الفصل الأول

رُباعية أرسطو: العناصر في العصور القديمة

اعتُقل الكيميائي الفرنسي إتيان دو كليف في عام ١٦٢٤م بتهمة الهرطقة. لم تكُن أفكارُ كليف غيرُ المقبولة تتعلَّق بتفسير الكتاب المقدَّس، ولم تكن ذات طابع سياسي، كما أنها لم تَطعن في مكانة البشر في الكون كما كان جاليليو يفعل ذلك بجرأة.

كانت هرطقة إتيان دو كليف تتعلَّق بالعناصر الكيميائية؛ إذ كان يؤمن بأن جميع المواد تتألَّف من عنصرَيْن — الماء والتراب — و«خليط» من هذين العنصرين مع ثلاث مواد أساسية أو «جواهر» أخرى؛ وهي: الزئبق والكبريت والملح. ليست هذه بفكرة جديدة؛ إذ إن الصيدلي الفرنسي العظيم جان بيجين الذي نشر كتابه «الكيمياء للمبتدئين» — واحد من أوائل كتب تعليم الكيمياء — في عام ١٦١٠م، ظلَّ حتى وفاته، بعد مرور عقد من الزمن على نشر الكتاب، يؤكِّد على أن جميع المواد تشتمل — على نحوٍ جوهريٍّ — على تلك المكوِّنات الخمسة الأساسية نفسها.

ولكن عدم أصالة فكرة إتيان دو كليف لم ينفعه، فقد نُعِتت فكرته بالهرطقة؛ لأنها تتناقض مع نظام العناصر الذي قَدَّمه الإغريق وأَيَّده أرسطو؛ فيلسوف الإغريق الأكثر تأثيرًا. أخذ أرسطو هذا المخطَّط من أستاذه أفلاطون، الذي وَرِثه بدوره من إيمبيدوكليس؛ وهو الفيلسوف الذي عاش خلال ديمقراطية بريكليس في العصر الذهبي لمدينة أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد. ووفقًا لإيمبيدوكليس، كانت توجد أربعة عناصر: التراب والهواء والنار والماء.

بعد الصدمة الثقافية التي سبَّبها سقوط روما، نهض الغرب في القرون الوسطى من صدمة العصور المظلمة بتقديسٍ لعلماءِ العصور القديمة جَمَعَ بين معتقداتهم والمذاهب المسيحية. وأصبحت كلمات أرسطو مصبوغةً بسُلطة الإله، والتشكيك فيها كان بمنزلة الكفر. ولم يَستعِدِ العالم الغربي القدرة على التفكير المستقل بشأن الكيفية التي نُظِّم بها الكون حتى أواخر القرن السابع عشر بعد اكتشافات جاليليو ونيوتن وديكارت.

وهذا هو السبب في انهيار خطةِ إتيان دو كليف، وعددٍ قليلٍ غيره من المفكرين الفرنسيين، الراميةِ إلى مناقشة نظريةٍ مخالِفةٍ لنظريةِ أرسطو عن العناصر في منزل النبيل الباريسي فرانسوا دو سوسي في أغسطس ١٦٢٤م بأمرٍ برلماني؛ مما أدَّى إلى إلقاء القبض على قائدهم.

لم يكن الجدل يتعلَّق في واقع الأمر بالعلم، ولم يكن استخدام القانون والإكراه للدفاع عن نظريةٍ ما دليلًا على أن السلطات تهتم كثيرًا بطبيعة العناصر بقدرِ ما كان انعكاسًا لرغبتها في الحفاظ على الوضع الراهن. ومثلما كانت محاكمة جاليليو أمام محاكم التفتيش الكاثوليكية، لم يكن ذلك جدلًا بشأن «الحقيقة»، وإنما كان صراعًا على السلطة؛ وهو دليل على الدوجماتية الدينية المعارِضة للإصلاح.

كان الإغريق متحرِّرين من هذه القيود، فناقَشوا العناصر بحُرية أكبر بكثير. وسبقت رُباعيةَ أرسطو — ووُجِدت في الواقع جنبًا إلى جنب معها — عدةُ مخطَّطات أخرى للعناصر. في الواقع، أشار الباحث السويسري كونراد جسنر في القرن السادس عشر إلى ما لا يقلُّ عن ثمانية أنظمة للعناصر، قُدِّمت بين عصر طاليس (بداية القرن السادس قبل الميلاد) وإيمبيدوكليس. ورغم حُكْم الإدانة الصادر عام ١٦٢٤م، فإن هذا جعل من الصعب في نهاية المطاف مَنْح أيِّ وضعٍ متميزٍ لرباعية أرسطو، وساعد مرة أخرى على طرح قضيةِ «ممَّ صُنعت الأشياء؟»

ممَّ صُنعت الأشياء؟ هذا كتاب قصير، ولكن الإجابة يمكن أن تُعطى حتى على نحوٍ أكثر إيجازًا. يتضمَّن الجدول الدوري جميع العناصر المعروفة، وبصرف النظر عن الصف السفلي المكوَّن من العناصر التي يصنعها الإنسان، والذي ينمو ببطء، فإن هذا الجدول شامل. إليك الجوابَ: هذه هي العناصر؛ ليست واحدًا، ولا أربعة، ولا خمسة، ولكن نحو اثنين وتسعين عنصرًا تظهر في الطبيعة.

ممَّ صُنعت الأشياء؟ الجدول الدوري واحد من أبرز الإنجازات العلمية، لكنه لا يجيب إجابة شافية عن هذا السؤال. ضعْ جانبًا حقيقة أن الوحدات البنائية للذرَّة في الواقع أكثر تنوُّعًا على نحوٍ معقَّد مما يشير إليه الجدول (كما سنرى لاحقًا)، وانسَ لِلَحظةٍ أنَّ هذه الذرَّات ليست أساسية وقابلة للتغيير، لكنها في حدِّ ذاتها مركَّبة من أشياء أخرى. دعنا لا نقلق الآن من فكرة أن معظم الناس لم يسمعوا حتى عن الكثير من هذه العناصر، فضلًا عن وجود أدنى فكرة لديهم حول طبيعة العناصر وسلوكها. وَلْنضع قيدَ النقاش في مقامٍ آخر مسألةَ أنَّ ذرَّات العناصر عادةً ما تترابط في مجموعات تُسمَّى الجزيئات، لا يمكن بسهولةٍ التفريقُ بين خواصها وطبيعة العناصر نفسها. حتى عندئذٍ لا يكفي تقديم الجدول الدوري كما لو أننا نقول إن أرسطو كان مخطئًا بشدةٍ حول قضيةِ «ممَّ صُنعت الأشياء؟» وكذلك كان كل شخص آخر حتى أواخر القرن الثامن عشر. ومن خلال التقصي عن العناصر، يمكننا أن نتعلَّم أشياءَ كثيرة تتعلَّق بطبيعة المادة، ليس فقط من خلال معرفة الجواب نفسه (وهو الجواب الصحيح)، وإنما من خلال التعرُّف على الكيفية التي عُولِجت بها المشكلة في عصور أخرى كذلك. ومن ثم، لن تفيدنا قائمةُ العناصر وحسب، وإنما سنستفيد من معرفة الكيفية التي وصلنا بها إلى تلك القائمة الحالية.

ممَّ صُنعت الأشياء؟ لقد أصبحنا مجتمعًا مهووسًا بالأسئلة المتعلِّقة بالتكوين؛ وذلك لسبب وجيه؛ فالرصاص الموجود في البترول يَظهر في حقول الثلج في القارة القطبية الجنوبية. ويسمِّم الزئبقُ الأسماكَ في أمريكا الجنوبية. ويُسبِّب الرادون الذي مصدره الأرض مخاطرَ صحيَّة في المناطق المبنية على الجرانيت، ويُلوِّث الزرنيخُ الطبيعيُّ الآبارَ في بنجلاديش. وتكافح مكملاتُ الكالسيوم أمراضَ تآكل العظام، ويخفِّف الحديدُ من فقر الدم. يوجد عناصر نتلهَّف عليها، وأخرى نبذل قصارى جهدنا لتجنُّبها.

للوهلة الأولى، يبدو العالم الحي بالكاد طَبَقًا غنيًّا من العناصر؛ فأربعةُ عناصر فقط تتبدَّل إلى ما لا نهاية في جزيئات الجسم: الكربون والنيتروجين والأكسجين والهيدروجين. لا غنى كذلك عن الفوسفور في العظام وكذلك في جزيئات الحمض النووي التي تنظِّم الحياة في جميع أشكالها، والكبريت مكوِّن هام في البروتينات؛ حيث يساعدها على الاحتفاظ بأشكالها المعقَّدة. ولكنْ بخلاف هذه العناصر الرئيسية، توجد مجموعة أخرى لا يمكن أن تُوجد الحياةُ بدونها. والمعادن تحتل جزءًا كبيرًا في هذه المجموعة؛ فالحديد يصبغ دَمَنَا باللون الأحمر ويساعده على نقل الأكسجين إلى خلايانا، ويمكِّن المغنيسيوم الكلوروفيل من التقاط الطاقة من أشعة الشمس عند سفح الهرم الغذائي، ويحمل الصوديوم والبوتاسيوم النبضاتِ الكهربائيةَ العصبيةَ. ومن بين جميع العناصر الطبيعية، يمكن اعتبار أحد عشر عنصرًا بمنزلة المقوِّمات الأساسية للحياة، وربما يمثِّل خمسة عشر عنصرًا آخر عناصرَ نادرةً ضرورية تحتاجها جميع الكائنات الحية تقريبًا بكميات صغيرة (من بينها الزرنيخ «السامُّ» والبروم «المسبِّب للعقم»؛ وهو ما يبين أنه لا يوجد تقسيم سهل للعناصر إلى «مفيدة» و«ضارة»).

شكَّل التوزيعُ غير المتكافئ للعناصر على وجه الأرض التاريخَ؛ حيث حفَّز على التجارة وشجَّع الاستكشاف والتبادل الثقافي، ولكنه أيضًا شجَّع على الاستغلال والحرب والإمبريالية. وقد دفعت جنوب أفريقيا ثمنًا غاليًا لامتلاكها الذهب والماس المكوَّن من عنصر الكربون. وما زال يتمُّ استخراج العديد من العناصر النادرة والمهمَّة من الناحية التكنولوجية — مثل التنتالوم واليورانيوم — من المناطق الفقيرة في العالم في ظروف (ولأسباب) يعتبرها البعض ضارة وخطرة.

أصبحت جميع العناصر المستقرَّة الموجودة على نحوٍ طبيعي معروفةً بحلول منتصف القرن العشرين، وسَلَّطَت تجاربُ الطاقة النووية في ذلك الوقت الضوءَ على مجموعة كاملة مهمَّة من العناصر المشعَّة الأثقل القصيرة العمر. ولكنْ فقط من خلال تطوير تقنيات جديدة فائقة الحساسية تُستخدم في التحليل الكيميائي، تَنَبَّهنا إلى التعقيد الذي تمتزج به العناصر في العالم، مضفية على المحيطات والهواء تنوعًا رائعًا.

وحتى زجاجات المياه المعدنية في الوقت الراهن تحمل قائمةً بالنِّسب الموجودة فيها من الصوديوم والبوتاسيوم والكلور وأشياء أخرى؛ مما يلغي فكرةَ أن كلَّ ما نشربه هو الماء المكوَّن من الهيدروجين والأكسجين. نحن نعلم أن العناصر أشياء قابلة للتغيير؛ ولهذا السبب لم تَعُد تُصنَّع أنابيب المياه من الرصاص والدهانات التي تحتوي على الرصاص، وهذا هو أيضًا السبب في اتِّهام أواني الطهي المصنوعة من الألومنيوم (صوابًا أو خطأً) بالتسبُّب في الخَرَف. وتُواصل سمعة العناصر تشكُّلها من خلال الأفكار الموروثة والمعتقدات المتعارَف عليها بقدرِ تشكُّلها من خلال فهم آثارها الكَمِّية. هل يُعَد الألومنيوم جيدًا في الملمِّعات المعدنية في مساحيق الغسيل ويكون سيئًا في الأواني والمقالي؟ يمكن أن تكون أملاح النحاس سامَّة، ولكن يشاع أن الأساور المصنوعة من النحاس تعالج التهاب المفاصل. ونتناول مكمِّلات السيلينيوم لزيادة الخصوبة، بينما يدمِّر تلوث المياه الطبيعية بالسيلينيوم النُّظم الإيكولوجية في كاليفورنيا. مَن منا يستطيع أن يقول إن نسبة اﻟ ٠٫٠١ ملِّيجرام من البوتاسيوم الموجودة في المياه المعدنية أقل من اللازم أو أكثر من اللازم؟

مصطلحات العناصر تملأ لغتنا، وتكون أحيانًا منفصلة عن مسألة التكوين التي كانت تشير إليها في وقت من الأوقات؛ فالأنابيب المستخدَمة في أعمال السباكة اليوم تُصنع على الأرجح من البلاستيك وليس من الرصاص، رغم أن كلمة Plumbing (وتعني سِباكة بالعربية) مشتقَّة من الكلمة الرومانية plumbum، التي تعني الرصاص. وأقلام الرصاص لا تحتوي على عنصر الرصاص. ودهانات «الكادميوم الأحمر» غالبًا لا تحتوي على الكادميوم مطلقًا. وعُلب الصفيح لا تحتوي على أكثر من مجرد قشرة رفيعة من الصفيح المعدني؛ فهو أكثر قيمةً من أن يُستخدم بكمية أكبر من ذلك في تلك العُلب. والنيكل الأمريكي يحتوي على القليل نسبيًّا من هذا المعدن. وثمة أناس يظنون أن عملاتهم المعدنية مصنوعة من الفضة رغم أنها تكون مصنوعة من شيء مختلف تمامًا.

هذه هي الأسباب التي تجعل قصة العناصر أكثر من مجرد قصة لمائة نوع مختلف أو نحو ذلك من الذرَّات التي يمتلك كلٌّ منها خواصَّ وسماتٍ فريدةً. إنها قصة عن تفاعلاتنا الثقافية مع طبيعة وتركيبة المادة. لا يقتصر تاريخ الكيمياء على مجرد اكتشاف عناصر جديدة وتصنيفها، وإنما يتضمَّن أيضًا سعيًا حثيثًا للتعرُّف على بنية العالم، وقابلية هذه البنية للتغيير بفعل العوامل البشرية أو الطبيعية.

أجزاء اللغز

يرتبط مفهوم العناصر ارتباطًا وثيقًا بفكرة الذرَّات، ولكنَّ كليهما لا يتطلَّب الآخر. آمن أفلاطون بالعناصر الأربعة المعروفة في العصور القديمة، لكنه لم يتفق تمامًا مع فكرة الذرَّات. وآمن فلاسفة إغريقيون آخرون بالذرَّات، لكنهم لم يقوموا بتقسيم المادة بأكملها إلى حفنة من المكوِّنات الأساسية.

حدَّد طاليس الميليسي (نحو ٦٢٠–٥٥٥ق.م) — وهو أحدُ أوائل الباحثين المعروفين في مجال استكشاف بِنية العالم المادي — مادةً أساسية واحدة فقط؛ وهي الماء. وتوجد مبرِّرات كافية لهذا الرأي في الأساطير. فلم يكن الإلهُ العبري الإلهَ الوحيد الذي خلق العالم من محيط أوَّلي. لكن الفلاسفةَ من المدرسة الميليسية التي أسَّسها طاليس لم يقدِّموا إجماعًا حول «المادة الأولى» (Prote hyle بالإغريقية) التي شكَّلت كل شيء. وتجنَّب أناكسيماندر (نحو ٦١١–٥٤٧ق.م) — جاء بعد طاليس — هذه المسألةَ بزعْمِه أن الأشياء صُنعت في الأساس من مادة أوَّلية «غير محدَّدة» ومجهولة. ورأى أناكسيمينس (المتوفَّى نحو عام ٥٠٠ق.م) أن الهواء — وليس الماء — كان المادة الأولى. وبالنسبة إلى هرقليطس (المتوفَّى نحو عام ٤٦٠ق.م)، كانت النار هي مادة الخلق.

لماذا ينبغي من الأساس لأي شخص أن يؤمن ﺑ «المادة الأولى»؟ أو في هذه الحالة، بأيِّ مخطَّط للعناصر التي تشكل أساس العديد من المواد التي نجدها في العالم؟ لماذا لا نستنتج ببساطة أن الصخر هو صخر والخشب هو خشب؟ معادن ولحم وعظام وعشب … كان يوجد الكثير من المواد المختلفة في العالم القديم. لماذا لا نقبلها على ظاهرها، بدلًا من كونها تجسيدًا لشيء آخر؟

يقول بعض مؤرخي العلوم إن هؤلاء العلماء القدامى كانوا يبحثون عن الوحدة؛ من أجل اختزال العالَم المتعدِّد الأنواع إلى نظامٍ أكثر بساطةً وأقل إثارةً للحيرة. ثمة ميلٌ إلى «الجواهر الأولى» واضحٌ بالتأكيد في الفلسفة الإغريقية، ولكن يوجد أيضًا سبب عملي لاستحضار عناصر أساسية؛ وهو أن الأشياء تتغيَّر. فالماء يتجمَّد أو يغلي، والخشب يحترق وتتحول قطعه الثقيلة إلى رماد هشٍّ، والمعادن تذوب، والطعام يُبلع ويختفي معظمه بطريقةٍ ما داخل المعدة.

إذا كان يمكن تحويل مادة معينة إلى مادة أخرى، فهل يكون سبب ذلك أنهما — في الأصل — شكلان مختلفان فحسب لنفس المادة؟ بالتأكيد لم تنشأ فكرة العناصر بسبب أن الفلاسفة كانوا منهمكين في سعيٍ يشْبه سعي الفيزيائيين لإيجاد نظرية موحَّدة، ولكن بسبب أنهم أرادوا فهْم التحولات التي لاحظوها يوميًّا في العالم.

ولهذه الغاية، اعتقد أناكسيماندر أن هذا التغيير حدث بسبب وجود خواص متضادة: ساخن وبارد، وجاف ورطب. وعندما طرح إيمبيدوكليس (نحو ٤٩٠–٤٣٠ق.م) نظرية العناصر الأربعة التي سادت في الفلسفة الطبيعية الغربية، أشار أيضًا إلى أن تحوُّلاتها شملت صراعًا.

إيمبيدوكليس أبعد ما يكون عن نموذج الفيلسوف اليوناني الرصين المبجَّل؛ فالأسطورة ترسمه في صورة ساحر وصانع معجزات يمكنه إحياء الأموات. ويُعتقد أنه توفِّي بالقفز في فوهة بركان جبل إتنا؛ حيث كان مقتنعًا أنه إله خالد. وربما لا عجب في أن التراب والهواء والنار والماء عنده شُكِّلَت في صورة خلطات مختلفة — مواد العالم الطبيعي — من خلال الجوهرين النابضين بالحياة: الحب والصراع؛ فالحب يسبِّب الاختلاط، والصراع يسبِّب الانفصال. وصراعهما كرٌّ وفرٌّ أبديَّان؛ ففي وقتٍ ما، يهيمن الحب وتختلط الأشياء، ولكن بعد ذلك يظهر الصراع فيفصل بينها. ويرى إيمبيدوكليس أن هذا لا ينطبق على العناصر وحسب، ولكن على حياة الشعوب والثقافات.

لا تمثِّل عناصرُ إيمبيدوكليس الأربعةُ أشكالًا مختلفة من «المادة الأولى»، وإنما هي تمثيلٌ برَّاقٌ يُخفي تعقيدات هذه المادة. سلَّم أرسطو أنه يوجد في الأساس مادة أوَّلية واحدة فقط، ولكنها كانت بعيدة جدًّا ومجهولة جدًّا لدرجة تمنعها من أن تكون أساسًا لفلسفة المادة؛ لذلك، قَبِلَ عناصرَ إيمبيدوكليس كنوعٍ من العناصر الوسيطة بين هذه المادة التي لا يمكن تحديدها والعالم الملموس. وهذه القدرة الفطرية على اختزال الأسئلة الكونية إلى أسئلة يمكن الإجابة عنها هي أحد الأسباب التي جعلت أرسطو فيلسوفًا مؤثِّرًا للغاية.

شارك أرسطو أناكسيماندر في وجهة النظر القائلة بأن خواص الحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف هي مفاتيح التحول، وأيضًا مفاتيح خبرتنا بالعناصر. فلِأنَّ الماء رطب وبارد، يمكننا الشعور به. ففي علم الوجود لدى أرسطو، مُنح كل عنصر من العناصر اثنتين من هذه الخواص، لكي يمكن تحويل كل عنصرٍ منها إلى آخر عن طريق عكس واحدة من هذه الخواص. فيصبح الماء الرطب البارد أرضًا جافة باردة من خلال تحويل الرطوبة إلى جفاف (شكل ١-١).

من المغري — والواقعي على نحوٍ جزئي — اعتبار هؤلاء الفلاسفة القدماء منتمين إلى نوع من نوادي السادة التي يستعير أعضاؤها بعضُهم أفكار بعض باستمرار، ويوجِّهون مديحًا وافرًا أو انتقادات لاذعة لزملائهم، في حين يَظلون في جميع الأوقات علماءَ «كُسالى» يرفضون، إلى حدٍّ كبير، تلويثَ أيديهم بإجراء التجارب. وتنطبق الصورة نفسها على أولئك الذين يناقشون قَدَر الذرَّات المتذبذب.

fig1
شكل ١-١: اعتقد أرسطو أن عناصر إيمبيدوكليس الأربعة كانت مصبوغة باثنتين من الخواص، يمكن من خلالها تحويل كل عنصر إلى الآخر.
ويُنسَب إلى ليوكيبوس الميليسي (القرن الخامس قبل الميلاد) عمومًا طرح مفهوم الذرَّات، ولكننا نعرف عنه أكثر قليلًا من ذلك؛ إذ أكَّد على أن هذه الجسيمات الصغيرة كلها مصنوعة من المادة الأولى نفسها، ولكن تختلف أشكالها باختلاف المواد. تلميذه ديموقريطس (نحو ٤٦٠–٣٧٠ق.م) أَطلَق على هذه الجسيمات اسم atomos، وهي كلمة تعني «غير قابل للتقسيم» أو «غير قابل للتجزئة». وفَّق ديموقريطس بين هذه النظرية الذرية الوليدة والعناصر الكلاسيكية من خلال افتراضه أن ذرَّات كل عنصر لها أشكال مسئولة عن خواصه. فذرَّات النار لا تمتزج مع الذرَّات الأخرى، ولكن ذرَّات العناصر الثلاثة الأخرى تمتزج لتشكِّل مادة كثيفة ملموسة.

ما ميَّز أنصارَ النظرية الذرِّية عن خصومهم لم يكن الاعتقاد بوجود جسيمات صغيرة تشكِّل المادة، ولكن ميَّزتهم مسألةُ ما يفصل بين تلك الجسيمات. افترض ديموقريطس أن الذرَّات تتحرك في فراغ. سَخِر الفلاسفةُ الآخرون من فكرة «العدم» تلك، مشيرين إلى أن العناصر يجب أن تملأ كل الفراغ. ادَّعى أنكساجوراس (نحو ٥٠٠–٤٢٨ق.م) — الذي كان معلِّمًا لبريكليس ويوريبيدس في أثينا — أنه لا يوجد حدٌّ لصغر حجم الجسيمات؛ لذلك كانت المادة قابلة للتقسيم بلا حدود؛ وهذا يعني أن الحبوب الصغيرة من شأنها أن تملأ كافة الزوايا بين الحبيبات الأكبر، مثل الرمل بين الحجارة. وأكد أرسطو — ومَن يستطيع أن يلومه؟ — أن الهواء سيسدُّ أيَّ فراغ بين الذرات (هذا يصبح مشكلة فقط إذا كنت ترى أن الهواء في حد ذاته «مكوَّن» من الذرات).

أدرك أفلاطون كل ذلك بدقَّة؛ فلم يكن مؤمِنًا بالنظرية الذرِّية وفق صورة ديموقريطس، لكنه كان مقتنعًا بالفعل بفكرة الجسيمات الأساسية الشبيهة بالذرَّات لعناصر إيمبيدوكليس الأربعة. وأدَّت ميوله الهندسية إلى اقتراح أن هذه الجسيمات لها أشكال رياضية منتظمة: المجسَّمات الثلاثية الأبعاد التي تسمَّى المجسمات الأفلاطونية المنتظمة. فكان عنصر التراب مكعبًا، والهواء مجسمًا ثمانيَّ الأوجُه، والنار رباعيَّ الأوجُه، والماء مجسمًا له عشرون وجهًا. ويمكن صناعة أسطح كلِّ هذه الأشكال من نوعين من المثلثات. ووفقًا لأفلاطون، تمثِّل هذه المثلثات «الجسيمات الأساسية» الحقيقية للطبيعة، كما أنها منتشرة في كل الفراغ. وتخضع العناصر للتحويل من خلال إعادة ترتيب المثلثات في صورة أشكال هندسية جديدة.

ثمة مجسَّم أفلاطوني منتظم خامس أيضًا: المجسم الاثنا عشري الأوجُه (وكل وجه منها خماسي الأضلاع). وهذا المجسَّم متعدِّد الأوجه لا يمكن أن يُصنع من مثلثات المجسمات الأربعة الأخرى، وهذا هو السبب في تخصيصه من قِبل أفلاطون للسماء؛ ومن ثَمَّ فإنه يوجد عنصر كلاسيكي خامس أطلق عليه أرسطو اسم الأثير. لكن لا يمكن للكائنات الأرضية استشعاره، وهكذا لا يلعب أيَّ دور في تكوين المادة الأرضية.

العناصر من واقع الشِّعر

يعجُّ تاريخ الثقافة الغربية بذكر العناصر الأربعة القديمة. فيَهِيم الملك لير في أعمال شكسبير على وجهه في المطر الشديد والهواء العاصف و«الصواعق المقتلِعة لشجر البلوط»؛ وهي «عناصر الطبيعة الغاضبة». وتتشابه اثنتان من سونيتاته في الاحتفاء بالعناصر الأربعة: «البحر والبر … كثير من التراب والماء المزخرفَيْن»، و«الهواء العليل والنار المطهِّرة». وواصل التراث الأدبي دعْم هذه العناصر القديمة الأربعة، والتي مثَّلَت المبدأ التنظيمي ﻟ «رباعيات» تي إس إليوت.

قَرَنَ الفلاسفة الإغريق نظريةَ العناصر الأربعة بفكرة الألوان «الأساسية» الأربعة؛ فبالنسبة إلى إيمبيدوكليس كانت هذه الألوان هي الأبيض والأسود والأحمر ولون «أوكرون» المحدَّد على نحوٍ غامض، بما يتسق مع تفضيل الرسامين الإغريق الكلاسيكيين لِلَوحة بأربعة ألوان هي الأبيض والأسود والأحمر والأصفر. ونَسَبَ المنجِّمُ الأثيني أنطيوخوس — الذي عاش في القرن الثاني الميلادي — هذه الألوانَ إلى المياه والأرض والهواء والنار على الترتيب.

استمرَّ الإصرار على ربط العناصر الأربعة بالألوان لفترة طويلة بعد طرح الألوان الرئيسية الإغريقية. فمَنَحَ فنانُ عصر النهضة ليون باتيستا ألبرتي اللونَ الأحمر للنار، والأزرقَ للهواء، والأخضرَ للماء، و«لونَ الرماد» (الرمادي) للتربة. وخصَّص ليوناردو دا فينشي اللون الأصفر للتراب بدلًا من ذلك. ومن شأن هذا الربط أن يبيِّن بالتأكيد الأفكار المعاصرة للرسامين حول كيفية خلط الألوان واستخدامها.

امتدت رباعية المبادئ الأساسية تلك إلى أبعد من ذلك؛ حيث شملت نقاط البوصلة الأربع (يقرُّ التراث الصيني بخمسة عناصر، وخمسة «اتجاهات») و«الأخلاط» الأربعة للطب التقليدي. ووفقًا للطبيب اليوناني جالينوس (نحو ١٣٠–٢٠١ ميلاديًّا)، فإن صحتنا تعتمد على توازن هذه العصارات الأربع: الدم الأحمر والبلغم الأبيض ومادة الصفراء التي يفرزها الكبد بلونَيْها الأسود والأصفر.

حتى مع السماح بهَوَس العصور القديمة والوسيطة بوجود «توافق» بين سمات الطبيعة وكائناتها، فمن الواضح أنه يوجد شيء يتعلَّق بالعناصر الأربعة الأرسطية له جذور عميقة في التجارب الإنسانية؛ فيكتب المؤلِّف الكندي نورثروب فراي قائلًا: «إن العناصر الأربعة ليست مفهومًا مستخدمًا في الكيمياء الحديثة؛ أي إنها ليست عناصر الطبيعة. ولكن … التراب والهواء والماء والنار لا تزال العناصرَ الأربعة للتجارب الخيالية، وسوف تظل هكذا دائمًا.»

هذا هو السبب في أن الفيلسوف الفرنسي جاستون باشلار يرى أنه من المناسب استكشاف تأثير «التحليل النفسي» لهذه العناصر (ولا سيما الماء والنار) في الأساطير والشعر.

أعتقد أنه من الممكن ترسيخ «قانون العناصر الأربعة» في عالم الخيال، الذي يصنِّف أنواع الخيال المادي المختلفة من خلال ارتباطها بالنار أو الهواء أو الماء أو التراب … ويجب على العنصر المادي أن يوفِّر مادته الخاصة وقواعده المحدَّدة وسماته الشعرية. وليس من قبيل المصادفة أن الفلسفات الأوَّلية غالبًا ما تتخذ خيارًا حاسمًا متوافقًا مع هذا الأمر. فتربط مبادئها الشكلية بواحد من العناصر الأساسية الأربعة، التي أصبحت من ثَمَّ علامات «الطابع الفلسفي».

ويشير باشلار إلى أن هذا التصرف — بالنسبة إلى كل فرد — مشروط ببيئته المادية:

إن المنطقة التي نسميها الوطن أقل اتساعًا من المادة؛ فهي إما تكون من الجرانيت أو التربة، الرياح أو الجفاف، الماء أو الضوء. وفيها نجسِّد أحلام اليقظة الخاصة بنا، ومن خلالها يكتسب حلمنا مضمونه الحقيقي، ومنها نلتمس لوننا الأساسي. فعندما أحلم بالنهر، فإني أكرِّس مخيِّلتي للماء؛ للماء الأخضر النقي، الماء الذي يجعل المروج خضراء.

على الرغم من المَيْل إلى المبالغة في تقدير أهمية مخطَّط العناصر الأربعة — كانت توجد عناصر كثيرة غيرها كما رأينا — فإن هذه الفكرة تمضي لتوضِّح قِدَم عناصر إيمبيدوكليس. فهذه العناصر «ملائمة»، وتتفق مع خبراتنا، كما تميِّز «الأنواع» المختلفة للمادة.

ما يعنيه هذا حقًّا هو أن العناصر الكلاسيكية تمثيلات مألوفة ﻟ «الحالات المادية» المختلفة التي يمكن أن تتخذها المادة. فالتراب لا يمثِّل التربة أو الصخور فحسب، بل يمثِّل كل المواد الصلبة. والماء هو النموذج الأصلي لجميع السوائل. والهواء نموذجٌ لجميع الغازات والأبخرة. أما النار فهي عنصر غريب؛ لأنها في الواقع ظاهرة فريدة وملفتة للنظر؛ فالنار في الواقع بلازما راقصة من الجزيئات والشظايا الجزيئية، مُثارة إلى حالة متوهِّجة بفعل الحرارة. وهي ليست مادة على هذا النحو، ولكنها مزيج متغيِّر من المواد في حالة معينة وغير عادية ناجمة عن تفاعل كيميائي. وبالمصطلحات التجريبية، النار رمز مثالي للجانب الآخر غير الملموس من الواقع؛ وهو الضوء.

رأى القدماء الأشياء على هذا النحو أيضًا؛ إذ اعتبروا العناصر «أنواعًا»، فلا يمكن تحديدها على نحو وثيق جدًّا من خلال مواد معينة. فعندما يتحدَّث أفلاطون عن عنصر الماء، فإنه لا يعني الماء نفسه الذي يتدفَّق في الأنهار؛ فماء النهر مَظهر من مظاهر الماء الأوَّلي، ولكن الرصاص المنصهر هو أيضًا كذلك. الماء الأوَّلي هو «الذي يتدفَّق». وبالمثل، التراب الأوَّلي ليس مجرد المادة الموجودة في الأرض، بل اللحم والخشب والمعدن.

يمكن لعناصر أفلاطون أن تتحوَّل فيما بينها بسبب القواسم الهندسية المشتركة لذرَّاتها. وبالنسبة إلى أنكساجوراس، فإن جميع المواد المادية مزيجٌ من كل العناصر الأربعة؛ ومن ثم تتغيَّر مادة إلى أخرى بسبب الزيادة في نسبة واحد أو أكثر من العناصر ونقص مقابل في العناصر الأخرى. إن وجهة النظر تلك التي ترى المادة خليطًا من العناصر تُعَد محوريةً في نظريات العناصر القديمة، وتُعَد واحدة من التناقضات الصارخة مع الفكرة الحديثة للعنصر باعتباره مادةً أساسية يمكن عزلها وتنقيتها.

عصر المعادن

بتصديق من أرسطو، ظلَّت عناصر إيمبيدوكليس مزدهرة حتى القرن السابع عشر. ومع استمرار تلك المباركة، ذَبَل المذهب الذري. أنشأ الفيلسوف اليوناني إبيقور (٣٤١–٢٧٠ق.م) نظامًا ذَرِّيًّا أشاد به الشاعر الروماني لوكريتيوس في قصيدته «حول طبيعة الأشياء» في عام ٥٦ قبل الميلاد. وقد أُدينَت هذه القصيدة المنضوية تحت المذهب الذرِّي من قِبل المتعصِّبين الدينيين في العصور الوسطى، ونَجَت بالكاد من التدمير الكامل. لكنها ظهرت في القرن السابع عشر بأثرها الكبير على العالِم الفرنسي بيير جاسندي (١٥٩٢–١٦٥٥م)، الذي كانت رؤيته لعالَم ميكانيكي من الذرَّات المتحرِّكة تمثِّل واحدةً من بين العديد من التحديات الناشئة للعقيدة الأرسطية.

لم يكن الجميع على استعداد لمثل هذه التغييرات الراديكالية؛ ومع ذلك، أيَّد مارين ميرسين (١٥٨٨–١٦٤٨م) — زميل جاسندي الذي كان مفكِّرًا تقدُّميًّا في نواحٍ كثيرة — الإدانةَ الصادرة عام ١٦٢٤م، التي أُلقي فيها القبض على إتيان دو كليف بدعوى أن مثل هذه التجمُّعات شجَّعت على انتشار أفكار «الخيمياء». رغم ذلك، كان لدى الخيمياء الكثير مما تقوله عن العناصر.

قد يبدو غريبًا بمنظورنا اليوم أن العديد من المواد المعترَف بها حاليًّا كعناصر — مثل معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والقصدير والزئبق — لم تُصنَّف على هذا النحو في العصور القديمة، على الرغم من أنه كان يمكن تحضيرها في حالة نقية على نحو مذهل. إن علم الفلزات واحد من أقدم الفنون التقنية؛ ومع ذلك قلَّما اصطدم بنظريات العناصر وصولًا إلى ما بعد عصر النهضة. فكانت المعادن — باستثناء الزئبق السائل — تُعتبر ببساطة من أشكال عنصر «التراب» الأرسطي.

غيَّرت الخيمياء — التي قدَّمت الأساس النظري لعلم الفلزات — هذا الأمر تدريجيًّا، وأضافت تطورًا أعمق للأفكار حول طبيعة وتحوُّل المادة، مقدِّمةً جسرًا بين المفاهيم القديمة والجديدة للعناصر.

وإذا كانت فكرة «المادة الأولى» مثَّلت في البداية طريقًا مسدودًا أمام نظرية المادة، فلم تكن عناصر أرسطو أفضل في هذا الأمر؛ فالاختلافات بين الرصاص والذهب كانت مهمَّة كثيرًا في المجتمع، ولكن نظرية العناصر الأربعة لا يمكنها أن تفسِّرها. وكانت ثمة حاجة إلى مخطَّط أكثر دقَّةً من أجل المعادن.

الذهب والنحاس أقدم المعادن المعروفة؛ لأنهما يوجَدان في الطبيعة في صورة نقية. وتوجد أدلة على تعدين الذهب واستخدامه في منطقة أرمينيا والأناضول قبل عام ٥٠٠٠ قبل الميلاد، واستخدامُ النحاسِ قديمٌ على نحوٍ مشابه في آسيا. ومع ذلك، لا يظهر النحاس في الغالب في صورة معدن، ولكن في صورة خامٍ معدنيٍّ؛ أي في صورة مركَّب كيميائي من النحاس وعناصر أخرى؛ مثل كربونات النحاس (الملكيت المعدني وكربونات النحاس القاعدية). واستُخدِمت خامات النحاس كأصباغ ومواد تلوين لطلاء الزجاج، ومن المرجَّح أنَّ صَهْر النحاس — الذي يرجع تاريخه إلى نحو عام ٤٣٠٠ قبل الميلاد — نَتَجَ بالصدفة خلال طلاء زخارف حجرية من مادة تسمَّى الفخار في الشرق الأوسط. ويعود تاريخ تركيبة البرونز — سبيكة من النحاس والقصدير — إلى الوقت نفسه تقريبًا.

صُهر الرصاص من واحد من خاماته (كبريتيد الرصاص، «جالينا») منذ نحو عام ٣٥٠٠ قبل الميلاد، ولكن لم يصبح شائعًا إلا بعد ألف سنة من ذلك التاريخ. ويبدو أن القصدير ظهر للمرة الأولى في بلاد فارس في الفترة من عام ١٨٠٠–١٦٠٠ قبل الميلاد، والحديد في الأناضول نحو عام ١٤٠٠ قبل الميلاد. وتعكس هذه السلسلة من اكتشافات المعادن درجةَ صعوبة فصل المعدن النقي من خامه؛ فالحديد يلتصق بإحكام بالأكسجين في خام الشَّاذَنَج المعدني الشائع (المغرة الحمراء أو أكسيد الحديد الثلاثي)، ويستلزم فصلهما حرارة شديدة وفحمًا.

مع وفرة المعادن هذه، كانت هناك حاجة إلى مخطَّط لتصنيفها. فَرَضَ العُرف أن يكون هذا في البداية نظامًا من المتطابقات، وهكذا أصبحت المعادنُ السبعة المعروفة مرتبطةً بالأجرام السماوية السبعة المعروفة وأيام الأسبوع السبعة (جدول ١-١). وبما أن جميع المعادن تشترك في سمات عامة (اللمعان والكثافة وقابلية التطويع)، يبدو من الطبيعي أن نفترض أنها كانت مختلفة فقط في الدرجة وليس في النوع. وهكذا نشأ مبدأ أن المعادن «تنضج» في الأرض، بدءًا من الرصاص الباهت وصولًا إلى الذهب المتألِّق.
جدول ١-١: المعادن السبعة «الكلاسيكية» ومتطابقاتها في اللغات الأوروبية.
المعدن الجرم السماوي اليوم
الذهب الشمس الأحد
الفضة القمر الإثنين
الزئبق عطارد الأربعاء
النحاس الزهرة الجمعة
الحديد المريخ الثلاثاء
القصدير المشتري الخميس
الرصاص زحل السبت

كان هذا المعتقَد الرئيسي في الخيمياء. وإذا كان من الممكن تحويل أي معدن إلى آخر بالفعل في أعماق الأرض، فربما يستطيع الخيميائي أن يجد وسيلة لتسريع العملية صناعيًّا ويصنع الذهب من المعادن الخسيسة. ولكن كيف يمكن أن يحدث ذلك؟

أُجريت محاولات تحويل المعادن الأخرى إلى الذهب منذ فترة طويلة تعود للعصر البرونزي. ولكن بعد القرن الثامن الميلادي لم تَعُدْ تلك المحاولات اعتباطية؛ فقد كانت تستند إلى دعمٍ مِن نظرية الكبريت-الزئبق التي وضعها الخيميائي العربي جابر بن حيان. يُعد اسم جابر أكثر دلالةً على مدرسة فكرية من دلالته على شخص؛ فيُعزى من الكتابات إليه أكثرُ مما يمكن أن يكون قد كَتَبَه بنفسه، وتوجد بعض الشكوك حول كونه شخصًا حقيقيًّا من الأساس. فمنهج جابر يصنع أشياءَ عجيبة بعناصر أرسطو؛ إذ إنه يَقبلها ضمنًا، ولكن بعد ذلك، عندما يتعلَّق الأمر بالمعادن، يضيف طبقةً أخرى بين هذه المواد الأساسية والواقع.

ووفقًا لجابر، «السماتُ الأساسيةُ» للمعادن هي السمات الأرسطية؛ السخونة والبرودة والجفاف والرطوبة، ولكن «السمات المباشرة» تتمثَّل في «جوهرَين»: الكبريت والزئبق. وتُعتبر جميع المعادن خليطًا من الكبريت والزئبق. وفي المعادن الأساسية يكونان غير نقيَّيْن، أما في الفضة والذهب فإنهما يبلغان أعلى مستوًى من النقاء. وأنقى خليطٍ من الكبريت والزئبق لا يُنتِج الذهبَ، ولكن يُنتِج أهمَّ منتَج في الخيمياء: «حجر الفلاسفة»، الذي يمكن لأصغرِ كميةٍ منه تحويلُ المعادن الخسيسة إلى ذهب.

اعتبر بعضُ العلماء الكبريتَ والزئبق، اللذين أشار إليهما جابر، بمنزلة المتضادَّيْن الأرسطيَّين المتمثِّلَين في النار والماء. ثمة شيء واحد مؤكَّد؛ وهو أنهما ليسا الكبريت الأصفر اللامع والزئبق السائل الموجود في مختبر الكيمياء، اللذين كانا معروفَيْن في صورة أقل نقاوةً حتى بالنسبة إلى الخيميائيين. بدلًا من ذلك، كان هذان الجوهران بالأحرى مماثِلَين للعناصر الكلاسيكية الأربعة: مادتَيْن «مثاليَّتَيْن» متجسِّدتَيْن في صورة غير نقية فقط في المواد الأرضية.

إذن، تبنَّى نظامُ جابر بن حيان العناصرَ الكلاسيكية الأربعة ثم دَفَنَها، تمامًا مثلما سمحت العناصر الأرسطية بوجود «المادة الأولى» الكونية ولكن تجاهلَتْها. ومثَّل ذلك بداية توجُّه لتأييد أرسطو بالكلام فقط مع مواصلة المزيد من عمليات البحث العملية حول ما تُصنَع منه الأشياء.

الخطوة التالية التي تبتعد عن أعراف العصور القديمة شملت إضافة «جوهر» ثالث لكبريت وزئبق جابر؛ وهو الملح. وفي حين أن الكبريت والزئبق كانا من مكوِّنات المعادن، اعتُبر الملح عنصرًا أساسيًّا في الأجسام الحية. وبهذه الطريقة أصبحت النظرية الخيميائية أكثر من مجرد نظرية للمعادن وشملت كل العالم المادي. تُنسَب نظرية الجواهر الثلاثة عمومًا إلى الكيميائي السويسري باراسيلسوس (١٤٩٣–١٥٤١م)، على الرغم من أنها أقدم على الأرجح. وأكَّد باراسيلسوس أن الكبريت والملح والزئبق «تكوِّن كلَّ ما يكمن في العناصر الأربعة.»

لذلك، فإن جواهر باراسيلسوس لم يكن من المفترض أن تكون عناصر في حد ذاتها، بل تجسيدًا ماديًّا للعناصر القديمة. وبحلول نهاية القرن السابع عشر، كانت الأمور قد تطوَّرت من جديد، فلم يَعُد يوجد أي التزام ملحوظ بتوفيق وجهات نظر الشخص مع وجهة نظر أرسطو، واعتُبرت «الجواهر» على نطاق واسع بمنزلة عناصر في حدِّ ذاتها. وقدَّم جان بيجين مخطَّطًا شهيرًا لخمسة عناصر: الزئبق والكبريت والملح والبلغم والتراب، وادَّعى أنه ليس هناك عنصر واحد منها يتَّسم بالنقاء؛ فكلٌّ منها يحتوي على قدر بسيط من العناصر الأربعة الأخرى.

سلَّم يوهان بيشر (نحو ١٦٣٥–١٦٨٢م) — وهو عالم كيمياء ألماني شهير كان متخصصًا في عمليات الاحتراق — بفكرة أن الهواء والماء والتراب كانت عناصر، ولكنه لم يمنحها مكانة متساوية؛ إذ كان يعتقد أن الهواء خامل ولا يشارك في عمليات التحول، ورأى أن الاختلافات بين المواد الكثيفة الكثيرة في العالم تنبع من ثلاثة أنواع مختلفة من التراب. كان «تيرا فلويدا» عنصرًا سائلًا يمنح المعادن اللمعان والثقل، وكان «تيرا بينجويس» ترابًا «دبقًا» غنيًّا بالمادة العضوية (الحيوانية والنباتية) التي تجعل الأشياء قابلة للاحتراق، وكان «تيرا لابيديا» ترابًا «زجاجيًّا» يجعل الأشياء صلبة. وهذه الأنواع الثلاثة من التراب ليست في واقع الأمر إلا الزئبق والكبريت والملح في صورة مقنَّعة، ولكن سنرى لاحقًا كيف نشأت الكيمياء الحديثة منها.

الكيميائي المتشكِّك

غالبًا ما كانت التجارب هي مصدر زخم هذه الوفرة المفاجِئة والتوسُّع في مخطَّطات العناصر. ونظرًا لعدم رضا الكيميائيين في أوائل القرن السابع عشر بتقسيم المادة إلى عناصر الإغريق المجرَّدة القديمة، بدءوا في محاولة فهْم المادة بوسائل عملية.

كان للخيمياء دائمًا جانب تجريبي قوي؛ ففي سعيهم الحثيث من أجل الحصول على حجر الفلاسفة، أحرق الخيميائيون جميع أنواع المواد، وقاموا بتقطيرها وإذابتها وتكثيفها، وتعثَّروا في العديد من المركَّبات الجديدة المهمة من الناحية التكنولوجية؛ مثل الفوسفور وحمض النيتريك. ولكن في بداية القرن السادس عشر ظهرت مجموعة انتقالية من فلاسفة الطبيعة الذين لم يعد هدفهم الرئيسي هو إجراء أعمال التحويل الخيميائي العظيمة، وإنما دراسة المادة وفهْمها على مستوًى أكثر واقعيةً. ولم يكن هؤلاء خيميائيين ولا كيميائيين، بل بالأحرى كانوا — إلى حدٍّ ما — مزيجًا من الاثنين معًا. وكان أحد هؤلاء روبرت بويل (١٦٢٧–١٦٩١م).

كان بويل ابنًا متعلِّمًا لأحد الأرستقراطيين الأيرلنديين من إيتون، وقد أصبح واحدًا من أهم الشخصيات في مجال العلوم في بريطانيا في منتصف القرن السابع عشر. وكان على علاقة جيدة — إن لم تكن حميمة — مع إسحاق نيوتن (لم يكَد يوجد أي شخص في علاقة صداقة حميمة مع نيوتن)، وشارَك في تأسيس الجمعية الملكية في عام ١٦٦١م. وعلى غرار العديد من معاصريه، كان مهتمًّا بشدة بالخيمياء، ولكنه كان أيضًا — وعلى نحوٍ حاسم — مفكِّرًا مستقلًّا وذكيًّا.

على الرغم من الوصف المعتاد لكتاب بويل الكلاسيكي الذي بعنوان «الكيميائي المتشكِّك» (١٦٦١) بأنه بمنزلة هجوم شديد على الخيمياء عمومًا، فإنه كان في الواقع يهدف إلى التمييز بين «خبراء» الخيمياء المتعلِّمين والمحترمين (مثل بويل نفسه) و«المجرِّبين المبتذلين» الذين كان هدفهم الحصول على الذهب عن طريق اتباع الوصفات العمياء. وتنبع قيمة الكتاب الدائمة بالنسبة إلى الكيمياء من هجوم بويل على جميع المدارس الفكرية الرئيسية حول العناصر. فكما أشار، هذه المدارس ببساطة لا تتفق مع الحقائق التجريبية.

زعمت نظرية العناصر الأربعة التقليدية أن كل عناصر أرسطو الأربعة موجودة في جميع المواد. ولكن يشير بويل إلى أن بعض المواد لا يمكن اختزالها إلى المكونات الأولية الكلاسيكية؛ ومع ذلك يمكن تغييرها عن طريق «فولكان»؛ أي حرارة الفرن:

لا يمكن استخراج العناصر الأربعة من بعض المواد مثل الذهب؛ فلم يُستخرج أيُّ «واحد» منها من الذهب حتى الآن. وينطبق الأمر نفسه على الفضة، والتَّلْك المتكلِّس، والمواد الأخرى الصلبة المختلفة، التي تُعَدُّ مهمةُ اختزالها إلى المواد الأربع المتغايرة مهمَّةً ثَبَتَ حتى الآن أنها صعبةٌ للغاية بالنسبة إلى الفولكان.

بعبارة أخرى: لن يمكن العثور على العناصر من خلال التنظير، ولكن من خلال إجراء التجارب؛ «لا بد أن أمضي قُدُمًا لأقول لكم إنه بالرغم من أن أنصار العناصر الأربعة يقدِّرون المنطق إلى حدٍّ كبير … فإنه لم يستطِع أيُّ شخص حتى الآن أن يُجري أيَّ تجربة معقولة لاكتشاف عددها.»

إن تعريف بويل للعنصر لم يكن شيئًا مثيرًا للكثير من الجدل وفقًا لمعايير عصره:

مواد معينة بدائية وبسيطة غير مخلوطة بأي شيء آخر وغير مصنوعة من أي مواد أخرى، أو بعضها من بعض، هي المكونات التي تتكوَّن منها مباشرةً جميعُ تلك المواد التي يقال عنها إنها مخلوطة تمامًا، والتي تُحَلُّ إليها في نهاية المطاف.

لكنه ينتقل بعد ذلك إلى السؤال عن وجود أيِّ شيء من هذا النوع فعلًا؛ بمعنى، هل هناك وجود للعناصر من الأساس؟ بالتأكيد، لم يقدِّم بويل أيَّ بديل لمخطَّطات العناصر التي هَدَمَها، على الرغم من إظهاره بعضَ التعاطف مع الفكرة التي نادى بها العالِم الفلمنكي يان بابتيست فان هيلمونت أنَّ كل شيء مصنوع من الماء.

وبحلول نهاية القرن السابع عشر، لم يكن العلماء في واقع الأمر أقرب إلى إحصاء العناصر من الفلاسفة الإغريق. مع ذلك، بعد مرور مائة عام، ألَّف الصيدلي البريطاني جون دالتون (١٧٦٦–١٨٤٤م) كتابًا وَضع فيه الخطوط العريضة لنظريةٍ ذرِّية حديثة معترَف بها، وقدَّم قائمةً من العناصر، كانت في محتواها وجوهرها تمهيدًا واضحًا للتصنيف الحالي للعناصر التي تزيد على المائة، رغم أنها لا تزال غير مكتملة وأحيانًا خاطئة على نحو صريح. لماذا تغيَّر فهمنا للعناصر بهذه السرعة؟

تُعد مطالبة بويل بأن يكون التحليلُ التجريبي هو الحكم على حالة العنصر جزءًا رئيسيًّا من هذا التغيير. وثمة سبب آخر للثورة هو التخلِّي عن الأفكار المسبقة القديمة حول ما ينبغي أن تكون عليه العناصر. فبالنسبة إلى العلماء الكلاسيكيين، كان يجب أن يتوافق العنصر مع الأشياء التي يمكنك العثور عليها من حولك (أو على الأقل، أن يكون قابلًا للتعرُّف عليه فيها). إن العديد من المواد المشار إليها في الوقت الحالي كعناصر هي المواد التي لن يراها جميعنا تقريبًا أو يمسكها بيديه. أما في العصور القديمة، كان ذلك سيبدو تعقيدًا سخيفًا (صحيح أنه لا أحد يمكنه أن يمسك بالأثير، ولكن يستطيع الجميع أن يرى أن السماء فوق الأرض). وقد تبدَّدت أيضًا بعض الحيرة؛ حيث بدأ العلماء يدركون أن المواد يمكن أن تغيِّر حالتها المادية — من الحالة الصلبة إلى الحالة السائلة إلى الحالة الغازية — دون تغيير تركيبها العنصري. فالجليد ليس ماءً تحوَّل إلى «مادة صلبة»، بل هو ماء متجمِّد.

باختصار، لا يوجد شيء «بديهي» حول العناصر. وحتى القرن العشرين، لم يكن العلماء لديهم أدنى فكرة عن السبب في وجوب وجود الكثير منها، ولا أدنى فكرة في الواقع عن السبب في عدم وجوب وجود المزيد منها بالآلاف. فلا يمكن استنتاج العناصر عن طريق المعاينة العرضية للعالم، ولكن فقط عن طريق التدقيق الشديد باستخدام جميع الأدوات المعقَّدة الخاصة بالعلم الحديث.

وربما هذا هو السبب في أن بعض الناس يحبون التمسُّك بالتراب والهواء والنار والماء. إنها ليست عناصر الكيمياء، ولكنها تقول شيئًا مهمًّا حول كيفية تفاعلنا مع العالم وحول تأثير المادة علينا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠