إيروس الفضة

أسماءُ الحبِّ في صيفهِ

(١١) كَلَف

دخلت الشمسُ من الشبَّاكِ،
دخل الأسد من الباب،
وكنتِ ترفعين صليبي والوردُ يسقطُ من أقدامي،
بدأتِ تغنين وأصابعك على ثقوب الناي (أعني جسدي)،
كلما أشتد عزفكِ صحتُ: حبيباتي،
قصبٌ فارغٌ يتحطم في القرى البعيدة،
والمغاطس تمتد في الروح،
حتى تذوبي من كلفٍ ولا تُنزليني،
معًا سرقتنا شموع الليالي وذُبنا أسًى والتوينا،
عاري القدمين درت حولكِ وأسكرت عيونَكِ،
وأنت من ربيعٍ إلى ربيعٍ تتفتحين ويكتمل البدر في صدرك.

(١٢) شغف

أيعنيكِ ارتفاع السنابل أعلى حصوني؟
أيعنيكِ هذا البكاء الطويل؟
أيعنيكِ طبع الحفاوات مثل مطرٍ سائحٍ في البيوت؟
ندخل في ملعب الرغبات،
شغفٌ لا يشبه اندفاع موجةٍ ولا يشبه الشمس في حبالها،
شغف مثل مقدَّس يستعمر ظلامي،
أيكون تحت ابتسامة نبعي؟
أيكون سجادةً لصلاتي؟
الأيامُ الغائصةُ كسكِّينٍ في روحي،
ومثل حنين الرعاة،
الأيام التي ترجُّ المياه ولا تلتفت.

(١٣) شعف

ناره تتريث في وردةٍ ودخانٍ،
ثم يشطرها حيوان الليل،
فتعلو في جسده،
عادت الريح تأكلنا في زوايا الفراق،
جمعنا معًا قطع الملحمة الممزقة ﻟ (بيرام وتسبي)،
ومددنا من الثقب خيوطًا،
أين مسراجنا؟
أين تلك الخمور التي بددتنا في البكاء؟
تعبت ناره وهو في شعفٍ يتلظَّى،
تهوي مناراته ويتحطم ذاك الكمان العريض،
الذي كان ينسجُ منه الأغاني.

(١٤) صبابة

كان في رمله يتسلى بلغزٍ،
بذرة النار تنمو وهو يزداد تحملًا وخوفًا،
عندما تكون أرواحنا معتمةً لا نستطيع الفكاك من القيود،
أرمي إليه الحبال،
لأسحبه من تراب،
روحه في دخان وفي لغطٍ،
يناور في وردةٍ يابسةٍ،
وتطليه فضةٌ غامضةٌ،
كان فصلًا شقيًّا،
وكانت أيامه تتدحرج في التيه،
ولغز يديه على حاله مثل قيدٍ عتيق.

(١٥) جوى

شيلي رمادكِ عني،
وشيلي ثيابكِ،
وشيلي يديكِ،
سكنَ الليل وتحت الظلام رأيت السيوف،
تتنكرين بوجه المساء،
وأنت قاسية كالجمر،
وطاستك ملأى بالخمر والزيت،
هذا أوانكِ أم أوان الصيف،
بلَّ أصابعي ماء الجوى،
وتحركت أكبادي في التراب،
تتجمعين في فكرةٍ،
وتتناثرين في قصبٍ،
يتعبدكِ العامة،
ولا تبالين بهم.

(١٦) رسيس

أنظر في المرآة القصيَّةِ،
وأراك مجتمعةً في ضبَّة سنابلٍ،
تحركين الأفق بمهفَّتكِ،
ويتحرك سحر الكلمات في رسيسٍ،
هذا أوانكِ لا أواني،
أسير مثل قافلةٍ منهوبةٍ،
وتركضين وأنت فوق أسدكِ،
تزخرفين روحي ويتصلَّب بك الزمان،
بينما أتفتت تحت ساقيكِ،
غموض الظلام فيكِ ورشقات النجوم،
وعلى حافات كأسي زغبٌ منك ووسنٌ يتكسر.

(١٧) سُهد

ذهبتَ إذن يا ربيعي،
وخلَّفت هذي السواقي التي ركدت فيها بروقي،
أتذكر الغاوية وهي تجرني على بلاطها،
أتذكر التي أدقُّ على حائط غرفتها ليلًا،
فتفتح لي بابها وجسدها،
أتذكر عنقي الذي شرَّبته القبلات،
ويوخزني الماء يرشح من مرشٍّ معلقٍ فوق رأسي،
أنزع قميصي،
بلَّله السهرُ والسهدُ وعتَّقته الأغاني،
أنزعُ بنطالي،
بقَّعته الليالي بسمرتها،
يشبه الجمر لساني،
وأنا أغلق الباب وأنفرد بعريها،
هل تساءلتِ عن معنى أن تكون الوردة أسفل بطنكِ،
وأن يكون غصنها معي؟
نصعد الدرج الذي يؤدي إلى الليل،
وهناك نزرع الريحان والندى،
لستُ غريبًا عن أسناني،
ولا يدي بعيدة عني،
لكنكِ تهربين بين أيدي الليل،
وتتركيني مع أقفالي وكئوسي،
السهد يثقب روحي،
ويجعل الريح تخترقها،
وأنتِ مثل السمكة تلعبين في مائي.

(١٨) جزع

طالت لحيتي وتهلهلت ثيابي،
وكلما خطت أفقي من ناحيةٍ،
انفتقَ من الناحية الأخرى،
الساعات القليلة التي أقضيها معكِ لا تكفي،
أكون، عادة، على طرف السرير ولا أحصل منكِ على وردةٍ أو شذى،
عُسيلتكِ لا أتذوقها ولا تتذوقين عُسيلتي،
ولا رعد يقلب الفوق تحت،
فيما ننظر أنا وأنتِ إلى التلفزيون،
ونقلِّب القنوات دونما معنًى وحتى أغاني الحب لا تستوقفنا،
ما يجعلني دائمًا في المهبِّ هو أنكِ لا تبالين بثيابي المبلولة،
وتدخنين بشراهةٍ وكأني منفضة سجائركِ،
لم تعودي تضحكين من النكات التي أحكيها لكِ،
ولم تعد مغامراتي القديمة تثيرك،
فيما ستائركِ دائمًا مفتوحة وعلى سريركِ الشوك،
روحي تجزع وكذلك أعضائي،
فأهربُ منكِ رغم محبتي ورغم عنفوان وجعي.

(١٩) لوعة

كان الفراشُ باردًا ثم أصبح ساخنًا ثم عاد باردًا،
ما الذي يعنيه كلُّ هذا؟
تنزلُ القلادة من رقبتي وهي تحملُ صورة النار في موقد يشبه الكاس …
ولكني رغم ذلك أشعرُ بالبرد،
ورغم أن السكين تحت مخدتي لكني أشعر بها في خاصرتي.
الحمارُ ميت قرب منضدتي وكذلك الطيور الجميلة التي كانت تنقر برأسه … أراها
هناك مائلة الرقبة.
حسنًا ماذا أفعلُ بفمي الآن …
لم يعد صالحًا للكلام ولا للقبل ولا للطعام،
فجأة أصبح مثل قرحةٍ كبيرة تلطِّخ وجهي،
أما البركان الخامد في داخلي فقد بدأ يستعيد نشاطه ويتأرجح في الظلام.
هناك أمورٌ كثيرة لا بد لي من فعلها،
لكني لا أتذكرها ولا أستطيع فعلها إن تذكرت.
تهزُّ جدراني حسرات مرعدةٌ وأحدِّق في نفخات الدخان التي تخرج من حافاتي.

(٢٠) هيام

حين رششتُ أنبوب الماء على جدراني ظلت عطشى،
سرعان ما امتصت الماء ولم تتبلل.
حتى يدي لم تتبلل رغم أن الماء يسيل منها،
عطشي وصل إلى أقصاه،
كأن الشمس التي بشَّر بها الغرام حوَّلت الأرض إلى صحراء،
كأني تراجعت عن عزلتي وصرت في زحامٍ.
الأيام التي في البستان تحولت إلى صخور،
وهناك على ما يبدو رهط كثير من الأفاعي،
أمسك قزمتي وكركي وأنظف بستاني،
لكن الأحراش تحيط بي،
ماذا أفعل وأنتِ بعيدة عني،
كان يمكن أن يسقط قليل من العرق منك فينتهي كل شيء،
ويعود البستان كما كان،
أسمع لهاثكِ ولا أرى عرقكِ،
حتى عادات الحب نسيتها،
أحكُّ ظهري بعودٍ،
وأنظر أظافري الطويلة،
من فعل بي كل هذ؟
هجركِ طويل وفاره،
وأنا أحطُّ الطين فوق الطين بلا معنى،
غطى الرماد جسدي،
بينما الجمر ما زال متوقدًا في أغواري.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦