الفصل العاشر

كيف أتى الوجود؟

(١) هل الحياة مكتوبة في قوانين الكون؟

منذ سنوات قلائل لخص ستيفن هوكينج وجهة النظر السائدة بين العلماء حيال وضعية الحياة في الكون بقوله: «ما الجنس البشري إلا نفاية كيميائية على كوكب متوسط الحجم.»1 أغلب الفيزيائيين وعلماء الكونيات سيتفقون مع هوكينج في أن الحياة ليست إلا زينة تافهة عرضية للعالم المادي، دون أن يكون لها أي أهمية على المستوى الكلي للكون، لكن على الدوام وجدت تلك القلة من العلماء الذين يرون أن الحياة ليست نتاجًا ثانويًّا عرضيًّا للطبيعة، بل هي جزء مهم في قصة الكون.
يبدو أن المبدأ الإنساني يُعلي الحياة والعقل إلى مرتبة خاصة في الطبيعة. لكن على النحو الذي وصفته إلى الآن — كآلية انتخاب سلبية في الكون المتعدد — لا يتجاوز دور الحياة أكثر من كونها إجراءً إحصائيًّا ضروريًّا، وعادة ما يشار لهذا ﺑ «المبدأ الإنساني الضعيف». حين قدم براندون كارتر هذا المصطلح منذ ثلاثين عامًا تدبر أيضًا فكرة «المبدأ الإنساني القوي».2 وفي وقت لاحق توسع جون بارو وفرانك تيبلر في هذا المبدأ.3 بصورة عامة تؤكد النسخة الأقوى من المبدأ الإنساني على أن الكون «يجب» أن يتشكل بصورة تسمح بوجود المراقبين في مرحلة ما من تطوره. بعبارة أخرى، إن قوانين الفيزياء وتطور الكون من الحتمي بشكل ما أن تعمل على إيجاد الحياة والعقل. لا يمانع المبدأ الإنساني القوي في وجود العديد من الأكوان، لكنه ينص على أن الأكوان التي ليست بها حياة أو مراقبون ليس لها وجود. وبهذه الصورة تُعامَل الحياة بوجه عام، والمراقبون الواعون بشكل خاص، كآلية انتخاب نشطة.
اقترح عدد من العلماء البارزين نفس الفكرة الأساسية، سواء بشكل واضح أو ضمني. على سبيل المثال، يقول فريمان دايسون: «ونحن ننظر إلى الكون ونتعرف على الحوادث العديدة للفيزياء والفلك التي عملت معًا من أجل صالحنا، يبدو من المؤكد أن الكون كان يعرف بطريقة ما أننا قادمون.»4 وبالمثل، يقول عالم الأحياء في كامبريدج سايمون كونواي موريس: «يمكن القول إنه منذ بدء الكون وحتمية ظهور الذكاء مغروسة فيه.»5
يَلْقَى المبدأ الإنساني القوي بعض الدعم من الاعتقاد المنتشر بأن ظهور الحياة حتمي بصورة ما؛ لأنه «مغروس» في قوانين الفيزياء. يصف عالم الأحياء الحاصل على جائزة نوبل كريستيان دي دوف الكون بأنه «مفعم بالحياة» ويطلق على الحياة «الحتمية الكونية».6 ويؤكد عالم الفيزياء الحيوية ستيوارت كاوفمان على ما يقوله فريمان دايسون بقوله: إن «الكون هو موطننا الطبيعي.»7 إن ما يقع خلف برنامج البيولوجيا الفلكية الطموح الذي تموله ناسا وغيرها من المؤسسات، ومشروع SETI (اختصارًا ﻟ Search for Extra-Terrestrial Intelligence) الذي يهدف إلى العثور على أدلة على وجود كائنات ذكية خارج كوكب الأرض، هو الافتراض بأن الحياة ليست بظاهرة استثنائية مقصورة على كوكب الأرض، بل هي نتاج حتمي ومنتشر للقوانين المادية التي تتوافق في جوهرها مع علم الأحياء. بعبارة أخرى، ليست الحياة نتاجًا ثانويًّا عشوائيًّا للطبيعة، بل هي جانب جوهري من نظام عمل الكون. تحظى هذه النظرية بقبول واسع، لكن هل تحظى بالمصداقية؟

(٢) النظر إلى الحياة بجدية

يستخدم العلماء الصفة «جوهري» لوصف أي شيء يمس قلب الطبيعة، ويعتمد عليه فهمنا الأوسع للعالم المادي اعتمادًا أساسيًّا. على سبيل المثال، تعد الإلكترونات والكواركات من الجسيمات الجوهرية؛ لأنها تلعب دورًا أساسيًّا في تفسير طبيعة المادة دون الحاجة لمستوى أعمق من البنية. وبالمثل، تعد قوة الجاذبية من القوى الجوهرية؛ لأنها تساعد في تشكيل بنية الكون. من الأشياء الجوهرية أيضًا الفضاء والزمان؛ لأسباب لا تخفى على أحد. هذه الأمثلة قد لا تغطي «أكثر» الكيانات جوهرية في الطبيعة، لكنها بكل تأكيد أكثر جوهرية من المطر أو الصخور أو الصمغ مثلًا؛ إذ إنه يمكن وصف هذه الأشياء الأخيرة بوصفها جوانب عرضية للعالم فقط، وأن خصائصها تنبع من خصائص كيانات أخرى أكثر جوهرية. ومع أنها قد تهمنا في الحياة اليومية (هل ستمطر؟ هل سينفتح المظروف؟ …) فسيكون من الحماقة أن نعزو لها أي أهمية كونية. إن الكيان الجوهري بحق لا يمكن وصفه باستخدام شيء آخر أعمق أو أبسط أو «أكثر جوهرية». قد تتباين الآراء، بطبيعة الحال، حول ما يمكن أن يعد من الأشياء الجوهرية بحق. اعتاد الفيزيائيون النظر إلى الإلكترونات بوصفها من الأشياء الجوهرية، لكن اليوم يضع العديدون الأوتار في هذا الدور الأعمق، معتبرين الإلكترونات ليست إلا تجسيدًا لنشاط الأوتار. السؤال المطروح أمامنا، إذن، هو: هل بالإمكان اعتبار الكائنات الحية، بصورة ما، جوهرية، ومن ثم ذات معنى مهم، أم الاكتفاء بالنظر إليها بوصفها تأثيرات جانبية عرضية، ومن ثم غير مهمة، للعبة الأساسية؟

منذ مائتي عام: كان علماء كثيرون مقتنعين بالنظر إلى الحياة كظاهرة جوهرية؛ لأنهم كانوا يؤمنون بوجود قوة حياة أو جوهر من نوع ما مسئول عن السمات الاستثنائية التي تظهرها الكائنات الحية. «عامل الحياة» هذا لم يكن من المفترض تفسيره من خلال شيء أعمق، لكن كان يُقبل بوصفه سمة أساسية يُسلم بها في علم الأحياء. لكننا نعلم اليوم أنه لا وجود لقوة الحياة هذه، وأن الكائنات الحية آلات، وأنها تظهر سماتها الاستثنائية بفضل التعقيد العظيم الذي تتمتع به.

ما يجعل الحياة شيئًا خاصًّا ليس ما تتألف منه، بل ما تفعله من أشياء. يصعب تعريف الحياة بدرجة كبيرة، إلا أنها تتسم إجمالًا بثلاث سمات أساسية؛ أولها: هي أن الكائنات الحية نتاج للتطور الدارويني، وفي الواقع يعرّف بعض العلماء الحياة وفق هذا المعيار وحده. إن المبدأ التطوري للتكاثر، بما فيه من تنوع وانتخاب، يعد جوهريًّا بشكل لا يقبل الجدل. وهو ينطبق على الحياة في كل مكان، حتى على أشكال الحياة التي تختلف اختلافًا كبيرًا عن أشكال الحياة الأرضية المتنوعة. ومع أن التطور الدارويني ليس من قوانين الفيزياء، فإنه مبدأ تنظيمي على نفس درجة عمق قانون الجاذبية وأهميته، وبهذا تكون الحياة نتاجًا لهذه السمة الأساسية للكون.

السمة الأساسية الثانية: هي الاستقلالية؛ فالكائنات الحية تتمتع بحياة خاصة بها تمتعًا حرفيًّا، ومع أن قوى الطبيعة تنطبق عليها مثلما تنطبق على غيرها من النظم المادية، فإنها «تسخر» هذه القوى لتحقق ما تريد. مثال بسيط على هذا الأمر قد يوضح مقصدي: إذا ألقيت بطائر ميت في الهواء فسيطيع مسارًا هندسيًّا بسيطًا، ويهبط في نقطة يمكن التنبؤ بها. لكن إذا أطلقت طائرًا حيًّا في الهواء فمن المحال أن تعرف كيف سيتحرك أو أين سيهبط. ومن المهم هنا التأكيد على أن عدم القدرة على التنبؤ تختلف اختلافًا أساسيًّا عن السلوك العشوائي أو الفوضوي، مثل إلقاء النرد أو مصير الدوامات المتكونة في مجرى النهر. إن المسار الذي يتخذه الطائر يتحدد في جزء منه من واقع حالته الجينية والعصبية.

السمة الأساسية الثالثة للنظم الحية: هي كيفية تعاطيها مع المعلومات. يمكن اعتبار جميع النظم المادية نظمًا لمعالجة المعلومات. على سبيل المثال، يحتاج موقع أحد الكواكب في الفضاء إلى بعض الأرقام لتحديده. مع دوران الكوكب حول الشمس يتغير موقعه وتتغير هذه الأرقام. وبهذا تُحوِّل حركة الكوكب البسيطة «المُدخلات» (الموضع الأولي للكوكب) إلى «مُخرجات» (الموضع النهائي للكوكب). لكن المعلومات التي يحتوي عليها الجينوم أو المخ تتجاوز كونها بيانات من هذا النوع؛ إذ إن الجينوم هو مخطط عمل أو لوغاريتم أو مجموعة تعليمات لتنفيذ مشروع ما، على غرار تكوين أحد البروتينات أو نسخ أحد الجزيئات. ولكي يعمل اللوغاريتم بنجاح لا بد من وجود نظام مادي (في حالة الجينوم يكون هذا النظام هو الريبوسوم) يمكنه تفسير التعليمات الجينية وتنفيذها. هذه التعليمات «تعني شيئًا ما» للنظام، وهو «يتصرف» وفقًا لها. يشير الفلاسفة وعلماء الحاسب للمعلومات ذات المعنى (على نقيض البيانات الخام) باسم «المعلومات الدلالية». هناك إذن بعد دلالي أو سياقي للمعلومات البيولوجية؛ فالمعلومات الجينية ليست سلسلة من أجزاء البيانات العشوائية فقط، بل هي نوع من البرامج الحاسوبية لتشفير هدف محدد من قبل، مكتوب بأبجدية الحمض النووي رباعية الأحرف. وعندما يتعلق الأمر بالوعي — على النقيض من النشاط البيوكيميائي المحض — تتضح الطبيعة الدلالية لعملية معالجة المعلومات العصبية بجلاء. لا شك أن العقول تعالج معلومات ذات معنى؛ فهذه، بشكل أو بآخر، وظيفتها الأساسية.

يأخذ عالم الفيزياء ديفيد دويتش، المعروف بعمله الرائد في الحوسبة الكمية، البعد الحوسبي للحياة لما يتجاوز مجرد التشبيه. وهو يشير إلى أن الجينوم يحتوي على تمثيل داخلي للعالم — نوع من الواقع الافتراضي — المبني على مر حقب مديدة من التطور، يجعله يستغل المعلومات السياقية الضرورية للكائن الموجود فيه كي يتكيف على نحو طيب مع موضعه البيئي. بعبارة أخرى، فإن الجينوم «يعرف» بيئته معرفة وثيقة. كتب دويتش: «الآن صرنا أقرب لمعرفة سبب جوهرية الحياة؛ فالحياة هي التجسيد المادي للمعرفة. وهي تقول إنه من الممكن تجسيد قوانين الفيزياء، كما تنطبق على كل بيئة مادية ممكنة، في برامج خاصة بتوليد الواقع الافتراضي. والجينات هي هذه البرامج.»8 إن قدرة الأنظمة المادية، على غرار الكائنات الحية والأمخاخ والحاسبات الآلية، على بناء تمثيل حوسبي للكون — أي محاكاته — ليست بأي معيار بالسمة التافهة للعالم المادي. يعتمد هذا الأمر على ما يطلق عليه مبدأ تورينج (على اسم ألان تورينج، المشارك في اختراع الحاسب الآلي). يعرّف دويتش مبدأ تورينج، الذي يعتبره مساويًا لقوانين الفيزياء في كونه من أهم السمات الجوهرية للعالم المادي، كما يأتي: «من الممكن بناء حاسب آلي شامل: آلة يمكن برمجتها لأداء أي عملية حوسبة يستطيع أي جسم مادي آخر القيام بها.»9 مع أن كثيرًا من الناس يأخذون هذا المبدأ كأمر مسلم به في عصر الحاسب الآلي، فإنه في الواقع يمثل سمة عميقة للغاية من سمات العالم، ويتوقف على نوع الأنظمة المادية الموجودة في الطبيعة والطريقة التي تتصرف بها.
بالتوسع في هذه الفكرة يضع دويتش «المعرفة» في نفس مرتبة أشياء مثل الكتلة والشحنة الكهربية، بوصفها كمية فيزيائية جوهرية، وهو يدلل على صحة زعمه هذا بحجة عجيبة: تخيل وجود حضارة مستقبلية على كوكب الأرض تملك التكنولوجيا لتعديل ليس فقط هذا الكوكب (كما فعلنا بالفعل، بشكل طيب أو سيئ) بل النظام الشمسي بأكمله، بما في ذلك الشمس. ربما ترغب هذه الحضارة في استخدام معرفتها بالفيزياء الفلكية في إطالة عمر الشمس عن طريق تغيير تركيبتها بصورة ما. إن تطور النجوم على غرار الشمس مفهوم بالفعل، ويمكن تحديد خصائص أي شمس متقدمة في العمر بدقة بواسطة تطبيق القوانين المعيارية للفيزياء النووية وفيزياء البلازما. أي مراقب من كوكب آخر في الطرف البعيد لمجرتنا يرصد سلوك الشمس بهذه الصورة سيجد عدم اتساق في ملاحظاته؛ لأن الشمس تغيرت بفعل المعرفة العلمية للحضارة الأرضية. في هذه الحالة يكون للمعرفة تأثير كبير بما يكفي ليضاهي العمليات القياسية في الفيزياء الفلكية، مثل تدفق الحرارة من اللب النجمي. بالطبع لا تزال الهندسة الكونية مقصورة على الخيال العلمي، لكن لا يوجد سبب يمنع الحياة والعقل، على مر دهور مديدة، من تغيير بنية الكون على نطاق كبير للغاية. (سأعود لهذا الموضوع في هذا الفصل.) على أية حال، كما يذكرنا دويتش، ليس الحجم هو كل ما يهم؛ فظاهرة مثل التداخل الكمي (انظر الإطار [الكون المتعدد الكمي]) جوهرية بشكل جلي في الشخصية، ومع ذلك فهي خفية بشكل كبير في كل الظروف تقريبًا.10

الكون المتعدد الكمي

من المنظور التاريخي، لم تكن أول نظرية للكون المتعدد معنية بالكون نفسه بالأساس، بل كانت أحد تفسيرات نظرية ميكانيكا الكم. من غرائب ميكانيكا الكم أن الجسيم، على غرار الإلكترون، يتسم بشكل جوهري بقدر من عدم اليقين، وذلك وفق مبدأ عدم اليقين لهايزنبرج. على سبيل المثال، حين يتشتت الإلكترون بعد ارتطامه بجسم ما لا يمكنك أن تعرف مسبقًا هل سيرتد جهة اليمين أم جهة اليسار. تعطي ميكانيكا الكم كلتا النتيجتين احتمالية متساوية، لكنها تعجز عن تحديد أي النتيجتين ستحدث في أي حالة بعينها. ومع ذلك فلن نجد صعوبة بعد وقوع الحدث في معرفة الجهة التي تشتت الإلكترون ناحيتها؛ إذ إن كل ما علينا عمله هو الملاحظة المباشرة لمساره. من سبل التفكير في هذا الأمر القول إنه قبل أن يرتطم الإلكترون بالجسم كان هناك عالم واحد له مستقبلان محتملان: أحدهما يتحرك فيه الإلكترون إلى اليمين والآخر يتحرك فيه الإلكترون إلى اليسار. لكن بعد وقوع الارتطام سيكون على الطبيعة أن تحسم أمرها، إما إلى اليمين أو اليسار.

في التفسير الأصلي لنظرية الكم، والذي قدمه نيلز بور في كوبنهاجن في ثلاثينيات القرن العشرين، كان الانتقال من التراكب الغامض غير المحدد للعوالم إلى الواقع الأوحد الملموس يُعزى إلى تدخل مُجْرِي التجربة. وفق التفسير السائد في كوبنهاجن فإن فعل الملاحظة نفسه كان الخطوة الأساسية في جعل الطبيعة «تحسم أمرها» (إلى اليمين أو اليسار). رأى عدد قليل من الفيزيائيين في هذا دليلًا على الدور المباشر الذي يلعبه الوعي في العالم المادي على المستوى الكمي، بيد أن أغلب الفيزيائيين رفضوا هذه الفكرة. في الوقت الحالي هناك تفسير شائع — رغم عدم وجود إجماع كامل عليه — لميكانيكا الكم يقضي بقَبول النظرية كتوصيف كامل للواقع، بما في ذلك المراقبون أنفسهم. (بشكل نظري يمكن أن تنطبق النظرية على الكون بأكمله.)

إذا تبنينا وجهة النظر هذه يمكن تفسير التجربة البسيطة المذكورة فيما سبق بحيث تعني أن «كلا» العالمين المحتملين واقعيان بدرجة متساوية، بمعنى أنه حين يرتطم الإلكترون بالجسم ينقسم الكون إلى نسختين؛ واحدة يتحرك فيها الإلكترون إلى اليمين والأخرى يتحرك فيها إلى اليسار. يمكن التعبير عن الأمر تعبيرًا أفضل بأن نقول إنه قبل حدوث الارتطام كانت هناك نسختان متطابقتان من الكون، لم تفترق إحداهما عن الأخرى إلا مع حدوث الارتطام. أي مراقب يرصد ما يحدث يجب هو الآخر أن ينقسم إلى نسختين متطابقتين؛ إحداهما ترى الإلكترون يذهب في ناحية، والأخرى تراه يذهب في الناحية المعاكسة. قد ينخدع كل مراقب منهما بالإيمان بأن عالمه هو العالم الوحيد «الحقيقي»، وليس الآخر إلا منافسًا محتملًا غير متحقق. لكن في الحقيقة توجد جميع العوالم الواقعية بشكل متواز. صارت هذه المجموعة من الأفكار معروفة باسم تفسير «الأكوان الموازية» أو «الأكوان العديدة» لميكانيكا الكم. وبشكل عام لن يخلق النشاط دون الذري نسختين من العوالم الموازية، بل نسخًا لا حصر لها، وهي عملية متواصلة طوال الوقت.

مع كون تفسير الأكوان العديدة لميكانيكا الكم أمرًا محيرًا للعقل فإنه هو الأكثر قبولًا في أوساط الفيزيائيين العاملين على الموضوعات الجوهرية على غرار نظرية الأوتار/النظرية M. هذا التفسير محل تفضيل أيضًا عند تطبيق ميكانيكا الكم على علم الكونيات.
قد يعترض منتقدو هذه الفكرة قائلين إن المعرفة مفهوم بشري ليس له مكان في أي نظرية للعالم المادي، وفي علم الكونيات على الأخص. هل يمكن أن نعزو «المعرفة» لأحد الجينات مثلًا؟ أليس هذا الجين جزيئًا أخرق؟ من الصحيح أن جزيئات على غرار الحمض النووي لا تحمل ملصقًا مكتوبًا عليه «لديّ معرفة». لتوضيح هذه النقطة تدبر أمر قاعدة البيانات الجينية للحياة التي تحتوي عليها سلسلة من القواعد النيتروجينية، أو الحروف، داخل الحمض النووي. هناك أربعة أنواع لهذه القواعد يشار إليها بالحروف A وT وC وG. حين يحلل العلماء أحد الجينات لتحديد سلسلة القواعد التي يحتوي عليها تقدم النتيجة على صورة سلسلة طويلة من الحروف، قد يبدو جزء منها على هذا النحو: AAGCTCGTTAGAC. الوظيفة الأساسية للجينات هي حمل شفرة تصنيع البروتينات، إلا أن القدر الأعظم من الحمض النووي في الكائنات المعقدة، مثل البشر، «غير مشفر»، أي لا يحمل معلومات وراثية، وعادة ما يشار له بالحمض النووي «المُهمَل».11 ومع ذلك فيمكن أن يوجد نفس تتابع الحروف AAGCTCGTTAGAC في أحد الجينات وفي الحمض النووي المهمَل، ولن يمكنك بالنظر إلى التتابع وحده معرفة هل «يحمل معرفة» (أي ينتمي لأحد الجينات) أو لا (أي ينتمي للحمض النووي المهمَل). هذه الجزيئات متطابقة من الناحية المادية، لكن ضمن السياق الكلي للكائن وبيئته يكون لمسمى المعرفة معنى.

المشكلة أن مفهوم «السياق الكلي» يبدو صعب التعريف وذاتيًّا إلى حدٍّ بعيد. إلا أن دويتش يؤمن بأن لديه وسيلة لتعريفه بحيث يوضح أهميته الموضوعية. وهو يشير إلى أنه رغم أن أي تغيرات في الجزء الشفري، أو الجيني، في الحمض النووي قد تكون لها آثار كارثية عن طريق التسبب بطفرات تقلل نجاح الكائن على التكيف، فإن أغلب التغيرات في الحمض النووي المهمل لا يبدو أن لها أية تبعات خطيرة. وبهذا يعمل الانتخاب الطبيعي على حفظ التتابعات الوراثية في الحمض النووي عبر أجيال عديدة، لكنه يسمح للحمض النووي المهمل بالتغير تغيرًا عشوائيًّا من جيل لآخر. إن الطفرة، والمقصود بها التغير في تتابعات الحروف، قد تحدث بسبب مرور جسيم دون ذري، على غرار الأشعة الكونية، عبر جزيء الحمض النووي وإتلافه، مسببًا تغير ترتيب الحروف، ويكفي تغير موضع حرف واحد للتسبب في تبعات خطيرة للكائن وسلالته. مثل هذا الحدث حساس للغاية للمسار المحدد للجسيم، ويخبرنا عدم اليقين الكمي بأن هناك احتمالية لأن يفشل الجسيم في إعادة ترتيب الحروف أو الخروج بترتيب مختلف. يدعونا دويتش للتفكير في هذا السيناريو في سياق الكون المتعدد الكمي؛ تأويل الأكوان المتعددة لميكانيكا الكم (انظر الإطار [الكون المتعدد الكمي]). إذا تمكنا من رصد كل واقع كمي مواز في الوقت ذاته (وهو ما يستحيل عمله على البشر، لكن يمكن التفكير في الأمر بوصفه تجربة فكرية) فسنلاحظ وقتها أن تتابع الحمض النووي لكائن بعينه (على سبيل المثال، كلب محدد) في هذه العوالم المتوازية اختلف. سبب هذا هو أن العوالم الكمية المختلفة لها تواريخ مختلفة، بما في ذلك تواريخ التطور للكائن المذكور؛ تواريخ قد تعتمد اعتمادًا أساسيًّا على اصطدام الأشعة الكونية وغيرها من الجسيمات الذرية الخاضعة لمبدأ عدم اليقين الكمي. بمزيد من التدقيق سنجد أن التغيرات في تتابعات الحمض النووي التي رأيناها في جميع العوالم الموازية تتركز تركزًا طاغيًا في الجزء المهمل من الحمض النووي، وسيظل الجزء الجيني، الحامل للشفرة الوراثية، متطابقًا تطابقًا شبه تام من عالم كمي إلى آخر؛ بسبب حفاظ الانتخاب الطبيعي عليه على مر التواريخ العديدة الماضية. يخلص دويتش من هذا إلى أننا بتوسيع نظريتنا للعالم بحيث تشتمل على الكون المتعدد الكمي، سنرى اختلافًا ماديًّا واضحًا بين التتابعات الجينية، التي تملك «معرفة»، وتتابعات الحمض النووي المهمل. وبهذه الكيفية يمكن أن تُمنح «المعرفة» أساسًا ماديًّا موضوعيًّا.

محصلة هذه النقاشات المتعددة هي أن الكائنات الحية تتمتع بخصوصية شديدة في العديد من المناحي المهمة بما يمنعها من أن تكون «مجرد نوع آخر من الأنظمة المادية» الموجودة في مستودع الطبيعة إلى جوار سحب الأمطار والصخور والصمغ. إن تاريخ الكون، بمنظور كلي شامل، هو تاريخ تظهر فيه ظواهر جوهرية جديدة مع كل نقلة جديدة في درجات الحرارة أو الطاقة أو التعقيد. على سبيل المثال، في عمر ميكروثانية، تجمدت الكواركات والجلوونات لتكون البروتونات والنيوترونات، وحين كان عمر الكون ٣٨٠ ألف عام اتحدت الإلكترونات والجسيمات النووية لتكون الذرات، وبعد بضع مئات الملايين من السنين تكونت المجرات والنجوم، وفي وقت لاحق ظهرت الحياة، ثم العقل، ثم الثقافة. لا ينكر أحد أن الذرات والنجوم والمجرات هي من ملامح الكون الأساسية. ويبدو واضحًا أن الحياة (والعقل والثقافة أيضًا، وهو ما سأحاول البرهنة عليه فيما يلي) ليست بالخطوة الأقل أهمية على درب التطور الكوني.

(٣) النظر إلى العقل بجدية

عند الحديث عن العقل تصير السمات المميزة أكثر وضوحًا ومختلفة اختلافًا كليًّا عن أي شيء آخر موجود في الطبيعة. إننا الآن نتعامل مع الأفكار والأغراض والمشاعر والمعتقدات؛ ذلك العالم الداخلي الذاتي للمراقب، الذي يستشعر الحقائق الخارجية من خلال حواسه. من الواضح أن هذه الكيانات العقلية ليست «مجموعة أخرى من الأشياء»؛ بل هي تحتل مرتبة متفردة. ولا يمكن حتى توصيفها بنفس الكيفية التي توصف بها الأشياء المادية، ولا تربطها بها علاقة على الإطلاق. إنك إذا شققت مخ إنسان فلن ترى الأفكار والمشاعر. لن ترى إلا تكوينات معقدة من الخلايا المخية. بطبيعة الحال من الممكن تحديد العلاقة بين الحالات العصبية والحالات العقلية (وهذا ما يسميه الفلاسفة «المشكلة السهلة»، مع أنها أبعد ما تكون عن السهولة)، إلا أن هذا لن يفيد في حل مشكلة تباين الخبرات الفردية بعضها عن بعض، مثل الإحساس بحمرة اللون الأحمر أو زرقة اللون الأزرق، أو مذاق الملح أو الإحساس بالفراء. يعد تفسير هذه السمات المتفردة جزءًا مما يطلق عليه «المشكلة الصعبة»،12 لأن هذه السمات منفصلة على المستويين المفاهيمي والعلمي عن عالم الأجسام والقوى المادية؛ فإما أن تكون هذه السمات المتفردة ليست إلا وهمًا ويمكن تحديدها بعيدًا عن الوجود (أنت لا ترى اللون الأحمر، بل تخدع نفسك. ليس لك وجود مادي، بل إحساسك بذاتك هلاوس)، أو أن تكون بالفعل سمات أساسية ونتاجًا منطقيًّا للطبيعة. بُذلت محاولات بطولية على طريق البرهنة على صحة الرأي الأول، أشهرها تلك التي قام بها دانيل دينيت،13 إلا أنني أعتقد أن القضية أبعد ما تكون عن الحل.
نظرًا لكثرة ما كُتب حول هذا الموضوع فلن أحاول تلخيص الحجج القوية المقدمة دفاعًا عن الطبيعة الجوهرية للحالات العقلية على وجه العموم، والسمات المنفصلة على وجه الخصوص.14 سأقدم فقط سببين إضافيين وراء إيماني بضرورة النظر إلى العقل بجدية على أنه ملمح عميق ذو معنى للكون، أولهما علمي، والثاني فلسفي. من الصحيح أن عالم العقل يكتنفه غموض شديد، إلا أنني مقتنع بأن ظاهرة الوعي ستُدمج في نهاية المطاف في الصورة العلمية للعالم، وأن العلاقة بين العقل والمادة ستُفهم فهمًا صحيحًا دون الحاجة لتعريف الوعي تعريفًا خارجًا عن الوجود. إلا أن كيفية عمل هذا تظل إلى الآن في علم الغيب، ومع ذلك فهناك تلميح للكيفية التي يمكن أن يتوافق بها العقل مع الفيزياء يأتي من عالم ميكانيكا الكم؛ فمع أن النظم الكمية تتسم بعدم اليقين بطبيعتها، فإن تطبيق نظام للقياس سيؤدي في المعتاد لنتائج محددة (انظر الإطارين [غرابة ميكانيكا الكم] و[الكون المتعدد الكمي]). ومنذ ظهرت ميكانيكا الكم للنور والدور المحوري للقياس، أو الملاحظة، معترف به، ومع أنه لم يتحدد بشكل قاطع بعد كيف يكون للعقل (بالمقارنة بالمخ أو أي نظام معقد لجمع المعلومات) علاقة بهذه القضية، أو هل له علاقة من الأساس، فيبدو من المرجح أن أي محاولة لجلب الوعي داخل نطاق الفيزياء ستحتاج أن تُصاغ في سياق ميكانيكا الكم.
تتضح مشكلة إدراج المراقب في وصفنا للواقع المادي بجلاء عند الحديث عن موضوع علم الكونيات الكمي — والمقصود به تطبيق ميكانيكا الكم على الكون بأكمله — وذلك لأن الكون، بشكل تلقائي، لا بد أن يحتوي على مراقبين. يعطينا أندريه ليند سببًا عميقًا وراء ضرورة لعب المراقبين دورًا جوهريًّا في علم الكونيات الكمي، وهذا السبب يتعلق بطبيعة الزمن. ليس مرور الزمن أمرًا مطلقًا، بل لا بد أن يشتمل على تغير في أحد النظم المادية مقارنة بآخر، مثل عدد مرات تحرك عقارب الساعة بالمقارنة بحركة دوران الأرض. في حالة الكون بأكمله يفقد الزمن معناه؛ إذ لا يوجد شيء آخر يمكن القول إن الكون يتغير بالمقارنة به. يتضح «اختفاء» الزمن للكون بأسره بشكل كبير في علم الكونيات الكمي، حيث يُسقَط عامل الزمن من التوصيف الكمي للكون.15 لكن من الممكن أن يُعاد بسهولة للمعادلة إذا اعتبرنا أن الكون منقسم إلى نظامين فرعيين: مراقب يحمل ساعة، وبقية الكون. وقتها يستطيع المراقب قياس مرور الزمن في ضوء تطور بقية الكون. من هذا المنطلق يكون للمراقب دور مهم للغاية. عبر ليند عن هذه الفكرة بوضوح بقوله: «وبهذا نرى أنه دون وجود المراقب، سيكون لدينا كون ميت، كون لا يتطور مع مرور الزمن»16 وأنه «لا بد من وجود الكون والمراقبين معًا. وحين تزعم أن الكون موجود دون مراقبين فلن أجد في هذا أي معنى. فلا يسعني تخيل نظرية متسقة لكل شيء تتجاهل الوعي … ففي غياب المراقبين يكون الكون ميتًا.»17 ومن البديهي أن يوجد المراقبون فقط في أكوان «جولديلوكس» التي تسمح فيها القوانين والظروف بوجود المراقبين من الأساس.

دعني أعرض لك الآن السبب الفلسفي وراء إيماني بأن العقل يحتل مكانًا مميزًا في الكون: يدور الأمر حول حقيقة أن العقول (البشرية بالطبع) هي أكثر من مجرد مراقبين. إننا نفعل ما هو أكثر من مشاهدة عروض الطبيعة. إن البشر قادرون على «تفهم» العالم، على الأقل بشكل جزئي، بالمنطق والعلم. وعلى وجه التحديد، لقد طورنا أساليب رياضية، وخلال عمل هذا كشفنا النقاب عن بعض، وقريبًا كل، شفرة الكون الخفية؛ تلك النغمة الدقيقة التي ترقص وفقها الطبيعة. لا شيء في حجة الكون المتعدد/المبدأ الإنساني بأكملها يتطلب «ذلك» المستوى من الانخراط، و«تلك» الدرجة من الترابط. ولتفسير ملاءمة الكون للحياة، تتطلب عمليات الانتخاب المفترض وجودها في المبدأ الإنساني الضعيف وجود مراقبين للمراقبة. ليس لزامًا على المراقبين أن يفهموا، ومع ذلك فالبشر يفهمون. لماذا؟

إنني مقتنع بأن الفهم البشري للطبيعة بالعلم والمنطق العقلاني والرياضيات يشير إلى وجود رابط بين الحياة والعقل والكون أكثر عمقًا بكثير من ذلك الذي يظهر في يانصيب علم كونيات الكون المتعدد والمبدأ الإنساني الضعيف. فبصورة ما، سأعرضها بتفصيل أكبر بعد قليل، تعد الحياة والعقل والقوانين المادية جزءًا من خطة مشتركة، وكل منها يدعم الآخر. وسأزعم في الأقسام التالية أن ملاءمة الكون للحياة هي بالفعل تأثير لانتخاب المراقبين، لكنها تعمل على مستوى أكثر عمقًا من تفسير «الفائزين باليانصيب العشوائي» السلبي.

لو صح أن الحياة والعقل من السمات الأساسية للكون، كما اقترحت، يمكننا أن نتوقع انتشارهما في الكون، تمامًا مثلما تنتشر أية كيانات أخرى (كالمجرات والنجوم والكواكب). وعلى النقيض، لو كانت الحياة على الأرض «تفاعلًا كيميائيًّا» عرضيًّا فقط، لا ينبع من أي مبدأ عميق بل ليس إلا نتيجة صدفة عارضة، فمن المرجح أن تكون مقتصرة على نظامنا الشمسي وحده. هناك إذن طريقتان لاختبار الزعم بأن الحياة ظاهرة أساسية مهمة عامة؛ الأولى: هي البحث عن أماكن أخرى في الكون ظهرت بها الحياة من نقطة الصفر، ظهورًا مستقلًّا عن الحياة على كوكب الأرض. الثانية: هي البحث عن أدلة على أن الحياة على الأرض بدأت أكثر من مرة؛ فربما يوجد شكل بديل للحياة الميكروبية لا يزال في طور النمو في مكان ما داخل المجال الحيوي للأرض.18 إذا تحقق أي من الطريقتين فسيعني هذا أن الحياة سمة أصيلة متغلغلة في الكون، وأنها «حتمية كونية»، لو كررنا وصف دوف القوي.
إن الزعم بأن الحياة والمراقبين نتاج حتمي للملاءمة المتأصلة في الكون للحياة يلقى قبولًا واسعًا دون شك. ومع ذلك فهذا الزعم يواجه بالعديد من العقبات العلمية والفلسفية الخطيرة. لمعرفة ما أعني تدبر عددًا من الأمثلة على الأنظمة المادية التي تظهر كنتيجة حتمية للقوانين المادية؛ أول هذه الأمثلة البلورات: إن بنية البلورة محددة من واقع التناظرات الهندسية التي هي جزء لا يتجزأ من قوانين الكهرومغناطيسية. إن العملية التي يتبلور بها محلول غير منتظم الشكل، محلول ملحي مثلًا، إلى حبيبات ملح صلبة ذات بنية هندسية هي عملية محددة وحتمية بشكل كبير، وستتم نفس العملية بنفس الصورة كل مرة. المثال الثاني: هو حالة التوازن الديناميكي الحراري للغاز.19 إذا أُدخل الغاز إلى وعاء مغلق بطريقة اعتباطية وتُرك لحاله، سرعان ما يصل لحالة نهائية تكون فيها درجتا الحرارة والضغط ثابتتين عبر الغاز كله، وستتوزع سرعات الجزيئات وفق علاقة رياضية دقيقة (تعرف بتوزيع ماكسويل-بولتزمان). ومجددًا، الحالة النهائية خاضعة بالكامل للتنبؤ وقابلة للتكرار.20 وهي محددة تحديدًا مسبقًا من واقع قوانين الفيزياء. وبهذا من الصواب تمامًا القول إن الحالات النهائية للملح والغاز «مكتوبة في» قوانين الفيزياء.
إلا أن السؤال المطروح أمامنا هو: هل الحياة — وربما حتى الوعي — مكتوبة في قوانين الفيزياء؟ هل يمكن لظهور الحياة من المادة غير الحية أن يشبه عملية البلورة، مثلًا، وأن ينبع، على نحو حتمي يمكن التنبؤ به، من قوانين الفيزياء وحدها، تحت نطاق عريض من الظروف المبدئية؟ الإجابة هي كلا قطعيًّا. إن النظم البيولوجية تقع في مكان متوسط بين البلورات والغاز العشوائي، فالخلية الحية تتفرد بتعقيدها البالغ المنظم، وهي لا تملك بساطة البلورات أو عشوائية الغازات.21 إنها حالة خاصة عجيبة للمادة ذات المحتوى المعلوماتي العالي. إن جينوم أصغر أشكال البكتريا المعروفة يحتوي على ملايين المعلومات؛ معلومات ليست مشفرة وفق قوانين الفيزياء. إن قوانين الفيزياء علاقات رياضية بسيطة يمكن التعبير عنها بقدر قليل للغاية من المعلومات. وهي قوانين عامة، ولأنها تنطبق على كل شيء، لا يمكنها أن تحتوي على معلومات تخص طبقة معينة من النظم المادية؛ الكائنات الحية. لفهم المحتوى المعلوماتي العالي للحياة علينا إدراك أنه ليس نتاجًا لقوانين الطبيعة وحدها، بل لقوانين الفيزياء «إلى جانب» تاريخ البيئة معًا. لقد ظهرت الحياة وطورت تعقيدها الهائل نتيجة لعملية استغرقت مليارات الأعوام وتطلبت عددًا كبيرًا من خطوات معالجة المعلومات. وعلى هذا يحوي الكائن الحي منتجات لتاريخ معقد متشابك. ولتلخيص الأمر في عبارة واحدة، يمكن القول إن الحياة التي نرصدها اليوم هي ١ بالمائة فيزياء، و٩٩ بالمائة تاريخ.

(٤) التعامل مع فكرة الغائية

إذا لم تكن الحياة مكتوبة في قوانين الفيزياء كما نعرفها في وقتنا الحالي، فهل يمكن أن تنمو هذه القوانين بفعل مبدأ تنظيمي ما يسهل من ظهور التعقيد البيولوجي ويسرّع من ظهور المادة والطاقة على مدار طريق الحياة ضد كل الاحتمالات المعارضة، بل يدفعها لأشكال أكثر تعقيدًا؟ اقتُرح وجود مثل هذا المبدأ مرات عديدة،22 بيد أن هذا دائمًا ما ووجه بمعارضة قوية من أنصار العلم التقليدي. ليس من العسير معرفة السبب وراء رد الفعل السلبي هذا؛ إذ إن أي نوع من مبادئ الحياة أو الحتمية الكونية يعيد إلى العلم تلك الكلمة المثيرة للفزع: الغائية. كلمة الغائية بالإنجليزية teleology مشتقة من الكلمة الإغريقية telos بمعنى «غاية» أو «نتيجة»، وهي نفس ما يعنيه العلماء عندما يستخدمون كلمة «السبب» Cause.

علمنا أرسطو أن الأسباب تأتي في صور متعددة، إحداها هي ما أطلق عليها «الغاية النهائية»، والمقصود بها الحالة النهائية التي توجه صوبها كل الأفعال. الغايات النهائية مألوفة في الأنشطة البشرية. على سبيل المثال، يذهب البنَّاء لشراء قوالب الطوب بغرض بناء المنزل، ويضع الطباخ الطعام في الفرن بغرض إعداد الطعام. إن مفهوم المنزل والطعام بوصفهما حالات نهائية يشكل جزءًا من سلسلة السببية. ولا يسعنا أن نفهم فهمًا تامًّا ما يفعله البنَّاء أو الطباخ دون أن نضع في اعتبارنا «البعد الغائي» لأنشطتهما، أو ما يمكن أن نطلق عليه إجمالًا «الغرض». يمكن تبين الغائية أيضًا في أفعال الحيوانات؛ فالكلب يحفر في الحديقة بغرض إخراج عظمته، والصقر ينقض على الفأر على أمل أن يمسك به. آمن أرسطو أنه بالإمكان تبين الغايات النهائية في العناصر غير الحية في الطبيعة أيضًا، ولا يزال بمقدورنا رؤية آثار لهذه الفكرة في عبارات على غرار «يظل سطح الماء مستويًا أيًّا كان الإناء الذي يحتويه». لكن منذ وقت نيوتن طُرحت فكرة الغاية النهائية من عالم الفيزياء جانبًا (أو على الأقل فقدت بريقها). فعلى مستوى تفاعل الذرات بعضها مع بعض، تكمن الغائية في التفاعل ذاته، دون إشارة لأي نوع من المصير أو الغرض أو النتيجة النهائية.

لكن في عالم البيولوجيا من العسير إنكار وجود الغائية، خاصة في السلوك البشري. إلا أن الغائية استُبعدت تمامًا من نظرية داروين للتطور. إن الفكرة الجوهرية للداروينية هي أن الطبيعة لا يمكنها أن «تنظر إلى الأمام» وتتوقع ما يمكن أن يحتاج الكائن إليه كي يحيا. وحسب تعبير ريتشارد دوكنز فإن الطبيعة ليست إلا صانع ساعات أعمى، والطفرات تحدث بشكل عشوائي ثم تُختار على أساس قيمتها «في الوقت الحالي». إن الداروينية تعمل في الوقت الحاضر، ويعمل الانتخاب على انتقاء أنسب السمات في الوقت الحالي. وفقًا لداروين فإن التطور لا «يتجه لمكان محدد»؛ فلا يوجد اتجاه معين أو تخطيط مسبق.23 بطبيعة الحال قد يُظهر التطور نزعات بعينها، على غرار النمو المتواصل لخرطوم الفيل، إلا أن هذا يرجع ببساطة إلى الضغوط الانتخابية المتواصلة التي تعظم سمة مفيدة بعينها. وفي هذا المنحى تقف الداروينية في موقف معارض تمامًا لنظرية التطور البديلة للامارك (ثبت عدم صحتها الآن) التي تقترح توارث السمات المكتسبة، وذكرتها عرضًا في الفصل التاسع. في نظرية لامارك تكافح الكائنات لتحقيق تكيف أفضل، ثم تنقل ثمرة جهودها هذه إلى أبنائها؛ على سبيل المثال، تمد الزرافة عنقها للوصول للأفرع الأعلى، ونتيجة لذلك تنجب زرافات ذات أعناق أطول. تحتل الغائية مكانًا بارزًا في اللاماركية، إلا أن انتصار الداروينية جعل أي شكل من أشكال الغائية، سواء في البيولوجيا أو الفيزياء أو غيرها من العلوم، محل استهجان كبير.24 بل يمكنني الذهاب للقول إن العلم الآن في آخر مراحل تنقية نفسه من فكرة الغائية.25 تنبع هذه الكراهية بشكل جزئي من المغزى الديني لفكرة الغائية. ومع أن مفهوم أرسطو الأصلي لم يكن له أي مغزى ديني، فإنه سرعان ما صار يُنظر للغائية بوصفها طريقة العمل الإلهية في الكون المادي. تسبب هذا في نفور العلم من فكرة الغائية، وحين ظهرت نظرية التطور مطيحة بفكرة الغائية تلقاها الملحدون بحفاوة وحماس شديدين. فنجد أن فريدريك إنجلز، مثلًا، كتب في خطاب إلى كارل ماركس عام ١٨٥٩ يقول: «بالمناسبة، إن داروين، الذي أقرأ له حاليًّا، رائع بحق. كان هناك جانب واحد متبقٍّ من الغائية لم يُهدم بعد، لكنه نجح في هدمه بالفعل.»26
إن المبدأ الإنساني القوي، بل حتى فكرة دوف عن «الحتمية الكونية»، التي تبدو بريئة من النظرة الأولى، تغازل فكرة الغائية. فهاتان الفكرتان تصفان كيفية تسهيل ظهور حالة نهائية — الحياة والوعي — عن طريق سلسلة من الخطوات، سلسلة تبلغ أوجها بعد أن تكون قوانين الطبيعة قد «وضعت» بمليارات السنين. ينظر العلماء الملتزمون بصرامة بالمنهج العلمي بازدراء لمثل هذه الأفكار المفرطة في التفاؤل. ربما تحدث جيلمان نيابة عن أغلبية العلماء حين كتب: «يمكن أن تنبثق الحياة انبثاقًا تامًّا من قوانين الفيزياء إضافة إلى بعض المصادفات، ويمكن أن ينشأ العقل من البيولوجيا العصبية. وليس من الضروري الافتراض بوجود آلية إضافية أو أسباب خفية.»27 و«لكن المبدأ [الغائي] في أقوى صوره من المفترض أن ينطبق على آليات الجسيمات الأولية والأحوال البدائية للكون، بحيث يشكل بطريقة ما هذه القوانين كي تنتج بشرًا. هذه الفكرة تبدو سخيفة لدرجة لا تستحق معها أن تُناقَش أكثر من ذلك.»28

لا تحظى الغائية بشعبية بين العلماء، ليس فقط للأسباب الأيديولوجية؛ إذ إن هناك براهين علمية مضادة لها أيضًا. ووفق النظرة التقليدية فإن قوانين الطبيعة تحدد بالفعل كل شيء يحدث في الطبيعة (حتى حدود عدم اليقين الكمي)، وذلك فور تحديد الشروط الأولية للنظام المعني. وإذا حاولنا الآن فرض قانون أو مبدأ إضافي فوق قوانين الفيزياء فسيبدو الأمر كما لو أن هناك تعارضًا. على سبيل المثال، إذا أخبرت قوانين الفيزياء الذرة بأن تفعل هذا، وأخبرها المبدأ الغائي بأن تفعل ذاك، كيف ستحسم الذرة المسكينة أمرها؟ يطلق العلماء على هذا اسم حالة الحتمية الفائقة؛ بمعنى أن النظام «مشبع غائيًّا» بالفعل على أصغر مستوياته بقوانين الفيزياء، ولا توجد «مساحة إضافية بالأسفل» لأي حتمية أخرى منافسة.

(٥) التخلي عن الفكر الأفلاطوني سيفسح مجالًا للغائية

لا توجد إمكانية لتقديم مبدأ إنساني قوي أو حتمية بيولوجية إلى علم الكونيات ما دامت نشأة وتطور الكون محكومين بالفعل بقوانين الفيزياء كما ندركها في وقتنا الحالي (على سبيل المثال من خلال نظرية الأوتار/النظرية M). إلا أن هذه النتيجة التي لا تدحض في ظاهرها تخفي نقطة ضعف، وإن كانت ليست بكبيرة، فالاعتراض بأنه لا توجد مساحة بالأسفل لأي مبدأ إضافي يقوم على افتراض محدد بشأن طبيعة القوانين المادية؛ ذلك الافتراض المسمى بالأفلاطونية، الذي تحدثت عنه باختصار في الفصل الأول. يمكن اعتبار أغلب الفيزيائيين النظريين أفلاطونيين من واقع الطريقة التي يتصورون بها قوانين الفيزياء على أنها علاقات رياضية محددة لها وجود حقيقي مستقل يسمو بشكل ما فوق كوننا المادي (أوضحت هذه النقطة في الشكل ١-٢). على سبيل المثال، في النماذج البسيطة للكون السابقة على فكرة الكون المتعدد، حين يظهر الكون من «الخواء» (انظر الفصل الثالث) فإن قوانين الفيزياء تُصَوَّر على أنها «تقطن» هذا «الخواء» الذي سبق وجود الزمان والمكان. عبر هاينز بيجلز عن هذه الفكرة بقوة بقوله: «سيبدو كما لو أن الفراغ (أي حالة عدم وجود زمان أو مكان قبل الانفجار العظيم) خاضع لقانون؛ منطق موجود قبل وجود الزمان والمكان.»29 وبالمثل، تعتبر نظرية الأوتار/النظرية M «موجودة بالفعل في مكان ما»، في عالم أفلاطوني سامٍ. أيضًا المشهد الطبيعي لنظرية الأوتار، بكل أشكاله المتشابكة المعقدة، يتحدد وفق معادلات فيزيائية محددة، موجودة هي الأخرى «في مكان ما». وآلية توليد الأكوان الخاصة بالتضخم الأبدي موجودة «في مكان ما». وميكانيكا الكم أيضًا موجودة «في مكان ما». ينظر الأفلاطونيون لهذه الأشياء على أن لها وجودًا حقيقيًّا مستقلًّا، منفصلًا عنا وعن كوننا وعن الكون المتعدد. لكن ماذا سيحدث لو تخلينا عن فكرة التجسيد المثالي الأفلاطوني لقوانين الفيزياء؟
لدى أنطون زيلينجر، الفيزيائي النمساوي الذي يعمل على اختبارات وتطبيقات ميكانيكا الكم، بعض التحفظات: «إن القوانين التي نكتشفها عن الطبيعة لا توجد بالفعل بوصفها «قوانين للطبيعة» في العالم الخارجي.»30 يفضل كثير من الفيزيائيين الذين لا يشغلون أنفسهم بالقضايا الفلسفية التفكير في قوانين الفيزياء بصورة عملية أكثر بوصفها شروطًا قياسية وجدت في الطبيعة، وليست حقائق سامية غير قابلة للتغيير لها القدرة على التحكم في سير الأمور. ربما كان ويلر هو أشد المناهضين للأفلاطونية. كانت الكلمة الأثيرة لديه هي «التقلب». وكان يحب أن يعلق ساخرًا بقوله: «لا يوجد قانون سوى ذلك الذي يقول إنه لا يوجد قانون.»31 معتنقًا هذا القول المأثور «قانون دون قانون» لوصف موقفه المعارض، رأى ويلر أن قوانين الفيزياء لم تكن موجودة من قبل، وإنما ظهرت من فوضى الانفجار العظيم الكمي — أي ظهرت نتيجة اختلاط الحابل بالنابل — ثم استقرت مع استقرار الكون الذي تحكمه في أعقاب مولدها المبهم.32 وقد علق بقوله: «بقدر ما يمكننا أن نرى اليوم، فإن قوانين الفيزياء لا يمكن أن تكون قد وُجِدَت من الأزل وإلى الأزل، بل لا بد أنها ظهرت للوجود مع الانفجار العظيم.»33 المهم هنا هو أن ويلر لم يفترض أن القوانين ظهرت بغتة من العدم، جاهزة في صورتها النهائية، بل إنها ظهرت في شكل تقريبي وخضعت للتنقيح مع مرور الوقت، فيقول: «لا بد أن القوانين ظهرت للوجود. لهذا من المحال أن تكون دقيقة دومًا بنسبة مائة بالمائة.»34
شجع فكرة أن قوانين الفيزياء ليست علاقات رياضية دقيقة بشكل غير متناه، بل بها قدر من عدم الدقة يقل مع الوقت، الإيمان بأن الوجود المادي هو ما أطلق عليه ويلر «كيان نظري معلوماتي». وقد أوضح ويلر أن كل شيء نكتشفه عن العالم يمكن تلخيصه في نهاية المطاف إلى معلومات.35 من وجهة نظره، الكون المادي هو في جوهره معلوماتي، وما المادة إلا ظاهرة مشتقة (على عكس النظرة التقليدية) من خلال عملية تحويلية سماها «الشيء من الوحدة»؛ حيث «الشيء» هو الغرض المادي، على غرار الإلكترون، و«الوحدة» تعني وحدة المعلومات.36
لماذا يعني وجود «الشيء من الوحدة» ظهور «قانون بدون قانون»؟ استطاع رولف لانداور، الفيزيائي في آي بي إم الذي ساعد في بناء النظرية الحديثة للحوسبة، أن يوضح العلاقة. رفض لانداور هو الآخر النظرة الأفلاطونية بوصفها تجسيدًا رمزيًّا غير مبرر. وما ضايقه هو أن، في العالم الواقعي، جميع عمليات الحوسبة خاضعة للحدود المادية.37 إن وحدات المعلومات لا تطفو بحرية في أرجاء الكون، بل هي مرتبطة على الدوام بأجسام مادية. على سبيل المثال، تستقر المعلومات الجينية في أربع قواعد نيتروجينية يتألف منها الحمض النووي. وفي الحاسب الآلي تُخزن وحدات المعلومات بطرق متعددة، مثل النطاقات المغناطيسية. ومن البديهي أنه لا يمكن أن يوجد برنامج حاسوبي دون مكونات مادية تدعمه. شرع لانداور في تقصي الحدود النهائية لأداء الحاسب الآلي، الذي تخضع مكوناته المادية لقوانين الفيزياء والموارد المحدودة للكون. وقد خلص إلى أن القوانين المثالية المجردة ما هي إلا وهم، وذلك من وجهة نظر عالم الحوسبة.

لفهم منطق لانداور في هذه النقطة تدبر العمليات الحسابية المرتبطة بتطبيق قوانين نيوتن: اخترع نيوتن الرياضيات التي احتاجها كي يصف هذه القوانين (وهو نفس ما فعله لايبنيتز، وهناك جدل حول أسبقية أي منهما في ذلك). أسماها نيوتن نظرية التدفقات، واليوم نطلق عليها التفاضل والتكامل. ليست التفاصيل مهمة للقارئ غير المطلع على التفاضل والتكامل، لكن يكفي أن نقول إن هذا النوع من الرياضيات يتطلب متغيرات معينة، على غرار موضع الجسم والوقت الذي رُصد فيه الجسم، كي يتفاوت بشكل «متصل». على سبيل المثال، سرعة الجسم هي معدل تغير الموضع مع الوقت، والتسارع هو معدل تغير السرعة مع الوقت. لتنفيذ العمليات الحسابية الأساسية التي تنص عليها قوانين نيوتن عليك افتراض أن الزمان والمكان متصلان وقابلان للتقسيم قبولًا لانهائيًّا. نتيجة ذلك هي أن قوانين نيوتن، التي تعتبر عبارات رياضية دقيقة، تتطلب أن تكون فترات الزمان والمكان متصلة ومتدفقة وفق أي معيار تكبير، وصولًا إلى الصفر.

يمكن توضيح هذه الخصائص من خلال ما يطلق عليه الرياضيون «خط الأعداد الحقيقية»، وهو خط متصل يمكن أن تمثل كل نقطة فيه عددًا حقيقيًّا. العدد الحقيقي هو عدد عشري، مثل العدد ٠٫٥٦٣٧١٥٧٣٨٠٠٠، يتكون كله تقريبًا من عدد لانهائي من الأرقام بعد العلامة العشرية. لا توجد أي فجوات على خط الأعداد الحقيقية؛ إذ يمكن وضع الأعداد الحقيقية بعضها بجوار بعض. تلعب الأعداد الحقيقية دورًا جوهريًّا في النظريات المادية، ليس فقط في رياضيات نيوتن، بل في كافة فروع الفيزياء تقريبًا. بالطبع لا يمكننا، بشكل عملي، رصد الزمان والمكان على وحدات صغيرة عشوائية. وأفضل ما يمكننا عمله في الوقت الحالي هو تقصي المكان بشكل غير مباشر حتى مساحة ١٠−١٨ سنتيمتر والزمان حتى حوالي ١٠−٢٨ ثانية. لكن العمليات الرياضية المستخدمة في حل معادلات قوانين نيوتن ستكون أسهل لو افترضنا وجود خط للأعداد الحقيقية. لا مشكلة في هذا الأمر ما دام البشر هم من يجرون العمليات الحسابية، لكن الحواسب الآلية لا تستطيع التعامل مع الكميات اللانهائية والمتناهية الصغر؛ بل هي تتعامل مع وحدات منفصلة أو وثبات (من الرقمين واحد وصفر). يمكن جعل حجم الوثبة صغيرًا للغاية في أي عملية حسابية، لكن كلما صغر الحجم تطلب الأمر قدرة حوسبية أعلى. هذه الوثبات تكون محدودة دائمًا. وسنحتاج قدرًا غير محدود من القدرة الحوسبية لمحاكاة خط الأعداد الحقيقية.

السؤال الذي وجهه لانداور هو: هل بالإمكان أخذ الأفكار الرياضية المثالية الموجودة في قوانين نيوتن وغيرها من قوانين الفيزياء على محمل الجد؟ فما دامت القوانين أسيرة عالم مجرد من الصيغ الرياضية المثالية فلن نواجه أي مشكلة، لكن إذا اعتبرنا أن القوانين تسكن «الكون الحقيقي»، وليس عالمًا أفلاطونيًّا ساميًا فستكون القصة مختلفة بالكامل؛ فالكون الحقيقي سيكون خاضعًا لقيود الواقع، وعلى وجه التحديد ستكون موارده محدودة؛ إذ قد يكون، مثلًا، قادرًا فقط على حمل عدد محدود من وحدات المعلومات في المرة الواحدة. وفي هذه الحالة سيكون هناك حد كوني طبيعي للقدرة الحوسبية للكون، حتى ولو بشكل نظري. وهكذا فإن الأعداد الحقيقية، المبنية عليها الفكرة الأساسية لأغلب قوانين المادة، سيستحيل وجودها.

توصل جريجوري تشاتين، الذي عمل مثل لانداور في آي بي إم، والمنظر الرائد في الأسس المفاهيمية للحوسبة، للنتيجة ذاتها. وقد عبر عن الفكرة ببلاغة بقوله: «لماذا ينبغي عليّ الإيمان بوجود عدد حقيقي إذا لم يكن بمقدوري حسابه، وإذا كنت عاجزًا عن إثبات ماهية وحداته، وإذا ما عجزت حتى عن الإشارة له؟ … إن الخط الحقيقي بين العددين صفر و١ يبدو أشبه بقطعة الجبن السويسري.»38 كانت وجهة نظر لانداور هي أنه لا يوجد مبرر للجوء لعمليات رياضية لوصف القوانين المادية إذا لم يكن بالإمكان تنفيذ هذه العمليات، حتى بشكل نظري، في الكون الحقيقي بسبب الحدود المادية العديدة التي تقيدها، بعبارة أخرى:

قوانين الفيزياء التي تقوم على عمليات مستحيلة من الناحية المادية ينبغي نبذها واعتبارها غير قابلة للتطبيق.

ربما يمكن معاملة القوانين الأفلاطونية كتقريبات مفيدة، لكنها ليست «الواقع». إن دقتها اللانهائية ليست إلا فكرة مثالية، يمكن الارتكان إليها في معظم الأوقات، لكن ليس في جميع الأوقات؛ ففي بعض الأحيان سوف تضللنا، وخصوصًا عند مناقشتنا للكون المبكر للغاية.

(٦) الكون كحاسب محدود يفضح وهم القوانين المثالية

لرؤية مكمن المشكلة دعونا نر كيف يتوافق الكون الحقيقي، بموارده وقدرته على المعالجة المحدودة، مع كون أفلاطون المثالي. كما رأينا في الفصل الثالث، فإن الكون القابل للرصد محدود، وذلك لأن سرعة الضوء المحدودة تقضي بوجود أفق. ولأنه يستحيل على أي جسم أو تأثير مادي أن يتجاوز سرعة الضوء، ليس بوسع الأجسام التي تفصلها مساحات تتجاوز مسافة الأفق التواصل بعضها مع بعض. لهذا يقول معيار لانداور إن الحاسب الآلي الكوني العملاق الذي نسميه الكون القابل للرصد لا بد أن يكون مقصورًا على الأشياء التي يحتويها حجم فضاء أقل من المسافة إلى الأفق، المنطقة التي أطلق عليها الكون القابل للرصد. في الوقت الحاضر يحتوي الفضاء الواقع في نطاق الأفق على حوالي ١٠٨٠ ذرة وحوالي ١٠٩٠ نيوترينو وفوتون. كل جسيم يمكنه أن يحمل وحدات قليلة من المعلومات وحسب. يمكن ترميز المزيد من المعلومات في الجرافيتونات، التي يؤمن علماء الكونيات أنها تتغلغل في كل مكان بالكون، رغم أن لا أحد يتوقع اكتشاف أحدها في المستقبل المنظور. أجرى سيث لويد، الفيزيائي النظري في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بعض الحسابات الدقيقة وخرج برقم يبلغ ١٠١٢٠ وحدة معلومات إجمالًا.39 الرقم الفعلي أقل في الأهمية من حقيقة أن إجمالي المعلومات التي يحتوي عليها الكون، رغم ضخامته، محدود.
وفق فلسفة لانداور من العبث تطبيق أي قانون للفيزياء على مستوى من التفصيل يتطلب معالجة وحدات معلومات تتجاوز الحد الأقصى لوحدات المعلومات في الكون البالغ ١٠١٢٠؛ بسبب عدم الدقة المتأصلة (أو التشوش البالغ، حسب وصف ويلر) في هذا الرقم المهول. مثال على ذلك، ينص قانون الاحتفاظ بالشحنة الكهربية على أن الشحنة التي يحملها الإلكترون ينبغي أن تظل ثابتة «بشكل تام» مع مرور الوقت. حسب رأي لانداور، ليس لهذه العبارة أي معنى؛ لأنها تعني وجود دقة لامتناهية. بدلًا من ذلك، ينبغي تصور أن القانون ينطبق بدقة محدودة حتى جزء واحد من ١٠١٢٠ جزء. وبما أننا لا نستطيع قياس شحنة الإلكترون إلا حتى مستوى دقة يبلغ جزءًا واحدًا لكل ١٠١٢ جزء، لا يعد هذا القيد مؤثرًا. لذا ففيما يتعلق بالعمليات اليومية كلها تقريبًا لن يهم هل الكون يُنظر إليه بوصفه حاسبًا محدودًا ذا دقة محدودة أم نظامًا متوافقًا مع القوانين الرياضية الدقيقة توافقًا لامتناهيًا.40
مع أن «مساحة التذبذب» في قوانين الفيزياء التي يقتضيها وجود الحد الكوني الأعلى الذي توصل إليه لويد غير مهمة بقدر كبير اليوم، فإنها ربما كانت على قدر كبير من الأهمية في الماضي. سبب هذا هو أن قطر الأفق ليس ثابتًا، بل يتزايد مع مرور الوقت بسرعة الضوء. وبهذا فإن عدد الجسيمات الذي تحتوي عليه مساحة محدودة من الفضاء يتزايد عامًا بعد عام مع اتساع الأفق ليحيط بالمزيد والمزيد من المادة، وهذا يعني أن العدد كان أقل في الماضي؛ فبعد الانفجار العظيم بثانية واحدة، مثلًا، احتوى الأفق على حوالي ١٠٨٦ جسيم فقط، وهو عدد كبير للغاية لدرجة تمنع عدم الدقة المعنية من تحقيق مثل هذا التباين. ومع ذلك، في وقت التضخم بلغ قطر الأفق واحدًا على تريليون التريليون من السنتيمتر، وكان عدد وحدات المعلومات التي تحتوي عليها منطقة الأفق مليار وحدة وحسب. مثل هذا العدد الصغير من الوحدات يجعل أي قانون فيزيائي يعمل بدرجة كبيرة من التقلقل، أو عدم الدقة، بما في ذلك قوانين نظرية الأوتار/النظرية M (أو أي نظرية يُفترض أن تسير عملية التضخم وفقًا لها). لقد ذكرت اقتراح ويلر بأن قوانين الفيزياء ظهرت من مرحلة «التشوش البالغ» التي سادت وقت الانفجار العظيم في شكل غير دقيق ثم «تجمدت» مع الوقت تدريجيًّا. في هذا القسم سأبين كيف يمكن تفسير اقتراح ويلر، وذلك من خلال القبول بفكرة أن الكون مصدر حوسبي محدود، وبالاستفادة بعمل لانداور ولويد.

(٧) الرياضيات والفيزياء يظهران كشيء واحد

هل يمكن أن تساعدنا الفكرة الموضحة في القسم السابق على فهم الغموض العميق الذي يكتنف السبب وراء سير الكون على هذا النسق الرياضي؟ في الفصل الأول تحدثت عن «النص الخفي الكامن» للطبيعة، وحقيقة كون القوانين الحاكمة للعالم المادي رياضية في صيغتها، وكيف تمكن العلماء، من خلال العثور بالمصادفة على هذه «الشفرة الكونية»، من كشف النقاب عن الصورة التي يعمل بها الكون. في الفيزياء التقليدية تظل حقيقة توافق الطبيعة بشكل كفء مع المبادئ الرياضية الأنيقة متروكة دون تفسير. إن الفيزيائيين مجبرون على الافتراض بوجود عالمين منفصلين؛ العالم الأفلاطوني المحتوي على أجسام وعلاقات رياضية مثالية واقعة خارج كوننا المادي، وعالم المكان والزمان والأجسام المادية. وعلى هذا يعد من المسلم به وجود رابط عميق بين العالمين. يعبر بول بنيوف، من معمل أرجون الوطني، وأحد رواد الحوسبة الكمية، عن هذا الافتراض بقوة بقوله: «بطرق عديدة تتعامل الفيزياء النظرية مع الرياضيات بوصفها مستودعًا … إذا خضع نظام تحتاجه الفيزياء للدراسة، يؤخذ من المستودع، وتُستخدم النظريات الموجودة، وإذا دعت الحاجة تُثبَت نظريات جديدة.»41 يزعم بنيوف أن النظرية النهائية لكل شيء ليس من المفترض أن توحد جميع مناحي الفيزياء وحسب، بل ينبغي أن توفر تفسيرًا مشتركًا للفيزياء والرياضيات أيضًا. بعبارة أخرى، لا ينبغي افتراض وجود الفيزياء والرياضيات وجودًا منفصلًا من البداية، بل ينبغي أن يظهر الاثنان من واقع نظرية واحدة متسقة للوجود. وبهذه الكيفية تكون فعالية الرياضيات في تفسير العالم المادي جزءًا أساسيًّا من نظام التوحيد.
ما دام العلماء متشبثين بالقوانين الأفلاطونية غير القابلة للتغير التي تسمو فوق كوننا المادي، فسيستحيل تحقيق التوحيد بين الفيزياء والرياضيات، وسيظل الغموض يكتنف الطبيعة الرياضية للقوانين المادية. لكن بتبني النظرة المعلوماتية المشروحة في القسم السابق، التي ترتبط فيها الرياضيات بالعالم المادي مثلما يرتبط العالم المادي بالقوانين الرياضية، يكون هناك أمل في الوصول للتوحيد الكامل. لتحقيق هذا الهدف سيكون من الضروري أن تصف هذه النظرية عالمًا متشابكًا من الرياضيات والفيزياء متسقًا مع ذاته.42 وهنا سيبرز سؤال مثير للاهتمام لا إجابة له: هل معيار الاتساق مع الذات قاسٍ بما يكفي بحيث يميز قوانين بعينها؟ على سبيل المثال، هل ستكون ميكانيكا الكم مطلوبة كنظرية أساسية للمادة؟
جزء من السبب وراء شعور الرياضيين المتناقض حيال طبيعة الرياضيات هو أنها من ناحية تبدو كرحلة استكشاف؛ إذ يعثر الرياضيون على الأجسام والعلاقات الرياضية الموجودة من الأساس بشكل ما، لكن من ناحية أخرى تعد الرياضيات نتاجًا للفكر البشري. هل الرياضيات مُكتشَفة أم مخترَعة؟ يؤمن أنصار الفكر الأفلاطوني بالرأي الأول؛ بأن للرياضيات واقعًا مستقلًّا وأن البشر كانوا سعداء الحظ بالوصول لهذا العالم والعثور على تطبيقات الطبيعة المثمرة هذه. لكن إذا نحينا وجهة النظر الأفلاطونية هذه جانبًا فسيكون علينا القبول بأن العقل أو الفكر يلعب دورًا أعمق في تفسير العالم المادي، وهو ما يدعو إليه أنصار المبدأ الإنساني القوي. خلص بنيوف إلى نتيجة مشابهة، فهو يرى أن اتحاد الرياضيات والفيزياء يأتي من وجود نظرية مشتركة أساسية للمجالين. وهو يقول: «بما أنه من الضروري وجود كائنات ذكية لابتداع هذه النظرية، يجب إذن أن تسمح الخصائص الأساسية للعالم المادي بوجود كائنات ذكية … لا يعني هذا أن وجود هذه الكائنات أمر حتمي، بل إنه يجب أن يُسمح لها بالوجود.»43 بهذه الصورة تبزغ الرياضيات والفيزياء والحياة والعقل من نظام بديهي مشترك متسق مع ذاته.

الاعتراض الأساسي على وجود أي نوع من المبادئ الكونية التي تسهل ظهور الحياة والعقل — على غرار حتمية دوف الكونية أو مبدأ كارتر الإنساني القوي — هو أن قوانين الفيزياء الأساسية إلى جانب الظروف الأولية تحدد بالفعل ما على الأنظمة المادية عمله، وأنه لا توجد مساحة إضافية يمكن لأي قانون غائي العمل فيها، لكن لو أن قوانين الفيزياء الأساسية ليست في حقيقتها جامدة بالمعنى الأفلاطوني، وإذا كانت فضفاضة أو قاصرة في دقتها — خاصة في اللحظات الأولى من عمر الكون حين أرسيت سمة ملاءمة الكون للحياة — فستوجد ثمة فرجة أمام نزعة معززة لفرص ظهور الحياة والعقل كي توجد في سلام بجانب قوانين الفيزياء التقليدية، ولن يكون هناك أي تعارض.

لكن السماح بنزعة مؤيدة للحياة شيء، وتحقيق هذا على أرض الواقع شيء مغاير. لم تحظ الغائية بالتفضيل، ليس فقط بسبب تعارضها مع قوانين الفيزياء، بل لكونها تتعارض تعارضًا يستحيل حله مع مفهوم السببية؛ فالغائية بطبيعتها وسيلة للتنبؤ بحالة مستقبلية ما (في حالتنا هذه الحياة) ثم تحقق هذه الحالة مع مرور الوقت. يتعارض عنصر الجبرية الواضح هذا تعارضًا حادًّا مع مفهوم السببية في العلم، الذي يقضي بأن الأحداث الحالية يمكنها التأثير على الأحداث المستقبلية، وليس العكس. إلا أن الغائية تقلب الأمر رأسًا على عقب وتجعل الحالات المستقبلية تؤثر على الحاضر. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ كيف يمكن للكون المبكر للغاية — تلك الحقبة التي كانت فيها قوانين الفيزياء في بوتقة التشكيل — أن «يعرف» عن ظهور الحياة والعقل بعد مليارات السنين؟

(٨) ميكانيكا الكم يمكن أن تسمح بنوع دقيق من الغائية

مع ما تبدو عليه الفكرة من جنون في البداية، فإنه لا يوجد ما يعيق وجود آلية تسمح للأحداث اللاحقة بالتأثير على الأحداث السابقة عليها. في الواقع هناك نظريات فيزيائية شهيرة تتضمن بوضوح عنصر «السببية العكسية»، بمعنى امتلاك الأحداث المستقبلية لقدرة التأثير على الأحداث الماضية. اقترح ويلر نظرية من هذا النوع مع تلميذه وقتها ريتشارد فايمان في أواسط الأربعينيات.44 في نظرية ويلر-فايمان للديناميكا الكهربية يمكن أن تتحرك التفاعلات الكهرومغناطيسية للأمام والخلف عبر الزمان، لكن عليّ المسارعة بالتأكيد على أنه لا يوجد دليل تجريبي يؤيد هذه النظرية. اقتُرح أمر مشابه بخصوص الجاذبية من قبل هويل ونارليكار،45 وبخصوص علم الكونيات الكمي من قبل جيلمان وهارتل46 وهوكينج.47 ومجددًا لا تدعم أي تجارب أو مشاهدات تلك الأفكار، لكن في الوقت ذاته ليست هذه النظريات «غير علمية» بكل تأكيد، وإلى اليوم لا تزال تنويعات لها تخضع للدراسة. فقط حين تشتمل الحالة النهائية على الحياة والعقل يجفل أغلب العلماء ويتوقفون عن مسعاهم. وسبب هذا هو أن الحياة والعقل لا يعدان، من وجهة نظر أغلب الفيزيائيين، من الظواهر الجوهرية المصاحبة للوجود. إضافة إلى ذلك تعيد هذه الأفكار للأذهان فكرة قوة الحياة المهجورة منذ وقت طويل. لكن، كما أوضحت في بداية هذا الفصل، من الممكن اعتبار الحياة والعقل من ظواهر الوجود الجوهرية، وبهذا يمكن دمجهما في النظام الكوني الأشمل. من الأدلة المحتملة على الدور المحوري الذي يلعبه العقل تلك الطريقة التي تتدخل بها عملية الملاحظة في ميكانيكا الكم؛ إذ يتضح أن هذه العملية تخفي في طياتها نوعًا من الغائية. لرؤية هذا سنحتاج لدراسة تفاصيل أحد المقاييس الكمية.
من التجسيدات المعروفة لعجائب ميكانيكا الكم حقيقة أن الكيان الكمي، كالفوتون، يمكن أن يتصرف أحيانًا كموجة، وأحيانًا أخرى كجسيم (انظر الإطار [غرابة ميكانيكا الكم]). يعتمد الجانب الذي يجسده الفوتون على الترتيبات التجريبية المستخدمة لملاحظته. على سبيل المثال، حين يرتطم الفوتون بلوح التصوير ويترك نقطة صغيرة، فهو هنا يكشف عن طبيعته الجسيمية. إلا أن الفوتونات يمكنها التصرف كالموجات أيضًا، باستخدام معدات مختلفة. تدبر، مثلًا، التجربة الشهيرة التي أجريت لأول مرة في القرن الثامن عشر على يد الفيزيائي وعالم المصريات الإنجليزي توماس يونج، الترتيبات موضحة في الشكل ١٠-١: تتكون التجربة من مصدر دقيق للضوء وشاشة بها شقان يسمحان بنفاذ الضوء. الصورة الصادرة عن الشقين مبينة على شاشة ثانية. قد تظن أن الصورة الناتجة ستتكون من بقعتي ضوء متقاربتين متداخلتين، لكن في الواقع الصورة الناتجة سلسلة من الخطوط الداكنة والساطعة، يطلق عليها خطوط التداخل، تظهر بسبب الطبيعة الموجية للضوء. تمر الموجات من الشقين وتنتشر على الجانب الآخر.48 وحين تندمج الموجة الآتية من أحد الشقين بالموجة الآتية من الشق الآخر يتحد مصدرا الضوء. وإذا وصلت الموجتان وصولًا متناغمًا إحداهما مع الأخرى (أي في نفس المرحلة) تتعززان، أما لو لم تصلا في نفس الوقت فستلغي إحداهما الأخرى. قدمت خطوط التداخل الساطعة والداكنة ليانج أول دليل تجريبي حاسم على أن الضوء موجة.49
fig31
شكل ١٠-١: موجة أم جسيم، أم الاثنان معًا؟ يعرض الشكل تجربة الشق المزدوج ليانج كما تُرى من أعلى. يتسبب الضوء الساقط من مصدر دقيق على شاشة بها شقان في تكوين صورة على الشاشة الثانية. تظهر الصورة على شكل حزم عمودية ساطعة وداكنة تسمى بخطوط التداخل (مبينة في الصورة ثلاثية الأبعاد بالأعلى)، وهذا يكشف عن الطبيعة الموجية للضوء. لكن يمكن اعتبار الضوء مكونًا من مجموعة من الجسيمات (الفوتونات). يمكن أن يخفت مصدر الضوء لدرجة يمر فيها فوتون واحد في المرة الواحدة، وبهذا يصل كل فوتون إلى نقطة بعينها على شاشة الصورة. حين تُجمّع نقاط عديدة مثل هذه يمكن تبين نمط تداخل منقط، وبهذا من المؤكد أن كل فوتون «يعرف» بوجود كلا الشقين، حتى لو بدا أن أي فوتون سيمر من أحدهما فقط. وإذا تعمد مُجري التجربة النظر ليرى من أي الشقين سيمر الفوتون فلن يتكون نمط التداخل، وستضيع الطبيعة الموجية للضوء؛ إذ سيتصرف الضوء وقتها كتيار من الجسيمات وحسب.

إلا أن الأمر يصير محيرًا عند الأخذ في الاعتبار الطبيعة الجسيمية للضوء؛ أي جانب الفوتون. في الخبرات العادية يتمركز الجسيم في مكان ما من الفضاء، في حين تنتشر الموجة. يمكن أن تمر الموجة من كلا الشقين ثم تتحد مجددًا — وهذا هو أساس ظاهرة التداخل — لكن الجسيم عليه أن يمر إما من الشق الأول أو الثاني. إذا تصرف الضوء كتيار من الجسيمات، كالطلقات المندفعة من فوهة مدفع رشاش، فلن يحدث أي تداخل؛ لأن أي فوتون سيمر فقط من أحد الشقين، دون أن يعرف بوجود الشق الآخر، هذا أمر بديهي. لكن ما الذي سيحدث إذن لو خفض مجري التجربة شدة مصدر الضوء بحيث يخرج منه فوتون واحد فقط؟ يمكن وقتها تسجيل وصول كل فوتون من خلال، مثلًا، لوح تصوير. يخلف الفوتون نقطة دقيقة على اللوح. وكل فوتون يصل إلى موضع محدد على الشاشة، فلا يتشتت بما يساعد على تكوين نمط. لكن عند إجراء التجربة، ومراكمة نتائج ارتطام العديد من الفوتونات، يبدأ نمط التداخل في الظهور، بصورة منقطة نوعًا ما، من خلال عمليات ارتطام الفوتونات الفردية باللوح. لذا، مع أن وصول الضوء سُجل على صورة نقاط متفردة شبيهة بالجسيمات، فإن التأثير الإجمالي هو إنتاج نمط تداخل موجي. هذه النتيجة تثير العجب؛ لأنها تعني ضمنًا أن كل فوتون يعرف بوجود كلا الشقين، وذلك حتى يتعاون مع غيره من الفوتونات من أجل خلق نمط التداخل الإجمالي، وذلك رغم حقيقة أن أي جسيم من المفترض أن يكون قادرًا على المرور من شق واحد وحسب. أحيانًا يعبر عن هذا بالقول إن الفوتون عبر من «كلا» الشقين، وأنه احتل مكانين في الوقت ذاته! ومع ذلك، وهذا مهم للغاية، فإن نمط التداخل سيظهر فقط لو لم يحاول مجري التجربة تحديد الشق الذي سيمر منه أي فوتون. وأي محاولة لوضع جهاز مراقبة بالقرب من الشقين لمعرفة أي طريق سلكه الفوتون ستتسبب في إفساد التجربة ككل. وإذا نجح مُجري التجربة في تبين أي الفوتونات عبر من أي شق فلن يسهم هذا الفوتون في نمط التداخل.

توضح تجربة الشق المزدوج توضيحًا قويًّا الدور المحوري الذي يلعبه مجري التجربة، أو المراقب، في تحديد طبيعة الواقع الكمي. لكن ما علاقة هذا بالسببية العكسية؟ تنضوي المناقشة التي عرضت لها للتو على سؤال غير مجاب عنه: متى، تحديدًا، «قررت» الطبيعة اختيار الموجة أو الجسيم؟ في الثمانينيات ركز ويلر على هذا السؤال بتخيل صورة منقحة من تجربة يونج. كانت فكرته هي تحويل شاشة التصوير إلى ستارة فينيسيّة، مع وضع زوج من أجهزة الكشف (على سبيل المثال وضع تلسكوبين صغيرين) خلفها، بحيث يكون كل واحد منهما موجهًا صوب أحد الشقين (انظر الشكل ١٠-٢). إذا تركت الستارة مغلقة فسيعمل النظام كما هو الحال في التجربة الأصلية، بحيث تتجسد الطبيعة الموجية للضوء على صورة نمط تداخل. لكن إذا فُتحت، بما يسمح للفوتونات بالمرور، يمكن استخدام أجهزة الكشف لتحديد الشق الذي أتى منه الفوتون: فإذا سجل جهاز الكشف أ مرور أحد الفوتونات فسنعرف أن هذا الفوتون عبر من الشق رقم ١، ولو سجل جهاز الكشف ب مرور أحد الفوتونات فسنعرف أنه عبر من الشق رقم ٢. (وإذا فشل جهازا الكشف في رصد الفوتون فلن يمكننا استنتاج أي شيء.) في ظل طريقة العمل هذه تتجسد الطبيعة الجسيمية للضوء. يستطيع مجري التجربة أن يحدد على أساس كل فوتون الشكل الذي ستسير التجربة وفقًا له، ومن ثم تحديد أي جانب للضوء سيتم تجسيده؛ موجة، موجة، جسيم، موجة، جسيم، جسيم، موجة … بترتيب عشوائي.
fig32
شكل ١٠-٢: تجربة الاختيار المؤجل. تخيل جون ويلر تعديلًا في إعدادات التجربة المبينة في الشكل ١٠-١، عن طريق إزالة لوح التصوير ووضع ستارة فينيسيّة محله (المبينة هنا بالشرائح العمودية) مع وضع زوج من التلسكوبات خلفها، بحيث يوجه كل منهما صوب أحد الشقين. حين يقترب الفوتون من الستارة قد يختار مجري التجربة تركها مغلقة، ومن ثم الحصول على النتائج التقليدية من تجربة يونج (خطوط التداخل المبينة في الشكل ١٠-١) أو فتحها والسماح للتلسكوبين بتسجيل من أي الشقين عبر الفوتون. لكن كيف يتسنى للفوتون أن «يعرف» وقت مروره من الشاشة الأولى ما سيقرره مجري التجربة؟ إن قرارات مجري التجربة اللحظية تؤثر على طبيعة الواقع (في هذه الحالة، الموجة أو الجسيم) في الماضي.
الآن نصل إلى مربط الفرس. بمقدور مجري التجربة «تأجيل اختياره» — موجة أم جسيمًا — حتى اللحظة التي يصل فيها الفوتون إلى الستارة الفينيسية. اللغز الذي يتوجب علينا مواجهته وقتها هو «متى» يتبنى الفوتون الشكل — الموجة أو الجسيم — الذي يختاره مجري التجربة. كيف يتسنى للفوتون أن يعرف، قبل إجراء التجربة، هل مجري التجربة سيفتح الستارة أم لا؟ هل يؤجل الفوتون قراره — موجة أو جسيمًا — حتى يتخذ مجري التجربة قراره أولًا؟ لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا؛ لأنه لو كان الفوتون جسيمًا فسيمر من شق واحد فقط، ولو كان موجة فسيمر من الشقين. لذا يحتاج الفوتون أن يعرف، حين يصل إلى الشاشة ذات الشقين، على أي صورة سيكون، موجة أم جسيم (بمعنى هل سيمر من شق واحد أم من الشقين). وليس بوسعه الانتظار حتى يصل إلى الستارة الفينيسية.50
تخيل ويلر نسخة «طبيعية» من تجربة يونج يتحدد فيها المساران ليس من خلال شقين في لوح، بل من خلال تأثير عدسة الجاذبية لمجرة وسيطة تحني الضوء الآتي من أحد الكويزرات البعيدة (انظر الشكل ١٠-٣). إذا أمكن التوسع في تجربة الاختيار المؤجل، ولو بشكل نظري، إلى الأبعاد بين المجرية بهذه الصورة، فسيحتاج الفوتون لأن يعرف ما سيفعله (اختيار طريق واحد أو كلا الطريقين حول المجرة) «قبل وجود الأرض بمليارات الأعوام»، وليس فقط قبل أن يتخذ مجري التجربة قراره!
fig33
شكل ١٠-٣: تجربة الاختيار المؤجل الكونية. يمكن نظريًّا إجراء التجربة الموصوفة في الشكل ١٠-٢ في سياق الأجرام الفلكية. ينحني الضوء القادم من الكويزار البعيد بفعل انحناء الفضاء الجذبوي للمجرة ويتجه صوب الأرض. يمكن للفوتونات أن تصل إلى الأرض من طريقين، يشبهان الشقين الموجودين في تجربة يونج الأصلية (شكل ١٠-١).
المثير للدهشة هو أن تجربة الاختيار المؤجل لويلر أجريت بالفعل، لكن ليس على مصدر فلكي. أجري الاختبار العملي الأول للتجربة في أحد معامل الأبحاث الأرضية على يد كارول ألي وزملائه في جامعة ميريلاند.51 استبدل ألي صانع القرار الإنساني البطيء بمحول إلكتروني فائق السرعة يعمل بشكل عشوائي، كما عدل بضع جوانب من فكرة ويلر الأصلية. ومع ذلك، تمكن من تأكيد الزعم الأساسي الذي خرج به ويلر؛ حيث وجد أن الفوتونات التي كانت «تضرب الستارة الفينيسية» كونت نمطًا للتداخل، في حين تلك التي سمح لها العبور منها لم تكون أي نمط (تلك الفوتونات التي تم تحديد مصدرها تحديدًا صحيحًا).
كيف يمكن تفسير هذه التجربة؟ إن ما «لا» تفعله هذه التجربة هو إرساء احتمالية نقل الإشارة عبر الزمن بشكل معكوس؛ إذ إنه يستحيل نقل أي معلومات إلى الماضي باستخدام تجربة الاختيار المؤجل. (العديد من التفسيرات الشائعة تعطي انطباعًا خاطئًا بالعكس.) وإذا وقف أحد المساعدين بالقرب من الشقين وحاول معرفة ما سيفعله مجري التجربة من خلال اختلاس النظر إلى كل فوتون وهو يمر بجواره، فإن فعل الملاحظة نفسه من جانب هذا المساعد سيعرض التجربة كلها للخطر.52 أفضل سبيل للتفكير في تجربة الاختيار المؤجل هو اعتبار الفوتون في حالة أقل من حالته الحقيقية في غياب الملاحظة. لا أود أن أعطي الانطباع بأن الفوتون غير موجود في الأوقات السابقة، بل المقصود هو أنه في غياب الملاحظة الفعلية أو عملية القياس، فإن حالة الفوتون — التي يمكن تحديدها بدقة من خلال ميكانيكا الكم — ليست حالة موجية أو جسيمية أو حتى «قدرًا قليلًا من الاثنين». إن تحديد السمة الموجية-الجسيمية يأتي فقط في سياق التجربة الفعلية. إن غرابة تجربة الاختيار المؤجل هي أنه رغم أن فعل مجري التجربة هو المسئول عن تحديد طبيعة الفوتون الموجية أو الجسيمية، فإن الملاحظة التي تتم لها ارتباط حيوي بالماضي، بل ربما حتى الماضي البعيد للغاية. وعلى هذا فإن ما قد يختار مجري التجربة عمله اليوم يساعد في تشكيل طبيعة الواقع (على سبيل المثال موجة أو جسيم) «في الماضي»، ربما الماضي البعيد للغاية. ليس هذا مساويًا للسببية العكسية (التي تسمح لمجري التجربة بإرسال إشارات إلى الماضي)، ومع ذلك فهناك إحساس بالغائية يكتنفها. يمكنني أن أصف هذا، بالاستعانة بمصطلحات ويلر، بأنه: «غائية بدون غائية.»53

بدأت هذا الفصل بتقديم ما يطلق عليه المبدأ الإنساني القوي، وهو مجموعة فضفاضة من الأفكار تهدف للتأكيد على أن ظهور الحياة والعقل في الكون أمر مقدر وحتمي، أي إنها مكتوبة في طبيعة الكون في أعمق مستوياته. لكن كما رأينا، من أجل تطبيق مثل هذه الفكرة، هناك أمران مطلوبان؛ أولهما: هو أن هناك حاجة لمبدأ شامل، مبدأ للحياة لو شئت أن تسميه، يجب أن تسمح به قوانين الفيزياء الأساسية الموجودة بالفعل التي لا تكترث للحياة. المتطلب الثاني: هو السماح بعنصر الغائية بالتغلغل في علم الكونيات. لقد اقترحت أن المشكلة الأولى يمكن التغلب عليها بالتخلي عن النظرة الأفلاطونية لطبيعة قوانين المادة واستبدالها بصورة معلوماتية/نظرية تأتي فيها قوانين الفيزياء الأساسية وبها درجة من المطاطية أو المرونة؛ قدر ضئيل للغاية اليوم، لكنه كان أكبر بكثير في اللحظات الأولى من عمر الكون حين كانت القوانين والمتغيرات الداعمة للحياة في مرحلة الإرساء.

المشكلة الثانية — المطالبة بنوع من الغائية — يمكن حلها بميكانيكا الكم. بالطبع هذا هو ما آمن به ويلر؛ إذ إنه اعتبر المراقبين «مشاركين» في تشكيل الواقع المادي، وليسوا متفرجين فقط. ليست الفكرة في حد ذاتها جديدة؛ فقد سبقه الفلاسفة إليها. بيد أن الملمح الجديد الذي قدمه ويلر من خلال تجربة الاختيار المؤجل هو إمكانية تشكيل المراقبين اليوم، وفي المستقبل، لطبيعة الواقع المادي «في الماضي»، بما في ذلك الماضي البعيد حين لم يوجد أي مراقب. هذه فكرة ثورية بحق؛ إذ إنها تعطي الحياة والعقل نوعًا من الدور الخلاق في الفيزياء، جاعلة منهما جزءًا لا يمكن غض الطرف عنه في قصة الكون الكلية. ومع هذا تظل الحياة والعقل «منتجات» للكون. نحن إذن بصدد حلقة زمنية مفرغة. يفترض العلم التقليدي التتابع الخطي المنطقي: الكون الحياة العقل. اقترح ويلر إغلاق الحلقة بحيث تصير كما يلي: الكون الحياة العقل الكون. وقد عبر عن الفكرة الأساسية بإحدى عباراته المقتضبة بقوله: «تتسبب الفيزياء في وجود المشاركة/المراقب، تتسبب المشاركة/المراقب في وجود المعلومات، تتسبب المعلومات في وجود الفيزياء.»54 وبهذا يفسر الكون وجود المراقبين، ويفسر المراقبون وجود الكون.55 وهكذا رفض ويلر فكرة أن الكون آلة تخضع لقوانين ثابتة محددة مسبقًا واستبدلها بعالم مؤلف لذاته أسماه «الكون المشارك».56 وباقتراح حلقة التفسير المغلقة، المشابهة لفكرة الاتساق الذاتي التي اقترحها بنيوف وعرضتها في القسم السابق، تحاشى ويلر ببراعة معضلة برج السلاحف الشهيرة؛ إذ لم يعد هناك حاجة لوجود سلحفاة عملاقة إذا كان بإمكان ملاءمة الكون للحياة أن تُفَسِّر نفسَها بنفسها.

(٩) سيصير الكون والعقل شيئًا واحدًا في المستقبل البعيد للغاية

إنها لقفزة هائلة من تجربة الاختيار المؤجل، التي تتعامل مع فوتون وحيد، إلى «الكون بأكمله» الذي يُفترض أنه تكون (أو على الأقل اتخذ شكلًا محددًا ملموسًا) بواسطة المراقبين/المشاركين الذين يقطنونه. ماذا عن كل تلك الفوتونات، ناهيك عن الجسيمات الأخرى، التي لا تُرصد؟ تذكر أن المراقبين لا يجب أن يكونوا من البشر؛ إذ قد يكونون على صورة أي مخلوقات عاقلة يحويها الكون. الأهم من ذلك أن المشاهدات لا يجب أن تتم في الوقت الحاضر؛ فبفضل جانب السير عكس الزمن لميكانيكا الكم يمكن أن يتشكل الماضي من واقع المشاهدات التي تتم في أي مرحلة مستقبلية للكون.

لقد سكن البشر هذا الكوكب لفترة لا تتجاوز، بالمقاييس الكونية، طرفة العين. ومن المفترض أن تظل الأرض صالحة للسكنى لمليار عام آخر على الأقل. هذا وقت مديد يتيح لأحفادنا، الطبيعيين أو الصناعيين، من لحم ودم أو من الآلات (أو مزيج من الاثنين) أن يستوطنوا مكانًا آخر. ستمر مئات المليارات من الأعوام قبل أن تصبح النجوم شحيحة. وحتى وقتها ستظل الثقوب السوداء — بقايا النجوم الميتة التي تحتوي على كميات مهولة من الطاقة القابلة للاستغلال — موجودة. لا يوجد سبب جوهري يمنع الحياة والعقل من الاستمرار لتريليونات وتريليونات من الأعوام. يمكننا بالتأكيد أن نتخيل، مثلما يفعل العديد من كتاب الخيال العلمي، أنه بعد حقب زمنية مديدة ستنتشر الحياة والعقل في شتى أرجاء الكون، ربما من الأرض وحدها، وربما من كواكب عديدة. سيخضع جزء أكبر وأكبر من الكون للسيطرة الذكية، والمزيد والمزيد من المادة سيستخدم لمعالجة المعلومات وتكوين عالم عقلي غني، غير محدود على الأرجح. يتوقع كثير من العلماء أنه مع مرور الزمان سيصير الذكاء الفائق موزعًا في أرجاء الكون، حتى إنه في المراحل الأخيرة من الكون سيتحد هذا العقل الفائق مع الكون ذاته، وبهذا يصير العقل والكون شيئًا واحدًا. أحيانًا ما يشار لهذه الرؤية بالمبدأ الإنساني «النهائي».57 وكما عبر ديفيد دويتش عن الأمر، فإنه: «في المبدأ الإنساني النهائي، أو إذا صح وجود أي قدر من الحوسبة اللانهائية — وهو ما أظنه أمرًا مرجحًا بشدة بشكل أو بآخر — سيكون الكون متجهًا صوب ما يمكن أن يُطلق عليه المعرفة غير المحدودة.»58
إذا صار الكون متشبعًا بالعقل فسيفي وقتها بالشروط الضرورية لمبدأ المشاركة الخاص بويلر، الذي وفقه سيُنظر للكون بأكمله من منظور مشاركة المراقب. إن الحالة النهائية للكون، المشبع بالعقل، ستملك القدرة على تخليق طرق للتطور تؤدي إلى الحالة النهائية ذاتها. وبهذه الصورة يخلق الكون ذاته ويوجه نفسه صوب مصيره. يقول ويلر: «إن انفجار الحياة القادم يفتح الباب أمام مشاركة المراقب كي تلعب دورًا شاملًا، وهو أن تبني، في المستقبل، ليس فقط ما نسميه ماضيها — ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا — بل هذا العالم الشاسع بأسره.»59

لدينا إذن الآن إجابة علمية ثالثة للسؤال الذي يدور حوله موضوع هذا الكتاب: ما سبب ملاءمة الكون للحياة؟ الجواب الأول: هو أن الأمر مصادفة فقط، والثاني: هو أنه نتاج لانتخاب المراقبين من الكون المتعدد، أما الجواب الثالث، الذي أوضحته في هذا الفصل: فهو أن الكون صمم وعيه الذاتي الخاص من خلال السببية العكسية الكمية أو أي آلية فيزيائية أخرى قد نكتشفها مستقبلًا. رأينا كيف يواجه أول تفسيرين قضية ملاءمة الكون للحياة، لكنهما يفشلان في تقديم تفسير كامل لأكبر الأسئلة قاطبة: لماذا يوجد الكون؟ إنهما يعجزان عن إجابة سؤال الوجود الأعظم لأن كلًّا منهما يتطلب نقطة بدء يستحيل تفسيرها — التي أسميتها بالسلحفاة العملاقة — يجب القبول بها كأمر مسلم به. لكن ماذا عن التفسير الثالث؟ هل يمكن لفكرة الكون المصنع لذاته تجاوز قضية ملاءمة الكون للحياة والإجابة عن سؤال: لماذا يوجد الكون من الأساس؟

(١٠) الحلقات الزمنية المفرغة

في التاسع من يناير (كانون الثاني) عام ٢٠٠١ أصيب جون ويلر بأزمة قلبية. وقد قال: «هذه إشارة إلى أنه لم يعد لديّ الكثير من الوقت، لذا سأركز على سؤال وحيد: «من أين أتى الوجود؟»»60 لكن لسوء الحظ لم تكن مساعيه بشأن الكون المشارك والمبدأ الإنساني النهائي بالفكرة المصاغة بشكل متقن بقدر ما كانت، كما اعتاد تسميتها، «فكرة من فكرة». كيف يمكن أن نأخذ هذه «الفكرة من فكرة» ونكتشف ما يستتبعه وجود الكون المفسر لذاته؛ الكون الذي يحوي داخله تفسير وجوده؟ يمكن الحصول على تلميح عن هذا الأمر من مفهوم «الحلقات السببية»، وهو الأمر المألوف في روايات الخيال العلمي التي تتناول السفر عبر الزمن. في القصة المعتادة، على غرار فيلم «العودة للمستقبل» أو حلقات المسلسل التليفزيوني «دكتور هو»، يزور المسافر عبر الزمن الماضي ويغير شيئًا ما. على سبيل المثال، في الفيلم السابق ذكره يزور بطل الفيلم، مارتي ماكفلاي، والدته وهي فتاة شابة ويتدخل في حياتها العاطفية، وبهذا يهدد زواجها بوالده ومن ثم وجوده هو نفسه. من التفسيرات الأكثر قسوة لنفس الفكرة حينما يعود المسافر للماضي ويقتل والدته قبل أن تلده.
المثير في هذه القصص هو أنها تبدو كأنها تقود إلى تناقض محتوم؛ فالماضي يحدد الحاضر، لذا إذا تغير الماضي فسيتغير الحاضر، بما في ذلك الأحداث التي تؤثر على المسافر عبر الزمن. ومع ذلك ليس وقوع هذا التناقض أمرًا حتميًّا إذا صيغت القصة صياغة متسقة. تدبر سيناريو بديلًا لقتل الأم يعود فيه المسافر عبر الزمن خمسين عامًا، ويجد فتاة شابة على وشك التعرض للقتل على يد أحد اللصوص. يتدخل المسافر وينقذ حياة الفتاة، ثم تكبر الفتاة لتصير والدة هذا المسافر. هذه الحلقة السببية المتسقة مع ذاتها تتضمن تفسيرًا دائريًّا؛ فحياة الفتاة وأمومتها تُفسَّران من خلال وجود المسافر عبر الزمن، وأيضًا حياة المسافر عبر الزمن تُفسَّر من خلال أمومة هذه الفتاة. ثمة تجسيد أوضح لهذه النقطة حين يزور أستاذ جامعي المستقبل ويتعرف على نظرية علمية جديدة في إحدى الدوريات الرياضية، ثم يعود إلى زمنه الأصلي، ويخبر أحد تلامذته عن هذه النظرية، ومن ثم ينشر هذا التلميذ النظرية في إحدى الدوريات، نفس الدورية التي وجد فيها الأستاذ النظرية! هنا تظهر الحلقة السببية مجددًا؛ فمعرفة الأستاذ بالنظرية جاءت من التلميذ، ومعرفة التلميذ بالنظرية جاءت من الأستاذ. رغم غرابة هذه الحلقات السببية، فإنه إذا احتُرم الاتساق الذاتي بها فلن يشوبها أي تناقض.61
ليس السفر عبر الزمن والحلقات السببية مقصورة على الخيال العلمي وحسب. فنظرية النسبية، التي تسمح بانحناء الزمن بفعل الحركة والجاذبية، تتنبأ بظروف يمكن فيها لأجسام مادية، بما فيها المراقبون، العودة في الزمن إلى الوراء. من النماذج التي تعرض بوضوح لكون يسمح بالسفر عبر الزمن ذلك الذي ابتكره العالم كيرت جوديل عام ١٩٤٨ باستخدام نظرية النسبية العامة لأينشتاين، رغم أنه مبني على اقتراح غير واقعي بأن الكون كله يدور حول ذاته. ثمة نموذج أفضل لآلة الزمن يجسد ما يطلق عليه الثقب الدودي، وهو نوع من البوابة النجمية أو الطريق المختصر الذي يصل بين النقاط البعيدة في الفضاء. في آلة زمن الثقب الدودي يقفز المسافر الذي يمر عبر الثقب إلى المستقبل إذا سلك اتجاهًا معينًا، ويقفز إلى الماضي لو سلك الاتجاه المعاكس.62
ثمة فكرة أكثر إثارة من سفر الشخص أو الشيء لفترة محدودة إلى الماضي، وهي أن يصير الجسم نفسه النسخة الماضية لنفسه، على سبيل المثال الجسيم الذي يعود بالزمن إلى الوراء إلى حقبة لم يكن فيها لهذا الجسيم وجود، ثم يظل ساكنًا بلا حراك (بمعنى أنه لا يُنقل بشكل فوري «عائدًا إلى المستقبل»، بل ينتظر وحسب، مثل كل شيء آخر، حتى يأتي المستقبل إليه).63 في ورقة عالمي الكونيات ريتشارد جوت الثالث ولي شين لي البحثية التأملية بعنوان «هل يستطيع الكون خلق نفسه؟» طبقا هذه الفكرة على الكون ككل عن طريق تعديل نظرية الأكوان الوليدة بصورة تحير العقل.64 في نظريتهما «يكبر» أحد الأكوان الوليدة ثم يعود بالزمن إلى الوراء ليصير هو الكون الأم. في الواقع لقد نشرت نظرية عن الحلقة السببية الكونية بنفسي عام ١٩٧٢.65 وقد تدبرت إمكانية انكماش الكون مجددًا في انسحاق عظيم، ينتهي به المطاف إلى ارتداد عظيم. إن الحالة فائقة الكثافة التي تسبق الارتداد تمحو كل بُنى المادة وتخلط جميع المعلومات الآتية من التاريخ السابق (من الناحية الفنية هي حالة فوضى تامة). الملمح الجديد الذي يقدمه نموذجي هو أنه في المرحلة التالية للتمدد وإعادة الانكماش، ينعكس الخط الزمني (تتلاشى الفوضى) بالمقارنة بالدورة الأولى من التمدد والانكماش. وفي نهاية الدورة الثانية يعود الكون إلى حيث بدأ، في الحالة التي كان عليها في بداية الدورة الأولى. من السهل وقتها مطابقة هذين الزمنين وإغلاق تاريخ الكون على شكل حلقة مفرغة، وكأنها النسخة الكونية من فيلم «يوم فأر الأرض» (انظر الشكل ١٠-٤).
fig34
شكل ١٠-٤: كون الحلقة السببية. يوضح الشكل كونًا يتمدد انطلاقًا من انفجار عظيم عند النقطة أ، ثم ينكمش مجددًا، ثم يمر بدورة ثانية من التمدد والانكماش، لكن مع سير العمليات الفيزيائية التي يتضمنها بشكل عكسي، وهو ما يوضحه اتجاه السهم الزمني أسفل الشكل. حين تصل الدورة الثانية للانسحاق العظيم عند النقطة ب يعود الكون إلى حالته الأولية أ. يمكن إغلاق الزمن عندئذٍ على صورة حلقة بالمطابقة بين النقطتين أ وب.
الحلقات السببية بداية طيبة، بيد أنها تترك أمورًا كثيرة دون تفسير، منها مثلًا قوانين الفيزياء؛ إذ إن فكرة الحلقات هذه تفشل في الجواب عن السؤال: «من أين أتى الوجود؟» ولا يزال بإمكاننا التساؤل: «ولماذا هذه الحلقة تحديدًا؟» وفي مثال الأستاذ الجامعي الذي عاد من المستقبل بنظرية رياضية جديدة، يظل السؤال: «ولماذا هذه النظرية تحديدًا؟» دون جواب. لا ريب أن النظرية أتت إلى الوجود دون مبتكر، لذا يمكن من هذا المنطلق القول إنها «مبتكرة لذاتها». لكن وجود هذه النظرية بعينها لا «يُفسَّر» بهذه الصورة. فيمكننا تخيل عدد لا حصر له من الحلقات السببية التي تحوي عددًا لا حصر له من النظريات المختلفة. وفي سياق الكون يمكن لأي كون مكون لذاته أن يكون مصحوبًا بعدد لامتناهٍ من الأكوان المختلفة المكونة لذاتها، فيمكن أن يوجد كون متعدد مكون من أكوان سببية منغلقة، لكل منها قوانين فيزياء مختلفة. سنظل إذن في مواجهة مشكلة «القاعدة المُحدِّدة» (انظر الفصل التاسع)؛ ما الذي يحدد أي أكوان الحلقات السببية «تُنفَث فيها نار الحياة» وتوجد بالفعل، وأيها يضمر بوصفه كونًا محتمل الوجود لكنه ليس موجودًا بالفعل؟ (ما لم تكن جميع أكوان الحلقات السببية المتسقة ذاتيًّا موجودة بالفعل.) يجب على الحلقة المفسرة بشكل مرض أن تقدم تفسيرًا كاملًا لكل شيء، بما في ذلك القوانين. وينبغي أن تخبرنا لماذا تلائم هذه القوانين الحياة. كان هذا بالتحديد ما سعى ويلر لتحقيقه عن طريق افتراض الكون المشارك بوصفه نظامًا مؤلِّفًا لذاته، مقدمًا حلقة مغلقة للوجود. (انظر شكل ١٠-٥).66
fig35
شكل ١٠-٥: حلقة الوجود المغلقة: الكون المشارك. تعرض «دائرة المعنى» لويلر الواقع المادي بوصفه مُفَسِّرًا لذاته، أو «مؤلفًا لذاته»، فالفيزياء تتسبب في وجود الأجسام والكائنات وفي النهاية المتواصلين الذين يبعثون بمعلومات ذات معنى عن الطبيعة. في الجزء المقابل من الدائرة يتقصى المراقبون/المشاركون الطبيعة بحثًا عن وحدات المعلومات (في نهاية المطاف من خلال ميكانيكا الكم) ومن ثم يساعدون في تشكيل الواقع المادي، حتى في الماضي البعيد. يتسبب المراقبون في وجود الفيزياء، تمامًا مثلما تتسبب الفيزياء في وجود المراقبين. وبهذه الصورة يسعى ويلر لتجنب معضلة برج السلاحف عن طريق الزعم بأن العالم المادي والمراقبين/المشاركين يفسر أحدهما وجود الآخر.

(١١) كون مفسر لذاته؟

هذا يعني أن الحلقة السببية وحدها لا يمكنها تفسير وجود هذا الكون «تحديدًا»؛ لأن باللجوء لفكرة السببية العكسية من خلال الحلقات الزمنية، أو الاختيار الكمي المؤجل أو أي آلية فيزيائية أخرى يتدارسها الفيزيائيون، يستطيع المرء تخيل عدد لا حصر له من الأكوان الممكنة المؤلفة لذاتها، وأغلب هذه الأكوان لن تشبه كوننا هذا، وكثير منها لن يحوي حياة، أو قد يحوي حياة لكن دون مراقبين. لذا، من الواضح أن الركون لفكرة الحلقات السببية وحدها ليس كافيًا في حد ذاته. إن الملمح الإضافي المهم الذي يقدمه ويلر في مبدأ المشاركة هو أن الكون ليس مؤلِّفًا لذاته فقط، بل إنه يحتوي على مراقبين كذلك، لكنني لا أعتقد أن عملية الملاحظة وحدها تكفي.

ثمة إشارة إلى المكون المفقود تأتينا من حقيقة أن قوانين الفيزياء وحالات المادة في هذا الكون لها سمة خاصة تتمثل في السماح للأنظمة المادية (كالأمخاخ والجينات والحواسب الآلية) ببناء تمثيل داخلي للعالم، بمعنى أنها تخلق واقعًا افتراضيًّا يعكس الكون الخارجي. باختصار، هي تجسد معرفتها عن العالم. لا ريب أن سمة الانعكاس الذاتي للكون هذه جزء من القصة، لكنها ليست إلا جزءًا. وكما أكدت في بداية هذا الفصل فإنه ﻟ «بعض» المراقبين البشريين على الأقل يتجاوز نموذج العالم الذي تبنيه أمخاخهم مجرد معرفتهم عن العالم؛ إذ إنه يتضمن أيضًا التأويل والفهم. فمن خلال العلم والرياضيات نحن لا نكتفي بمشاهدة دراما الطبيعة، بل صرنا قادرين، ولو بشكل جزئي، على كشف النقاب عن حبكتها، وأن نختلس النظر إلى النص الخفي الكامن في أعماق الطبيعة والمصاغ على صورة قوانين ومبادئ رياضية، وأن نكتسب بعض الفهم عن الكيفية التي يُبنى بها الكون ويعمل كنظام متماسك. على هذا يحتوي كوننا على قوانين وحالات لا تسمح بالمحاكاة الذاتية وحسب، بل بفهم الذات أيضًا. إن كتاب القواعد الكوني، بملاءمته للحياة وتسهيل الظهور النهائي للوعي، لم يضمن فقط أن يبني الكون وعيه الخاص، بل إنه بنى أيضًا الفهم لكيفية عمل النظام الكوني.

قد يُثار اعتراض من منطلق أن الغالبية العظمى من الناس لا يفهمون النظام الكوني. في الحقيقة عدد قليل للغاية من البشر يملكون فهمًا حقيقيًّا للعلم أو الرياضيات. وحتى أبرز العلماء قد يترددون في الزعم بأنهم يملكون فهمًا «كاملًا» للكون. لكن لا ينبغي أن نركز على الجنس البشري فقط في هذا الصدد، فبتبني نظرة متفائلة تقضي بأن الحياة الذكية سوف تبقى وتنتشر في أرجاء الكون وتكتسب فهمًا أعظم لطريقة عمل الطبيعة، من السهل الاعتقاد بأنه، في المجمل، سيصل الكون إلى الفهم الذاتي الكامل في النهاية، رغم أن هذا قد لا يتم إلا بالاندماج النهائي بين العقل والكون كما ناقشت في القسم السابق.

يبدو واضحًا أن الكون لا يمكنه أن يؤلف ذاته ويفسرها دون أن يتمكن أيضًا من فهمها. وإذا شبهنا الكون بالحاسب الآلي فيمكننا النظر إلى منتجات البحث العلمي والفكري بوصفها مخرجات ﻟ «برنامج كوني». أما المدخلات فتتكون من القوانين التي اختيرت أو ولدت (مهما تكن كيفية حدوث هذا). من المعروف أيضًا أن نظام الحاسب الآلي لا يستطيع أن يضع في المخرجات معلومات لم تكن حاضرة في المدخلات؛ فهو يعمل وحسب على معالجة المعلومات، ولا يزيدها. تدبر الحلقة المفسرة لذاتها حيث «أ يفسر ب، و ب تفسر أ». إذا كان المقصود بالتفسير هنا مجموعة من الخطوات المنطقية (مثلما هو الحال في نظام الحاسب الآلي) فسيعني هذا أنه من الضروري أن يكون لكل من «أ» و«ب» محتوى المعلومات «عينه». أعتقد أنه يمكن الخروج بزعم مشابه ليس فقط فيما يخص محتوى المعلومات السابق ذكره (مجرد عدد الوحدات)، بل مع شيء مثل «إبداع» أو «معنى» المعلومات. وعلى غرار المقولة الشهيرة «المدخلات السيئة تؤدي إلى مخرجات سيئة»، أزعم شيئًا على غرار «المخرجات ذات المعنى تأتي من مدخلات ذات معنى». وإذا كان الكون يسير وفق شفرة كونية بارعة، وإذا كان وجود هذه الشفرة يرجع لوجود حلقة متسقة مع ذاتها ومفسرة لذاتها، عندئذٍ من الضروري أن تكون حالة الكون، في نقطة معينة من تطوره، على نفس مقدار براعة القوانين التي يسير عليها. ومن البديهي أن الكون لا يمكنه أن يفسر ذاته دون أن يمتلك هذه القدرة على تفسير الذات!67 وإذا أمكن تفسير الكون تفسيرًا تامًّا بوصفه حلقة فمن الضروري أن يعرف الكون و«يتفهم» القوانين المسئول عنها لكي يجلب هذه القوانين إلى الوجود. هل من سبيل آخر غير ذلك؟

(١٢) تفسير الوجود؟ بعض الأسئلة البارزة

في هذا الفصل الختامي أوضحت أساس إحدى النظريات العلمية عن الوجود التي تتجنب اللجوء لمفهوم «السلحفاة العملاقة»، على غرار القوانين السامية غير القابلة للتغير، التي يجب أن تُقبل على أساس الإيمان وحده. يعتمد استكمال هذا المشروع بنجاح من عدمه على عمل الباحثين المستقبليين؛ إذ تظل هناك أسئلة عديدة بحاجة للإجابة. من السهل القول إن الكون كوّن وعيه الخاص عن طريق مبدأ من نوع ما يتيح له تأليف ذاته، لكن كيف يتحقق هذا تحديدًا؟ وبأي آلية فيزيائية؟ لقد أوضحت أهمية استبدال القوانين الأفلاطونية الجامدة بأشباه للقوانين تظهر، أو تتبلور، في بيئة الانفجار العظيم الخصبة، لكن ما العملية التي تبلورها تحديدًا؟ وكيف تتم عملية الانتقاء، أم تراها عملية عشوائية، كعملية انكسار التناظر التلقائي؟ كيف يمكننا تفادي وجود «قانون لقانون الاختيار»، الذي سيعود بنا مجددًا إلى معضلة السلحفاة العملاقة؟ يجب أن تكمن الإجابة في قيد الاتساق الذاتي. في مقالة بعنوان «الحوسبة والفيزياء: دائرة معنى ويلر؟» أوضح رولف لانداور هذه النقطة بجلاء حين قال: «الحوسبة عملية فيزيائية … وقوانين المادة، بدورها، تتكون من نظم حسابية لمعالجة المعلومات. لذا لا بد أن تكون الصيغة النهائية للقوانين الفيزيائية متسقة مع القيود المفروضة على قابلية التنفيذ المادية للنظم الحسابية، التي بدورها تعتمد على قوانين المادة.»68 بعبارة أخرى، تحدد القوانين ما يمكن حوسبته، والقابلية للحوسبة تحدد القوانين. السؤال المطروح هنا هو: هل متطلب الاتساق الذاتي يكفي لتحديد الشكل الفعلي للقوانين؟ هل هناك حلقة واحدة متسقة ذاتيًّا، أم أكثر من واحدة؟ أم هل العدد لانهائي؟

اعتمد لانداور وويلر بدرجة كبيرة على ميكانيكا الكم في تحليلاتهما. ورغم كون ميكانيكا الكم نظرية ناجحة لدرجة تخلب الألباب في تطبيقاتها، فإن تفسيراتها تظل مشوشة ومحل نقاش محتدم. وسعيًا من ويلر لبناء سيناريو الكون المشارك الخاص به التزم بشدة بتفسير ميكانيكا الكم الأصلي، الذي يطلق عليه تفسير كوبنهاجن، ربما بسبب تعاونه في شبابه مع مهندس هذا التفسير الدنماركي نيلز بور. في تفسير كوبنهاجن (انظر الإطار [الكون المتعدد الكمي]) يلعب فعل الملاحظة دورًا محوريًّا، وعلى هذا الأساس زعم ويلر أن الكون الذي يحتوي على مراقبين/مشاركين فقط هو الذي يمكن أن يوجد، وهو ما يعد صورة أخرى من صور المبدأ الإنساني القوي.

إلا أن أغلب علماء الكونيات يرفضون تفسير كوبنهاجن ويفضلون عليه فكرة الكون الكمي المتعدد، التي تقضي بوجود عدد لا حصر له من الأكوان الموازية. بعض هذه الأكوان، أو «فروع» الحالة الكمية، تحتوي على حياة، وغيرها لن يحتوي على حياة. إن قوانين ميكانيكا الكم لا تسمح لك بقطع الأفرع الميتة للحالة الكمية وإلقائها في سلة مهملات كونية من نوع ما. لذا يكون الثمن الذي يتوجب دفعه مقابل الأكوان ذات الحياة هو وجود عدد مهول من الأكوان الميتة، الشبيهة بطاقم التمثيل المساعد الذي يمضي دون ملاحظة، لكنه يسهم إسهامًا كبيرًا في قدرة الكون على استضافة الحياة. إذا وسعنا منظورنا للكون بحيث يعتنق الكون الكمي المتعدد فهناك العديد من الأكوان الضروري وجودها وجودًا غير مباشر من أجل وجودنا. ومن هذا المنطلق يصير الأمر مشابهًا للملاحظة التي تقضي بأن الكون الذي نراه يحتوي على فجوات عديدة من الفضاء الميت الخاوي، لكن لو لم يكن الأمر كذلك لكان الكون إما صغيرًا للغاية أو حارًّا للغاية أو كليهما، بما يمنع ظهور الحياة على كوكب مثل كوكب الأرض.

قضية أخرى تتعلق بالكيفية التي يرتبط بها الكون المؤلِّف لذاته بالكون المتعدد الموصوف في الفصول السابقة من هذا الكتاب استنادًا إلى الأفكار الآتية من نظرية الأوتار والتضخم، ففي نظرية التضخم الأبدي لم يعد الانفجار العظيم هو المصدر المطلق لجميع الأشياء المادية، بل المنشأ الأصلي هو بداية تاريخ «فقاعتنا»، أو كوننا الجيبي، المدمج في الفضاء الفائق المتضخم بشكل أبدي. لذا قد يكون من الأكثر ملاءمة تطوير نظرية لكون متعدد مؤلِّف لذاته بدلًا من كون وحيد مؤلِّف لذاته. وفي هذا الصدد قد يكون عمل ستيفن هوكينج وتوماس هيرتزوج ذا صلة.69 إنهما أيضًا يتدبران، في سياق علم الكونيات الكمي، جانب العودة بالزمن إلى الوراء الخاص بالملاحظات الكمية؛ أن ما نختار ملاحظته اليوم يساعد في تشكيل طبيعة الكون في الماضي البعيد. إن هوكينج وهيرتزوج يترددان في قبول وجود الكون المتعدد الذي يتطور مع مضي الزمن إلى الأمام انطلاقًا من حالة كمية ماضية محددة بدقة كأمر مسلم به، مثلما هو الحال في نموذج التضخم الكوني. وبدلًا من ذلك هما يفضلان البدء من الحاضر وبناء جميع المسارات الكمية الماضية البديلة — التواريخ العديدة المتباينة التي يسمح بها عدم اليقين الكمي — التي تقود له. ومن الطبيعي أن لا يختار المراقبون إلا التواريخ المتسقة مع وجود الحياة والمراقبين، حتى لو كانت هذه التواريخ نادرة الوجود ضمن قائمة الاحتمالات الممكنة.

مجموعة أخرى من الأسئلة تتعلق بالمبدأ الإنساني النهائي والمستقبل البعيد للكون. في هذا الفصل رسمت صورة للحياة والعقل وهما يتوسعان بحيث يتشبع بهما الكون عبر فترات طويلة من الوقت، لكن هل يتسق هذا مع قوانين الفيزياء؟ يتضح لنا أنه في فئة محدودة من النماذج الكونية يمكن للحياة والعقل أن يغمرا الكون بأسره. قضية ذات صلة تتعلق بما إذا كان الكون قادرًا على معالجة كم لانهائي من المعلومات. يتركز الجواب في الكيفية التي سيتغير بها معدل التمدد في المستقبل. في الفصل السادس أوضحت كيف أن اكتشاف الطاقة المظلمة يعني ضمنًا إمكانية تكون أفق حدث كوني وأن الحالة النهائية للكون قد تكون خواء مظلمًا ليس إلا. إذا صح هذا التنبؤ فهذا يعني، كما يبين لنا التحليل الأكثر دقة، أن الكون القابل للرصد يمكن فقط أن يحتوي على مقدار محدد من المعلومات. ومن ثم سيكون الكون نظامًا ذا حالة محدودة. إن النظام الذي يمكنه التواجد فقط في عدد محدود من الحالات الفيزيائية لا يمكنه أن يدعم إلا عددًا محدودًا من الحالات العقلية، وبهذا لن يتمتع العقل الفائق إلا بعدد محدود من الخبرات والأفكار والرؤى وهكذا، وسيُحكم عليه بتكرارها مرة تلو الأخرى، مرارًا وتكرارًا. يجد الكثيرون في هذا أمرًا محبطًا (وهو كذلك بالطبع، على عكس الفكرة التقليدية عن العقل الفائق غير المحدود). وعلى النقيض سيتمكن نظام المعلومات غير المحدود من التمتع بالتجدد الدائم. من المنظور العلمي القضية أبعد ما تكون عن الحسم؛ لأنه من غير الواضح هل ستظل الطاقة المظلمة ثابتة مع الزمن؟ فإذا كان لها أن تقل إلى الصفر، مهما تم ذلك ببطء، فسيزيد حجم الأفق، وستزيد قدرة الكون على معالجة المعلومات معه. ومع أن الكون في أي لحظة سيظل حاملًا لقدر محدود من المعلومات، فإنه لن توجد حدود أمام الحجم الذي يمكن أن يصل إليه في نهاية المطاف.

إذن، كيف أتى الوجود؟ بعد كل هذا الحديث يبدو أن جميع المقاربات التي ناقشتها من المرجح أن تكون غير مُرضية. في الواقع، عند مراجعتها أجد أنها جميعًا إما تبدو سخيفة أو غير ملائمة على نحو بالغ: كون متفرد تصادف أنه يسمح بوجود الحياة، عدد مهول من الأكوان البديلة الموازية الموجودة دون سبب، كون صممته قوة عليا، أو كون مؤلف لذاته، مفسر لذاته، متفهم لذاته ذو مراقبين، يستلزم وجود سببية عكسية وغائية. ربما نكون قد وصلنا إلى طريق مسدود فرضه علينا قصور الفكر البشري. لقد بدأت هذا الكتاب بقولي إن الأديان كانت المحاولة المنهجية الأولى لتفسير الوجود، وأن العلم هو السبيل التالي، إلا أن الأديان والعلم تستقي مناهجها من أنماط التفكير العتيقة التي شحذتها آلاف السنوات من التطور والضغوط الثقافية. إن عقولنا نتاج لجيناتنا وموروثاتنا الثقافية.70 الآن وقد تحررنا من التطور الدارويني وصرنا قادرين على تشكيل عوالمنا الحقيقية والافتراضية، وباتت تقنيات معالجة المعلومات لدينا قادرة على اصطحابنا إلى ميادين فكرية لم يسبق لبشر زيارتها، قد تتبخر أسئلة الوجود الأزلية بعيدًا، وتتكشف بوصفها لا شيء أكثر من تأملات مرتبكة لكائنات بيولوجية حبيسة قيود عقلية موروثة فرضتها عليها أحداث تطورية عشوائية. وقد تتبخر كل مفاهيمنا عن القوى الغيبية والقوانين، عن الفضاء والزمن والمادة، عن الغرض والتصميم، عن العقلانية والعبث، عن المعنى والغموض، وتحل محلها مفاجآت واكتشافات مثيرة لم نحلم بها بعد.

النقاط الأساسية

  • تواجه التفسيرات التقليدية معضلة برج السلاحف. بعض العلماء والفلاسفة اقترحوا وجود حلقات سببية تفسيرية متسقة ذاتيًّا بدلًا من ذلك.

  • يرفض بعض العلماء النظرة الأفلاطونية التقليدية للقوانين الفيزيائية (بوصفها علاقات رياضية مثالية ودقيقة بشكل تام تسمو فوق العالم المادي).

  • قد لا تعمل قوانين الفيزياء بدقة لانهائية لأن الكون يملك قدرة حوسبية محدودة.

  • الغائية، أو السببية المطلقة، مفهوم محرم في العلم التقليدي. ومفهوم الكون المقدر له أن يأتي بالحياة والمراقبين مفهوم غائي بكل تأكيد.

  • يمكن أن تقدم السببية العكسية طريقًا علميًّا شبه محترم إلى الغائية.

  • تصف تجربة الاختيار المؤجل لويلر طريقة يمكن بها للمراقبين اليوم أن يشكلوا طبيعة الواقع في الماضي دون امتلاك القدرة على إرسال معلومات بصورة عكسية عبر الزمن.

  • إذا كان الكون يفسر ذاته بذاته فمن الضروري أن يطور كيانات قادرة على تفسيره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣