الفصل الأول

عصر هيجل وحياته

عصر هيجل

وُلِد جورج فيلهلم فريدريش هيجل في مدينة شتوتجارت عام ١٧٧٠، وكان والده موظفًا صغيرًا في بلاط دوقية فوتمبرج. وكان لديه أقارب يعملون مدرِّسين أو قساوسة في الكنيسة اللوثرية. في حقيقة الأمر، لا يوجد أيُّ شيء استثنائي بوجه خاص فيما يتعلق بحياته، إلا أن العصر الذي عاش فيه كان شديد الأهمية على المستوى السياسي والثقافي والفلسفي.

في عام ١٧٨٩، تواترتْ عبر أوروبا أخبار سقوط سجن الباستيل، وهذه هي اللحظة التي كتب فيها الشاعر وردزوورث:

أن تكون على قيد الحياة في فجر تلك الأحداث، فتلك نعمة،
أمَّا أن تكون شابًّا فقد أدركتَ الفردوس بعينه!

كان هيجل حينها قد أوشك على إتمام عامه التاسع عشر، وقد أطلق هو أيضًا على الثورة الفرنسية فيما بعدُ اسمَ «الفجر المجيد»، مضيفًا أن: «كل الناس شاركوا في الاحتفال بهذا العهد.» وقد شارك فيها بنفسه في صباح يوم أحد في فصل الربيع حين ذهب مع مجموعة من زملائه الطلاب لغرس شجرة حرية كرمز لبذور الآمال التي نثرتْها الثورة.

fig1
شكل ١-١: منزل شتوتجارت الذي كانت تعيش فيه عائلة هيجل وقت ميلاده.

وبحلول عيد ميلاد هيجل الحادي والعشرين، كانت «حروب الثورة الفرنسية» قد اندلعت، وسرعان ما تعرَّضتْ ألمانيا للغزو على أيدي جيوش الثورة الفرنسية. وكانت المنطقة التي نعرفها الآن بألمانيا تتكون حينئذٍ مما يزيد على ٣٠٠ دولة ودوقية ومدينة حرة، والتي تترابط ترابطًا واهنًا معًا فيما يسمَّى بالإمبراطورية الرومانية المقدسة تحت قيادة فرانسيس الأول؛ ملك النمسا. وقد كتب نابليون نهاية هذه الإمبراطورية التي استمرت ألف عام عندما ألحق الهزيمة بالنمساويين في معركتَيْ أولم وأوسترليتز، ثم سحق جيوش ثاني أقوى دولة ألمانية — بروسيا — في معركة ينا عام ١٨٠٦. وكان هيجل مقيمًا في ينا في ذلك الوقت. وقد يتوقع البعض أنه كان متعاطفًا مع الدولة الألمانية التي مُنِيتْ بالهزيمة، لكن يتضح من خطابٍ كَتَبَه في اليوم التالي لاحتلال الفرنسيين لمدينة ينا أنه لم يُكِنَّ لنابليون سوى الإعجاب: «الإمبراطور — روح هذا العالم — رأيتُه يجول بفرسه أنحاء المدينة ليتفقَّد قواته. إنه لشعور رائع حقًّا أن ترى مثل هذا الفرد الذي يوجد هنا في مكان محدد، ممتطيًا صهوة جواده، يُحكِم قبضته على العالم ويهيمن عليه.»

وقد استمر هذا الإعجاب طوال فترة حكم نابليون لأوروبا. وعند هزيمة نابليون في ١٨١٤، أشار هيجل إلى الهزيمة بوصفها حادثًا مأساويًّا، ومشهدًا يتم فيه تدمير عبقرية فائقة بواسطة أشخاص عاديين.

كانت فترة الحكم الفرنسي، بين عامَي ١٨٠٦ و١٨١٤، فترة إصلاح في ألمانيا؛ ففي بروسيا، تمَّ تعيين الليبرالي فون شتاين في وظيفة كبير مستشاري الملك، وعلى الفور قام بإلغاء العبودية وأعاد تنظيم نظام الحكومة. ثم تبعه فون هاردينبرج الذي وعد بوضع دستور يمثِّل شعب بروسيا، إلا أن هزيمة نابليون حطَّمتْ هذه الآمال. وفَقَدَ ملك بروسيا، فريدريش فيلهلم الثالث، رغبتَه في الإصلاح، ثم في عام ١٨٢٣ — بعد سنوات من التأخير — قام بتأسيس «مجالس» إقليمية فقط لا تقوم إلا بإبداء المشورة. وفي جميع الأحوال كانت تلك المجالس تخضع بالكامل لهيمنة مُلَّاك الأراضي. علاوة على ذلك، وافقتْ جميع الدول الألمانية في اجتماع بمدينة كارلزباد عام ١٨١٩ على فرض رقابة على الصحف والمجلات، وتبنِّي إجراءات قمعية ضد مؤيدي الأفكار الثورية.

ومن الناحية الثقافية، عاش هيجل في العصر الذهبي للأدب الألماني، وبالرغم من كونه أصغر من جوته بعشرين عامًا، ومن شيلر بعشرة أعوام، فقد كان كبيرًا بما يكفي ليدرك قيمة جميع أعمالهما الناضجة عند ظهورها. كان هيجل صديقًا مقرَّبًا للشاعر هولدرلين، وعاصر روَّاد الحركة الرومانسية الألمانية، بما فيهم نوفاليس وهيردر وشلايرماخر والأخوان شليجل. كان لجوته وشيلر أثرٌ عظيم على هيجل، وبالطبع تأثَّر ببعض أفكار الحركة الرومانسية على الرغم من أنه رفض معظم المبادئ التي كان ينادي بها أتباع تلك الحركة.

fig2
شكل ١-٢: يوهان فولفجانج فون جوته (١٧٤٩–١٨٣٢).

كان أكثر التطورات أهمية في حياة هيجل هو وضع الفلسفة الألمانية خلال الفترة التي عمل بها. ولكي نعي خلفية أفكار هيجل، نحتاج أن نبدأ هذه القصة بالفيلسوف كانط ونوضِّح بإيجاز ما حدث بعد ذلك.

عام ١٧٨١ نشر إيمانويل كانط كتاب «نقد العقل المحض»، الذي يُعدُّ الآن أحد أعظم الأعمال الفلسفية على الإطلاق. وشرع كانط فيه بتحديد ما يمكن لعقلنا أو فكرنا تحقيقُه من عدمه في طريق المعرفة. وقد استنتج أن عقولنا ليستْ مجرد مستقبِل سلبي للمعلومات التي نستخلصها عن طريق أعيننا وآذاننا وغيرها من الحواس. إن المعرفة تكون ممكنة فقط لأن عقلنا يضطلع بدور فعَّال؛ حيث ينظم الأشياء التي نختبرها ويصنِّفها. نحن ندرك العالَم في إطار المكان والزمان والمادة، لكن تلك الأشياء ليستْ حقائق موضوعية موجودة «في الخارج»، على نحو مستقلٍّ عنَّا؛ فهي نتاج حَدْسنا أو عقلنا، اللذين من دونهما لم نكن لندرك العالَم. وعليه، قد يتساءل شخص ما بطبيعة الحال عن ماهية العالم في الحقيقة بصرف النظر عن الإطار الذي ندركه من خلاله. يرى كانط أن هذا التساؤل لا يمكن الإجابة عليه مطلقًا؛ فالواقع المستقل — الذي يطلق عليه كانط عالم «الشيء في ذاته» — يتخطَّى دائمًا حدود معرفتنا.

لم يكن الفضل يرجع لكتاب «نقد العقل المحض» وحده في شهرة كانط الكبيرة في حياته؛ فقد كان له كتابان آخران في النقد؛ وهما كتاب «نقد العقل العملي» حول الأخلاق، وكتاب «نقد مَلَكَة الحكم» الذي يتناول جزءٌ كبير منه الجمال. وقد صوَّر كانط الإنسان في كتابه «نقد العقل العملي» في هيئة كائن قادر على اتباع قانون أخلاقي عقلاني، لكنه أيضًا عُرْضة لأن ينحرف عنه بسبب الرغبات غير العقلانية المتأصِّلة في طبيعتنا المادية. وهكذا، فإن التصرف بصورة أخلاقية دائمًا ما يشكل صراعًا. ولتحقيق النصر في هذا الصراع، يجب كَبْحُ جِماح جميع الرغبات، ما عدا احترامَ القانون الأخلاقي الذي يقودنا إلى القيام بواجبنا لِذَاته. وعلى عكس وجهة النظر هذه التي ترى أن الأخلاقيات تستند فقط إلى أوجه التفكير العقلاني في الطبيعة البشرية، يصوِّر كانط التذوق الجمالي في كتابه «نقد مَلَكَة الحكم» في هيئة اتحاد متناغم بين إدراكنا وخيالنا.

fig3
شكل ١-٣: إيمانويل كانط (١٧٢٤–١٨٠٤).

في الكلمات الختامية من كتابه «نقد العقل المحض»، يُعبِّر كانط عن أمله في أنه باتباع طريق الفلسفة النقدية الذي سلكه يمكن «قبل أن ينتهي القرن الحالي» أن يتحقق ما عجزت العديد من القرون السابقة عن تحقيقه؛ ألَا وهو «منح العقل البشري رضًا كاملًا عما طالما أثار فضوله، لكن دون جدوى حتى الآن.» إن الإنجاز الذي حقَّقه كانط كان عظيمًا لدرجة أنه في وقت ما بدا حقًّا — ليس من وجهة نظر كانط وحده، بل وقُرَّائه أيضًا — كما لو أن الأمر لا يحتاج سوى بعض التفاصيل لإتمام جميع جوانب الفلسفة. ومع ذلك، بدأتْ تظهر تدريجيًّا حالة من عدم الرضا تجاه كانط مع مرور الوقت.

كان مصدر عدم الرضا الأول هو فكرة كانط «الشيء في ذاته»؛ فوجود شيء ما مع عدم القدرة على إدراكه بالكامل، بدا كتحديد غير مقبول لقوى العقل البشري. ألم يكن كانط يناقض نفسه عندما قال إننا يمكن ألَّا نعرف شيئًا عن شيء ما، ومع ذلك نزعم إدراكنا لوجوده وكونه «شيئًا»؟ كان يوهان فيخته هو مَن اتخذ الخطوة الجريئة بإنكار وجود فكرة «الشيء في ذاته»، وبهذا يكون أكثر إخلاصًا لفلسفة كانط — كما أكَّد — من كانط نفسه. فمن وجهة نظر فيخته، أن العالم بأكمله يجب أن يُدرَك بوصفه شيئًا تشكِّله عقولنا النشطة. فما لا يدركه العقل هو شيء غير موجود.

أما المصدر الثاني لعدم الرضا عن أفكار كانط، فكان انقسام الطبيعة الإنسانية الذي تضمنتْه فلسفة كانط الأخلاقية. وهنا كان شيلر مَن بدأ الهجوم على كانط في كتابه «محاضرات عن التربية الجمالية للإنسان»؛ فهو أيضًا رأى نفسَه كمَن يُخلِص لكانط أكثر من كانط نفسه؛ حيث استخلص من كتابه «نقد مَلَكَة الحكم» نموذج الحكم الجمالي باعتباره اتحادًا بين الإدراك والخيال. قطعًا — كما أشار شيلر — ينبغي أن تكون حياتنا بأكملها متناغمة على نحو مماثل؛ فتصوير الطبيعة البشرية على أنها دائمة الانقسام بين العقل والعاطفة، وأن حياتنا الأخلاقية في صراع سرمدي بين كليهما، هو أمر مهين وانهزامي. كما أشار شيلر إلى أن كانط ربما كان يصف بدقةٍ الحالة المؤسفة للحياة البشرية اليوم، لكن الحياة لم تكن دومًا هكذا، ولا داعي لأن تستمر على هذا النحو للأبد. ففي اليونان القديمة — التي يُنظر إليها بإعجاب شديد لنقاء أشكالها الفنية — كان هناك اتحاد متناغم بين العقل والعاطفة. ولوضع أساس لاستعادة هذا التناغم الذي طال غيابه عن الطبيعة البشرية، شجَّع شيلر على إحياء الحس الجمالي في أوجه الحياة كافة.

كتب هيجل لاحقًا أن فلسفة كانط «تشكِّل أساسًا ونقطة انطلاق للفلسفة الألمانية الحديثة.» ويمكننا إضافة أن فيخته وشيلر — كلٌّ بطريقته الخاصة — أوضحا الاتجاهات التي يجب أن تتخذها هذه الانطلاقات. فمِن وجهة نظر الفلاسفة الذين جاءوا بعد كانط، كان مفهومُ الشيء في ذاته الذي لا يمكن إدراكه، وتصوُّرُ أن الطبيعة البشرية منقسمة على نفسها، مشكلتين تحتاجان إلى حلول.

وقد عبَّر هيجل في مقال سابق عن إعجابه باعتراضات شيلر على وجهة نظر كانط فيما يتعلق بالطبيعة البشرية، ولا سيما فكرة أن هذا التنافر لم يكن حقيقة سرمدية في الطبيعة البشرية، بل مشكلة تحتاج إلى حلٍّ. ومع ذلك، لم يقبل فكرة أن التربية الجمالية هي الوسيلة الصحيحة للتغلُّب على هذه المشكلة، بل كان يرى أنها مهمة الفلسفة.

حياة هيجل

بعد أن أنهى هيجل دراسته الثانوية بنجاح غير معتاد، حصل على منحة دراسية في كلية لاهوتية شهيرة بمدينة توبينجن؛ حيث درس الفلسفة وعلم اللاهوت. وهناك أصبح صديقًا للشاعر هولدرلين وطالبٍ آخر أصغر منه سنًّا ويتمتع بموهبة كبيرة يحمل اسم فريدريش شيلنج. وقد حقَّق شيلنج شهرة وطنية بوصفه فيلسوفًا قبل أن يَسمَع أيُّ أحد عن هيجل. وعندما تراجعتْ شهرته أمام شهرة هيجل، اتهم صديقه القديم بسرقة أفكاره. وعلى الرغم من أنه قليلًا ما تقرأ أعمال شيلنج هذه الأيام، فإن التشابه بين آرائه وآراء هيجل يُضفِي بعض المصداقية على هذا الاتهام، شريطة أن نتغاضى عن الكمِّ الهائل من الأفكار الذي أضافه هيجل على النقاط المشتركة بينهما.

fig4
شكل ١-٤: فريدريش شيلر (١٧٥٩–١٨٠٥).

عقب إنهاء دراساته في توبينجن، قَبِل هيجل وظيفة مُعلِّم خاصٍّ لدى أسرة غنية في سويسرا، ثم قَبِل وظيفةً مماثلة في فرانكفورت. وفي أثناء هذه الفترة، واصل هيجل قراءاته وتأملاته حول المسائل الفلسفية. كما كتب مقالات، ليس بغرض النشر، بل لتوضيح أفكاره. وتُظهِر تلك المقالات أنه كان يتجه نحو أفكار متطرِّفة. فقارَن المسيحَ بسقراط، وأدَّتْ به المقارنة على نحوٍ قاطع إلى أنَّ المسيح مُعلِّمٌ أقلُّ من سقراط فيما يتعلق بالأخلاق. ويرى هيجل أن الأرثوذكسية عائق أمام استعادة الإنسان لحالة التناغم؛ إذ تجعل الإنسان يُخضِع قواه الفكرية إلى سلطة خارجية. وظل هيجل بقية حياته محافظًا على بعضٍ من موقفه من الأرثوذكسية، إلا أن أفكاره المتطرفة انحسرتْ لدرجة أنه في وقت لاحق اعتبر نفسه مسيحيًّا لوثريًّا، وأخذ يحضر الطقوس الدينية الخاصة بالكنيسة اللوثرية بانتظام.

وعند وفاة والده في عام ١٧٩٩، وجد هيجل أن والده قد ترك له ميراثًا متواضعًا. فتخلَّى عن وظيفة المعلم الخاص، وانضمَّ إلى صديقه شيلنج في جامعة ينا بمدينة فايمار الصغيرة. كان شيلر وفيخته موجودَيْن في جامعة ينا، وكان شيلنج قد أصبح مشهورًا في ذلك الوقت، أما هيجل فلم يكن قد نشر فعليًّا أيَّ شيء، وكان قانعًا بتقديم محاضرات خاصة، بحيث يزيد دخله فقط من المقابل الزهيد الذي كان يحصل عليه من المجموعة الصغيرة من الطلاب — أحد عشر طالبًا في عام ١٨٠١، وثلاثين طالبًا في ١٨٠٤ — التي كانت تأتي للاستماع له.

نشر هيجل أثناء وجوده في جامعة ينا كتيبًا طويلًا حول الاختلافات بين فلسفة فيخته وفلسفة شيلنج، وكان في كل حالة يُفضِّل رأي شيلنج على رأي فيخته. في تلك الأثناء، أسَّس هو وشيلنج مجلة «كريتيكال جورنال أوف فيلوسوفي»، التي كتب بها عدة مقالات، ثم ترك شيلنج جامعة ينا في عام ١٨٠٣، وبدأ هيجل في إعداد أول أعماله الرئيسية؛ ألَا وهو كتاب «فينومينولوجيا العقل». ونظرًا لأن ميراثه كان قد استُنزف في ذلك الوقت، كان هيجل بحاجة ماسَّة إلى المال، فقَبِل بعَقْدٍ لناشر قدَّم له دفعة مسبقة من مستحقاته، لكن العقد تضمَّن شروطًا جزائية صارمة في حال عجزه عن إرسال نسخة الكتاب قبل موعد التسليم الذي كان في ١٣ أكتوبر ١٨٠٦. وقد كان هذا هو اليوم الذي احتلَّ فيه الفرنسيون مدينة ينا عقب انتصارهم على القوات البروسية. كان على هيجل أن يُسرع في إنهاء الأجزاء الختامية من الكتاب حتى يتمكَّن من تسليمه في الموعد المحدَّد، ثم كانت الصدمة عندما اكتشف أنه لا بديل أمامه سوى إرسال نسخة الكتاب، التي كانت النسخة الوحيدة التي يمتلكها، وسط حالة الارتباك التي خلَّفها وصول الجيوش المتحاربة خارج ينا. ولحسن حظه وصلتْ نسخة الكتاب دون مشاكل، وظهر الكتاب في أوائل عام ١٨٠٧.

اتَّسم ردُّ الفعل المبدئي تجاه الكتاب بالاحترام، وإن لم يكن حماسيًّا. انزعج شيلنج — على نحو مفهوم — عندما وجد أن مقدمة الكتاب تضمَّنتْ هجومًا جدليًّا على ما بدتْ أنها أفكاره. أوضح هيجل في خطاب له أنه لم يكن يقصد نقد شيلنج، وإنما قصد فقط نقد مقلِّديه عديمي الكفاءة. فردَّ عليه شيلنج بأن هذا التمييز لم يظهر في المقدمة، ورفض أن يهدأ. وهكذا انتهتْ صداقتهما.

عكَّر الاحتلال الفرنسي صفو الحياة في مدينة ينا. ونتيجة إغلاق جامعة ينا لأبوابها، عمل هيجل لمدة عام محررًا صحفيًّا، ثم قَبِل وظيفة مديرٍ للمدرسة الثانوية الأكاديمية بمدينة نورنبرج. وظل في هذه الوظيفة لمدة تسع سنوات، وكان ناجحًا بها. وبالإضافة للمواد الدراسية المتعارف عليها بصورة أكبر، قام هيجل بتدريس مادة الفلسفة لطلابه، إلا أن أَثَر محاضراته على طلابه غير معلوم.

أصبحتْ حياة هيجل الأسرية مستقرة في نورنبرج؛ ففي ينا، أصبح أبًا لابن غير شرعي، وكانت الأم هي صاحبة المكان الذي كان يعيش فيه، والمعروف عنها أن لديها طفلين غير شرعيَّيْن سابقَيْن من عشَّاق آخرين. وفي عام ١٨١١، تزوَّج هيجل، وهو في سن الحادية والأربعين، من سيدة من أسرة عريقة في نورنبرج. وكانت زوجته في نصف عمره بالكاد، لكن زواجهما — بحسب معرفتنا — كان سعيدًا؛ فقد رُزقا بولدين. وعقب وفاة والدة ابن هيجل الأول، كانت زوجته متسامحة بدرجة كافية لتحتضن ابنه غير الشرعي داخل أسرتها.

في أثناء هذه السنوات، نشر هيجل كتابه المطول «علم المنطق»، الذي ظهر في ثلاثة مجلدات في أعوام ١٨١٢ و١٨١٣ و١٨١٦، وأصبحتْ أعماله في ذلك الوقت تحظى بتقدير أوسع. وتمَّتْ دعوتُه في عام ١٨١٦ لتقلُّد وظيفة أستاذ الفلسفة بجامعة هايدلبرج، وهناك قام بكتابة «موسوعة العلوم الفلسفية» التي تُعدُّ عرضًا موجزًا نسبيًّا لنسقه الفلسفي بأكمله. وكثير من المادة التي تحتويها الموسوعة متضمَّن في أعماله الأخرى، لكن بصورة أوسع.

بلغ هيجل من الشهرة مبلغًا عظيمًا، حتى إن وزير التعليم البروسي طلب منه تولِّيَ منصب مرموق، وهو أستاذ الفلسفة بجامعة برلين. كان نظام التعليم في بروسيا قد استفاد من الإصلاحات التي أجراها كلٌّ من فون شتاين وفون هاردينبرج، وكانت برلين في طريقها لتصبح مركزًا فكريًّا لجميع الدول الألمانية. قَبِل هيجل العرض بسرعة، وقام بالتدريس في جامعة برلين من عام ١٨١٨ وحتى وفاته في عام ١٨٣١.

وكانت هذه الفترة الأخيرة هي ذروة حياة هيجل من جميع الجوانب؛ فقام بتأليف كتاب «فلسفة الحق» ونشره، وقدم محاضرات في فلسفة التاريخ وفلسفة الدين وعلم الجمال وتاريخ الفلسفة. لم يكن هيجل محاضرًا جيدًا بالمعنى المتعارف عليه، لكنه بلا شك أسَر عقول طلابه. وفيما يلي وصفٌ لإحدى تلك المحاضرات على لسان أحد طلابه:

في بادئ الأمر عجزتُ عن استيعاب طريقته في إلقاء المحاضرة أو حتى نمط تفكيره. كان يجلس هناك منهكًا وعابسًا ومُطأطِئ الرأس، كأنما انطوى على نفسه. وخلال حديثه، أخذ يقلب الصفحات ويبحث في دفاتر مفكراته، يمينًا ويسارًا ومن أعلى لأسفل. وكان تنحنحه وسعاله المتواصلان يقاطعان أي انسياب للحديث. فكانت كل جملة قائمة بذاتها، وتخرج بمشقة، مقطعة إلى أجزاء ومشوَّشة … وكانت البلاغة المتدفقة منه بسلاسة تقتضي أن يكون المتحدث قد ألمَّ بالموضوع إلمامًا شاملًا ووعاه عن ظهر قلبه … لكن كان على هذا الرجل إثارة أقوى الأفكار من قاعِ أكثرِ الأشياء غموضًا … إن تقديم تصويرٍ أكثر حيوية لهذه الصعاب وهذه المشقة الهائلة مما تمَّ تقديمه من خلال طريقة عرضه كان سيصبح مستحيلًا.

أصبح هيجل في ذلك الوقت مصدرًا لجذب عدد كبير من الحضور، فأتى الناس ممَّن يتحدثون باللغة الألمانية من مختلف أنحاء العالم ليستمعوا له، وبات العديد من أذكى العقول تلاميذه. وبعد موته، قاموا بتحرير دفاتر محاضراته ونشرها، مصحوبةً بملاحظاتهم الخاصة على ما قاله في تلك المحاضرات. وكانت هذه هي الطريقة التي وصل بها إلينا العديد من أعمال هيجل: «محاضرات في فلسفة التاريخ»، و«محاضرات في علم الجمال»، و«محاضرات في فلسفة الدين»، و«محاضرات في تاريخ الفلسفة».

وتقديرًا لمكانة هيجل، تمَّ انتخابه في عام ١٨٣٠ رئيسًا لجامعة برلين. وفي العام التالي، أصابه المرض فجأة ومات في اليوم التالي أثناء نومه عن عُمْرٍ يناهز الحادية والستين. وكتب أحدُ زُملائه معلقًا على هذا: «يا له من فراغ مروِّع! لقد كان حجر الزاوية في جامعتنا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤