية: هل المستقبل واقعي تمامًا ومحدد أم لا؟ هل التنبؤ بالمستقبل أو الإخبار عنه صادق أم كاذب أم خالٍ من المعنى؟ هل العبارات التي تشير إلى أشياء أو أحداث في المستقبل لها مدلولات تدل عليها أم أنها تفشل في ذلك لأن هذه المدلولات الجزئية لا وجود لها؟ ويستطرد الناقد التحليلي قائلًا إنه إذا صحت النظرية التي تقول إن مقولة المستقبل مقولة «فارغة» لأن المستقبل غير واقعي، فإن العبارات التي تتحدث عن أحداثٍ مستقبليةٍ معينة لا تكون من الناحية المنطقية صادقة ولا كاذبة، لأن هذه العبارات لا يكون لها معنًى إلا إذا تحققت الأحداث المستقبلية التي تتحدث عنها تحققًا واقعيًّا أو لم تتحقق على الإطلاق في الواقع، بحيث يمكن الحكم عليها في الحالتين بالصدق أو بالكذب. أما العبارة التي تقول إن المستقبل غير واقعي إلى حدٍّ ما فهي تقرر أن المستقبل لا يكون واقعيًّا إلا إذا تحدد تحدُّدًا علِّيًّا (أو سببيًّا) بالحاضر أو بالماضي، ومعنى هذا أن جوانب المستقبل التي ليس لها عللٌ محددة هي جوانب غير موجودة أو غير واقعية، أما النظرية الثالثة عن المستقبل الكامل فتذهب إلى أن المستقبل بأكمله واقعي أو عيني، وبيان هذا أن كل عبارةٍ ذات معنًى عما سوف يحدث في المستقبل هي إما صادقة وإما كاذبة، بحيث يمكن الإحالة إلى مدلولاتها الجزئية في المستقبل.١٠

الواقع أن وضع المشكلة في هذا الإطار الذي تحدده الفلسفة التحليلية المنطقية شيءٌ بعيد عن بلوخ، كما أنه سيكون من وجهة نظره وضعًا مملًّا وعقيمًا. وربما يكون فلاسفة التحليل المنطقي محقِّين في مطالبتهم بالتحليل المنطقي للعبارات والقضايا المهمة التي ترد عند فلاسفة الأمل ومنهم بلوخ، وذلك مثل الوضع المعرفي للأمل وطبيعة المستقبل والمشكلات المنطقية المتعلقة بالاحتمال والإمكان والوضع الأنطولوجي للمستقبل الذي لا نستطيع في رأيهم الحكم عليه لأنه لم يتمَّ بعدُ. ولكن السؤال هو: هل هذا التحليل المنطقي هو الإطار الملائم لتوضيح أمثال هذه القضايا، أم أن مناقشتها تحتاج بالضرورة إلى وضعها في سياقٍ ميتافيزيقي وسياسي وفلسفيٍّ أوسع؟ الحق أن إثارة مثل هذه القضايا — أي وضع مقولات المستقبل في إطار تحليلٍ منطقي — لا يأتي عن اقتناع برأي أصحابها أو بمنهجهم، بقدر ما يعبر عن أهمية هذه المقولات واحتياجها إلى دراسةٍ معرفيةٍ دقيقة. ولا نستطيع أن نقطع بأن إحدى النظريات السابقة عن المستقبل هي النظرية الصادقة، ولكن مجرد الحديث عن المستقبل يشير إلى تناهي التجربة البشرية، كما أن الإصرار على الأمل في المستقبل واللغة الغنية التي يتم بها الحديث عما لم يأتِ بعدُ يؤكدان أن صور المستقبل وخيالاته تنطوي على رموزٍ شديدة القوة والأهمية في التجربة الإنسانية سواء في الماضي أو في الحاضر. وإذا كان كل حديث عن المستقبل ينطوي على قدر من الرمزية، كما أن عبارات الأمل لا يمكن أن تؤخذ حرفيًّا على أنها معرفة بالمستقبل، فلا يمكن في الوقت نفسه الاكتفاء بدلالاتها الرمزية، ولا يمكن أيضًا غض الطرف عنها بحجة أنها مجرد خيالات أو تخيلات. والاحتجاج بأن عبارات المستقبل لم تصدق بعدُ يؤجل السؤال عن صدقها ويجعلها تعبيراتٍ هشة عن الانجذاب للجديد والاندفاع إلى التغيير. كما أنها تُعرِّض فلسفةً سياسية مثل فلسفة بلوخ لأن تؤخذ مأخذًا غير نقدي ولا جاد باعتبار أن صدقها لن يتحقق إلا في المستقبل. وخلاصة القول أن السؤال عن صدق هذه العبارات أمرٌ مشروع ولا يصح أن يؤجل، كما ينبغي عدم إعفائها من الفحص النقدي حتى لا تظل رموزها رموزًا غامضة ولا يُساء فهمها أو تأويلها بأنها مُضلِّلة.

إن إثارة مثل هذه المشكلات المنطقية والتحليلية عن قيمة الصدق في عبارات الأمل واﻟ «ليس-بعد» ليس إلا من قبيل الحرص على ألا تُتهَم فلسفة بلوخ بأنها مجرد فلسفةٍ رمزيةٍ غامضة، وأن مشروعيتها تقوم فقط على حقيقة أن بُعد الأمل يمثل بعدًا هامًّا من أبعاد التجربة الإنسانية في الحاضر والماضي على السواء؛ مما يشكك في قيمتها المعرفية والمنطقية إلى حد اتهامها بالغموض والتضليل. ولعل التحليل السابق لطبقات مقولة الإمكان يؤكد أن بلوخ نفسه لم يغفل تمامًا البعد المعرفي لمقولَتي الإمكان واﻟ «ليس-بعد» اللتين تمثلان العصب الأساسي لمقولة الأمل. وإذا كان بلوخ قد تناول هذا التحليل المعرفي في سياق فلسفته السياسية والمادية الجدلية، فيمكن القول بأن هذا الجانب المعرفي والمنطقي يحتاج إلى مزيد من الفحص والتحليل، سواء من وجهة النظر الإبستمولوجية الخالصة أو من وجهة النظر التحليلية المنطقية. وعلى أية حال فإن تجربة الأمل ليست مجرد وضع أو جمع أفكار عن المستقبل، وإن كانت صيغتها ستتضمن بالضرورة رموزًا مستقبلية، إذ يمكن القول بأن الأمل في النهاية هو أسلوب في الحياة، وأن الأمل الأصيل هو الذي يؤدي بنا إلى مواجهة الحياة مواجهةً مسئولة بحيث يكون الوجود البشري هو «الوجود في الأمل».

(٥) الأمل والمستقبل

تتسم فلسفة بلوخ بأنها فلسفةٌ مستقبلية تنظر إلى الزمان والتاريخ من منظور توجههما نحو المستقبل. فما هي أهمية هذه الفلسفة المستقبلية؟ وماذا يعني المستقبل — هذا البعد الهام من أبعاد الزمان — للفكر الفلسفي بصفةٍ عامة؟ وما أهميته في فلسفة بلوخ بصفةٍ خاصة؟ الحقيقة أنه لا يمكن لأي مشتغل بالفكر في عصرنا أن يغفل أهمية المستقبل بالنسبة للفلسفة عامة. فقد أصبح — أي المستقبل — يمثل مشكلةً فلسفية، بل ومن أهم المشكلات التي تشغل الفلسفة في الوقت الراهن، كما أصبح هو التحدي الحقيقي الذي يواجهها. أما عن أهمية المستقبل في فلسفة بلوخ، فقد انعكس في عدم طرحها أفكارًا نهائية وعدم تقديمها نسقًا مغلقًا، بل إن تمسكها ببعد المستقبل جعل منها فلسفةً حية ومفتوحة وقابلة لكل من يأتي من بعده — أي بعد بلوخ — لأن يضيف إليها ويستكملها ويجددها.

ومن هذا المنظور المستقبلي نظر بلوخ إلى الماركسية التي لا يمكن في نظره أن تنحصر مهمتها في بناء مجتمعٍ اشتراكيٍّ قائم على اقتصادٍ موجَّه فقط، بل يجب أن تعكس أفق المستقبل الذي هو موضوع الفلسفة، ولا بد للفلسفة أن تقفز إلى ما وراء الحاضر الاشتراكي وأن تتجه للهدف البعيد؛ الهدف الذي لا يتحدد ويصفه بلوخ بأوصافٍ عديدة كالجديد والخير الأسمى والكل اليوتوبي والوطن … إلخ. إن مقولة اﻟ «ليس-بعد» تنطبق على الماركسية أيضًا باعتبارها فلسفةً لم تكتمل بعدُ، وبهذا يكون بلوخ صادقًا مع نسقه الفكري المفتوح، وتمسكه بالماركسية حتى اللحظة الأخيرة من حياته لم يجعله يقصر فلسفته على الاشتراكية القائمة أو يحصرها فيها، بل طالب دائمًا بتجاوزها وفتح أبوابٍ أوسع على آفاق المستقبل. ولكن الماركسية الرسمية نظرت إلى المستقبل المفتوح عند بلوخ على أنه موضوع للتأمل، وأن فلسفته برمَّتها ما هي إلا مثاليةٌ صوفيةٌ تأملية. وقد عبر بور عن ذلك بقوله: «إن المستقبل ليس موضوعًا للتأمل وإنما هو مشروعٌ تاريخيٌّ عيني، وقد أصبح المستقبل واقعًا وحاضرًا (…) ومنذ ماركس نظريًّا ولينين وثورة أكتوبر عمليًّا لم يعد الإنسان والعالم في صراع مع بعضهما البعض، بل دخلا مملكة الحرية. إن مهمة الفلسفة في المقام الأول هو الدفاع عن الإنجازات الاشتراكية بكل الوسائل، وإن البعد الاشتراكي في الماركسية لا يتوافق مع المبدأ التاريخي للأمل الذي لم يُحدَّد عينيًّا، والذي ما زال في طي الأفق (…) ويؤمن بلوخ بأن الماركسية — بلغة كانط — نقد للعقل الخالص ويجب أن تتم بنقد للعقل العملي.»١١ ولكن بور يؤكد أن نقد العقل العملي هذا لا داعي له أبدًا لأنه في الواقع هو التطبيق العملي للاشتراكية.
وفي مقالةٍ أخرى اتهم مانفريد بور بلوخ بأنه يحاول إيجاد مكان للماركسية في تفكيره الخاص وإدماجها — أي الماركسية — فيه باعتبارها جزءًا منه، بدلًا من أن يجعل فكره الخاص جزءًا من الفكر الماركسي كما ينبغي لإنسان يصف نفسه بأنه ماركسي. وقد اتهمه كذلك بأنه رفض الدخول في الحزب الاشتراكي لأنه تصور أن هذا يعني الخضوع للحزب والتخلي عن «روح اليوتوبيا» التي لا تتقيد بحدودٍ ثابتة ولا تنحصر في إطارٍ محدَّد. ويورد بور نصًّا من روح اليوتوبيا يشرح فيه بلوخ سبب ضعف اهتمام الماركسية بالعقل العملي: «إن التأكيد الشديد على العوامل الاقتصادية وإهمال الجوانب المتعالية هما اللذان جعلا الماركسية نقدًا للعقل الخالص الذي ما زال يبحث عن نقدٍ ملائم للعقل العملي، لقد أبرزت الماركسية الجانب الاقتصادي لكنها تركته مجردًا من الروح.» ويدعم بلوخ هذا المطلب الأساسي لنقد العقل العملي الذي تفتقر إليه الماركسية من خلال تأكيد العلاقة بين الخارج والباطن. فالماركسية والدين — اللذان يتفقان في إرادة السيطرة — ينطويان على تياراتٍ سفليةٍ مشابهة هي الروح والمخلص، حيث نجد أن الانتباه إلى الكل الشامل هو الدافع إلى العمل والمعرفة، كما أنهما يكونان الشروط القبلية لكل سياسة أو ثقافة. ويتهم بور بلوخ بأنه عجز في ذروة تفكيره عن كسر مرآة المجتمع البرجوازي فلم يستطع أن يرى أن نقد العقل العملي الماركسي الذي، يطالب به هو على التحديد، الكفاح التاريخي للطبقة العاملة وللتنظيم الحزبي. إن تفكير بلوخ يظل محصورًا في حدود المجتمع البرجوازي، ولكنه تفكير يعبر عن مرحلة انتقال. وحديث بلوخ عن التقدم للأمام هو في الواقع قفز وراء الواقع التاريخي الدائر من حوله والعمليات الواقعية التي تحركه. وبدلًا من أن يشعر بهذه العملية التاريخية من حوله نجده يستبدل بها غايةً نهائية يضعها بصورةٍ أولية في العالم نفسه لا في الصيرورة الاجتماعية.١٢
ومعنى هذا أن بور يتهم بلوخ بأنه يستبدل بالكفاح التاريخي صيرورةً كونيةً غامضة. وحقيقة الأمر أن تفكير بلوخ ليس محصورًا في حدود المجتمع البرجوازي كما يزعم بور، ولكن اتساع نظرته على المستوى الإنساني والكوني جعله يدخل الماركسية-اللينينية كجزء من هذا المتطور الكلي، فلا يمكن تجاهل السمات الأساسية في تفكير بلوخ كالثراء الثقافي وتعدد المناظير والإبداع والنزعة الإنسانية والنزعة التفاؤلية، كل هذا جعل الماركسية بصفةٍ عامة تنطوي في نسقه الفكري إلى الحد الذي دعا بور إلى التساؤل: هل كان ماركسيًّا أم لم يكن؟ ويمكن الرد على السؤال بآخر: وهل يُتهَم الفيلسوف — سواء كان ماركسيًّا أم لم يكن — بعمق تفكيره؟ ألم يكن بلوخ أكثر إحساسًا بالتاريخ عندما أعلن أن الماركسية لم تقدم إلا نقدًا للعقل الخالص، وما زال عليها أن تستكمله بنقد للعقل العملي؟ ألم يثبت الانهيار الأخير للنظم الاشتراكية صدق حسه بالتاريخ! لقد أثبتت الدراسات التي اهتمت ببحث أسباب فشل هذه النظم أن الماركسية ما زالت بالفعل نظريةً ناقصة، فها هو جاك بيديه يعلن أن «ما أنتجته الماركسية هو نظرية نصف عامة للتاريخ، نظرية تعبرها خطوطٌ فلسفيةٌ مختلفة، ثم وجدت نفسها بعد ذلك متبلورة في لغاتٍ فلسفيةٍ مختلفة (…) فالماركسية بهذا المعنى في حاجة إلى من يكملها.»١٣
إن فلسفة بلوخ للأمل — على الرغم من أنها فلسفةٌ تقدمية — تتسم بنزعةٍ تفاؤلية وانفتاحٍ هائل ودائم على المستقبل، إلا أنها لم تؤمن بحتمية هذا التقدم المتجه إلى الإمام إلى الحد الذي يجعلها تغفل الجانب السلبي من الأمل، بل وضعت نصب عينَيها دائمًا الواقع العيني المتغير، فهي تستقرئ ما فيه من تحولات وإمكاناتٍ كامنة، كما أنها لم تغفل الطبيعة الإنسانية المتغيرة في التاريخ، فليس هناك حتميةٌ تاريخية تجعل الأمل يتجه بالضرورة إلى الأمام، فمن الممكن — كما حدث في فتراتٍ كثيرة من التاريخ — أن يصاب الأمل بخيبة الأمل. وربما يكون الانهيار الأخير في النظم الاشتراكية — طبقًا لفلسفة بلوخ الجدلية — هو إحدى فترات خيبة الأمل. ولا يعني هذا أن يموت الأمل، فمن الممكن أن ينهض من كبوته مرةً أخرى بعد أن تدرس تحولات الواقع وشروطه الذاتية والموضوعية دراسةً دقيقة، وربما تنهض الاشتراكية مرةً أخرى، في المستقبل القريب أو البعيد، في ثوب أكثر إنسانية وحرية وتسامحًا. إن نظرة بلوخ الجدلية للتاريخ وللواقع تتسم بالمرونة وتبتعد عن التصلب الذي طبع النظرية الماركسية وجعلها تؤمن إيمانًا لا رجعة فيه بقوانين الحتمية التاريخية وحتمية الثورة في إحداث التحولات الكبرى في التاريخ؛ مما جعلها ترفض أي تحولٍ سلمي لمراحل التطور، بل وتنظر إليه على أنه من قبيل الأيديولوجية البرجوازية. وإيمانها — أي النظرية الماركسية — بالحتمية التاريخية جعلها — كما يقول د. فؤاد زكريا — تغلب النظرية على الواقع المعقد المتجدد (…) ولا شك أن الإسراف في الفكر النظري يؤدي إلى الإفراط في التنبؤ، فيبدو التاريخ وكأنه مراحلُ حتمية لا مفر من حدوثها. كما انتقل التاريخ من مرحلة العبودية إلى مرحلة الإقطاع، ومن الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الاشتراكية فالشيوعية. ويصور هذا الانتقال كما لو كان قدرًا محتومًا لا فكاك منه، وكأن هناك قوة تعلو على الأفراد والأنظمة والحكومات اسمها «حتمية التاريخ» تعمل على دفع الأحداث في الاتجاه الذي تتنبأ به النظرية.١٤

وضع خصوم بلوخ فلسفته في سياقِ ما يسمونه الفلسفة البرجوازية، وراحوا يؤكدون ارتباطه بالفلسفة الألمانية الكلاسيكية من ناحية وبفلسفة الحياة والوجودية من ناحيةٍ أخرى، بل يؤكدون أنها وجوديةٌ معكوسة تضع الأمل في مكان «الهم والقلق» وأنها تعبر عن احتجاجٍ فردي على الرأسمالية وتعد بخلاصٍ دنيوي في «مملكة الحرية» أو الجنة الأرضية، لكي تشتت أنظار الساخطين والمضطهدين بالأمل الغامض في مجتمعٍ أفضل لا يقل عنه غموضًا. ولهذا يظل بلوخ في نظرهم فيلسوفًا مثاليًّا امتزجت في فلسفته عناصرُ صوفية ودينية ومثالية من التراث بحيث لا تتصل ماديته أدنى صلة بالمادية الجدلية، لأن جدليته المثالية والذاتية تبتعد في رأيهم بعدًا شديدًا عن الجدلية الماركسية «الموضوعية»، كما أن فلسفته في الأمل والاشتراكية اليوتوبية وفكرة الخلاص العالمي لا يمكن التوفيق بينها وبين المادية الجدلية التاريخية و«العلمية». وقد تصور هؤلاء الماركسيون الحرفيون أن الاشتراكية العلمية قد أنهت كل تفكيرٍ يوتوبي بحيث أصبح مفهوم اليوتوبيا مفهومًا مجردًا ومتعارضًا مع البناء الاشتراكي والتطور العقلي والاجتماعي، ونسوا أن الجدل المادي — بحكم مفهومه نفسه — يوتوبي بحكم طبيعته، ومنفتح على المستقبل.

خلاصة القول أن مادية بلوخ تُتهم بأنها ماديةٌ تأملية، كما تتهم ماركسيته بأنها ماركسيةٌ مثالية وصوفية، حتى إن هابرماس — وهو من الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت — يصفه بأنه شيلنج الماركسية، كما يوصف أيضًا بأنه نبيٌّ جديد يبشر بالخلاص على لسان ماركس. ويمكن الرد على كل الاتجاهات السابقة بأنه لا يؤخذ على الفيلسوف أن تكون ثقافته موسوعية، ولا يمكن أن يعاب عليه أن تستوعب فلسفته كل التراث الإنساني وكل التيارات الفلسفية في عصره وفي تراثه القومي والوطني بوجهٍ خاص، لأن المهم هو كيف تتفاعل كل هذه الفلسفات في نسقٍ فلسفيٍّ جديد وأصيل ومتميز. لقد عاش بلوخ في عصر تفاعلت فيه الثقافات والفلسفات، ومن الطبيعي أن تلتحم فلسفته بمشاكل عصره وهمومه، وما أثارته فلسفته من مشكلات وما طرحته من أسئلة — لم يجب عنها هو نفسه — إنما تعبر عن أزمة الماركسية المعاصرة، وليس عن أزمة في فلسفته ذاتها، لأن الفلسفة الحقة ليست هي تلك التي تقدم إجاباتٍ جاهزة أو تطرح حلولًا صالحة لكل زمان ومكان، وإنما هي تلك التي تُقاس أصالتها بقدر ما تطرحه من مشكلات وأسئلة وقضايا، وعلى كل عصر أن يحاول الإجابة عنها وإيجاد حلول لها بما يتفق مع واقعه الاجتماعي وسياقه التاريخي ومتطلبات عصره. لذلك لا يمكن القول بأن شيلنج — المثالي الصوفي — هو المنتصر في نهاية «مبدأ الأمل»، وإنما المنتصر هو ماركس الحقيقي، أو بمعنًى أكثر دقة الماركسية الإنسانية. ويعود إصرار بلوخ على الفكر الماركسي إلى اهتمام هذا الأخير بالاندفاع نحو المستقبل، فتاريخ الفلسفة من أفلاطون إلى هيجل قد حصر الفكر في دائرة الماضي، ثم جاء ماركس ليدفعه نحو المستقبل، وأقامه على أسسٍ اقتصادية وعلى تحليله للصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي. واتخذ بلوخ من هذه الاندفاعة الأولى نقطة انطلاق ليؤسس هذا المستقبل فلسفيًّا، وتجاوز الحدود الماركسية لينطلق إلى آفاقٍ أرحب، وأقام نسقًا فلسفيًّا كاملًا ومفتوحًا على مستقبلٍ إنساني وواقعيٍّ ممكن.

وعلى الرغم من صعوبة استخلاص هذا النسق الفلسفي كما قلنا في بداية هذا البحث بسبب ما يتسم به من غموض وتعقيد شديدَين، واستطراد في تفاصيل لا نهائية إلى حد التشوش وبأسلوب تغلب عليه الصور الفنية (الاستعارة والمجاز والرمز) على الرغم من كل هذا، فلا نستطيع أن نغفل ما قدمه هذا النسق عن أهمية الأمل ودوره في إحيائه في عصر استفحلت فيه الأزمات والاضطرابات والحروب وسائر المشكلات العالمية الملحَّة التي جعلت عددًا كبيرًا من المشتغلين بالفلسفة والفكر يهتمون بقضية المستقبل بكل أبعادها. كما لا يمكن إغفال انفتاحه الهائل على المستقبل، هذا البعد الغائب إلى حدٍّ كبير في فلسفتنا العربية. وقد لا يكون أمل بلوخ هو بالضرورة أملنا، وقد لا يكون هدفه هو بالضرورة هدفنا، ولكن ما يهمنا من هذه الفلسفة هو التشبث بالأمل ليكون عونًا لنا في عالمنا الثالث لفتح آفاقٍ أوسع للمستقبل، حتى نخطو خطواتنا الأولى نحو التاريخ الحقيقي الذي هو بداية الطريق للوصول إلى الغاية النهائية إلى «مملكة الحرية». وهنا يمكننا أن نقول مع بلوخ إن الإنسان لا يزال يحيا فيما قبل التاريخ، وإن كل شيء لا يزال في مرحلةٍ سابقة على خلق العالم الحق، وإن «النشوء» أو «التكوين» الحقيقي لا يكون في البداية، وإنما يبدأ من النهاية — أي نهاية تاريخ الظلم والاغتراب والاستغلال — وسيبدأ هذا التاريخ «الجديد» و«الأصيل» عندما يصبح المجتمع والإنسان جذريَّين، أي عندما يتشبثان بالجذور، وجذر التاريخ هو الإنسان الذي يعمل ويبدع ويعيد تشكيل المعطيات القائمة ويتجاوزها. فإذا استطاع أن يمسك بجذوره ويؤسس إنسانيته بعيدًا عن الاغتراب الذي خيم عليه طوال تاريخه السابق أو بالأحرى ما قبل التاريخ الحقيقي؛ إذا استطاع أن يفعل هذا بروحٍ ديمقراطيةٍ حقيقية، فسوف يظهر في العالم شيء لم يوجد أبدًا من قبلُ ولم يُقدَّر لإنسان أن يعيش فيه. هذا الشيء اسمه «الوطن». وهذا «الوطن» الإنساني الحق هو الغاية النهائية لفلسفة بلوخ. وما إن يدرك الإنسان نفسه ووجوده إدراكًا خاليًا من التخارج والاغتراب ويؤسسها على أساس من الديمقراطية الواقعية حتى ينشأ في العالم شيءٌ يظهر للجميع في مرحلة الطفولة؛ شيء لم يبلغه أحد حتى الآن، ألا وهو «الوطن». هذا الوطن هو الهدف الأخير للطبيعة الإنسانية عندما تحقق غناها، وهذا الذي سيبنيه ويعيش فيه اسمه الإنسان نعم … الإنسان.

١  جودولييه، موريس: سياق الوهم، من وقائع ندوةٍ عالمية بعنوان: نهاية الماركسية اغتيال أم انتحار؟ باريس، جامعة السوربون، من ١٧ مايو إلى ١٩ مايو ١٩٩٠م، وقد نشرت مجلة القاهرة وقائع الندوة في عددَي ١٨٨-١٨٩ سبتمبر، أكتوبر ١٩٩٢م، على التوالي، هذا المقال من عدد أكتوبر ص١٠٤.
٢  بيديه، جاك: الأخضر والأحمر جنبًا إلى جنب، من وقائع الندوة السابقة، عدد ١٨٨، سبتمبر، ص٦٤-٦٥.
٣  Tadie, Ljubomir: The Marxist Critiaue of Right in the Philosophy of Ernst Bloch. praxis InternationaI. V. I. 1982. p. 427.
٤  Manfred Buhr: مدير المعهد المركزي للفلسفة في الأكاديمية الألمانية في برلين (الشرقية سابقًا)، نشر هذا المقال في المجلة الألمانية للفلسفة، وهي المجلة التي أشرف بلوخ نفسه على تحريرها من قبلُ. وقد ظهر هذا المقال في نفس الوقت مع ظهور مبدأ الأمل ونُشر في العدد الرابع عام ١٩٨٥م. وقد ترجم روبرت شرايتر — الأستاذ بجامعة Nijmegen في الأراضي الواطئة — هذا المقال إلى اللغة الإنجليزية ونشره في مجلة «الفلسفة اليوم» عام ١٩٧٠م.
٥  Buhr, Manfred: Acritique of Ernst Bloch’s philosophy of hope presented by Robert Schreiter in: Philosophy Today, 1970. Vol. 14. p. 262.
٦  Ibid: p. 269.
٧  Harold. H. Oliver أستاذ بجامعة بوسطن.
٨  Oliver, H. Harold: Hope and knowledge, The Epistemic Status of Religious Language. In: Cultural Hermeneutics 2. Dordrech-Holland, D. Reidel publishing Company, 1974. p. 80.
٩  Ibid: p. 81.
١٠  Ibid: p. 81–83.
١١  Buhr, Manfred: A Critique of Ernst Bloch’s Philosophy of Hope p. 269-270.
١٢  Buhr, Manfred: Seven Comments on Ernst Bloch’s philosoply.in Studies in soviet Thought 33. 1987 Reidel Publishing Company p. 334-335.
١٣  بيديه، جاك: الأخضر والأحمر جنبًا إلى جنب، من وقائع الندوة العالمية السابقة الذكر، المقال من عدد ١١٨، سبتمبر، ص٦٦.
١٤  فؤاد زكريا: مقامرة التاريخ الكبرى، الكويت، جريدة الوطن، العدد ٣٥٦٠، الخميس ١٨ يناير ١٩٩٠م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١