إيروس الحديد

أسماء الحب في شتائه

(٣١) تبَل

على الهواء ينبتُ شذا كِمثل مسكٍ أو كحول،
لكنَّ رمادي يغطي النهرَ،
أحصيتُ خيولي التي هربت،
لم أجد غير حصانٍ كسيرٍ عجز عن الركضِ،
ووزنتُ حياتي بكفٍّ من الدمعِ،
خيط قوامي يضطربُ،
وكتاب العرافة في يدي يتساقط منه الزيت،
ومياه نازلةٌ من الأعالي تلامسُ أكتافي،
لم تبقَ سوى الزهور الصفراء في جيبي،
ويداي مرتفعتان بالدعاء ألهج باسمكِ،
نهج الرماد اتَّضح وقربه نهج الشقوق،
لكني رغم ذلك ما زلتُ أشمُّ رائحة ثدييكِ فأسيلُ مع الماء،
رعشة الورد رغم زوال العافية ما زالت،
وثوري يزداد نشاطًا.

(٣٢) تدلُّه

قبلها كانت امرأة الحصاد،
وها هي الآن تجمع الغلَّة من يديه،
أدار كرةَ الأرض الفخارية على منضدته،
وحين وقفتْ كان إصبعه على الأراضي المنخفضة،
أنواره مثل بحارٍ محتدمةٍ،
مساءٌ باردٌ مثل كأسه الموضوع على حافة النافذة،
وأصابعها تمسح شعره من بعيد،
كِسرُ الأساطير في يده مثل ليطٍ،
وأشواككِ غلالةُ حرير،
حتى الفجرُ تخلَّى عنه،
رغم أنه معقودٌ في صدره،
حتى خرافاته لم تعد تشتغل رغم أنها مسفوحةٌ أمامه،
دعوه في تدلههِ لا يصعد ولا ينزلُ
ولا يعرفه الطير.

(٣٣) وَله

يتكلم الطفلُ في أصابعي ويلثغُ،
جُبِّيَ من ورقٍ،
والمياه تغطي حفري،
مرَّ فيَّ الشبوطُ وجفلَ،
مرَّت فيَّ القرنفلةُ وبكت،
تحولت المرايا إلى صفائح من تنكٍ،
ورتقت عينيَّ كي لا أرى مشهد الدمِ،
هجرتُ ساحلي،
وعرضتُ الدرة البيضاء في الطريق،
لكنَّ أحدًا لم ينتبه لها،
بددتني الرحى،
ونثرتُ طحيني على المياه،
فلم ينبت شيء.

(٣٤) وصبْ

حين غادرتُ بغداد
عرفتُ بأني أغلقُ كتاب العشق
وأفتح كتاب الجنون،
لامني إخوةُ الخرقةِ،
وسلَّمت أصابعي للغزل،
تعبَ الليل … ولم تتعب يدي.
نزلت ستارة ظلام العصور أمامي،
وعيوني مثقوبةٌ بنور،
الجدار يعلو … والسماء تصغر،
أسمالي تزداد سعةً وخطاي تضيق،
أتوصَّب من أجل هاويةٍ وتحوم النسور حولي،
بدلًا من مداعبة قيثاري
تداعبين أوتار جنوني،
وأغفو بين يديكِ على حلمٍ شاسعٍ بالزوال.

(٣٥) بِلبال

مثل رباب بلا قوس
لا يكون لحني وتتعطل الكلمات،
ثمة عقارب توقف الزمن،
كلُّ وترٍ بكاء،
وعلى بطنه يزحف الإله الممزق أمامي،
النافذة عمياء وكذلك عيوني المبلَّلة،
ماذا في كسرة الخبز؟
ماذا في كوز الماء؟
ماذا في الطريق غير أحجار متناثرةٍ،
صفُّنا طويلٌ،
وجرادٌ يخيِّم ويطير في داخلي،
النبيذ الذي لم نحسن التعامل معه أوهمنا،
والبِلبال الذي في قاع الروح يدوِّي،
هناكَ سطولٌ كثيرة لأجل إخماد ناري،
لكني لا أقوى على حملها،
زحل يبكي في صدري،
والديدان تمشي في حريري.

(٣٦) سُدْم

تجرُّه الغيومُ مثل قتيلٍ،
عينُ كتابه تنزف دمًا،
لم يعد يقوى على رفع ظلام آباره نحو الفجر،
فمه ينطقُ السواد،
ويداه تقبضان على شَدَّةِ زهورٍ ذابلةٍ،
لم يعد الغناء كافيًا لاستعادة النجوم،
كان يضبطُ أوتاره ولا يستطيع،
حنطته لم تنبت إلَّا في الزوايا،
ودغله أخذ الحقل كلَّه،
كان الناسُ يشبهون الموتى حوله،
أما الآن فهو يشبه ميتًا ينظر إليه الناس،
الكئوس التي تدور لا خمرة فيها،
والمباخر لا تحمل سوى الجمر،
أما النايات فبلا ثقوب،
لا فائدة من ندمٍ يتبعه حزنٌ،
ذهب كلُّ شيء،
وأمارات الشتاء تظهر في يديه وقدميه،
وسرعان ما يجذب البرقَ ويحترق.

(٣٧) محو

لا فرقَ أن يكون هنا أو هناك،
أشعةُ القمر تمرُّ فيه،
وتعلُّقه على حبل الليل الطويل،
حورياته يبكين،
ويقبِّلن يديه وقدميه،
شعره تملؤه الأشواك،
وخدوده ضامرةٌ،
تحت مراقد النور يتمدد مثل خيطٍ،
ويتحول صليبه إلى دائرة تدور حوله،
ناحلٌ عند نافذةٍ: يراها تحيط الأشجار في شارعٍ،
يداه تتحول إلى ترابٍ،
وقدماه إلى ماء،
ناحلٌ عند نافذةٍ: يراها تكرع خمرتَه الحمراء،
على الجدار يكتب أشعاره ورسائله،
وتتآكل الشمعدانات في أفقه وتهوي،
ناحلٌ عند نافذةٍ: وهي تصلي لعذابها،
وتنتف ورق الورد،
وتروي الحكايات،
ناحلٌ دون نافذةٍ … لا تراه.

(٣٨) غياب

اسمه العبابُ أو الغيابُ … لا فرق،
يخبئُ شجرته في بئرٍ،
ويهيلُ الزمانَ على كتفيه،
ينزعُ تاجَ الوردِ ويلبسُ تاج القشِّ،
يرى في الحقولِ خوفًا،
صيحةٌ في الشمال،
وأخرى في الجنوب،
ينقلبُ، في سريره، وحشًا غريبًا،
هنا صفُّ أكوابهِ،
وعلى الرفِّ أوهامه يغطيها الغبار،
يثبُ في بعضه،
ويشبُّ على أطراف أصابعه،
ويهوي،
هو في الأعالي لكن أثقاله تنزله للجحيم.

(٣٩) جنون

غسل يديه بدموعه،
أطرق يخطُّ بعصاه طريقَ النهايةِ،
هذه أسمالهُ،
وتلك نافذته المغلقة،
مشدوه بذلك الغصن وعالقٌ به،
لا أحد يضعه على الأرض ولا الغصنُ ينكسر،
نضحَ الماء عن صُلبهِ،
فيبسَ ووقف عند النافذة المغلقةِ مثل عودٍ،
لم تتب جذوره بعد،
وفي أقاصي الريح تتردد أغانيه القديمة،
وفي شغاف عقله تنمو النجوم والديدان،
ويختمر الليل في صحنه … يختمر النهار في عينيه،
هكذا يكون طوافه مثل عنكبوت،
يشيل عن الأرض طرفَ ثوبه ويدور.

(٤٠) عُته

لأجل خطى الدمعِ تهتُ،
لأجل عجلةِ القدر التي تسفح تحتها أرواحنا،
لأجل المواثيق مختومةً بعادات أيامنا المملَّةِ،
لأجل التي لا تبالي!
دفنتُ النور في مراقد أعماقي،
الظلام لا حدود له،
أتعثر بأحجارٍ،
وأتابع طيورًا لا تُرى،
هوى العالم الحقُّ خارج أذرعي،
غمرت أسراري قدميَّ،
وليس هناك مَن يقودني،
خبا الناي في داخلي،
وأسلمت روحي لنهايات غامضة،
حملني حصانٌ خارج المكان،
إلى وطرٍ لا أعرفُ معناه،
هناك فتحتُ عينيَّ وعشقتُ،
وهنا أسملتهما،
حيث تذهبين مع الآلهة أو الشياطين وتتركيني لعماي،
ألاحقُ مصيري … ويلاحقني،
ولا أعرف مَن أكون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦