إيروس النحاس

أسماء الحبِّ في خريفه

(٢١) أرق

حدَّق الخريف بي مثل دبٍّ عجوز،
ورمى بوجهي رسائله الصفراء،
كان يمضي إلى كهفه ثم يخرج ساخرًا مني،
الليالي كانت تمرُّ وأنا لا أنام،
ودُبُّ الخريف يزداد غضبًا،
الكلام القليل الذي بحتُ به لكِ لم يجعل منكِ عاشقةً،
تتكورين في سريركِ مثل قطةٍ،
وتخمشين يدي كلما مددتها،
أحدِّقُ في النافذة ولا أرى سوى القطط تجوب الشوارع …
كلهنَّ نزلن هناك إلَّا أنتِ …
ويدي على خدي.

(٢٢) كَمَد

لا يتحرك هذا الطحال في الصحن لكنه يملأ غرفتي كلَّها ويضعني فيه،
كم من الليل سيكون؟
كم من الشدو الحزين سأرفعه إليكِ حتى ترفعي هلالي من البركة؟
كم من الدخان سيملأ رئتي حتى تعرفي كمدي؟
هذه أمارات القسوة وأنت تشهرين الأشواك نحوي،
أتساءل وأنا أنظر إلى يديك الحانيتين الدامعتين لماذا كل هذا العذاب؟
وكيف سنشتري سويةً شموع أعياد الميلاد؟
كيف سنختار النبيذَ الأحمرَ والجبن والزيتون؟
أتساءلُ إن كان ثمة قفلٌ جديدٌ لهذا البيت،
أم إن أبوابه ستظل مشرعةً هكذا!
ويمكنني أن أتساءل أيضًا عن مصير الرسائل التي أخذتِها من مذكراتي،
هل هي في مكتبتكِ أم في الموقد؟
أيامٌ ناحلةٌ تمرُّ،
وهناك ما لا أستطيع البوح به،
كأن أحجارًا على رقبتي،
وكأني هناك مثل هرٍّ متكوِّرٍ في السرير.

(٢٣) شجن

أكثر من نايٍ اشتريته،
وأكثر من كمان،
لكنها اليوم لم تعد معي،
أصبحت جزءًا من لوحاتي الصغيرة التي أرسمها كلَّ يوم وأعلقها على الحائط.
الخطوط والتماثيل أحلى من الحقيقة،
تتمشى في حقول الرموز وتغني،
ثمة عصفٌ بداخلي لا يبوحُ بشيء،
كانت أكثر الأغاني عذوبةً يقطر منها الحزن،
شجني إليكِ أكبر من شقٍّ في هذا الحائط أو هذا الثوب،
هو أقرب إلى حاجتي للبكاء والشراب،
أقرب إلى الوجوم،
ثعالبٌ تهربُ من أقدامي ولا تنجح في الوصول إلى الشراك،
والستار الكثيف ما زال من الغبار،
الدموع التي سالت من السقف كانت دموعي،
وكذلك تلك التي تسيل من اللوحات والتماثيل،
هذه هي نهاية عذابي،
أن أبكي وحيدًا،
وتظهر دموعي في مكان آخر.

(٢٤) شجو

عادت الريحُ ثانيةً،
خرجت من مغاورها الكابية،
وأنا أركدُ في تميمتي،
نسيتُ ممرًّا على الرفِّ كان يقطرُ نحاسًا،
نسيت قميصي الذي بلَّله الحلمُ،
وآويت نهارًا كالذئب يترصدني،
في طريقٍ طويل وضعتُ كئوسي الفارغة وبكيت،
شجو يخالط بوحي،
ورمالٌ تسقط في جيوبي،
أهفي على الطعام الساخن الذي أمامي،
وأصابعي يصبغها الجمر.
وقعُ أقدامها عند بابي لكنها لا تطرق الباب،
هناك تدحرجت قارورة السمِّ وانكسرت،
وهناك تمددتُ في بطنِ حوتٍ … وغاب غنائي.

(٢٥) وجد

قفي عند نافذتك،
وانظري هذا الرجل الأعمى وهو يتلمس طريقَهُ بعصاه،
سالت منه نجومٌ وخرجت منه غيومٌ،
انظري الكتابَ الصغير الذي في جيب معطفهِ،
الذي تتساقط أوراقه في الشارع،
واسمعي صوت غنائه الحزين،
أيامه مثل نايات تتساقط منه،
قفي عند نافذتك،
وانظري ساقية الدموع،
وهي تحملُ عظامَ أيامه منذ طرق أول أبواب متاهته،
وحتى هذه النهايات،
وإيَّاكِ أن تصيحي عليه …
إيَّاكِ …
لأنه سيسقط من الجسر،
وتأخذه أمواج الماء بعيدًا.

(٢٦) تيم

خرجتُ أبحثُ عن معناي في الحديقة،
فوجدته نائمًا تحت كسرةِ آجر،
يتناهبه دودٌ أسود وحفرٌ كثيرة،
وفي الحديقة كانت وردةٌ بيضاء تشبهكِ،
وتعكسُ صورتي وأنا أحملُ جبلًا،
عبرتُ ليلًا،
فسقطت في الساقية مواعيني وذخائري،
وأصغيت لموسيقى تشبه محارةً.
وتدلت عند شجرةٍ طويلةٍ قناديلي،
فيما المشاعل غزت روحي،
وأنا أترنَّم بتيمٍ بكِ،
الصخور التي سقطت من كتفي،
تحولت إلى أسوارٍ،
والزهور التي كانت في يدي،
تحولت إلى أفاعٍ،
ما الذي يجري في هذا الشتاء الطويل،
وأنا أزيح بطرف العصا الثلجَ عن حذائي،
فيما كلماتكِ التي أتذكرها في آخر لقاءٍ
تموع مثل رصاصٍ وتسيل من أصابعي.

(٢٧) دنف

حتى وأنا أراقبُ الأسماكَ في النهرِ أرى جسدكِ،
حتى وأنا أمسك الناي،
أسمع رياحًا تحمل طيورًا كبيرةً تشبه الرخ،
ما الذي أتى بهذا الخريف سريعًا؟
كنتُ على حافة النبعِ أتصيَّد النجوم،
كانت لي ألواحٌ نحاسية دوَّنت فيها أسماءكِ،
ولي مشاعل تشبه مشاعل المعابد القديمة،
عند عيون الماء أسترخي،
ولا شيء يظهر في سيرتي لامعًا،
أتركُ كيس الكتب،
وأحاول العبور إلى المعنى،
لكني ارتطمُ بجسدكِ الغائب،
كنتُ على حافةِ النبعِ ولم أشرب،
كيف استطاع بريدي أن يعبر كل هذه الأسلاك؟
أنت تدفعيني إلى الهاوية وأنا ارتفع في دخانك،
ما معنى أنكِ تضعيني في سفينةٍ مثقوبةٍ وتدفعين؟
ما معنى أنكِ لا تحسنين التقبيل؟
ألا يدعوني كل ذلك لأن أسدَّ بابكِ
وأبكي وحيدًا!

(٢٨) لهف

ألفُ نافذةٍ في جسدي مليئةٌ بالطيور التي تفرُّ نحوكِ،
حين أغني.
قلبي يرتجف وعصاي،
لم أعد أميِّز رائحةَ الخبزِ عن رائحةِ الكحول،
بالأمسِ وضعتُ المقصَّ فوق أوراقي،
وأعدتُ فتح سرَّتي،
وربطتُ حبلها بمشيمتكِ،
ومع ذلك سترت دموعي غيومٌ حمراء،
لم يكن في جمري سوى غصنٍ أخضر،
لم يكن في فمي سوى اسمكِ،
لم تكن في يدي سوى قطرات ندى نهديكِ،
لم يكن في ساقيتي سوى أبلامِ ورقٍ،
روائحكِ تكاثرت،
حتى رسبت في مفاصلي،
وأنا أضربُ وترًا طويلًا له صوت كصوت الجلو،
أو تهميسة كصلاة الفجر،
يتكوَّم لهفي بين قدميَّ،
وأنحني لألضمهُ، من جديد، في قلادةٍ طويلة،
تصل إلى رقبتكِ.

(٢٩) رَسَف

حين وضعتُ قيودي فوق السندان،
وهويتُ عليها بمطرقتي …
تطاير شررٌ كثيرٌ وجَّ في حياتي وما زال،
لم تنكسر القيود،
ولم تحترق حياتي،
بقيتُ مثل جذعِ صنوبرةٍ مهملٍ في غابة محترقة،
رسَفي هذا ليس من أجل قلبكِ الجميل،
وليس من أجل كأسِ الشراب الذي أرفعه لأجلكِ كلَّ فجر،
رسَفي هذا من أجل عيون الديك،
تلك التي ألمحها في عدسات جسدكِ،
الرَّسفُ الأول في ظلام القيامة التي تتوعدني،
وفي جزركِ المحتشدة بالنخيل،
الرَّسف الأخير في فكرة الشيطان وهي تحركُ بحركِ،
الكلمات هي البركان الأسود في هذا الغَمر،
وفي هذه الممرات الضيقة أعبر مثل الحلزون،
وأتحاشى ذلك الرذاذ الذي تنكته أصابعكِ،
حين تغسلين يديكِ بدموعي،
آهٍ من صنوبرةٍ تنمو على ساقي،
وآهٍ من شمعةٍ تطول وأنا أكتب تحتها.

(٣٠) بتَل

أضع عينَ الأسد في رقبتي،
لا الحمى تعود لي ولا أخاف من هجركِ،
دخان النجوم ينشط دماغي،
ويجعل الصور المعلقة على الجدران أكثر بهاءً،
فيما يسقط عشُّ الغراب من سقفي،
لكن قلبي هو الخرقةُ الوحيدة التي تضعف أمامَكِ،
أرواح الهواء الشريرة تهاجمني،
ولا أستطيع تمييزها وسط ضباب الغسق،
وهناك أضع أسراركِ في البئر،
حين يكتمل القمر،
لكن شجرة الصفصاف تبوح بها،
وأسمعها تثرثر وأنا أسقي الأعشاب كلَّ يوم،
كلُّ امرأة بتول حين أعشقها،
وأنا بتلٌ بين ذراعيها،
أنشرُ شبكة هيامي على الماء وأنتظر
سمكةً خضراء
لم يمسَّها الضوء بعد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦