الزرار الفضي

قضى «تختخ» المساء يقرأ في مُختلِف الصحف والكتب عن الدولة التي جاء منها الأمير الصغير «كريم»، فعرف أن هناك خلافًا بين أمير الدولة وشقيقه حول وراثة عرش الإمارة. وكتب «تختخ» ملخصًا لكل المعلومات الهامة عن هذا الخلاف.

وفي صباح اليوم التالي كان الأصدقاء الخمسة قد استعدوا بدراجاتهم للذهاب إلى المعسكر الذي كان به الأمير بين المعادي وطرة البلد. وقد كانت الرحلة طويلة، ولكن الأصدقاء وهم متلهفون إلى الغامرة، خاصة بعد مكالمة المفتش «سامي»، لم يشعروا بأي تعب، وهم ينطلقون مسرعين على الطريق المظلل بالأشجار.

قال «تختخ» وهم مُقبلون على المعسكر: طبعًا لن نقول لأحدٍ إننا جئنا لحل لغز اختفاء الأمير؛ حتى لا نلفت الأنظار إلينا، سنقول إننا جئنا لزيارة المعسكر.

قال «عاطف»: لقد نسيت أن أقول لكم إن أحد التلاميذ في المعسكر قريبي، ويمكننا أن نقول إننا جئنا لزيارته.

تختخ: عظيم جدًّا … وما هو اسم قريبك هذا؟

عاطف: اسمه «علاء جمال الدين»، وهو تلميذ في المدرسة التي بها الأمير.

وهكذا دخل الأصدقاء المعسكر، وقالوا للمشرف إنهم أقارب التلميذ «علاء جمال الدين» فأشار المشرف إلى خيمة كبيرة قائلًا: ستجدون «علاء» في هذه الخيمة، وهو اليوم المسئول عن نظافة المعسكر، فإذا لم تجدوه في خيمته فستجدونه يشرف على النظافة هنا أو هناك.

انطلق الأصدقاء يبحثون عن «علاء» فوجدوه مشغولًا مع بعض زملائه في تنظيف الخيام، والممرات المحيطة بها.

صاح «عاطف» عندما رآه: «علاء»، «علاء».

التفت «علاء» إليهم، ولم يكد يرى «عاطف» حتى اندفع إليه في حماسةٍ مسلِّمًا، وأخذا يتبادلان التحيات.

قال «عاطف»: يسرني أن أقدِّم لك أصدقائي … أنت طبعًا تعرف شقيقتي «لوزة» وهذا هو «محب» وهذه «نوسة»، أما هذا الصديق فهو «توفيق»، ونحن نناديه باسم «تختخ». سلَّم «علاء» على الأصدقاء بترحاب قائلًا: آسف جدًّا لأنني سأكون مشغولًا الآن بتنظيف المعسكر … وسوف أنضمُّ إليكم بعد قليلٍ بمجرد الانتهاء من النظافة.

قال «تختخ» بسرعة: إننا لن نعطلك عن النظافة … على العكس … اسمح لنا أن نساعدك فيها … هيا أيها الأصدقاء كلٌّ منكم يمسك مقشة، ويشترك معنا.

حاول «علاء» الاعتراض، ولكن «تختخ» أصرَّ على ما قال؛ فقد كانت في رأسه فكرة لم يتبينها الأصدقاء.

كان «تختخ» يريد دخول الخيمة التي كان ينام فيها الأمير، لعله يجد دليلًا أو شيئًا يساعد على حل اللغز.

أمسك «تختخ» بمقشة، وأخذ ينظف ما بين الخيام، وهو يحاول أن يكون قريبًا من «علاء» قدر الإمكان، ثم قال له وكأنه يتحدث حديثًا عابرًا: ما هي حكاية الأمير الذي كان معكم هنا؟ وكيف اختفى؟

قال «علاء»: شيء شديد الغرابة، لا أحد يعرف حتى الآن كيف اختفى.

تختخ: ألم تلاحظ شيئًا غير عادي على الأمير في الفترة الأخيرة؟ أقصد هل كان قلقًا؟ هل كان خائفًا من شيء؟ هل اتصل به شخصٌ غريب؟

قال «علاء»: الحقيقة أنني لم أكن أراه كثيرًا، ولكن هناك زميل اسمه «فؤاد» هو الذي كان يُقيم معه في خيمته لأنه صديقه، وقد يستطيع «فؤاد» أن يُجيبك عن هذه الأسئلة.

تختخ: وأين «فؤاد»؟

علاء: سنجده قريبًا من الخيمة التي كان يقيم فيها مع الأمير.

وسار «تختخ» و«علاء» متجهَيْن إلى مكان الخيمة، وكان «فؤاد» يجلس على مقعدٍ في الشمس يقرأ في مجلة فكاهية.

قدم «علاء» «تختخ» إلى «فؤاد» الذي رحب به، فقال «تختخ»: لقد جئنا لزيارة «علاء» وكنا قد سمعنا عن اختفاء أمير كان معكم هنا … هل تعرفه؟

قال «فؤاد»: الحقيقة أنني لم أكن أعرفه جيدًا؛ فقد دخل المدرسة منذ أسابيع قليلة، وكان كثير التغيب لأنه كان مريضًا.

تختخ: هل لاحظت شيئًا غير عادي قبل اختفاء الأمير؟

فؤاد: لا أدري ماذا أقول لك … ولكن برغم أنني لم أكن أعرف الأمير معرفةً جيدة، إلا أنني لاحظت أنه تغيَّر بعد حضوره إلى المعسكر، فعندما عرفته في المدرسة كان رقيقًا ومهذبًا ولكنه بعد أن انضم إلى المعسكر أصبح سخيفًا؛ يقضي أغلب اليوم نائمًا.

تختخ: ألم يتصل به أحدٌ من خارج المعسكر قبل اختفائه؟

فؤاد: لا لم يتصل به أحد، ولكن بعض الحواة الذين يكثرون في هذه المنطقة جاءوا لعرض ألعاب القردة والألعاب البهلوانية علينا، كان يتحدث معهم باهتمام.

وفي هذه اللحظة، انضمَّ «عاطف» إلى «تختخ» و«فؤاد» واشترك في الحديث.

قال «تختخ»: هل يمكننا دخول الخيمة التي تُقيم بها؟

فؤاد: لا مانع، ولكن رجال الشرطة فتشوها ولم يجدوا شيئًا غير عادي.

تختخ: لا بأس، أريد أن أتفرج عليها لأرى ثياب الأمير؛ فهذه أول مرةٍ أرى فيها ثياب أمير.

ودخل الأصدقاء الثلاثة إلى الخيمة. كان كل شيء مرتبًا في مكانه، فقال «فؤاد»: هذا هو الفراش الذي كان ينام عليه الأمير … وقد رتبته بعد اختفائه؛ فقد تركه بلا ترتيب.

سأل «تختخ»: هل تقصد أن الأمير ترك فراشه في الصباح دون أن يرتبه؟

فؤاد: لقد غادره ليلًا.

تختخ: إذن فقد اختفى الأمير ليلًا!

فؤاد: بالطبع؛ فقد قمت في الصباح فلم أجده في فراشه، وأنا الذي أبلغت المشرف بخبر اختفاء «كريم».

وفي هذه اللحظة انحنى «عاطف» تحت الفراش، فسأله «فؤاد»: هل تبحث عن شيء؟

وقف «عاطف» في هدوء قائلًا: أبدًا، ولكني لاحظت أن هناك حذاء تحت الفراش، فهل اختفى الأمير حافيًا؟

فؤاد: لا، لقد كان يرتدي الشبشب.

تختخ: هل كان يلبس «بدلة» على الشبشب؟

فؤاد: بدلة؟! أي بدلة؟ لقد اختفى وهو في ملابس النوم.

تختخ: أي نوع من ملابس النوم؟

فؤاد: كان يلبس بيجامة زرقاء اللون، لها أزرار فضية جميلة، وقد نام بها في الليلة التي اختفى فيها.

تختخ: ألم تسمع في أثناء وجودك في الخيمة أية أصوات أو شيء من هذا القبيل؟

فؤاد: أبدًا، لقد دخلت فوجدته مستيقظًا في فراشه حوالي الساعة الثامنة مساء، وبعد أن حييته نمت؛ فقد كنت متعبًا من الجري واللعب طول النهار، وكانت هذه آخر مرة أراه فيها، وعندما استيقظت في الصباح كان قد اختفى.

لم يكن عند «تختخ» أسئلة أخرى، فخرج الثلاثة من الخيمة، حيث وجدوا «علاء» في انتظارهم، ودعاهم إلى تناول كوب من الشاي.

وبعد أن قضى الأصدقاء فترة من الوقت في المعسكر، شكروا «علاء» و«فؤاد» ثم انطلقوا على دراجاتهم عائدين إلى المعادي.

قال «تختخ» عندما دخلوا إلى غرفته: لم نحصل على معلوماتٍ تفيدنا في البحث، ولكن على كل حال عندنا بعض الخيوط التي يمكن أن تساعدنا في البحث عن الأمير المختفي.

قالت «لوزة»: ألم تعثروا على أدلة؟

رد «تختخ» آسفًا: أبدًا … ولكن أهم المعلومات أن الأمير كان يلبس بيجامة زرقاء ذات أزرار فضية، وأنه كان مهتمًّا ببعض الحواة الذين حضروا إلى المعسكر لعرض ألعابهم البهلوانية، وألعاب القردة.

وفي هذه اللحظة قال «عاطف» وهو يمد يده إلى الأمام بشيء صغير لامع: لقد عثرت على الدليل الوحيد في هذه الرحلة.

نظر الأصدقاء إلى ما في يد «عاطف» في اهتمام فمضى «عاطف» يقول: هذا أحد أزرار بيجامة الأمير … زرار فضي لامع.

أمسك «تختخ» بالزرار اللامع، وأخذ يقلِّبه في يده، ثم أعطاه ﻟ «محب» وأعطاه «محب» ﻟ «نوسة» وأعطته «نوسة» ﻟ «لوزة»، وبعد أن فحصه الجميع سأل «تختخ»: ولكن متى عثرت عليه؟

عاطف: عندما انحنيت تحت الفراش، وقد قلت ﻟ «فؤاد» إنني كنت أبحث عن حذاء الأمير، ولكن الحقيقة أنني كنت ألتقط الزرار من الأرض، وقد كان الجزء الأكبر منه مختفيًا تحت التراب، وقد ظننته في البداية قطعة من ذات الخمسة القروش.

قال «تختخ»: أهنئك يا «عاطف» لقد ضربت عصفورَيْن بحجرٍ فعندما تحدثت عن الحذاء، اكتشفت أن الأمير اختفى بملابس النوم، ثم عثرت على الزرار أيضًا … فعندنا الآن دليل.

نوسة: ولكن كيف فَقَد الأمير هذا الزرار؟

محب: هناك احتمال أن يكون الأمير قد قاوم الذين خطفوه وفي أثناء المقاومة سقط الزرار.

تختخ: إنني أستبعد هذا الرأي؛ فلو حدثت مقاومة لسمعها «فؤاد»؛ فهو ينام في نفس الخيمة، وعلى بُعد أقل من مترٍ واحد من فراش الأمير «كريم»!

نوسة: إذن ماذا تعتقد؟

تختخ: لا أدري الآن ماذا أقول … ولكن حياة الأمراء عادة ليست كحياة كل الناس … إنها حافلة بالأسرار والمغامرات، وقد يكون هذا شخصًا تافه الشخصية ويحب المغامرات الرخيصة، وقد اختفى على سبيل المزاح.

لوزة: هذا غير معقول.

تختخ: على العكس، هذا معقول جدًّا، وقد قرأت في الصحف كثيرًا عن اختفاء بعض الأشخاص لمجرد لفت الأنظار إليهم، أو إثارة العطف عليهم ثم يظهرون في الوقت الذي يناسبهم.

نوسة: أليس في هذا مخالفة للقانون؟

تختخ: بالطبع، وعادة يوجه رجال الشرطة إلى مثل هذا المختفي تهمة البلاغ الكاذب أو إقلاق راحة رجال الشرطة.

محب: ولكن كيف يفعل الأمير هذا، وهو يعلم أن اختفاءه سيثير عاصفة من المشاكل والاستنتاجات؟

تختخ: إنه ولد صغير على كل حال، وقد يكون قد تأثر بما يشاهده في السينما أو التليفزيون من مغامرات، فقرر الدخول في مغامرةٍ من هذا النوع.

لوزة: إذا كان قد فعل هذا، فإنني عندما أقابله سوف أشد أذنه حتى لا يكرِّرها.

تختخ: المهم أن نعثر عليه أولًا، وما تقولينه الآن يشبه محاكمة اللص قبل القبض عليه.

عاطف: وكيف تتصور في هذه الحالة طريقة اختفائه، هل خرج من تلقاء نفسه ليلًا، إن ذلك شيء مستبعد؛ لأن سير شخص في ملابس النوم وشبشب في قدمَيْه ليلًا في الشوارع سيلفت الأنظار إليه، ومن ناحيةٍ أخرى فهذه المنطقة بعيدةٌ عن العمران، ولن يجد في الليل وسيلةً للانتقال إلى القاهرة أو إلى أقرب مكانٍ يجد فيه وسيلة للانتقال.

تختخ: ربما كان متفقًا مع شخصٍ ما على أن يقابله ليلًا، وقام هذا الشخص أو الأشخاص باختطافه، وربما غادر الأمير المعسكر لأنه ضاق بالحياة الخشنة فيه، وذهب إلى مكانٍ ما لا نعرفه الآن، وقد يظهر مرةً أخرى.

لوزة: إنه لغز محير فعلًا.

تختخ: المهم الآن أن نتفق على خطة عمل؛ فالمفتش «سامي» يثق بنا، ولا بد أن نكون عند حسن ظنه.

لوزة: هناك شيء نسيناه يا «تختخ» هذا الولد الصغير «سعيد أبو لبانة» لقد قال «جلال» إن «أبو لبانة» عنده معلومات عن اختفاء الأمير … ولم نستطع أن نجعله يقول لنا ما يعرف لأنه يمضغ لبانته طول الوقت … فإذا استطعنا أن نجعله يكف عن المضغ دقيقة فربما قال لنا معلومات تهمنا.

تختخ: معكِ حق يا «لوزة»، وعلى «محب» أن يذهب هذا المساء لإحضار الأشقاء الثلاثة، فهم يُقيمون عند عمهم الشاويش، وطبعًا لا نريد أن يعلم الشاويش شيئًا عن مقابلتنا لهم.

وانصرف الأصدقاء للغداء، واتفقوا على أن يلتقوا مرة أخرى في المساء بعد أن يُحضر «محب» الأشقاء الثلاثة «جلال» و«سعد» و«سعيد». وفي المساء ذهب «محب» قرب منزل الشاويش «فرقع» ولحسن الحظ وجد الأولاد الثلاثة يلعبون أمام المنزل، فطلب منهم الحضور لمقابلة «تختخ». وقد كان «جلال» سعيدًا جدًّا بهذا اللقاء؛ فهو معجب ﺑ «تختخ» ويتمنَّى أن يشترك معه في مغامرة، منذ اشترك معه في حل «لغز البيت الخفي».

والتقى الأصدقاء مرة أخرى، وكانت أمامهم مشكلة إقناع «سعيد» بأن يتخلَّى عن لبانته لحظة حتى يقول لهم المعلومات التي عنده، ولكن الولد ظل يمضغ لبانته دون أن تفلح أية حيلة في إقناعه بالتوقف عن المضغ، وكلما حاولوا معه، كان ينظر إليهم في عبط، ثم يبدأ في البكاء … فيضطرون إلى إسكاته.

وأخيرًا قالت «لوزة»: اتركوه لي، وسوف أقنعه بالكلام.

أخذت «لوزة» الولد الصغير إلى دكان قريب، وعندما وقف أمام الفاترينة الحافلة بالشكولاتة والملابس قالت «لوزة»: والآن، ماذا تريد أن تشتري؟ … إنني سأدفع لك ثمن أي شيء تختاره.

ولكن «سعيد أبو لبانة» لم يتكلم، فقد أشار بأصبعه إلى قطعة كبيرة من الشيكولاتة دون أن ينطق بحرف.

قالت «لوزة» متضايقة: لن أشتريها لك إلا بعد أن تكف عن مضغ اللبانة، وتحدثني.

نظر إليها الولد لحظة، ثم أخرج اللبانة من فمه وقال: أريد هذه القطعة من الشيكولاتة.

قالت «لوزة» للبائع: أعطني من فضلك هذه القطعة.

وعندما ناولها لها البائع ودفعت ثمنها، قالت ﻟ «سعيد»: والآن ما هي المعلومات التي عندك عن اختفاء الأمير؟ مد الولد يده فأعطته «لوزة» قطعة الشيكولاتة فقال: لقد كنت هناك … كنت هناك.

قالت «لوزة»: أين … أين كنت؟

الولد: إنني أسكن قريبًا من المعسكر … وأحب القرود، وعندما شاهدت الحواة ومعهم القرد ذهبت خلفهم، وتبعتهم حتى وقفوا قرب المعسكر … وأخذوا يعرضون ألعابهم، فلما جاء الولد الأمير أسرع القرد إليه وأخذ يلعب معه … ورأيت القرداتي وهو يتحدث مع الأمير.

لوزة: ومن أين عرفت أنه الأمير.

سعيد: سمعت الأولاد يقولون عنه وهو يلعب مع القرد إن الأمير سيشتغل قرداتي.

لوزة: وهل شاهدت شيئًا آخر؟

ولكن الولد لم يجب؛ فقد وضع قطعة كبيرة من الشيكولاتة في فمه وبدأ يمضغها، فأدركت «لوزة» أن لا فائدة من المناقشة معه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢