الكتاب الأول

١

في أواسط القرن السادس للمسيح كانت الأمة العربية متخلِّفةً أشد التخلُّف بالقياس إلى الأمم التي كانت تجاورها، لها في الجنوب بقايا حضارة كانت قد درست، ولم يكن أهل الجنوب أنفسهم يعلمون من أمرها إلا أخلاطًا هي إلى الأساطير أقرب منها إلى الحق.

كانوا يذكرون حِمْيَر وملوكها من التبابعة، وكانوا يذكرون سبأ، وكانوا يذكرون الأذواء، بل كان الأذواء ما يزالون يحتفظون بشيء من سلطانهم، يعيشون في حصونهم ويتسلطون على أهلها وعلى من حولها في حواضر الجنوب وبواديه.

وكانت هناك مع ذلك قبائل متبدِّية لا تخضع لأحد منهم، وإنما تعيش عيشة الأعراب في بواديهم. وكانت في الجنوب مدن كبار أو صغار فيها بقية من حضارة، ولكنها لا تغني عن أصحابها شيئًا. ولم يكن الجنوب العربي خالصًا للعرب، وإنما كان الحبشة يتسلطون على جزء عظيم منه، وعجز العرب عن إجلاء هؤلاء المحتلِّين فاستعانوا بالفرس على ذلك وأعانهم الفرس، ولكن لا ليردوا عليهم سلطانهم ولا ليخلِّصوا لهم وطنهم، بل ليقوموا مقام الحبشة الذين أجلوهم.

وكان أهل الجنوب مع ذلك قد وصلت إليهم دعوة الدِّينَيْنِ: اليهودي والمسيحي. وأكبر الظن أن يهوديتهم ومسيحيتهم كانتا تتأثران بجهلهم وغلبة البداوة عليهم. كالذي سنراه حين نتحدث عن شمال الجزيرة.

ومهما يكن من شيء فمن الإسراف في الخطأ أن نظن أن أهل جنوب الجزيرة العربية في ذلك الوقت قد كانوا على شيء ذي خطر من الحضارة بمعناها الصحيح. ولكنهم على كل حال كانوا يحيون حياةً خيرًا من الحياة التي كان يحياها سائر الأمة العربية في قلب الجزيرة وشمالها.

كانت لهم بقية من زراعة وكانت تصل إليهم تجارة الهند وأشياء من تجارة الحبشة والفرس، وكان أهل الشمال كما سنرى يُلِمُّونَ بهم كل عام فينقلون ما عندهم من التجارة لينشروها في العالم المتحضر. وكان هذا كله يتيح لهم شيئًا من ثراء، فلم يكن عيشهم قاسيًا ولا غليظًا كعيش غيرهم من العرب.

وكان ما ورثوا من بقايا حضارتهم الدارسة وما وصل إليهم من الديانتين السماويتين وما أُتِيح لهم من هذا الثراء المتواضع؛ كان كل ذلك قد جعلهم أرق قلوبًا وأصفى طباعًا من أهل الشمال. ولكنهم على هذا كله كانوا متخلِّفين بالقياس إلى الأمم المتحضرة، فكانت كثرتهم الكثيرة أميةً وكان أقلهم يكتبون ويقرءون.

فإذا تركنا الجنوب إلى قلب الجزيرة العربية — أي إلى نجد — فالحياة القاسية والعيش الغليظ والجهالة المطبقة، ونظام القبائل الذي يقوم على العصبية أكثر مما يقوم على أي شيء آخر.

ولم يكن حال الشمال من تهامة والحجاز خيرًا من حال نجد، وإن وجدت في الحجاز مدن أو قرى، كما كان يقال في تلك الأيام، وإن عاش أهل هذه المدن أو القرى عيشة الاستقرار والدعة لا يرحلون عن مدنهم أو قراهم تتبُّعًا للغيث والتماسًا للكلأ، وإنما يرحلون تُجَّارًا إلى الجنوب في الشتاء وإلى الشمال في الصيف، كما يحدثنا بذلك القرآن الكريم عن قريش.

كان لأهل الطائف وأهل يثرب شيء من زراعة، ولكن حياتهم كانت تقوم على زراعتهم هذه اليسيرة وعلى تجارتهم أيضًا، وكانت حياة مكة تقوم على التجارة من جهة وعلى الحج من جهة أخرى، يفد إليها العرب من أقطار الجزيرة في موسم الحج فيقضون نُسُكَهُمْ ويتَّجرون أيضًا وتنتفع مكة بما يحملون من ألوان التجارة.

ومن حول هذه المدن أو القرى كانت البوادي بما فيها من شظف العيش وقسوة الحياة والتنقُّل في التماس المراعي، والخصومات المتصلة التي تثيرها العصبية بين القبائل، والتي تنتج عنها الغارات والحروب. ومع ذلك فلم يستطع أهل هذه المدن أو القرى أن يبرءوا من العصبية، ولا أن يعيشوا عِيشة المتحضرين بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وإنما كانت العصبية قوام حياتهم، يعيشون عيشة القبائل في البادية، وقد تُثار بينهم الخصومات، وقد تشب بينهم الحروب.

وكان هذا كله يستتبع كثيرًا من جفاء الأخلاق وغلظ القلوب، بحيث لم تكن حياة أهل القرى تمتاز من حياة أهل البادية إلا بشيء من ثراء كانت تستأثر به قلة من الأغنياء، الذين يتسلطون على من يعيش معهم من الناس تسلطًا لا يخلو من عسف وظلم وأثرة واستعلاء. وكانت اليهودية قد استقرت في شمال الحجاز لأسباب لا نحققها ولا يبينها التاريخ؛ فإلى جانب الأوس والخزرج في يثرب كانت تعيش قبائل يهودية، وفي خيبر كذلك. وهذه القبائل اليهودية كانت تحيا نفس الحياة التي كان العرب يحيونها من حولها، قليل من حضارة وكثير من بداوة.

وكانت كثرة اليهود في الحجاز أميَّةً كالعرب، لا يقرأ ولا يكتب منهم إلا أحبارهم. وكان هؤلاء الأحبار أقرب إلى الجهل منهم إلى العلم، وقليل منهم من كان يُحسن العلم بدينه فكيف بسائر اليهود!

وسنرى فيما يأتي من هذا الحديث كيف صَوَّرَ القرآن الكريم جهل اليهود من أهل الحجاز دينهم وكتابهم. ولسنا نعلم على سبيل التحقيق متى وصلت بعض القبائل العربية إلى أطراف الشام وأطراف العراق.

ولكن المحقق أن العرب في ذلك العصر الذي نتحدث عنه كانوا قد جاوزوا الجزيرة العربية شمالًا إلى الشام واستقرُّوا في أطرافه، وأنهم كذلك كانوا قد جاوزوا جزيرة العرب شرقًا إلى العراق وإلى الجزيرة. وغلبت النصرانية على أولئك وهؤلاء، ولكنها كانت نصرانيةً خاصةً يجهل أصحابها حقائقها ولا يكادون يعرفون منها إلا مظاهرَ وصورًا.

وكما أن الإمبراطورية البيزنطية قد حمت هؤلاء العرب في الشام واتَّخذت منهم حرسًا للحدود بينها وبين الجزيرة العربية وجعلت منهم ملوكًا وسادةً، وأجزلت لهم العطاء ويسَّرت لهم سبل العيش؛ فكذلك صنعت الإمبراطورية الفارسية بالعرب الذين استقرُّوا في العراق، اتخذتهم حرسًا للحدود بينها وبين الجزيرة العربية وجعلت منهم ملوكًا وسادةً، وملَّكت بعضهم الأرض وأغدقت عليهم العطاء.

٢

وإذن فقد عرف العرب النصرانية في الشام والعراق، وربما عرفوها في مكة أيضًا وفي الطائف بفضل التجارة من جهة، وبفضل من كان يصل إليهم من الرقيق من جهة ثانية، وبفضل بعض التجار الذين غامروا بأنفسهم وبتجارتهم فوصلوا إلى مكة واستقروا فيها، وكذلك عرف العرب المسيحية في الجنوب في مدينة نجران التي اضْطُهِدَ المسيحيون من أهلها وعُذِّبُوا في دينهم كما يُحَدِّثُنَا المؤرخون، وعرف العرب اليهودية في جنوب الجزيرة وشمالها.

فليس صحيحًا إذن أن الأمة العربية في ذلك العصر كانت تعيش في عزلة لا تعرف من أمر الأمم المجاورة لها شيئًا؛ فاليهودية والمسيحية لم تتنزلَّا على أهل الجنوب ولا على أهل الشمال من السماء، وإنما جاءتا أولئك وهؤلاء من الاتصال بالأمم المتحضرة المجاورة.

وليس من شك في أن بعض العرب الذين جاوروا الفُرْسَ وخضعوا لسلطانهم خضوعًا ما قد عرفوا المجوسية الفارسية واتخذوها لهم دينًا. وقد يقال إن أهل البادية في نجد وتهامة والحجاز كانوا بمعزِل من هذا كله، قد انقطعوا لأنفسهم وفرغوا لحياتهم تلك الغليظة القاسية، ولكن هذا أيضًا لا يستقيم؛ فمن عرب البادية والقرى ظهر شعراء كانوا يُلِمُّون بعرب الشام وعرب العراق ويأخذون جوائز ملوكهم وسادتهم، ويعودون بعد ذلك إلى قومهم في البادية فيحدثونهم بما رأوا وما سمعوا.

وهذه التجارة المتصلة بين أهل القرى وبين الأمم المجاورة كانت جديرة أن تُعرِّف العرب كثيرًا من شئون الفرس والروم والحبشة أيضًا. ولأمر ما تَنَصَّرَ أفراد من قريش كورقة بن نوفل وزيد بن عمرو، ولأمر ما نجد فيما يُنسب إلى بعض الشعراء في ذلك العصر من الشعر ما يدل على أنهم قد عرفوا أطرافًا من المسيحية واليهودية كالذي نجده عند النابغة الذبياني وعند زهير وعند الأعشى وعند أمية بن أبي الصَّلت الذي قال فيه النبي فيما روى الشيخان: «كاد أمية بن أبي الصَّلت أن يُسلم.»

ونحن لا نجد عند الشعراء هذه الأطراف من الديانتين اليهودية والمسيحية فحسب، وإنما نجد عندهم — إن صح ما يُنسب إليهم من الشعر — وصفًا لأطراف من حضارة تلك الأمم كوصفهم لمجالس اللهو والشراب والغناء وغير ذلك.

فعزلة الأمة العربية إذن سُخف من السُّخف لا ينبغي أن يُقبل أو يُطمأنَّ إليه. وكل ما في الأمر أن قلب الجزيرة العربية وشمالها لم يخضعا لسلطان أمَّةٍ متحضِّرة، وإنما خلي بينهما وبين الحياة الحرة يحياها أهلهما كما يريدون أو كما يستطيعون. فعاشوا عيشتهم تلك الغليظة الجافية لم تصل إليهم الحضارة وإنما وصلت إليهم أطراف منها. فَهِمُوا بعضها وقصروا عن فهم بعضها الآخر؛ فسيطرت عليهم جاهليتهم بكل ما فيها من الآثام والشرور والمنكرات.

٣

وكان لهم دين غليظ كحياتهم هو هذه الوثنية الساذجة الغليظة التي لم تفكر فيها عقولهم ولم تمتزج بقلوبهم، وإنما كانت أخلاطًا ورِثوها عن آبائهم فلم يغيروا منها شيئًا، بل أنكروا كل من حاول أن يغير منها شيئًا كالذي صنعت قريش بزيد بن عمرو حين أظهر السُّخط على دينها. وإذا أردنا أن نحلل هذا الدين الذي كانت العرب تدين به في غير فقه ولا تعمُّق، فسنرى أولًا أنهم لم يكونوا يُنكِرون أن للسموات والأرض وما فيهن خالقًا هو الإله الأعظم. واقرأ إن شئت قول الله عز وجل: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ.

ثم اقرأ إن شئت هذا البيت الذي أحبه النبي من شعر لبيد فيما روى الشيخان:

أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ
وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ

ولكن علمهم بوجود الله كان ساذجًا لم يبلغ أعماق قلوبهم ولم يصل إلى دخائل ضمائرهم ولم يمتزج بنفوسهم، فاتخذوا من دون الله آلهةً قريبةً منهم يرونها بأبصارهم ويلمسونها بأيديهم، بل قد يصنعون كثيرًا منها بأيديهم كهذه الأصنام التي كانوا يَتَّخِذُونَهَا من الحجارة أو من الخشب، وكهذه الأشجار التي كانوا يُعظِّمونها ويطيفون بها. ثم لم يكتفوا بذلك بل اعتقدوا أن الأرض التي يعيشون عليها ليست خالصةً لهم، وإنما يعيش عليها معهم كائنات أخرى حية هي أقوى منهم قوةً وأشد منهم بأسًا، كائنات لا يرونها ولكنهم قد يسمعونها، وقد يُخيل إليهم أنهم يرون آثارها، وهي كانت — فيما زعموا — تخالط آلهتهم وتُجري على أيديها بعض الأحداث، وربما خالطت أفرادًا منها فأنطقتهم بأشياء فيها إنباء بما كان وإنباء بما سيكون، وهذه الكائنات هي الجن؛ أي الكائنات المستخفية المستورة التي لا يراها الناس ولكنهم يرون — فيما زعموا — بعض ما تفعل ويتلقون منها — فيما زعموا أيضًا — بعض ما تقول.

ربما اعتقدوا أن الآلهة التي كانوا يتخذونها ليست في أنفسها خالقةً لشيء ولا مدبرةً لشيء، ولكنها واسطة بينهم وبين الإله الأعظم الذي خلق السموات والأرض والذي يدبر الأمر كله؛ فهم لا يعبدون هذه الآلهة لأنها تستطيع وحدها أن تنفعهم أو تضرهم، وإنما يعبدونها لتشفع لهم عند الله ولتقربهم إلى الله زلفى كما نقرأ في القرآن الكريم.

فهم مُشرِكون لا يجحدون الله ولا يعبدونه وحده، وإنما يعبدون معه آلهة أخرى يتخذونها واسطةً بينهم وبينه.

وتمضي القرون على هذا النحو من الوثنية فتضاف إليه على مَرِّ الزمان الخرافات والسخافات، وإذا هم يقربون إلى آلهتهم كأنهم يرشونها لتشفع لهم عند الله، وهم يستشيرونها في أكثر أمرهم ويستقسمون عندها بالأزلام، وهم يرضون عنها حين تُرضيهم ويسخطون عليها حين تُسخطهم لا يخطر لهم أنها أعجز من أن ترضى أو تسخط، وإنما يحاولون الأمر ويستعينون بآلهتهم، فإن تم لهم ما حاولوا من الأمر رضُوا وزعموا أن الآلهة قد سمعت لهم وأجابتهم إلى ما طلبوا، وإن لم يتم ما حاولوا سخطوا وزعموا أن آلهتهم لم تستجب لهم ولم تُعنهم.

كذلك كانت هذه الوثنية ساذجةً إلى أقصى حدود السذاجة، سخيفةً إلى أبعد غايات السخف. ولم يفكر هؤلاء العرب الوثنيون فيما يمكن أن يكون بعد الموت، بل قدروا أن لهم حياتهم هذه التي يحيونها على الأرض، وأن آلهتهم وسطاء بينهم وبين الله على أن يقضوا آرابهم ويُنْفِقوا حياتهم هذه كأحسن ما يحبون، فإذا أدرك الموت جيلًا منهم مضى لسبيله وجاء جيل بعدَه وقد ورث عنه دينه وآراءه في الله الذي خلق السموات والأرض، وفي هذه الآلهة التي تسعى لهم عند الله فيما يريدون من الخير، وفي رَدِّ ما يخافون من الشر والمكروه.

وكثير من هؤلاء العرب الوثنيين كانوا يتَّصِلُون بالمسيحيين واليهود يسمعون منهم ويقولون لهم ويعاملونهم في شئون الحياة على اختلافها، ولكنهم على ذلك لا يتأثَّرون بما يرون من دينهم ومن مذاهبهم في الحياة.

٤

ولا أكاد أشك في أن وثنية أهل مكة لم تكن صادقةً ولا خالصةً، وإنما كانوا يتَّجرون بالدين كما كانوا يتَّجرون بالعروض التي كانوا يجمعونها من الجنوب ومن أنحاء الجزيرة العربية لينقلوها إلى أقطار أخرى من الأرض كانت محتاجةً إليها. فهم كانوا أذكى قلوبًا وأنفذ بصيرةً وأكثر ممارسةً لشئون الحياة في قريتهم تلك وفي غيرها من المواطن التي كانوا يختلفون إليها بتجارتهم. وهم كانوا بحكم ممارستهم للتجارة يتَّصلون بأمم متحضِّرة في الشام ومصر وفي العراق وبلاد الفرس أيضًا. وكانوا يرون مذاهب هذه الأمم في الحياة ومذاهبهم في الدين أيضًا؛ فلم يكن من الممكن أن يؤمنوا لهذه السخافات التي كان يُؤمن بها العرب الوثنيون.

فإذا أضفت إلى ذلك أن الكعبة كانت في ظهرانيهم، وأن العرب كانوا يحجون إلى هذه الكعبة من جميع أنحاء الجزيرة، وأنهم لم يكونوا يأتون مكة للحج وحده، وإنما كانوا يأتون للحج والتجارة أيضًا في تلك الأسواق التي كانت تُقام كل عام تقريبًا من قريتهم؛ عرفت أنهم إنما كانوا يُظهرون الإيمان بتلك الوثنية والتعظيم لتلك الآلهة ترغيبًا للعرب في الحج وتحقيقًا لمنافعهم منه.

والذي نراه من حياة قريش قبيل الإسلام وحين بُعِثَ النبي فيهم يدلنا أوضح الدلالة وأقواها على أنهم لم يكونوا أهل إيمان ولا أصحاب دين، وإنما كانوا قبل كل شيء أصحاب تجارة يسعون فيها عامهم كله، تسافر قوافلهم في جميع العروض ثم تعود فتستقر في مكة وقتًا لتسافر بعد ذلك بهذه العروض تحملها إلى الآفاق. ولم يكونوا يُؤْثِرُونَ على تجارتهم شيئًا، ولم يكن يشغلهم إلا التفكير في جمع المال من أغنيائهم وأوساطهم وفقرائهم أيضًا لجلب العروض ثم بيعها وجلب عروض أخرى لبيعها في الجزيرة العربية نفسها وفي توزيع الأرباح التي تحققها التجارة على أصحاب الأموال. فكانوا ينفقون عامهم في أخذ وعطاء وانتقال واستقرار يتحدثون في المال والتجارة إذا لَقِيَ بعضهم بعضًا، ويفكرون في المال والتجارة إذا خَلَوْا إلى أنفسهم، وإذا شغفت النفوس بالمال وجدت في جمعه واستثماره شُغلت به عن كل شيء وملك عليها أمرها كله، وأوشك أن يكون لها إلهًا تعبده وحده لا تُشرك به شيئًا.

والمال فتنة لقلوب الرجال يُفسِد عليها كل شيء ويوشك أن يصرفها عن كل خير. وكذلك كانت قريش في ذلك العصر: مؤمنة بالمال مذعنة لسلطانه، لا يعنيها إلا أن تستثمره وتكثِّره وتضيف بعضه إلى بعض، وتستمتع أثناء ذلك بما يمكن أن يتيح لها من طيبات الحياة وخبائثها أيضًا. فقريش كانت تحب الترف بمقدار ما يُتاح لمثلها منه، وتحب التسلُّط بشرط أن لا ينقص من مالها شيئًا.

وإذا أردت أن تصور مكة كما كانت في ذلك العصر، فاذكر مدينة من مدن الفينيقيين الذين لم يكن يعنيهم إلا التجارة والمال، واذكر بعد ذلك أن المدن الفينيقية لم يكن في واحدة منها بيت يجمع الناس إليه من الآفاق كما كانت الحال في مكة.

وكان سكان مكة في ذلك العصر يأتلفون من طبقات ثلاثٍ: طبقة لها كل الحقوق وهي قريش، تستند حقوقها إلى ما كانت ترى من شرف أصولها أولًا ومن أنها صاحبة البيت ثانيًا، وكانت هذه الطبقة الشريفة المستأثِرة بالحقوق كلها تنقسم في نفسها إلى: فئة الأغنياء أولي الثراء العريض، وفئة الذين يملكون من المال ما يتيح لهم أن يتَّجروا سواء سافروا للتجارة أو اكتفوا بإعطاء أموالهم للمُتَّجِرين، وفئة أخرى فقيرة قد تملك القليل وتتَّجر فيه وقد لا تملك شيئًا فهي مضطرة إلى أن تعمل لتعيش.

وهذه الفئات الثلاث من قريش كلها متساويةً في الشرف وفي الاستمتاع بالحقوق، وهي من أجل ذلك تكوِّن فئةً ممتازةً لطبقة السادة.

وتأتي بعدها طبقة أخرى هي طبقة الحلفاء، وهم ناس من العرب على اختلاف قبائلهم آووا إلى مكة ليأمنوا فيها؛ فهي مدينة حرام يأمن اللاجئ إليها مهما تكن جنايته وجرائره على قومه، وناس من العرب آخرون تسامعوا بِغِنَى قريش ودعة الحياة في مكَّةَ فأقبلوا يبتغون فضلًا من رزق. وكل هؤلاء وأمثالهم لم يكن يُتاح لهم المقام المطمئن في مكة إلا إذا حالفوا حيًّا من أحياء قريش أو فردًا من أفرادها. فهم أحرار إذا حفظوا حق الحلف والجوار، تحميهم قريش فيأمنون ويسعون في الرزق، ولكنهم ليسوا من قريش، وإنما هم طبقة دونها تعيش في ظلها ولا تُشارك في حقوقها.

وطبقة ثالثة هي الرقيق الذي لا حق له حتى في نفسه، يملكه سيده كما يملك ما في بيته من أداة، ويسخره فيما يريد من أمره كما يشاء، ليس له أن يُنكر ولا أن يعترض، وإنما عليه أن يسمع ويطيع. وسيده يملك أن يحرره بالعتق كما يملك أن يبيعه أو يهبه، كما يملك أن يعاقبه أشد العقوبة وأيسرها، وله عليه حق الموت والحياة، ولكن قريشًا لم تكن تغلو في استعمال هذا الحق.

وإلى جانب هذه الطبقات الثلاث كان يعيش بمكة شُذَّاذٌ من الآفاق ليسوا عربًا ولكنهم عجم من أمم مختلفة، أقبلوا متَّجرين بتجارة تحتاج إليها الطبقة الغنية والوسطى. بعض هؤلاء كان يتَّجر باللهو: يسقي الخمر، ويُسمع الغناء، ويُلهي من احتاج إلى اللهو من شباب قريش بألوان من المتاع ليس من السهل أن يوجد في البيئات العربية، وبعضهم كان يتَّجر بالنقد يصرف الدنانير والدراهم ويقوِّم الذهب والفضة بهذين النقدين.

وكان هؤلاء الأجانب يعيشون في أمن لا يعرض لهم أحد بمكروه لمكان الحاجة إليهم، وأكثرهم كانوا من المسيحيين أقبلوا من بلاد الروم، وربما كانوا ينفعون قريشًا بما يحدِّثونهم من أحاديث بلادهم، وبما يفتحون لهم في هذه الأحاديث من أبواب التجارة والربح.

كذلك كانت تعيش مكة في ذلك العصر، يضطرب فيها هؤلاء السكان على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وأجناسهم. وواضح أن أكثر الرقيق لم يكونوا عربًا فلم تكُن قريش صاحبة حرب؛ لأن المال والتجارة لا يُحِبَّانِ الحرب.

فكانت تشتري هؤلاء الرقيق فيما كانت تشتري من العُروض، وربما اتَّجرت فيهم أحيانًا. ولكنها كانت تشتريهم في أكثر الأحيان لمنافعها ومآربها وحاجاتها المختلفة، وواضح أن هؤلاء الرقيق لم يكونوا يدينون دين سادتهم، وإنما كان منهم المسيحي واليهودي والمجوسي حسب البلاد التي نَشَئُوا فيه واجتُلِبوا منها. ومن الطبيعي أن أغنياء قريش وأهل الطبقة المتوسطة منهم لم يكونوا يعملون في التجارة، فكان الرقيق يكفونهم حاجاتهم اليومية: يرعون عليهم ما كانوا يملكون من الإبل والغنم، ويعنون بما كانوا يملكون من الخيل، ويعملون فيما كانوا يملكون من الأرض خارج مكة في الطائف أو في غيرها، ويقومون بخدمتهم في دُورهم، ويخدمونهم في أسفارهم في الصيف والشتاء، وربما كان بعضهم يُحسن حرفة من الحرف، فكان سادتهم يُسَخِّرُونَهُم في اصطناع حرفهم هذه والاكتساب منها، على أن يكون كسبهم لسادتهم لا يملكون لأنفسهم شيئًا إلا ما يقوتهم ويُقيم أَوْدَهُمْ.

وكذلك اجتمعت في مكة أجناس مختلفة من الناس وألوان مختلفة من الديانات، وكان من الطبيعي أن يؤثِّر هذا كله في حياة قريش. وليس شيء أشد تأثيرًا في حياة الناس من اتِّصَالهم بالأجناس المختلفة ذوي الحضارات والديانات المختلفة، وهذا هو الذي يفسر لنا ما امتازت به قريش من العرب كافةً — في ذلك العصر — من ذكاء القلوب وسعة الحيلة ونفاذ البصيرة وبُعد النظر وحسن السياسة لأمورها كلها والبراعة في القيام على المال واستثماره، وفي فهم الناس والنفوذ إلى أعماقهم.

ولكن قريشًا على ذلك كانت تسكن قريةً في وادٍ غير ذي زرع، قرية منقطعة انقطاعًا تامًّا من البلاد المتحضرة. كل شيء كان يُؤهل قريشًا وقريتهم للحضارة وللحضارة الممتازة لولا هذا الانقطاع الذي فُرِض عليها.

ومن الحق أن قريشًا كانت تتصل اتصالًا منتظمًا بالبلاد المتحضرة بحكم أسفارها في التجارة، ولكن الحضارة لا تُنقل من مكان إلى مكان كما تُنقل العُروض، وإنما تنشأ في بيئة من البيئات تنبت من الأرض ثم تقوى وتشتد ويزيدها الاتصال بالأمم المتحضرة نموًّا وازدهارًا.

٥

كذلك كانت تعيش قريش في القرن السادس للمسيح، ليس من اليسير أن نحدد لها نظامًا من نظم الحكم التي يعرفها الناس؛ فلم يكن لها مَلِكٌ ولم تكن جمهوريةً أرستقراطيةً بالمعنى المألوف لهذه الكلمة، ولم تكن جمهوريةً ديمقراطيةً بالمعنى المألوف لهذه الكلمة أيضًا، ولم يكن لها طاغية يدبِّر أمورها على رغمها، وإنما كانت قبيلةً عربيةً قد احتفظت بكثير من خصائص القبائل البادية. فهي منقسمة إلى أحياء وبطون وفصائل، والتنافس بين هذه الأحياء والبطون والفصائل قائم يشتد حينًا ويلين حينًا آخر، ولكنه لا يصل إلى الخصومات الدامية كما كانت الحال في البادية، وأمور الحكم — إن صح أن يُذكر لفظ حكم — تجري كما كانت تجري في القبيلة البادية. وكل ما وصلت إليه قريش من التطور في شئون الحكم هو أنها لم يكُن لها سيد أو شيخ يُرجع إليه فيما يشكل من الأمر، وإنما كان لها سادة أو شيوخ يلتئم منهم مجلس في المسجد الحرام أو في دار الندوة، وأمام هذا المجلس تُعرض مشكلات التجارة وتُعرض المشكلات التي تكون بين أحيائها، وقد تعرض المشكلات التي تُثار بين الأفراد إن بلغت من الخطر أن تثير خصومة بين حيَّيْنِ أو أكثر.

ومضى أمر قريش على هذا النحو إلى آخر العصر الجاهلي. وكأنها أحست قُبَيْلَ البعثة أن هذا النظام لا يكفل العدل الشامل الذي يطمئن إليه الأقوياء والضعفاء جميعًا، وإنما يكفل العدل بين السادة وأنصاف السادة، ويُخلي بين هؤلاء وبين شيء من الظلم يقع على الضعفاء من الحلفاء وممَّن أووا إلى مكة ليقيموا فيها إقامة تقصُر أو تطول.

ومن أجل هذا اجتمعت طائفة من خيار هؤلاء السادة وأقويائهم، وتحالَف أعضاؤها على أن يرفعوا الظلم ويقوموا دون المظلوم حتى ينتصف من الظالم ودون الضعيف حتى يأخذ حقه من القوي. وهذا الحلف هو المعروف بحلف الفُضول الذي شارك فيه النبي فيمن شارك فيه من بني هاشم قبل البعثة. وقد ذكر النبي بعد ذلك هذا الحلفَ وأثنى عليه.

٦

وكانت ثقيف تعيش نحو هذه العيشة في الطائف إلا أن أمرها لم يكن كأمر قريش على الحج والتجارة؛ فلم يكن إلى الطائف حج لمكان الكعبة من مكة.

وكانت ثقيف قد رُزقت شيئًا من الخصب فاصطنعت الزراعة وزراعة الفاكهة خاصةً، واعتمدت — أو كادت تعتمد — في تجارتها على قريش؛ فكانت قريش تشتري عُروض الطائف وتنشرها فيما تنشر من تجارتها، وربما أسهم بعض الأغنياء من ثقيف بأموالهم في تجارة قريش، فكانوا كغيرهم من أهل مكة في ذلك.

على أن شيئًا من حسن الصلة كان قائمًا بين قريش وثقيف، فكان بينهم الصهر من جهة، وربما اشترى بعض الأغنياء من قريش أرضًا بالطائف واغترس فيها الحدائق والكروم، وربما اتخذ بعض الأغنياء من قريش لأنفسهم دورًا في الطائف يفزعون إليها من مكة؛ بحيث نستطيع أن نقطع بأن قريشًا وثقيفًا كان بينهما شيء يشبه الحِلف ويقوم على المصالح المشتركة في الزراعة والتجارة جميعًا.

ولم تكن ثقيف — على قوتها في الجاهلية — تمتاز بمثل ما كانت تمتاز به قريش من ذكاء القلوب ونفاذ البصيرة، وإنما كانت ثقيف تمتاز بشيء من القوة والمنعة، وتمتاز بالمكر والدهاء وحسن المداورة والبراعة في الكيد للخصم أو العدو.

٧

أما يثرب فقد كان شأنها يختلف عن شأن هاتين القريتين اختلافًا شديدًا؛ فهي أولًا بعيدة عنهما بُعْدًا يحول بينها وبين مشاركتهما في كثير أو قليل من الأمر، وهي ثانيًا لم تكن خالصةً لقبيلة واحدة كما كانت مكة خالصةً لقريش وكما كانت الطائف خالصةً لثقيف، وإنما كان يسكنها قبيلتان من العرب ترجعان إلى أصل يمني واحد، ولكنهما تختصمان دائمًا ويشتد التنافس بينهما أحيانًا حتى يورطهما في حرب تتصل وقتًا طويلًا.

وهاتان القبيلتان هما الأوس والخزرج، وكانت كل قبيلة منهما تمضي أمورها على طريقة القبائل لا يفرِّق بينهما وبين أهل البادية إلا أنهما مستقرتان في مدينتهما لا تنتجعان الغيث وإنما تنتظرانه، ولا تتنقلان في التماس الكلأ. وكلتا القبيلتين كانتا تعيشان على الزراعة وعلى استثمار النخل خاصةً.

ثم هناك فرق آخر بين يثرب من جهة وبين مكة والطائف من جهة أخرى، وهو أن يثرب لم تكُن خالصةً لأهلها من العرب، وإنما كان اليهود يشاركونهم فيها. وكانت المعاملات في الزراعة والتجارة تجري بين اليهود وبين هاتين القبيلتين بحكم الجوار والاشتراك في الأرض والمصالح على اختلافها، وكان لكل قبيلة من الأوس والخزرج حلفاؤها من اليهود يحاربون معها إن حاربت ويسالمون معها إن سالمت.

ومن أجل هذا كله كان الفرق عظيمًا بين أهل يثرب من العرب وأهل مكة والطائف، فأهل يثرب أصحاب زراعة متصلة يزرعون ليعيشوا ولا يكادون يتَّجرون خارج الجزيرة إلا قليلًا، وهم بعد ذلك مخالِطون لأهل الكتاب من اليهود مخالطةً متصلةً.

فلا غرابة في أن يؤثِّر هذا كله في أخلاقهم وفي طبائعهم فيجعلهم ألين عريكةً وأرق شمائل وأسمح أخلاقًا. ولكنهم على ذلك ظَلُّوا كغيرهم من العرب مُشرِكين يعبدون الأوثان ويؤمنون بكثير ممَّا كان أهل البادية يؤمنون به من السخافات والخرافات، وظلوا كغيرهم من العرب يُعَظِّمُونَ البيت الحرام بمكة ويُمَجِّدُونَهُ في الموسم مع غيرهم من الحجيج.

وكانوا في هذا العصر الذي نتحدث عنه قد بلغ منهم الجهد لكثرة الاختلاف بين القبيلتين وما كان ينشأ عن ذلك من الخصومات والحروب، ثُمَّ لأن اليهود على ما كان بينهم وبين القبيلتين من الجوار واشتراك المصالح كانوا يستظهرون على هؤلاء العرب الجُهَّال الأميين، يستظهرون عليهم بما عندهم من كتاب، وبما لهم من دين مهما يكن أمره فقد كان أرقى من هذه الوثنية الغليظة التي كان العرب يدينون بها.

٨

وليس غريبًا — بعد هذا الذي عُرض عليك في إيجاز من شئون الأمة العربية في وبرها ومدَرها — أن تنشأ عن هذه الحياة التي كانوا يحيونها أخلاق غليظة كغلظ هذه الحياة، وعادات منكرة كنكر هذه الحياة أيضًا، فهؤلاء الذين يعبدون الأصنام التي يصنعونها بأيديهم، ويعبدون الأشجار التي لا يتحرَّجون من أن ينتفعوا بثمارها وغصونها إن احتاجوا إلى ذلك، لا يُنتظر منهم أن تصفو طبائعهم وتمتاز أخلاقهم وتلين قلوبهم وتحسن شمائلهم، بل عكس هذا كله هو الذي يُنتظر منهم.

فإذا أضفت إلى ذلك ما كانت البداوة تفرض على أهلها من الفقر والعَوَز وقسوة الحياة، وأن أهل القرى إنما هم قوم عاشوا بُداةً أولًا ثم استقروا في قراهم بعد ذلك دون أن يضيعوا من خصائص البداوة إلا أقلها، فليس غريبًا بعد هذا كله أن نعرف من عادات هؤلاء العرب ما نعرف من الغِلظة والقسوة والجفاء، وليس غريبًا أن نعرف أنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر والإملاق، ويَئِدُون بناتهم خشية الفقر والإملاق والعار أيضًا. وليس غريبًا أن نعرف أن العلاقة بين رجالهم ونسائهم لم تكن مهذبةً ولا نقيةً ولا مبرأةً مما يُعابُ، إلى غير ذلك من العادات الكثيرة التي غيَّرها الإسلام وحفِظ الشعر منها شيئًا غير قليل.

ومن الطبيعي أن أهل القرى كانوا أَرَقَّ طباعًا من أهل البادية إلى حَدٍّ ما؛ فلسنا نعرف أن أهل مكة أو الطائف أو يثرب كانوا يقتلون أبناءهم أو يَئِدُون بناتهم، حال بينهم وبين هذا ما أُتيح لهم من لين العيش وسعة ذات اليد، ولكن أهل القرى كانوا قلةً ضئيلةً بالقياس إلى أهل البادية فلا ينبغي أن يُتَّخَذُوا عنوانًا لهم.

ومهما يكُن من شيء فقد كان أهل الوبر وأهل المدر سواءً في وثنيتهم تلك الغليظة، لم يكادوا يتأثرون تأثُّرًا ذا بال بمن جاورهم من اليهود والنصارى، وعسى أن يكون اليهود والنصارى الذين استقروا بين العرب هم الذين تأثَّرُوا بالحياة العربية وغلظها وما كان يشوبها من العادات والأخلاق.

فقد يكون من النافع حقًّا أن نقيس نصرانية نجران إلى النصرانية التي كانت منتشرةً في البلاد المتحضرة، وأن نقيس يهودية يثرب وخيبر إلى يهودية اليهود الذين كانوا متفرِّقين في البلاد المتحضرة أيضًا. كلا الدينين انقطعت الصلة أو كادت تنقطع بينه وبين الذين كانوا يقومون عليه من الأحبار فَتَبَدَّى، وإن استقر في هذه القرى؛ لأن هذه القرى نفسها كانت أقرب إلى البداوة منها إلى الحضارة.

وعلى كل حال فلم يَكَدِ العرب ينتفعون بما كان بينهم وبين اليهود والنصارى من اتِّصَال، وإنما ظلوا كما كانوا حتى جاءهم دينهم الجديد.

٩

وكان بين قريش رجل من أشرافهم يتَّجر كما يتجرون، ويحضر مجالسهم في المسجد وفي دار الندوة، هو عبد المطلب بن هاشم، ولكنه كان يمتاز من قومه بكثير من الوقار وميل إلى الدِّين والنسك، يعظم ما كان قومه يعظمون من هذه الآلهة، ولكن عن إخلاص وصدق لا عن تكلُّف ورياء. وقد أتيحت له أشياء زادته امتيازًا من قومه فخاصموه أول الأمر ثم أكبروه بعد ذلك؛ فهو قد احتفر بئر زمزم.

وحدَّث أصحاب الأخبار بأنه لم يحتفرها من عند نفسه وإنما أتاه آتٍ في نومه فأمره باحتفارها وبيَّن له مكانها، فأقبل على ما أُمِر به حتى أنفذه.

ويقول أصحاب الأخبار إنه وجد كنزًا أثناء احتفار البئر قبل أن يصل إلى الماء فخاصمته فيه قريش؛ فجعله للكعبة ولم يأخذ هو ولا غيره منه شيئًا، ثم أنبط الماء فخاصمته فيه قريش ترى أن البئر لها، ويرى هو أنها له؛ لأنه احتفرها بيده وأنبط ماءها بحهده. ولجَّت قريش في الخصومة — فيما يقول أصحاب الأخبار — حتى أجمعوا إلى أن يحتكموا إلى أحد الكهان فأوفدوا مع عبد المطلب وفدًا يخاصمونه إلى ذلك الكاهن، ولكنهم لم يحتاجوا إلى هذا الاحتكام؛ لأنَّ آية ظهرت لهم في الطريق أقنعتهم بأن عبد المطلب ليس متكذِّبًا ولا متكلِّفًا.

قال الرواة: وفي أثناء هذه الخصومة أَحَسَّ عبد المطلب أنه وحيد ليس له من الولد من ينصرونه؛ فنذر لئِنْ أتيح له عشرة منهم ليقربن أحدهم إلى الآلهة.

وقد أتيح له عشرة من الولد فأزمع أن يقرِّب أحدهم وهَمَّ بذلك، ولكن قريشًا أبت عليه؛ لأنها استبشعت عمله هذا. وما زالت به حتى أقنعته بأن يُقرِع بين ابنه وبين عشرة عشرة من الإبل، فجعل كلما أقرع خرج السهم على ابنه حتى بلغت الإبل مائة فقرَّبها إلى الآلهة ونجا ابنه ذاك الفتى.

فإذا صورتْ هذه القصة شيئًا فإنما تُصور نُزُوع عبد المطلب إلى شيء من الدين وإخلاصه فيه وإسماحه في سبيله بالولد والمال جميعًا، وتُصوِّر كذلك عزوف قريش عن المُفظع من الأمر، وإنكارها في عنف وإلحاح هذا القربان البشع الذي يُضحَّى فيه بالإنسان للآلهة.

على أن ذلك الفتى الذي افتداه أبوه بالإبل فأغلى في الفداء لم يُعمَّر، وإنما زوجه أبوه ثم أرسله إلى الشام مع قومه للتجارة، فذهب ولم يَعُدْ، أدركه الموت بيثرب في عودته من الشام، وقد وُلد بعد موته صبي هو الذي اختاره الله ليأتي العربَ بدينهم الجديد.

وفي تلك الأيام نفسها تعرَّضت مكة لخطر شديد: أقبل الحبشة إليها من اليمن غزاةً يريدون أن يملكوا الحجاز كما ملكوا اليمن، وأن ينشروا في الحجاز دين المسيح كما حاولوا نشره في اليمن بعد أن انتقموا لتلك المدينة المسيحية «نجران»، وكانوا بالطبع مُزْمِعِينَ أن يهدموا الكعبة وأن يحطموا ما نُصب عليها من الأوثان، ولكنَّ الله بالغ أمره قد جعل لكل شيء قدرًا؛ فهو يصد الحبشة عن مكة ويمنعهم أن يدخلوها ويردهم إلى اليمن مدحورين قد بلغ منهم الجهد وأصابهم ما أصابهم من الشر الذي صوَّره الله عز وجل أروع تصوير في السورة الكريمة: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ.

وما أحب أن أَعرض لتأويل هذه الطير الأبابيل التي رمت الحبشة بحجارة من سجيل فجعلتهم كعصف مأكول؛ لأني أُوثِرُ دائمًا أن أقبل النص وأفهمه كما قبِله وفهِمه المسلمون الأولون حين تلاه عليهم النبي .

وفي هذه الموقعة أظهر عبد المطلب من الصبر والجلَد ومن الشجاعة والثقة ما لم يظهره غيره من أشراف قريش، فضلًا عن أوساطها وعامتها؛ ذلك أنه أشار على قريش أن تُخلي مكة وتلوذ بشعاف الجبال وتُخلِّي بين هذا الجيش العظيم وبين ما يريد، فسمع له قومه وتجنبوا الحرب وأقام هو بمكة لم يعتزلْها فيمن اعتزلها، وإنما قام عند الكعبة يدعو الله ويستنصره.

ويقول الرواة: إن الجيش أغار فيما أغار على إبل قريش فاحتازها وجاء عبد المطلب حتى استأذن على أبرهة عظيم الحبشة وقائد جيشها، فلما أُدخل عليه لم يكلمه إلا في إبل له أخذها الجيش فيما أخذ من إبل قريش.

قال الرواة: فصغُر عبد المطلب في نفس أبرهة، وقال له: كنت أظن أنك جئت تكلمني في شأن مكة وفي شأن بيتكم هذا الذي تُعظمونه، فإذا أنت لا تسألني إلا أن أرد عليك إبلك!

قال عبد المطلب: فإني أكلمك في مالي الذي أملكه، فأما البيت فإن له ربًّا يحميه إن شاء.

فرُدَّت عليه إبله وعاد إلى مكانه من الكعبة يدعو الله ويستنصره.

قال الرواة: وأصبح أبرهة من غدٍ مُزْمعًا دخول مكة وهدم البيت، ولكن الله حال بينه وبين ذلك بما أرسل عليه وعلى جيشه من تلك الطير الأبابيل التي رمتهم بحجارة من سجيل فجعلتهم كعصف مأكول.

وعادت قريش إلى مكة موفورةً لم تُرزأ شيئًا، فازداد إكبارهم لعبد المطلب وشجاعته وثقته وثباته؛ حيث لم يثبتوا وإنما فروا فلاذوا بشعاب الجبال.

في نفس هذا العام — الذي سمته قريش وسماه الرواة بعد ذلك عامَ الفيل — وُلد هذا الصبي يتيمًا كما رأيتَ آنفًا، فسماه عبد المطلب محمدًا وكفله واسترضعه في بني سعد من هذيل، حتى إذا تم الرضاعة واحتفظت به المُرضِع بعد رضاعه وقتًا ردَّته إلى أمه، فجعل ينشأ بمكة في ظل جده الشيخ. ثم سافرت به أمه — حين كان في السادسة من عمره — إلى يثرب تريد أن تزور وأن تُزير الصبي قبرَ أبيه عبد الله بن عبد المطلب، ولكنها خرجت من مكة ولم تعُد إليها كما خرج زوجها عبد الله من قبلُ فلم يعُدْ إلى وطنه.

أدركها الموت في بعض الطريق منصرفَها من يثرب عائدةً إلى مكة، وعادت بالصبي حاضنتُه بركة — التي عُرفت في الإسلام بأم أيمن — فقامت على خدمته في ظل جده وأصبح الصبي يتيمًا لأبيه وأمه جميعًا. على أنه لم يبلغ السابعة حتى فَقَدَ جده أيضًا فأخذه اليُتم من جميع أقطاره: فقد أباه وأمه وجَدَّه، ولكن الله آواه كما يقول في سورة الضحى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ.

وكفل الصبي بعد موت الشيخ عمُّه أبو طالب فكان له نعم الكافل ونعم الولي. وكان أبو طالب صاحب سفر في التجارة كغيره من أشراف قريش وأوساطها.

فيقول الرواة: إنه هَمَّ بالسفر في تجارته إلى الشام ذاتَ عام والصبي في الثانية عشرة من عمره، فتعلق به الصبي وأَلَحَّ في أن يصحبه في سفره ذاك، ورَقَّ له قلبُ عمه فحمله معه إلى الشام.

ويقول الرواة: إنه لم يكد يبلغ به مشارف الشام حتى عاد به مسرعًا إلى مكة عن أمر راهب من رهبان النصارى علِم من أمر الصبي ما لم يعلم عمُّه، فأوصاه أن يرده إلى وطنه وأن يُحرزه في مكة من مكر النصارى واليهود.

وشَبَّ الصبي في كِفالة عمه، حتى إذا بلغ الرابعة عشرة من عمره شهد حرب الفجار التي كانت في حرم مكة بين قيس وقريش.

شهد الحرب ولكنه لم يشارك فيها؛ كان أصغر سنًّا من ذلك، فكان ينبُل على أعمامه. وأكبر الظن أنه حين أينع جعل يسعى في رزقه فكان يرعى الغنم على قومه حتى إذا نَيَّفَ على العشرين سلكت الحياة به طريقًا أخرى.

١٠

كان فقيرًا لا يكاد يملك شيئًا، وكان يكسب قوته من رعي الغنم، ولكنه فتًى من قريش ومن أشرافها، ورعي الغنم قد يليق بالصِّبية وبأمثالهم من الذين لم يتقدَّم بهم الشباب، فأما إذا شَبُّوا واستتمُّوا قوتهم فليس لهم بُدٌّ من أن يسلكوا طرقًا أخرى إلى الرزق. وعمه صاحب تجارة، وقد مات أبوه تاجرًا، وجَدُّه كان صاحب تجارة أيضًا، فما يمنعه أن يسلك الطريق التي ألِفت قريش سلوكها؟

وقد أقبل عليه عَمُّه ذات يوم فأنبأه بأن خديجة بنت خويلد — امرأةٌ غنية من أكثر قريش مالًا وأوسطهم نسبًا — قد جهزت تجارةً ضخمةً إلى الشام، ونصح له بأن يكون رسولها بتجارتها تلك، وأنبأه بأنه يستطيع أن يسعى له في ذلك عند خديجة إن صَحَّ عزمه على السفر، فقبل الفتى ورضيت خديجة، ورأته مكة ذات يوم خارجًا في قافلتها إلى الشام يصحبه غلام لخديجة يقال له «ميسرة»، وقد بلغ الشام فباع واشترى وعاد مع القافلة فأدَّى إلى خديجة تجارتها وأدَّى إليها مع هذه التجارة ربحًا لم يُتح لها في تجارة قط. وكأن الله لم يجعل هذه التجارة إلا وسيلةً لشيء آخر وراءها؛ فقد وقع الفتى من قلب خديجة وإذا هي تُرسل إليه مُغويةً له بخطبتها، وإذا هو يخطبها ثم يصبح لها زوجًا، وهي تكبره بخمس عشرة سنةً فيما يقول الرواة.

ومنذ ذلك اليوم عاش في مكة عيشة الموفورين لا يشكو حاجةً ولا يجد ضيقًا كما قال له الله عز وجل في سورة الضحى: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ.

وقد أُتيح له من خديجة الولد وأُتيح له معها الأمن والدَّعَة، ولكنه في ذلك الطَّور من أطوار حياته ظهرت فيه خصال لم تكن مألوفةً في شباب قريش؛ فهو شديد النفرة من اللهو وشديد النفرة من اللغو أيضًا، وهو أبعد الناس عن التكلُّف وأقربهم إلى الإسماح واليُسر، وهو أبغض الناس لهذه الأوثان التي كان قومه يعبدونها مخلصين أو متكلِّفين، وهو أصدق الناس إذا تكلَّم، وأوفاهم إذا عامَلَ، وأبعدهم من كل ما يُزري بالرجل الكريم. وهو بعد ذلك أوصل الناس للرحم وأرعاهم للحق وأشدهم إيثًارا للبر؛ فهو يجد عمه الذي كفله صبيًّا ويافعًا قد كثر ولده وقَلَّ ماله، ويريد أن يعينه دون أن يؤذيه؛ فيأخذ منه صبيه عليًّا ويرد عليه من العناية واللطف والبر بعض ما أدى إليه أبوه حين كان صبيًّا يتيمًا. وقد شاعت عنه هذه الأخلاق، وعُرِفَ بهذه الخصال حتى أحبته قريش وسمته الأمين وعاملته على أنه الأمين حقًّا.

وفي ذات عام همَّت قريش أن تُعيد بناء الكعبة فعزمت بعد تردُّد، ونقضت البناء وأخذت في إعادته، وشاركها الأمين فيما فعلت، حتى إذا بلغت موضع الحجر الأسود اختلفت أحياء قريش فيمن يضع هذا الحجر في موضعه، يرون أن من يتاح له ذلك سيظفر بشرف أيَّ شرف. وما هي إلا أن يتحول الخلاف إلى خصومة تشتدُّ وتعنُف حتى يُخشى شرها، ولكنَّ ذوي أحلامهم وأولي رأيهم يشيرون عليهم بالتحكيم وبأن يُحكِّموا أول داخل عليهم فيحكِّمونه، فيقضي بينهم قضاءً يرضيهم ويكون له مع ذلك ما بعده؛ يبسط رداءه ويضع الحجر في وسطه ثم يأمرهم بأن يأخذوا بأطراف الرداء فيحملوه ويمشوا به حتى إذا بلغوا البناء أخذ الحجر فأقره بيده في موضعه.

على أنه قد أخذ يميل إلى العزلة شيئًا فشيئًا، ثم اشتد عليه حب العزلة فجعل يترك مكة بين حين وحين ويمضي وقد تزوَّد لعزلته، حتى إذا بلغ غار حراء خلا فيه إلى نفسه الأيام والليالي، فإذا انقضى زاده أو كاد ينقضي عاد إلى أهله فتزوَّد من جديد ورجع إلى غاره فأوى إليه ومكث فيه ما شاء الله أن يمكث. أصبحت هذه الخلوة له عادةً ولكنه يعود إلى أهله ذات يوم ولهان مفجَّعًا شديد الاضطراب ويقص على خديجة شيئًا عجبًا.

١١

أنبأها بأنه كان خاليًا إلى نفسه في غار حراء، ولكنه ينظر فيرى شخصًا أمامه ويسمع فإذا هذا الشخص يكلمه يقول له: «اقرأ.» قال: «ما أنا بقارئ.» يريد: لا أعرف القراءة، فضمه ضمًّا شديدًا — أو غطه غطًّا شديدًا، كما يقول حديث الشيخين فيما يرويان عن عائشة — حتى بلغ منه الجهد، ثم أسلمه وقال: «اقرأ.» قال: «ما أنا بقارئ.» فغطه غطًّا شديدًا حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.

ثم استخفى حتى لا يرى النبيُّ شيئًا ولا يسمع شيئًا، فيخرج من الغار وقد أخذه رَوْعٌ أي رَوْعٍ وهو في طريقه مسرع إلى أهله، ولكنه يسمع صوتًا يناديه فينظر أمامه فلا يرى شيئًا وينظر عن يمينه فلا يرى شيئًا، وينظر عن شماله فلا يرى شيئًا، وينظر خلفه فلا يرى شيئًا؛ فيرفع رأسه فيرى ذلك الشخص الذي أتاه في الغار جالسًا على كرسي بين السماء والأرض فيبلغ به الرَّوْعُ أقصاه، ويمضي أمامه لا يلوي على شيء حتى يأتي أهله مرتاعًا مذعورًا، يقول: «زملوني زملوني — أو دثروني دثروني — وصبُّوا عليَّ ماءً باردًا.» فتفعل خديجة ما طلب إليها حتى يذهب عنه الرَّوْعُ. فيقول لزوجه بعد أن أنبأها نبأه: «لقد خشيت على نفسي.» تقول له خديجة: كلا والله ما يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ وتُكسب المعدوم وتُقري الضيف وتُعين على نوائب الحق.

قال المحدثون ورواة السيرة: فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة — وكان امرأ قد تنصَّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ — فقالت له خديجة: يابن عم اسمع من ابن أخيك.

فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله بخبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل اللهُ على موسى ، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيًّا إذ يُخرجك قومك. فقال رسول الله : «أوَمخرجيَّ هم؟َ» قال: نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا.

وكأنه لزم داره واجتنب غار حراء منتظرًا ما يكون من أمره بعد ما رأى وما سمع، فأوحى إليه: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ.

ومنذ ذلك الوقت ظهر له ما يُراد به، فلم يكن ما جاءه في الغار إلا إيذانًا له بأن مهمةً ثقيلةً خطيرةً قد أُلْقِيَتْ على عاتقه، وأن عليه أن يؤديها صبورًا جلدًا محتملًا في سبيل أدائها ما قد يعرض له من العنت والمشقة والأذى، وهو على كلِّ حالٍ مكلف أمرين ليس أحدهما بأقل خطرًا من الآخر؛ فأما أولهما: فهو أن يجاهد نفسه ويأخذها راضيةً أو كارهةً بما سيدعو الناس إليه من تكبير الله بالقلوب والألسنة، ومن التطهير من كل دنس ظاهر أو خفي، ومن هجر الرُّجز واجتناب المَنِّ واستكثار ما يأتي من طاعة الله والاجتهاد في ذاته، ومن الصبر لربه على ما يبلوه به من ألوان البلاء، وعلى ما يكلفه حمله من ثقال الأعباء.

وأما ثانيهما: فهو أن ينذر الناس بأن حياتهم التي يحيونها ليست كما يظنون لهوًا ولعبًا واستمتاعًا بما يُتاح لهم من اللذات واحتمالًا لما يعرض لهم من الآلام والمحن والخطوب، إنما هي شيء وراءه أشياء وله ما بعده. فليس لهم بُدٌّ إذن من أن يحتاطوا لما وراء حياتهم من الأمر، ومن أن يأخذوا له أُهْبَتَهُمْ ويتزودوا بما ينبغي من الزاد.

١٢

وقد تجرَّد النبي لأداء ما كلف به من مهمة، وما حمل من أمانة، فأخذ نفسه بأشد ما يأخذ الرجل به من الجهد والمشقة في ذات الله، وأنفذ أمر الله في نفسه فيما اختصه به من التكاليف كما أنفذ أمر الله في كل ما كُلِّفَ أن يأمر الناس به، وقد بدأ بأهله وذوي قرباه فأنذرهم وبشَّرهم واستجاب له منهم من استجاب وأبى عليه من أبى. ثم أُمر بتعميم دعوته فأنذر قومه وبشَّرهم ودعاهم إلى الإيمان والبر والمعروف؛ فلم يستجب له منهم إلا أَقَلُّهُم، وامتنع عليه أكثرهم، ثم لم يكتفوا بالامتناع بل لم يلبثوا أن ضاقوا به وبدعوته وجعلوا يرُدُّونه ردًّا رفيقًا أحيانًا ويرُدُّونه ردًّا عنيفًا في أكثر الأحيان. ثم تألَّبُوا عليه وجعلوا يؤذونه في نفسه وفيمن تبِعه من الناس بأيديهم وألسنتهم. ثم أصبحت الحياة بينه وبين قومه جهادًا متصلًا عنيفًا أشد العنف وأقواه. ولكنه صبر لهذا الجهاد كما أُمِرَ أن يصبر واحتمل فيه من ألوان المشقة ما ينوء بالرجال أولي العزم كما أُمر أن يحتمل، وجعل يُصبِّر أصحابه ويُهَوِّنُ عليهم ما كانوا يلقون، وما أكثر ما كانوا يلقون من ضروب الفتنة والعذاب!

وفي أثناء ذلك كان الوحي يتنزل عليه من السماء، فيعلن كل ما يُوحي إليه به يتلوه على من آمن معه وعلى من لم يؤمن؛ فهو مكلَّف أن يبلغ رسالات ربه، وهو يبلغها أمينًا عليها مجتهدًا في تبليغها يبشِّر وينذر، ويُرَغِّبُ ويُرَهِّبُ، ويجادل المخاصمين ويقرع حجتهم بحجة الله لا وانيًا ولا مستأنيًا ولا مقصرًا.

وقد هابت قريش أن تؤذيه إيذاءً ثقيلًا أو أن تخرجه من وطنه أو أن تقتله مخافة أن يَغضب له قومه من بني عبد مناف فيفسد عليها أمرها كله. فجعل حلماء قريش يصانعونه ويرفقون به؛ يعرضون عليه أن يُملِّكوه عليهم إن كان يفعل ما يفعل ابتغاء الملك، ويعرضون عليه أن يعطوه صَفْوَ أموالهم إن كان يفعل ما يفعل ابتغاء الغنى، ويعرضون عليه التماس الطِّبِّ له إن كان له رِئْيٌّ من الجن يأتيه بهذا الكلام الذي يتلوه عليهم وبهذا الأمر الذي يدعوهم إليه. فلم يكن يجيبهم إلا بأن يتلو عليهم بعض ما كان ينزل عليه من القرآن.

وكان حلماء قريش والمنصفون منهم يسمعون القرآن حين يُتلى عليهم فيبهرهم بألفاظه ومعانيه ونَظْمه ورقته حين يرق وشدته حين يشتد، ولكنهم على ذلك لا يؤمنون له، بعضهم يمنعه الحسد، وبعضهم تمنعه الكبرياء، وكلهم يشتد عليهم ما كانوا يُدْعَوْن إليه من البر والمعروف والعدل والمساواة وإنصاف الفقراء من الأغنياء والضعفاء من الأقوياء، ومِن تَرْكِ آلهتهم وعاداتهم وكثير من الأخلاق التي وَجَدُوا عليها آباءهم وتوارثتها أجيالهم جيلًا بعد جيل. وقد استيأسوا منه فلجأوا إلى عَمِّهِ ذاك الذي كفله صبيًّا ويافعًا والذي قام دونه يحميه منذ جعل يدعو دعوته هذه الجديدة وطلبوا إليه أن يُرَاجِعَ ابن أخيه لعله يَكُفُّ عن ذَمِّ آلهتهم وتسفيه أحلامهم وإنكار ما تعارفوا عليه من عاداتهم وأخلاقهم، ومن إفساد عبيدهم وإمائهم وحلفائهم عليهم.

وقد قبل منهم أبو طالب فراجع ابن أخيه وعَرَض عليه ما يقول قومه وما يعرضون عليه من الملك وكرائم الأموال، وما يُنذِرُونه به من البطش والعذاب؛ فلم يكن جوابه لعمه إلا أن قال مقالته تلك المشهورة: «والله يا عَم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أرجع عن هذا الأمر ما رجعت.»

وعاد أبو طالب إلى مشيخة قريش بقول ابن أخيه، فلم يَزِدْهُم ذلك إلا عنادًا وإصرارًا واستكبارًا، فعمدوا إلى إيذائه في أصحابه وفي الرقيق والضعفاء منهم خاصةً؛ لعلهم أن يصُدُّوهم عن الإقبال عليه ويردوهم بعد إيمانهم كفارًا، ولعله حين يرى ذلك أن يُحِسَّ ما يشقى به أصحابه فيُؤثر لهم ولنفسه العافية؛ فجعلوا يعذبونهم بالضرب حينًا وبالماء حينًا وبالنار حينًا وبالموت حينًا آخر. ولكنهم لم يبلغوا بذلك منه ولا من أصحابه شيئًا؛ قتلوا ياسرًا وزوجه سمية ذات يوم وابنُهما عمار يرى فلم يصرفوا الأبوين ولم يصرفوا ابنهما عمَّا أراد الله لهما من الكرامة بالإيمان، وإنما كان ياسر وزوجه نموذجًا رائعًا للصبر والجلَد واحتمال الأذى في غير شكاة ولا تضعضع. ويقال: إن النبي مر بآل ياسر وهم يُعذَّبون فلم يزد ياسر على أن يقول: الدهر هكذا يا رسول الله.

ويُحدث رواة السيرة أن النبي قال لهم: «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة.» وكان ياسر وامرأته سمية أولَ شهيدين في الإسلام، فلم يجزع عمار ولم يجِد الوهن إلى نفسه سبيلًا، بل ازداد إيمانًا مع إيمانه وصبرًا إلى صبره حتى استيأس منه معذِّبوه واضطروا إلى أن يرفعوا عنه العذاب.

ويتحدث الرواة أن عمار بن ياسر كان أول من اتخذ مسجدًا في بيته وفيه نزلت هذه الآية من سورة الزمر: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ.

وعذبوا «بلالًا» أشد العذاب ونكلوا به أعظم التنكيل وجعلوه هزؤًا للصبية والسفهاء، فلم يرفع عنه العذاب حتى اشتراه أبو بكر وكان رقيقًا فأعتقه.

وعذبوا كثيرًا غير هؤلاء — تجد أسماءهم في كتب السيرة — ألوانًا من العذاب وفتنوهم ضروبًا من الفتنة، مكثوا على ذلك أعوامًا لا يرقُبون في هؤلاء المستضعفين عهدًا ولا ذمةً ولا تعطفهم عليهم رحمة.

وكان موقف قريش من المسلمين مختلفًا، فأما ضعفاؤهم وفقراؤهم فكانوا يصبون عليهم العذاب صبًّا لا يخافون في تعذيبهم لومًا ولا إنكارًا، وأما أولو الشرف منهم الذين يأوون من قومهم إلى ركن شديد فكانوا يؤذونهم بألسنتهم ويؤذونهم بالقطيعة ويُغرُون قومهم أن يشتدوا عليهم، ويفتنوهم عن دينهم ما استطاعوا إلى فتنتهم سبيلًا. ولكنهم على ذلك لم يبلغوا منهم شيئًا ولم يصدوهم عن دينهم وإنما وجدوا منهم صبرًا وجلَدًا واحتمالًا، ووجدوا من بعضهم مقاومةً وتحديًا وردًّا عنيفًا، كالذي كانوا يجدونه من عمر بن الخطاب ومن حمزة بن عبد المطلب.

وكذلك مضى الأمر بين النبي وأصحابه القليلين وبين قريش ذات العدد والقوة والثراء، لا يهِن النبي ولا يضعف ولا يستخفى بدعوته، وأصحابه منهم القوي الذي يُجالد عن دينه ومنهم الضعيف الذي يلقى العذاب صابرًا عليه. ومنهم الغريب الذي يستحب الأذى يراه قُربة إلى الله، فيتصدى لمجالس قريش ويُعلن إليهم إسلامه ويحتمل منهم إيذاءهم له، كالذي كان من «أبي ذر» حين أسلم وهو غريب في مكة، فلم يُرْضِهِ إلا أن يغيظ قريشًا ويتلقى منهم اللكز والوكز واللطم والصفع حتى يُغشى عليه، يفعل ذلك مرةً ومرةً حتى يأمره النبي أن يعود إلى قومه ويظل بينهم حتى يأتيه أمره.

وقد علمت قريش أنها لن تبلغ من النبي شيئًا بهذه الفتنة؛ فأزمعت أن تؤذي بني هاشم كلهم، على أنهم لم يكونوا قد أسلموا جميعًا ولكنهم أولو عصبية النبي ورهطه الأدنون. فأجمعوا ألا يبايعوهم وألا يُصهِروا إليهم وألا يزوِّجوهم وألا تكون بينهم وبين بني هاشم معاملة ما. واضطُرَّ بنو هاشم إلى شِعبهم يعيشون فيه عيشة المحاصَرين لا يكلمهم أحد ولا يعاملهم أحد، ولا تصل أرزاقهم إليهم إلا بعد المشقة الشاقة والعسر العسير.

وكتبت قريش بهذه المقاطعة صحيفةً جعلتها عهدًا بين أحيائها حتى يخلع بنو هاشم محمدًا ويُسلِموه إليها، ولكن بني هاشم صبروا على الحصار، واحتملوا الجهد والمشقة والعناء إيثارًا لأحسابهم. ومكثوا على ذلك عامًا وعامًا وعامًا حتى شَقَّ ذلك على الذين يُحاصرونهم أنفسهم وسعى بعضهم إلى بعض في إلغاء هذا العهد الآثم، وجعل أفراد منهم تَرِقُّ قلوبهم لإخوانهم هؤلاء الذين يُحاصَرُونَ ظلمًا فيجتهدون في أن يوصلوا إليهم أرزاقهم يَسْتَخْفُونَ بذلك من قومهم.

وإنهم لفي ذلك وإذا أبو طالب يغدو على قريش ذات يوم فيحدثهم — فيما يقول أصحاب السيرة — بأن ابن أخيه قد زعم له أن صحيفتهم تلك التي كتبوها بينهم وأودعوها جوف الكعبة قد أدركها البلى وعَدَتْ عليها الأرَضَة فلم تُبق فيها مما كتبوا إلا اسم الله الذي ذكروه في أولها. قال أبو طالب: فانظروا يا معشر قريش إلى صحيفتكم تلك، فإن وجدتموها كما ذكر ابن أخي كان هذا إيذانًا لكم بأنكم تعتدون على فريق من قومكم بغير الحق، وتظلمونهم ظلمًا منكرًا، وبأن قد آنَ لكم أن ترفعوا هذا الظلم وتكفُّوا عن ذلك العدوان وتثوبوا إلى المعدلة بينكم وبين إخوانكم، وإن وجدتم صحيفتكم تلك كهيئتها يوم كتبتموها ووضعتموها في جوف الكعبة أسلمنا إليكم محمدًا تصنعون به ما تشاءون.

فتسارع الذين رقت قلوبهم لبني هاشم يقولون: يا معشر قريش، لقد أنصفكم أبو طالب وأعطاكم الرضى فالتمسوا صحيفتكم تلك وانظروا؛ فإن كانت كما قال محمد فأجيبوا أبا طالب إلى رفع الظلم عن إخوانكم وإلا فقد آذنَكم بأنه سيُسلم إليكم ابن أخيه.

وتنظر قريش في الصحيفة فإذا كل ما كُتب فيها قد مُحي، ذهبت به الأرَضة، إلا اسم الله فإنه كما كتبوه، هنالك يُرفع الحصار ويعود القوم إلى العافية.

ولكن هذا كله إن خفَّف عن بني هاشم فلم يُخَفِّفْ عن المسلمين من أصحاب النبي شيئًا؛ فإيذاؤهم متصل وفتنتهم ماضية على عهدها.

ثم يُمتَحن النبي امتحانًا شاقًّا فيفقد زوجه خديجة تلك التي كانت أول من نصرته وآزرته وأجابته إلى دعوته. ثم يفقد عمه أبا طالب ذلك الذي كفله صبيًّا ويافعًا، وقام دونه يحميه ويذب عنه وإن كان لم يؤمن له ولم يرجع عن دين آبائه، وإنما فعل ما فعل حبًّا لابن أخيه وعطفًا عليه وأداءً لحق العصبية والحسب.

ويشتد البلاء على المسلمين وتطمع قريش في النبي، فيأذن النبي للمسلمين في أن يُهاجر من استطاع الهجرة منهم إلى بلاد الحبشة؛ حيث يستطيعون أن يعبدوا الله آمنين لا يلقون فتنةً ولا عذابًا. فيهاجر منهم من استطاع، ويأمنون على دينهم في تلك الأرض البعيدة، ويبقى النبي ومن أَبَى فراقَه من أصحابه بمكة يلقَوْن ما يلقَوْن من الشدة والبأس، لا تزيدهم الفتنة إلا إيمانًا وتثبيتًا.

وفي ذات يوم يخرُج النبي من مكة إلى الطائف يرجو أن يجد عند ثقيف من العون والجوار ما يمكِّنه من أداء رسالته، ولكنه لا يلقى من ثقيف إلا أعنف الرد وأثقلَه، وإذا هم لا يكتفون برده والإعراض عنه، وإنما يُغرُون به السفهاء والصبيان يؤذونه حتى يُجهِدُوه وحتى يضطروه إلى ظل بستان ليستريح.

وكان في البستان صاحباه — رجلان من قريش هما عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة — يريان النبي وقد بلغ منه الجهد وأوى إلى ظل بستانهما يستريح مما أدركه من العناء.

قال أصحاب السيرة: فيرق قلب هذين القرشيين له، ولكنهما متحفظَّان على ذلك، لا يُؤْوِيَانِهِ فتغضب قريش، فيدعوان «عدَّاسًا» غلامًا لهما ويرسلانه إليه بطبق فيه عنب. ولكن «عداسًا» لا يكاد يتحدث إلى النبي ويسمع منه حتى يراه سيداه مُغْرِقًا في البكاء مكبًّا على النبي يُقَبِّلُهُ ويتلطف له، فإذا عاد إلى سيديه سألاه، فإذا هو قد مال إلى ما يدعو إليه هذا الرجل الذي آذته ثقيف وأبى سيداه أن يضيفاه. وقد رجع النبي إلى مكة فلم يستطع أن يدخلها حتى استجار بشريف من أشرافها — هو مُطعم بن عدي — فأجاره.

ثم جعل النبي يترقب موسم الحج يعرض نفسه فيه على قبائل العرب أيها يؤويه ويمنعه حتى يبلِّغ رسالات ربه، فترده قبائل العرب جهلًا منها أولًا، وكراهة أن تعادي قريشًا ثانيًا، حتى إذا كان في موسم من المواسم عرض نفسه على قوم من أهل يثرب فوجد عندهم ميلًا إليه وإيثارًا له فيضرب لهم موعدًا من قابل، ويصبر عامُه ذاك على الأذى ثم يلقى وفد يثرب فيبايعونه على أن يُؤْوُوه ويمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسهم، وقد استوثق العهد بينه وبينهم وعاد إلى مكة راضيًا محبورًا.

ثم جعل يأذَنُ لأصحابه في الهجرة إلى يثرب فيهاجرون أرسالًا، يهاجر الضعفاء منهم خفيةً ويهاجر الأقوياء منهم جهرةً، وقد فشا الإسلام في يثرب، وقُرئ القرآن في كثير من دورها، والنبي مع ذلك مقيم في مكة لا يبرحها، ينتظر أن يُؤذن له في الهجرة، وقد استأذنه صاحبه أبو بكر في أن يكون صاحبَه في سفره فقبل منه. وقد عرفت قريش ما كان من العهد بينه وبين أهل يثرب وما كان من هجرة أصحابه إليها، فكرهوا أن يهاجر النبي فيصبح هو وأهل يثرب لهم عدوًّا؛ فاجتمعوا وتشاوروا وانتهى رأيهم إلى أن يرصدوا له عند بيته ليلًا نفرًا من أحياء قريش على اختلافها ليقتلوه، يضربونه ضربة رجل واحد فيضيع دمه في القبائل ولا يستطيع قومه من بني عبد مناف أن يثْئَروا لدمه.

قال الرواة: وقد أرصد هذا النفر من قبائل قريش عند بيت النبي ليلًا وآذنه الله بمكر قريش فلم يَنَمْ في فراشه ليلته تلك، وإنما أمر ربيبه وابن عمه «عليًّا» أن ينام في فراشه ويتسجَّى ببرده وخرج على النفر الذين أرصدوا له، فإذا هم قد غشيهم النعاس.

قال الرواة: فوضع على رءوسهم شيئًا من تراب ومضى لميعاده مع أبي بكر. فخرجا من مكة مستخفيَيْن حتى انتهيا إلى غار ثور، فأويا إليه ينتظران أن ينقطع طلب قريش لهما، ومكثا في الغار ثلاثة أيام يأتيهما قوتُهما كل يوم.

قال أصحاب السيرة: وأصبح الرصد فعلموا أن النبي قد خرج وأنه قد فاتهم، فسقط في أيديهم، وجَدَّتْ قريش في طلب النبي وصاحبه.

ويتحدث أصحاب السيرة بأن فريقًا من الذين جَدُّوا في طلبهما قد بلغوا غار ثور، ذاك الذي أويا إليه، فلم يخطُر لهم أنهما يستخفيان فيه، ولو قد نظروا تحت أقدامهم لرأوهما.

والشيء الذي ليس فيه شك هو أن أبا بكر قد كان قلقًا في الغار يخشى أن يدركهما الطلب، وأن النبي كان يُهدئ من روعه، بذلك جاءت الآية الكريمة في سورة التوبة: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.

وكان أبو بكر قد أعد للسفر كل شيء، فلما قدَّرا أن طلب قريش لهما قد انقطع مضيا في طريقهما إلى يثرب فبلغاها، واستُقبل النبي فيها أحسن استقبال، فَرِحَ به أنصاره من الأوس والخزرج في يثرب، وفرح به أصحابه الذين هاجروا قبله إليها. ومنذ ذلك اليوم الذي بلغ النبي فيه يثرب، فُتِحَتْ أمامه وأمام دعوته طريق جديدة.

١٣

كان مقام النبي بمكة منذ نُبِّئَ إلى أن هاجر ثلاث عشرة سنةً — فيما يقول جمهور الرواة — لقي فيهن من الجَهد ما لقي، وصبر فيهن على الجَهد ما صبر، وتأسَّى به أصحابه ما استطاعوا إلى التأسِّي به سبيلًا، وأنزل فيهن عليه من القرآن شيء كثير.

كان في مكة يدعو إلى التوحيد وينهى عن الشرك ويأمر بالعدل وينهى عن الجور، ويجهر بأن الناس جميعًا سواءٌ عند الله لا يمتاز بعضهم من بعض إلا بالبر والتقوى، ويحذِّر الذين يشركون بالله ويجعلون له أندادًا عذابًا شديدًا بعد الموت، وينبئ بأن لهذه الدنيا التي يعيش الناس فيها نهاية لا بد من أن تبلغها يوم تقوم الساعة، ويُهَوِّلُ من أمر الساعة هذه تهويلًا شديدًا تنخلع له القلوب، ويُنْبِئُ بقربها وبأنها تَفْجَأُ الناس على حين غفلة منهم؛ فتذهل الآباء والأمهات عن أبنائهم، وتنسي الإنسان كل شيء إلا نفسه، ويضطرب لها الكون اضطرابًا أي اضطراب، فالسماء منفطرة، والكواكب منتثرة، والبحور مفجَّرة، والقبور مبعثرة، ويومئذٍ تعلم كل نفس ما قدمت من عمل وما أخرت.

وعلى هذا النحو كان يهول من أمر الساعة وما يكون بعدها من حساب الناس على ما قدموا وما أخَّروا من أعمالهم، وقد سُجل كل عمل أتاه الإنسان في كتاب يُنشَر أمامه يحصي له حسناته وسيئاته، والنار معروضة عليه والجنة مُزْلَفَةٌ له؛ فهو يرى الجحيم كأبشع ما يكون ويرى النعيم كأروع ما يكون، يتمنى هذا ويشفق من ذاك، ولكن كتابه قد نُشِرَ بين يديه يحكم له بالنعيم أو يحكم عليه بالجحيم، لا يُظلم مثقال ذرة مما عمل، تُضاعَف له حسناتُه ولا تضاعف له سيئاتُه وإنما تُحصى عليه كما هي لا يُزاد فيها، وقد يُنقص منها إن ثقل ميزان الحسنات. فالإنسان على نفسه بصيرة وإن ألقى معاذيره. ويومئذٍ يُروَّع الكافرون حين يرون الكتاب منشورًا فيقولون: يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.

فإذا قُضي بين الناس بمقدار أعمالهم ذهب أصحاب النعيم إلى نعيمهم خالدين فيه أبدًا، وذهب أصحاب الجحيم إلى جحيمهم خالدين فيه أبدًا إن كانوا مشركين بالله لا يخلصون له قلوبهم ولا نفوسهم ولا ضمائرهم، وماكثين فيه دهرًا يقصُر أو يطول لا يُقاس ذلك إلا بعفو الله عن الذين أذنبوا واقترفوا السيئات بعد أن آمنوا.

وكانت قريش تسمع هذا كله فتنكره أشد الإنكار وتبغض من يتلوه عليهم أشد البغض؛ فهو ينبئهم بأن المشركين من آبائهم مخلَّدون في العذاب، وبأنهم سيلحقونهم في النار ويشاركونهم في هذا العذاب المقيم إن لم يجحدوا آباءهم ويجحدوا دينهم هذا ويؤمنوا بالله وحده لا يشركون به شيئًا ولا يجعلون له ندًّا، ويؤمنوا بأن محمدًا هذا الذي يتلو عليهم ما يتلو من القرآن رسولُ الله قد جاءهم من عنده بالحق والبينات. وليس لهم بد بعد هذا الإيمان من أن يلائموا بين حياتهم وبينه ومن أن يأتوا ما يأمرهم به النبي ويجتنبوا ما ينهاهم عنه، فإن خالفوا عن ذلك فالله لهم بالمرصاد والنار لهم مُعَدَّةٌ يُسلَكون فيها مع المشركين من آبائهم لا يُقبَل منهم عدل ولا صرف ولا يُخفَّف عنهم العذاب ولا هم ينظرون.

وكان العُتاة منهم والجبارون ربما سخِروا من النبي وممَّا يتلو عليهم، وربما سألوه أن يأتيهم بآية تُثْبِتُ لهم صدقه، فكان يتلو عليهم من القرآن ما يَرُدُّ على سخريتهم، وكان يُنبئهم بأنه لا يأتيهم بآية إلا هذا القرآن الذي يتلوه عليهم والذي جاءه من عند ربه، ويتحداهم هو فيسألهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وكان عجزهم عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن هو الدليل على أنه ليس من كلام الناس، وإنما هو من كلام الله الذي لا سبيل إلى تقليده ولا إلى محاكاته، فضلًا عن الإتيان بمثل ما يأتي به، وكان يتلو عليهم فيما يتلو هذه الآية الكريمة من سورة الإسراء: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا. وكانوا لا يفهمون ولا تسيغ عقولهم أن تتصل الأسباب بين الله وبين واحد من الناس يوحي إليه هذا الكلام الذي كان يتلوه عليهم ويتحداهم به ويسألهم أن يأتوا بمثله، فيطلبون إليه آيات تُكرِههم على أن يؤمنوا له؛ يسألونه أن يَفْجُرَ لهم من الأرض ينبوعًا، أو أن ينشئ لنفسه جنةً من نخيل وعنب فيفجر الأنهار خلالها تفجيرًا، أو يسقط السماء عليهم كسفًا، أو يأتي بالله والملائكة قبيلًا، أو يبتكر لنفسه بيتًا من زخرف، أو يرقى في السماء فيأتيهم منها بكتاب يقرءونه. وكان الله يأمره أن يجيب على هذا التحدي بهذه الجملة اليسيرة الرائعة: سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا.

وكان بعضهم يأتيه أحيانًا بالعظام البالية فيفتها بيده وينثرها في الهواء، ثم يسأله ساخرًا: مَن يحيي العظام وهي رميم؟ فكان جوابه حاضرًا من القرآن في هذه الآيات الكريمة من سورة يس: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُون * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون.

وكانوا يجادلونه في البعث أشدَّ الجدال، يقولون — كما يحكي عنهم القرآن الكريم في سورة الإسراء: أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، فكان الجواب حاضرًا كذلك من القرآن في السورة نفسها: قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا.

كان إذن يُخَوِّفُهُم قيام الساعة، ويخوفهم البعث والحساب، ويخوفهم العذاب الذي أُعِدَّ للمشركين والمذنبين، وكان يُخَوِّفُهُم أشياء أخرى أيضًا: يخوفهم أن يَجرِي عليهم مثل ما جرى على أمم من قبلهم، جاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوهم وقالوا فيهم مثل ما تقول قريش فيه، قالوا: إن بهم جنة. وقالوا: إنهم مسحورون. وقتلوا بعضهم، وأنذروا بعضهم بالقتل فصُبَّ عليهم عذاب عاجل في هذه الحياة الدنيا توطئةً لما أُعِدَّ لهم من عذاب آجل خالد في الحياة الآخرة.

كان يقص عليهم أمر الطوفان الذي أغرق العُصَاةَ من قوم نوح، ويقُصُّ عليهم أمر الريح التي أهلكت عادًا حين عَصَوْا أخاهم هودًا، وأمر الصيحة التي أهلكت ثمود حين عَصَوْا أخاهم صالحًا، ويقص عليهم ما جرى على قوم لوط حين أمطرتهم السماء حجارةً مسوَّمةً، ويقص عليهم ما جرى على أهل مدين حين أهلكتهم الرجفة لما عَصَوْا شعيبًا، ثم يقص عليهم في تفصيل ما أصاب فرعون وقومه حين عصوا موسى. وكان يأمرهم أن يسيروا في الأرض لينظروا كيف كانت عاقبة المفسدين، وكان يُخَوِّفُهُم أن يُلِمَّ بهم مثل ما أَلَمَّ بهذه الأمم من ألوان العذاب في الدنيا إلى ما ينتظرهم في الآخرة من العذاب المقيم.

يتلو عليهم هذا كله من القرآن فيسمعون أحيانًا، ويسخرون ويُجَادِلُونَ ويعرضون أحيانًا ويأبون أن يسمعوا ويعقلوا. وكان يتلو عليهم من القرآن خلق آدم وإسكانه هو وامرأته الجنة، ونهيه إياهما أن يقربا الشجرة المحرَّمة وإغراء الشيطان لهما بالمعصية وإخراجهما من الجنة. ويقص عليهم كذلك من أخبار السماء ما كان من مجاهرة إبليس بالمعصية وإبائه أن يسجُدَ إعظامًا لخلق آدمَ كما سجدت الملائكة، وما حَلَّ به من غضب الله عليه، وما زعم من أنه سيُفسد ولد آدم وسيحملهم على المعصية؛ في أشياء أخرى كثيرة كان يقصها عليهم يعظهم بها لعلَّهم أن يهتدوا. فلا يحفلون بشيء مما يسمعون إلا هذه القلة القليلة التي كانت روعة القرآن تُبهر قلوبهم.

وكانت قوة الحجة تسحر عقولهم فيؤمنون جهرًا أو سرًّا، كالذي كان من أمر عمر — رحمه الله — حين أُنْبِئ بأن أخته وزوجها قد أسلما، وقد أُلقي إليه هذا النبأ وهو في طريقه إلى النبي ليبطش به فيما زعم. فلما سمع من أمر أخته وزوجها عدل إليهما ليبدأ بهما، ولكنه ينتهي إلى أن يقرأ عندهما الآيات الأولى من سورة طه فيلين قلبه بعد قسوة وترق نفسه بعد غلظة؛ وإذا هو يذهب إلى النبي لا ليقتله بل ليُشهِدَه على أنه مؤمنٌ بالله وبأن محمدًا رسوله.

وكذلك جرت الأمور بين النبي وأصحابه وبين قريش: جهاد لا ينقضي، وجدال لا يكاد ينقطع، واتصال للوحي أثناء ذلك، وتلاوة لهذا القرآن الذي كان يُوحَى إلى النبي، واجتماع إلى أصحابه قبل أن يهاجروا إلى الحبشة وبمن بقي منهم معه بعد أن هاجر أصحابه، يُعَلِّمهم الدين ويُقْرِئُهُمُ القرآن، وينصح لهم في أمر دنياهم كما ينصح لهم في أمر دينهم.

وفي ذات يوم قامت قريش وقعدت وانطلقت ألسنتها بالسخرية، ووصل الشك إلى قلوب بعض الذين آمنوا؛ ذلك أن النبي أصبح فأنبأ بأنه أُسرِيَ به من ليلته إلى المسجد الأقصى، وتلا هذه الآية الكريمة من سورة الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

وواضح أن قريشًا لم تكن لتُصدِّق أن يُسرَى بالنبي من ليلته إلى المسجد الأقصى ويعود منه قبل أن يُسفر الصبح. وهم الذين يُنفقون في رحلتهم إلى الشام ما يُنفقون من الأيام الطِّوال ويلقَوْن في رحلتهم ما يلقَوْن من المشقة والجهد؛ فكيف بهم حين ينبئهم النبي بأنه ذهب إلى المسجد الأقصى في القدس وعاد إلى مكة في ساعة من ليل. ولكنه يصف لهم الشام والقدس والمسجد فلا يُنكِرون من وصفه شيئًا؛ هنالك اضطربت قلوبهم وفكروا في أن يُعجِزوه فأرسلوا إلى اليهود ينبئونهم نبأه ويلتمسون عندهم من المسائل ما يُلقونها عليه يمتحنون بها صدقه.

قال رواة السيرة: فأمرهم اليهود أن يسألوه عن أمر الفتية الذين أَوَوْا إلى الكهف ما خطبهم؟ وأُلقيت عليه المسألة. ولكن الوحي أبطأ عليه شيئًا حتى ظنت قريش أنها قد أعجزته، ثم أقبل عليهم ذات يوم فتلا عليهم قصة أهل الكهف كما عرفوها من اليهود.

فلا غرابة بعد هذا كله في أن يضيقوا به، وفي أن تضيق مكة بالنبي نفسه، وفي أن يثبته الله ويعزيه عن جحود قومه وعصيانهم بعدما جاءهم الحق واضحًا جليًّا، فالله يقول له في سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا.

وعلى رغم هذا كله فقد أقام فيهم حتى عرض عليهم أصول الدين وبيَّن لهم ما ليس منه بُدٌّ ليأمنوا سوء العاقبة في الدنيا والآخرة: بيَّن لهم أن إلههم واحد لا شريك له، وأن الإشراك به ظُلْمٌ وجحود يَضطرَّ صاحبه إلى الخلود في العذاب المقيم. وبيَّن لهم أن الله قد أرسله رسولًا كما أرسل الرُّسُل من قبله إلى قومهم، وأن الإيمان لا يستقيم لصاحبه حتى يشهد من أعماق قلبه بوحدة الله وصدق رسوله، وحتى يكون الإيمان بالله ورسوله ملء قلوبهم وعلى ذكر منهم في كل ما يأتون وما يدَعون. وبيَّن لهم أن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والرفق باليتامى والمساكين والبر بالوالدين وطاعتهما إلا في الكفر بالله أو معصيته. وبيَّن لهم أن الله ينهاهم عن آثام فليس لهم بُدٌّ من أن يجتنبوها، ينهاهم عن القتل ظلمًا، وينهاهم عن وأد البنات وقتل الولد خشية الإملاق، وينهاهم عن الزنى، وعن الخُيَلاء والمرح، وعن الغرور والكبرياء، وعن الكذب وقول الزور، وعن شهود اللغو والمشاركة فيه.

بيَّن لهم هذا كله وأكثر من هذا كله وبشَّرهم بالمثوبة الحسنى عند الله إن آمنوا وأصلحوا وأطاعوا، وأنذرهم العقاب الشديد في الدنيا والآخرة إن كفروا وعَصَوْا.

صدع بما أمره الله أن يصدع به وأدَّى مهمته كأحسن ما يكون أداء المهمات، لم يقصر ولم يفتر ولم ييأس حتى أذِن الله له في الهجرة، فهاجر بعد أن أعفى نفسه من كل تَبِعَة، وأدى حق الله وحق قومه عليه، وبَرَّ بِهِم فلم يلقَ منهم إلا جحودًا وعقوقًا، ولم يؤمن له منهم إلا القليل كما رأيت.

١٤

وبلغ «يثرب» فاستأنف حياةً جديدةً، وفُتحت له إلى نشر دعوته طرق جديدة أيضًا. وجد في «يثرب» مسلمين قد آمنوا بالله ورسوله قبل الهجرة وفشا الإسلام بينهم حتى كثُروا، ووجد بينهم مشركين لم يدخل الإيمان في قلوبهم فمنهم من هدى اللهُ إلى الحق فآمن وصدَق إيمانُه، ومنهم من أشفق من عواقب العناد فأظهر الإسلام وأبطن الكفر وعاش منافقًا. ووجد فيها يهودًا قد استمسكوا بما توارثوا من دينهم؛ فلم يكن له بُدٌّ من أن يلائم بين حياته الجديدة في «يثرب» وبين هذه الطوائف المختلفة من الناس.

ولم تكن حياته في «يثرب» أهون ولا أيسر من حياته في مكة، ولعلها كانت أَشَقَّ منها وأحفل منها بالخطوب، ولكنه استقبلها راضيًا بها شاكرًا لها حامدًا لرَبِّه على أن أتاح له الأمن والنصر والمأوى حتى يُبَلِّغَ رسالته ويؤدي حق الله عليه.

وقد بدأ بالمؤاخاة بين المهاجرين من أهل مكة والأنصار من أهل يثرب، فأنشأ بينهم صلةً قويةً بعيدةً الأثر في حياتهم هي صلة الإخاء بأوسع معانيه وأدقها، ثم عقد نوعًا من الحلف بينه وبين أصحابه من جهة وبين اليهود من جهة أخرى على أن يكون بينهم النصر على العدو والعون على الكوارث والأحداث.

ثم جعل هو ومن تبعه من المهاجرين والأنصار يعبدون الله جهرةً لا يستخفُون بدينهم ولا يخافون فتنةً عنه. وقد اتخذ النبي مسجدًا عامًّا لأول مرة في الإسلام؛ يدعو فيه إلى ربه، ويقيم فيه الصلاة، ويجلس فيه للناس فيعلمهم ويؤدبهم ويبصِّرهم بما يجب عليهم أن يأتوا، وينهاهم عمَّا يجب عليهم أن يجتنبوا، ويبيِّن لهم محاسن الأخلاق وخير الأعمال، ويدلهُّم على ما يليق بالرجل المؤمن الكريم على نفسه وعلى غيره وما لا يليق به، كل ذلك في أمن ودعة وهدوء. ولم يكشف للمنافقين من أهل «يثرب» سترًا، وإنما اكتفى منهم بما أظهروا للإسلام، فلم يَعرِض لهم بشيء ممَّا يكرهون وإن كان اللهُ قد أعلمه بمكانهم من النفاق. وكان كثيرًا ما يقول لأصحابه: «إني لم أُومَر بأن أفتش عمَّا في القلوب.» وكان جديرًا أن يظل كذلك في أمنه وهدوئه وما أُتيح له من هذه الحياة الوادعة على قسوتها. ولكنه لم يلبث ولم يلبث أصحابه معه أن وجدوا أنفسهم بين عَدُوَّيْنِ ليس أحدُهما بأقل خطرًا من صاحبه: فأما أولهما فهم هؤلاء اليهود الذين لم يؤمنوا به ولم يستكرههم على أن يؤمنوا به، وإنما اكتفى منهم بالمسالمة والمُوادعة وحسن الجوار والمناصرة عند الحاجة، ولكنهم لم يخلصوا لما كان بينه وبينهم من عهد وإنما أظهروا المسالمة وأضمروا الغدر، ثم لم يكتفوا بذلك بل أظهروا التكذيب لدِينه وجادلوا فيه فأكثروا الجدال.

وأما العدو الآخر فقريش تلك التي تركها مُحفَظة عليه أشد الحفيظة، كانت تحب أن تقتله أو تُثْبِتَهُ أو تُخْرِجَه من مكة جهرةً طريدًا على رُءوس الأشهاد، ولكنها تنظر فإذا هي لم تبلغ ممَّا أرادت به شيئًا، لم يُغْنِ عنها كيدها له وائتمارها به، وإنما كانت كما وصفها القرآن الكريم في الآية الكريمة من سورة الأنفال: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ ۖ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. مكروا به حين كان بين أظهُرهم ولكنهم لم يقدروا عليه، قد أنجاه الله منهم وأبدله بهم قومًا آوَوْهُ ونصروه؛ فلا يمكن أن تطيب نفوس قريش عمَّا أتيح له من الأمن والدَّعة، وهي بعد ذلك تعرف أنها قد ظلمته وظلمت أصحابه معه أبشع الظلم وأشنعه؛ فهي لا تأمن أن ينتقم منها لما أصابه، بل تحذر أن يتخذ من أمنه في يثرب ومن أنصاره هؤلاء الجدد وسيلةً إلى نصب الحرب لها، وهي من أجل ذلك حذِرة أشد الحذر، قلِقة أشد القلق، تُريد أن تتَّقِيَه مهما تكُن وسيلتها إلى ذلك؛ فهي تؤلِّب عليه وتُغرِي به وتكيد له بعيدًا عنها كما كادت له قريبًا منها، تؤلِّب عليه العرب وتُغرِي به اليهود، ثم هي بعد ذلك تؤذي من لم تُتَحْ له الهجرة من أصحابه أشد الأذى وأنكره، فلا غرابة في ألا يحول على هجرته إلى المدينة حتى يظهر الشر بينه وبين قريش، ويتبيَّن أن الأمر بينهما صائر إلى الحرب لا محالة؛ فقريش عَدُوُّه وهي تراه لها عَدُوًّا، وترى مكانه من «يثرب» خطرًا على تجارتها إلى الشام، ولا يكاد العام الثاني من هجرته يبلغ ثُلُثَيْهِ حتى تكون الحرب بينه وبينهم يوم «بدر».

كانوا كثرةً وكان هو وأصحابه قلةً، كان هو وأصحابه يوم التقى الجمعان يَرَوْنَ عَدُوَّهُم مِثْلَيْهِم رأي العين، ولكن شتَّانَ بين قوم يُقاتلون عن دينهم وعن إيمانهم بهذا الدين وهم مستيقنون أنهم إن يُنصروا نَعِمُوا بانتصارهم في الحياة الدنيا وظفروا بأجرهم على الجهاد، وإن يُقتَلوا فهم شهداء عند الله قد ضمِن لهم نعيمًا ليس مثله نعيم، نعيم صفو خالد لا كدر فيه ولا انقطاع له؛ وبين قوم يقاتلون عن أموالهم وعمَّا يملؤهم من الغرور والكبرياء.

فلم تنشب الحرب بين الفريقين حتى أنزل الله نصره على نبيه وعلى المؤمنين، وانهزمت قريش هزيمةً منكَرةً قُتل صناديدها وأُسِرَتْ جماعة من سادتها وكثُرت الغنيمة، وعاد المنهزمون إلى مَكَّةَ قد أحرزوا تجارتهم تلك التي نجا بها أبو سفيان ولم يكَد، ولكنهم عادوا بخزيٍ أيِّ خزي يشقون بنار الهزيمة وفَقْدِ الصناديد والسادة والإخوان والآباء والأخِلَّاء. وقد قص الله هذه الموقعة أروع القصص في سورة الأنفال.

ومن ذلك اليوم — يوم بدر — تسامعت العرب بالنبي وأحسَّت قوته وبأسه وامتلأت قلوبهم منه رعبًا. على أن قريشًا لم تصبر على هزيمتها ولم تَتَعَزَّ عمَّن فقدت من سادتها وأحبائها، فجعلت تتهيَّأ للثأر، ترصد لذلك المال وتجمع الجموع، وأخذتها العزة بالإثم فحظرت إعلان الحزن على من قُتل من رجالها.

وأقبلت حين دار العام إلى المدينة تريد أن تثأر وأن تنتصر على الذين انتصروا عليها، وقد كادت تعود إلى مكة بالخزي والخسار وخيبة الأمل، لولا أنْ هَمَّ بعض المسلمين بالفشل وطمع بعضهم في الغنيمة حين أراهم الله من النصر ما يُحبون؛ فكَرَّتْ عليهم قريش كَرَّةً كانت ابتلاءً من الله لهم وتمحيصًا لقلوبهم ودرسًا قاسيًا، عرف المسلمون كيف ينتفعون به فيما استقبلوا من أيامهم، وفيما أُثِيرَ لهم من الخطوب والمشكلات.

ولكنهم على كل حال لم ينتصروا في تلك الوقعة يوم أُحُد، فكانت عليهم الدائرة: قُتل منهم من قُتل، وجُرح منهم من جُرح، وفَرَّ منهم كثير ولم يثبُت إلا النبي ونفر قليل من أصحابه، وأُصيب النبي نفسه إصابةً ضعيفةً، ورُزِئَ بعمه «حمزة» وكثير من أصحابه، واستطاع أبو سفيان قائد قريش أن يقول للنبي ومن بقي معه من أصحابه: اعل هبل، الحرب سجال، يوم بيوم بدر. وقد أجاب عُمر أبا سفيان عن أمر النبي بأن الله أعلى وأجل، وبأن الله قد أبقى من المسلمين من سيكونون له ولقومه بلاء أيَّ بلاء، وعلى رغم الهزيمة التي امتحن الله بها المسلمين في ذلك اليوم، وعلى رغم ما رُزِئَ به النبي وما أصابه من الأذى وما أصاب أصحابه من الثُّكل والجراحة فقد أبى النبي أن يقبل الهزيمة كما قبلتها قريش يوم بدر؛ فأمر أصحابه أو من قدر منهم على الرحيل أن يتبعوا قريشًا، ومضى على رأسهم في إثر المنتصرين، لم يحفل بقلة أصحابه وكثرة عَدُوِّهِ وإنما مضى في إثرهم لا يلوي على شيء حتى أمِن كرتهم على المدينة، فعاد موفورًا. وقَصَّ الله وقعة «أحد» كما كانت مؤنبًا لمن فشل في المسلمين، وعاتبًا على من انصرف عن الحرب إلى الغنيمة مخالِفًا بذلك عن أمر النبي، وعافيًا مع ذلك عن أولئك وهؤلاء، وآمرًا للنبي أن يعفو عنهم ويستغفر لهم ويشاورهم في الأمر، ومُعَزِّيًا للمسلمين بعد ذلك عمَّن فقدوا من أصحابهم بأنهم أحياء عند ربهم يُرزقون، ومهيِّئًا للمسلمين لما سيُمتحنون به في أنفسهم وأموالهم، ولما سيسمعون من الأذى الذي يؤذيهم به المشركون والذين أوتوا الكتاب من اليهود.

قص الله هذا كله كأحسن ما يكون القَصص في سورة آل عمران. على أن قريشًا قد أطمعها انتصارها فلم تَكَدْ تستريح من غزوتها تلك وتفرغ لما كانت فيه من التجارة والحياة اللاهية اللاعبة، بل فكرت في غزو المدينة مرةً أخرى. وجعلت تتأهب لذلك وتؤلِّب العرب وتُحالِف القبائل واليهود موقِنةً بأنها لن تأمن ما بقي للنبي وأصحابه شوكةٌ، فليس لها بُدٌّ من أن تُزيل هذه المدينة أو أن تتهيأ لزوال مكة.

وكذلك أقبلت قريش بعد عام وبعض عام — ومعها كثير من قبائل نجد، وقد أحكمت أمرها مع اليهود — غازيةً للمدينة تلك الغزوة التي قَصَّهَا الله في سورة الأحزاب والتي سُمِّيَتْ بهذا الاسم.

وقد عرف النبي والمسلمون تأهُّب قريش وأحابيشها وحلفائها من أهل نجد لغزو المدينة، فتشاوروا في هذا الأمر وأُشِيرَ على النبي أن يحتفر خندقًا يمنع المشركين من بلوغ المدينة، فتأذَّنَ في أصحابه بذلك وشاركهم في احتفار الخندق، كما شاركهم من قبلُ في بناء المسجد يعمل بيده كواحد منهم، ويحتمل في ذلك من المشقة ما يحتملون، ويلقى فيه من العناء ما يلقون صابرًا جادًّا مثبِّتًا قلوب أصحابه مغريًا لهم بالصبر والجِدِّ، حتى بلغوا من احتفار الخندق ما أرادوا.

وأقبلت قريش في جموع كثيرة جدًّا من أحابيشها وأحلافها: جموع تأتي من أسفل من المسلمين وهم قريش ومن جاء معهم، وجموع أخرى تأتي من فوقهم وهم أهل نجد من حلفاء قريش وجُلُّهُم من غطفان.

ورأى المسلمون ذلك فأكبروه واستكثروه، ولا سيما أنهم علموا أن بني قريظة من اليهود قد نقضوا عهدهم وغدروا بحلفائهم من المسلمين، وخلطوا أمرهم بأمر قريش وحلفائها بغيًا وغدرًا ونقضًا للحلف والجوار.

وكان المسلمون يعلمون إلى هذا كله أن بين أظهرهم من المنافقين فريقًا إن لم يُظهروا تأييدهم لقريش فهم يُضمِرون خذلانهم للمسلمين ويأبَوْنَ على كل حال أن ينصروهم. فلا غرابة في أن يصف الله عز وجل موقف المسلمين من هذا كله أبرع الوصف وأنفذه إلى القلوب في هذه الآيات الكريمة من سورة الأحزاب، وأن يُذكِّر المسلمين بذلك بعد الموقعة ليعرفوا حسن بلائه فيهم وعظيم نعمته عليهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا.

ولم يكن بين جماعة المسلمين وبين هذه الجموع الضخمة من المشركين تزاحُف ولا لقاء، وإنما كان بعض الأفراد من المسلمين والمشركين تكون بينهم المبارزة من حين إلى حين، ولكنِ المسلمون كانوا مع ذلك في بلاء عظيم، يمتحنون في إيمانهم وثقتهم بما وعد الله ورسوله ويمتحنون في صبرهم على اليأس والمكروه؛ ذلك أن قريشًا وحلفاءها كانوا جديرين أن يُقيموا فيُطيلوا المقام ويفرضوا على المسلمين حصارًا شديدًا متصلًا، وكان بنو قريظة من اليهود جديرين أن يأخذوهم من ظهورهم فلا يعرفون من يقاتلون ولا من أي وجه يقاتلون، ولكن الله يتيح للنبي من عدوه من يأتيه ناصحًا له.

يريد أن ينصره، فيأمره النبي أن يُخَذِّلَ بين قريش واليهود، ويفعل الرجل ذلك على أحسن وجه، فيُقنع اليهود بأن قريشًا خليقة أن تغدر بهم حين يجد الجِدُّ ويشتد البأس، ويشير عليهم بألا يشاركوا قريشًا في أمرها حتى تعطيهم رهائن من أنفسها، ويُقنع قريشًا بسوء نية اليهود وأن حلفهم لا يخلو من دخَل، ويستحكم الشك عند قريش فتطالب اليهود بالقتال ويطلب اليهود الرهائن فلا تشك قريش في أنهم قد غدروا. وبينما هم في ذلك يرسل الله ذات ليلة ريحًا عاصفةً أي العصف باردةً أي البرد، تطفئ نيران الحلفاء وتكفأ قدورهم وتنزع خيامهم فيأخذهم الذعر، ويشتد فيهم الاختلاط والاضطراب حتى لا يعرف الرجل منهم صاحبه، فلا يكادون يستقبلون الصبح حتى يجلس أبو سفيان على راحلته وينادي في القوم بالرحيل، فيتفرق الأحزاب.

تعود قريش إلى مكتها، ويعود حلفاؤهم من العرب إلى بواديهم، ويصف الله ذلك في الآية الكريمة: وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا.

وبعد هذه الخيبة التي مُنيت بها قريش وحلفاؤها لم تحاول قريش غزو المدينة مرةً أخرى، ولكنها مضت تَبُثُّ كيدها في جزيرة العرب تحرِّض على النبي وأصحابه المشركين من أهل نجد والحجاز. وكان النبي وأصحابه من أجل ذلك لا يستريحون وإنما تأتيهم الأنباء بين حين وحين بأن هذه القبيلة أو تلك — من قبائل العرب القريبة منهم والبعيدة عنهم — تتهيَّأ لبعض الشر، فيغزوها النبي بنفسه أو يرسل إليها من يغزوها. كانت قريش تبث الكيد وكان النبي وأصحابه يبثون الهيبة لهم والخوف منهم حتى إذا كان العام السادس للهجرة خرج النبي وفريق من أصحابه قاصدين إلى مكة لا يريدون قتالًا ولا يفكرون في حرب، وإنما يريدون العمرة كما كان سائر العرب يقصدون إلى مكة حاجِّين ومعتمرين.

ولكنهم لا يبلغون الحديبية حتى تعلم قريش بمَقدَمهم فتأبى أن يدخلوا عليها مكة، ويسعى السفراء بين النبي وبينهم في ذلك؛ يؤكد النبي وأصحابه أنهم لا يريدون إلا العمرة، وتأبى قريش أن يدخلوها عليهم وتُنذِر بالقتال وتَتَهَيَّأ له، ثم يكون الصلح الذي يُعرف بصلح «الحديبية» والذي امتحن الله به قلوب المسلمين وزلزل به قلوب بعض خيارهم؛ ذلك أن النبي قَبِلَ من قريش ألا يدخل عليهم مكة عامهم ذاك، وقبِلت قريش أن يدخلوها من قابل لا يحملون من السلاح إلا السيوف في أغمادها، وشق ذلك على المسلمين حتى أقبل «عمر» على النبي يسأله: ألسنا على حق؟ قال النبي: «بلى.» قال عمر: أليسوا على باطل؟ قال النبي: «بلى.» قال عمر: فلِمَ نُعطي الدنية في ديننا؟ قال النبي: «أنا عبد الله ورسوله ولن يضيعني.»

وأعاد «عمر» سؤاله هذا على أبي بكر، فأجابه أبو بكر بمثل ما أجابه النبي به، ولما عقد الصلح أمر النبي أصحابه أن يحلوا من إحرامهم فأبطَئوا ولم يستجيبوا، واغتمَّ النبي لذلك، ولكنه لم يلبث أن أحل من إحرامه حتى صنع أصحابه صنيعه.

وأنزل الله: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا * هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * وَلِلهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.

ويقول الرواة: إن بعض المسلمين حين تُليت عليهم هذه السورة سألوا النبي: أَوفتح هذا؟ قال النبي: «نعم.»

وكان النبي قد أرسل من «الحديبية» عثمان — رحمه الله — سفيرًا إلى قريش، فأبطأت عودته وقيل: إن قريشًا قد فتنته، فبسط النبي يده للبيعة على الموت، وبايعه أصحابه لم يتخلف منهم أحد، وأنزل الله في سورة الفتح: لَّقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.

وفي يوم «الحديبية» ذاك تمت الهدنة بين النبي وبين قريش عشر سنين على أن يدخل في عقد قريش من العرب من شاء ويدخل في عقد النبي منهم من شاء، وتُكَف الحرب بين الفريقين، وعلى أن من جاء قريشًا من أصحاب النبي لاجئًا إليهم لم يردُّوه ومن جاء النبي من قريش مؤمنًا به أو لاجئًا إليه ردَّه عليهم.

وعلى أن يأتي النبي وأصحابه من قابل معتمرين فتترك لهم قريش مكة ويدخلونها لا يحملون من السلاح إلا السيوف في أغمادها، ثم لا يقيمون فيها إلا ثلاثة أيام.

وهذه الشروط التي قامت عليها الهدنة هي التي أحفظت فريقًا من المسلمين، ولكنهم لم يفطنوا لأن الهدنة بينهم وبين قريش ستكفيهم مكرها من جهة وستطلق أيديهم فيمن لم يحالف قريشًا من العرب يسالمونهم إن سالموا ويحاربونهم إن حاربوا، وستريحهم إلى حين من خصومة هؤلاء الأعداء الألِدَّاء، ذلك إلى ما وعدهم الله من الفتح القريب ومن مغانم كثيرة يأخذونها.

ومهما يكن من شيء فقد طابت قلوب المسلمين آخر الأمر وعرفوا أنهم قد أسرعوا إلى الحفيظة والغضب، وأنهم لو استأنوا بأنفسهم لكان خيرًا لهم وأرضى لنبيهم، ولكن الله ونبيه قد عوَّداهم العفو عن مثل هذه الهفوات.

١٥

ولم يكن أمر النبي مع اليهود أهونَ من أمره مع قريش؛ فهم كانوا على قِلَّتِهِم في المدينة جيرانًا للنبي والمسلمين. ولم يكونوا جيران خير، كان كفرهم شديدًا ومكرهم أشد، وكانوا على اتصال بالمنافقين من أهل المدينة يشجعونهم ويغرونهم بالنفاق، وكانت بينهم وبين كثيرين من هؤلاء المنافقين علاقات حلف في الجاهلية فكان هذا يزيدهم كفرًا وطغيانًا، وكانوا بعد هذا كله أهل كتاب يقرءون التوراة أو يقرؤها أحبارهم على أقلِّ تقدير، ويرون أنهم على شيء من الدين، وأنهم سبقوا المسلمين إلى هذا الدين، فلهم سابقة علم بشئون النُّبُوَّات، وكانوا يُعظمون موسى ويرون المسلمين يُعظمونه ويسمعون تعظيمه في القرآن فتأخذهم الكبرياء، ويظنون أنهم أهدى سبيلًا من المسلمين كما ظنوا من قبلُ أنهم أهدى سبيلًا من النصارى، وكانوا يتيهون بدينهم وما عندهم من علم قليل على المسلمين، كما كانوا يتيهون بذلك على العرب في الجاهلية. وكانوا أصحاب جدال لا ينقضي وأصحاب عناد لا قرار له، وكانوا ذوي جرأة على الحق وافتنان في الباطل، يعلمون أن المسلمين لا يقرءون التوراة في لغتها العبرانية فيحرِّفونها كما يشاءون وكما تشاء أهواؤهم، لا يحفلون بما في ذلك من نكر ولا يأبهون لما له من عواقب. وكانوا يسألون النبي عن أشياء، فإذا أجابهم النبي بما كان الله يُوحي إليه مَارَوْا في ذلك وأسرفوا في المراء.

ثم كانوا لا يفون بالعهد إذا عاهدوا ولا يصدُقون في القول إذا قالوا، ولا يستطيع أحد من المسلمين أن يأمن لهم في قول أو عمل.

ثم لم يلبثوا أن بيَّنوا عن غدرهم تبيينًا لا يترك سبيلًا إلى الشك في أن جوارهم غير مأمون: هَمَّ فريق منهم — وهم بنو النضير — بقتل النبي، وقد أقبل عليهم ذات يوم يستعينهم على بعض الحق — كما كان الحلف يقضي بذلك — فأظهروا حسن اللقاء وهَمُّوا بالغدر وأزمعوا أن يلقوا عليه من عل صخرة تُودي به لولا أن أنبأه الله بما كادوا له، فانصرف عنهم ثم أجلاهم عن المدينة ولم يرزأهم شيئًا.

ونكص فريق آخر — وهم بنو قينقاع — عن الوفاء بالحلف، أهانوا امرأةً واستنصرت المرأة المسلمين فكان خصام قتلوا فيه رجلًا مسلمًا واعتلُّوا في ذلك بعلل لا قيام لها، فأجلاهم النبي عن المدينة لم يرزأهم إلا السلاح.

وغدر الفريق الآخر يوم الأحزاب فلم يمتنعوا عن نصر المسلمين فحسب، ولكنهم أعانوا عليهم وانضموا لحِلف قريش، فحاصرهم النبي والمسلمون حتى أنزلهم على حكمه، ثم حكَّم فيهم سعد بن معاذ — رحمه الله — بأن تُقتل المُقاتِلة وتُحتاز الأموال وتُسبى الذراري والنساء، فأنفذ النبي هذا الحكم.

ووصف الله عز وجل في القرآن ما أصاب بني قريظة هؤلاء في سورة الأحزاب حيث يقول: وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا.

وكانت لليهود بقية قوية غنية في «خيبر» وفي «وادي القرى» فسلَّط الله رسوله عليهم بعد يوم «الحديبية» — وهو الفتح القريب الذي وعد به المؤمنين — فغزاهم في أصحابه ولم ينصرف عنهم حتى فتح حصونهم، وغنِم أرضهم وأعملهم فيها على أن لهم نصف ما تُخرج من الثمرات وللمسلمين نصفها.

وكذلك قضى على اليهود في الحجاز، خلت منهم المدينة وبقي منهم من بقي في خيبر ووادي القرى خاضعين للمسلمين يعملون في أرضهم ويعيشون من عملهم لا يملكون قوةً ولا مكرًا ولا كيدًا.

وقد أمر الله نبيه ومن آمن معه ألا يُجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، وأن يقولوا لهم آمنَّا بالذي أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون.

لم يُسْتَثْنَ من هذا الأمر بالرفق والجدال الرقيق مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلا الذين ظلموا وبيَّنوا بظلمهم أن الرفق والرقة لا يجديان معهم شيئًا، وذلك في الآية الكريمة من سورة العنكبوت: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.

فلما هاجر النبي إلى المدينة واستقرَّ فيها مع أصحابه من المهاجرين والأنصار لم يُعَادِ اليهود ولم يُبَادِهِم بسوء، وإنما رفق بهم كل الرفق، وأراد أن تقوم الصلات بينه وبينهم على حسن الجوار وعلى التعاوُن والنصر عند البأس. وقبل اليهود منه ذلك ولكنهم لم يلبثوا أن أظهروا أنهم كانوا حقًّا من الذين ظلموا واستثناهم الله في الآية الكريمة السابقة. فاشتد الجدال بينهم وبين النبي في الدِّين أولًا وأنزل الله فيهم قرآنًا كثيرًا.

يقص عليهم أحيانًا سابقتهم في الكفر به والجحود له والتنكُّر لمن أرسل إليهم من الأنبياء. ويقص عليهم كذلك عقاب الله لهم على هذا الكفر والجحود، وأحيانًا أخرى يرد عليهم ما كانوا يفترون من الكذب ويزعمون أنهم يقرءونه في التوراة. ويصفهم بأنهم لا يقرءون الكتاب إلا أمانِيَّ وإن هم إلا يظنون. ويصفهم مرةً أخرى بأنهم يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه. ويصفهم مرةً ثالثةً بالنفاق لأنهم يَلْقَوْنَ الذين آمنوا فيقولون: إنا معكم، فإذا خلا بعضهم ببعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم؟ ومرةً أخرى يوبخهم لأنهم يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، ويذكرهم غير مرة بأنه نجَّاهم من آل فرعون يسومونهم سوء العذاب يذبِّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وبأنه أغرق آل فرعون أمامهم وهم ينظرون، ثم لم يلبثوا أن جحدوا هذه النعمة وكفروا بالذي أنعمها عليهم وعبدوا العجل من بعده ظالمين لأنفسهم. ويذكرهم غير مرة أيضًا بجبنهم وكراهيتهم أن يدخلوا الأرض المقدسة التي اختصهم الله بها وقالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون.

ويُحصي عليهم كثيرًا من آثامهم ومن تكذيبهم للرسل وقتلهم الأنبياء وما أصابهم في سبيل هذا كله من المحن وألوان البلاء. وربما تحداهم حين كانوا يزعمون لأنفسهم من الخصائص ما ليس لهم؛ فهم كانوا يزعمون أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات فيأمر الله نبيه أن يسألهم: هل اتخذوا عند الله عهدًا أم يقولون على الله ما لا يعلمون؟

ويأمر نبيه أن يقول لهم: إن كانت الدار الآخرة خالصةً لكم من دون الناس فتَمَنَّوُا الموت إن كنتم صادقين، ثم يؤكد الله عز وجل أنهم لن يتمنوا الموت أبدًا؛ لأنهم يعلمون ما قدمت أيديهم من السيئات؛ فهم يكذبون على الله حين يزعمون أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات، أو أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس.

ويؤكد الله لنبيه أنهم أحرص الناس على حياة، وأن أحدهم يَوَدُّ لو يُعَمَّرُ ألف سنة، ولو أتيح له ما يتمنى من طول العمر لما زحزحه ذلك عن العذاب.

وكذلك يمضي القرآن الكريم ناعبًا على اليهود تلك الخصال التي أشرنا إليها في أول هذا الفصل، ولائمًا لهم على تاريخهم المليء بالجحود والغدر والكفر، ورادًّا عليهم ما كانوا يثيرون من المشكلات أو يُلقون عليه من الأسئلة التي كانوا يرون أنها ستحرجه وتقطع حجته، فيُفحِمهم ويُلزِمهم الحجة.

ولذلك كله ظهر أول انحراف عن الرفق بهم حين حُوِّلت قبلة المسلمين في الصلاة عن بيت المقدس إلى المسجد الحرام. وكان النبي يتمنى لو غُيرت قبلته عن بيت المقدس انحرافًا عن اليهود، أولئك الذين وصفهم الله بما وصفهم به في آيات كثيرة جدًّا من القرآن، والذين مضوا في العناد والجحود إلى غير غاية فأنزل الله هذه الآية من سورة البقرة: قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.

ثم سخر الله منهم في هذه الآية من السورة نفسها: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.

ثم بيَّن بعد ذلك في نفس السورة أن البِرَّ ليس أن يولي الإنسان وجهه قِبَلَ المشرق والمغرب، وإنما البر خصال أخرى فصَّلها الله في هذه الآية: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.

وبعد خُلُوِّ «المدينة» من اليهود وفتح «خيبر» و«وادي القرى» خَفَّ الجدال بين النبي وبين اليهود وقَلَّ ذكرهم في القرآن لانقطاع الحاجة إليه؛ ولأن الله قد ذكرهم بما أخزاهم في الدنيا وبيَّن أنه سيخزي الظالمين منهم في الآخرة.

١٦

ولم يكن أمر النصارى ظاهرًا في جزيرة العرب، وإنما كانت لهم جماعة في نجران، وكان منهم أفراد متفرِّقون هنا وهناك في الجزيرة. فلم يكن الجدال بين النبي وبينهم متصلًا ولم يعنُف إلا حين كان النصارى ينحرفون في مقالاتهم وما يُظهرون من دينهم عن التوحيد الخالص الذي جاء به النبي ودعا إليه وأُمر أن يقاتل الناس حتى يُعلنوه فيقولوا: «لا إله إلا الله»، فإن قالوها عصموا منه دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، كما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان.

وقد أنزل الله من القرآن ما يُصَوِّرُ النصارى أقرب الناس مودة إلى المؤمنين، فقال في سورة المائدة: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ.

وقد قرَّر القرآن الكريم أن المسيح عيسى بن مريم رجل لا كالرجال، لم يلِده أب وإنما هو كلمة الله ورُوحٌ منه ألقاها إلى مريم. ووصف الله تبشير الملائكة لمريم بالمسيح ومولده في سورة آل عمران وفي سورة مريم. واختصه الله بمعجزات لم يؤتِها أحدًا من رسله: فاختصه بإحياء الموتى، واختصه بإبراء الأكمَهِ والأبرص، واختصَّه بأن يجعل من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا؛ كل ذلك بإذن الله.

وأنزل عليه وعلى أصحابه مائدةً من السماء كانت لهم عيدًا لأولهم ولآخرهم، واختصه قبل ذلك بتكليم الناس في المهد، وأرسله إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى الإيمان بالله وأداء حقه والخروج ممَّا ورطوا أنفسهم فيه من السيئات والآثام، ويخفِّف عنهم بعض ما امتُحِنُوا به من الأعباء الثقال، ولكن اليهود كذَّبوه وآذَوْهُ وهَمُّوا بصَلبه وقتله، فلم يصلبوه ولم يقتلوه وإنما شُبِّهَ لهم ورفعه الله إليه وطهَّره من الذين كفروا.

وكان ممَّا غضب الله به على اليهود قَذفُهم لمريم وقولهم عليها بهتانًا عظيمًا، وزعمهم أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وما كان لكلمة الله أن تُقتل وما كان لروح من الله أن يُصلب. وقد ذكر الله ذلك في الآيات الكريمة من سورة النساء: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا.

وقد شدَّد الله النكير على النصارى في شيئين خطيرين؛ أحدهما: تأليهُهم للمسيح وعبادته وذلك في قوله من سورة المائدة: قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وقوله في السورة نفسها: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ.

وهو في هذه الآية يبرِّئ المسيح من عبادة النصارى إياه، ويقرِّر أن المسيح لم يَدْعُ بني إسرائيل إلا إلى عبادة الله رَبِّهِ وربهم وأنه نهاهم عن الشرك.

وهو في آية أخرى من السورة نفسها يقرر هذا، ولكن في صراحة لا تدع إلى الشك سبيلًا وذلك حيث يقول: وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.

الأمر الثاني الذي أنكره الله على النصارى أشد الإنكار تثليث المثلِّثين منهم وقولهم: إن الله ثالث ثلاثة. وذلك في الآيات من سورة المائدة: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ.

ولم يكن بين النبي والنصارى جدال — فيما نعلم — إلا ما كان بينه وبين نصارى نجران حين وفد عليه بعضهم، وعسى أن يكون الله عز وجل قد أشار إلى هذا الجدال في سورة آل عمران حين قرَّر أن مَثَلَ عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: «كن» فيكون، يريد عز وجل — وهو أعلم بما يريد — أن ليس في مولد عيسى دون أن يكون له أبٌ شيء من غرابة؛ فالله قد خلق آدم من تراب ثم قال له: «كن» فكان، لم يكن له أب ولم تكن له أم فمن خلق إنسانًا لغير أب وأم قادر على أن يخلق إنسانًا ليس له أب.

ثم قال — عز من قائل — يأمر نبيه بمباهلة الذين يجادلونه في ذلك ويصف طريق المباهلة: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللهُ ۚ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ.

ثم أمره أن يدعو أهل الكتاب من النصارى واليهود إلى كلمة سواء بين المسلمين وبينهم وهي ألا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئًا ولا يتَّخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، وأمره إن أَبَوْا أن يجيبوا إلى هذه الدعوة أن يُشهدهم على أنه هو وأصحابه مسلمون قد أخلصوا دينهم لله وحده، وذلك حيث يقول: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.

وكأن النصارى حاجُّوا النبي في إبراهيم كما كان اليهود يحاجونه فيه فقال الله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.

ويقول الرواة: إن النصارى من أهل نجران نكلوا عن المباهلة التي دعاهم إليها النبي عن أمر الله وعادوا إلى بلادهم كما أقبلوا منها دون أن يُعطوه الرضى من أنفسهم. ولم تكن بين النبي وبين النصارى في جزيرة العرب حرب، وإنما تسامَع المسلمون العرب ذات يوم بأن نصارى العرب في مشارف الشام يتهيَّئون لغزو المسلمين في المدينة. يدل على ذلك ما تحدَّث به عمر — رحمه الله — حين اعتزل النبي نساءه، من أن صاحبًا له من الأنصار جاءه بليل فطرق عليه الباب، فلما خرج إليه أنبأه الأنصاري بأن قد حدث شيء عظيم، قال عمر: أوَجاء الغسَّاني؟ وكانوا قد تسامعوا بأن غسان تتهيأ لغزوهم. قال الأنصاري: لا، بل حدث أعظم من ذلك، ثم مضى عمر في حديثه.

فهذا يدل على أن أهل الشام من نصارى العرب قد أكبروا ما بلغهم عن النبي وانتشار أمره في الجزيرة بالسلم حينًا وبالحرب حينًا آخر، فهَمُّوا بغزوه كراهية أن ينشأ في جزيرة العرب ملك منظم يصبح خطرًا على حدود الإمبراطورية البيزنطية. وهذا في أكبر الظن هو الذي حمل النبي أن يرسل جيشًا إلى «مؤتة» على حدود الشام والجزيرة العربية وهي الموقعة التي امتُحن فيها المسلمون وقُتل فيها ثلاثة من أصحاب اللواء. وكادت الكارثة أن تكون أخطر من ذلك لولا براعة خالد بن الوليد — رحمه الله — حين أخذ اللواء وانحاز بالمسلمين حتى أمنوا. وعسى أن يكون هذا أيضًا وما انتهت إليه موقعة «مؤتة» هو الذي حمل النبي أن يغزو غزوة «تبوك» التي فصَّل الله ذكر ظروفها في سورة التوبة كما سترى.

١٧

وكان أمر النبي مع المنافقين معقدًا أشد التعقيد؛ لأنه اتصل منذ هاجر النبي إلى المدينة إلى أن آثره الله بجواره، ولأن النبي والمسلمين لقوا منه شرًّا أي شر وبلاء أي بلاء.

كان أمر المنافقين من جهة أيسر من أمر المشركين واليهود؛ فلم تكن بينهم وبين المسلمين حرب ولم تُسفَك بينهم دماء، ولكنه كان من جهة أخرى أشد من أمر المسلمين مع المشركين واليهود عسرًا؛ ذلك لأن المنافقين لم يصنعوا صنيع أولئك ولا صنيع هؤلاء، لم يبادوا النبي وأصحابه بالكفر، وإنما أظهروا الإسلام وأضمروا الكفر، ولم يبادوا النبي وأصحابه بالعداوة الصريحة، وإنما أظهروا المودة وأضمروا البغضة والعداء، ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:

فإما أن تكون أخي بحق
فأعرف منك غثي من ثميني
وإلا فاتركني واتخذني
عدوًّا أتقيك وتتقيني

ويوشك النفاق أن يكون أبعد من الكفر الصريح والعداء البَيِّنِ أثرًا في إفساد حياة الناس.

وقد كان النبي والمسلمون يعرفون من كفر المشركين واليهود وعدائهم، ومن كيدهم لهم ومكرهم بهم ما يضطرهم إلى أن يحتاطوا لدينهم ولأنفسهم من أولئك وهؤلاء. وكانوا جديرين ألا يعرفوا من بُغض المنافقين لهم شيئًا لولا أن خبر السماء كان يأتي النبي حين ينزل القرآن بما في قلوب المنافقين من حقد عليهم وبغض لهم. وكان النبي مع ذلك قد أُمِرَ أن يقاتل الناس حتى يقولوا: «لا إله إلا الله»؛ فإذا قالوها عصموا منه دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله كما روينا آنفًا. وكان المنافقون يقولون: «لا إله إلا الله» فيعصمون دماءهم وأموالهم من النبي والمسلمين ولا يجعلون لهم على أنفسهم سبيلًا؛ ثم يستخفُون بكفرهم وجحودهم، ولو قد اكتفوا بإخفاء الكفر والجحود بعد أن أظهروا الإسلام ثم لم يزيدوا على ذلك لكان أمرهم هينًا يسيرًا، ولكنهم يضيفون إلى الكفر والجحود استهزاءهم بالنبي والمسلمين حين يخلو بعضهم إلى بعض وإصرارهم على الكيد للنبي والمسلمين وتولِّيهم للمشركين واليهود دون النبي والذين اتبعوه، وإطلاقهم كلمة السوء في النبي والذين آمنوا معه كلما أُتيح لهم إطلاقها، وكان الحسد مصدر هذا كله فيما يظهر.

فلم تكن كلمة العرب في المدينة مؤتلفةً قبل هجرة النبي، وإنما كانوا فئتين مختصمتين أشد الاختصام: كانوا قبيلتين عربيتين تنتسبان إلى أصل يمني قحطاني، وتشتد المنافسة بينهما حتى تثير الخصومة دائمًا وتثير الحرب أحيانًا.

وقد احتربت القبيلتان — الأوس والخزرج — في آخر العصر الجاهلي حربًا متصلةً مضنيةً، وكانتا جديرتين أن تستأنفا حربهما لولا أن هداهما الله إلى الإسلام بالنبي ، فألغى ما كان بينهما من خصومة وكَفَّ أيدي بعضهم عن بعض. وكان من إحدى القبيلتين — وهي الأوس — رجل قد عظُم شأنه وارتفعت مكانته في قومه حتى كادوا يتوِّجونه ملكًا عليهم، فلما جاء الإسلام وهاجر النبي وأصحابه إلى يثرب سقط أمر هذا الرجل وأصبح كغيره من أهل المدينة رجلًا من الأوس، وضاعت آماله وضاعت كذلك آمال أتباعه فيه. فليس غريبًا أن يضيق هذا الرجل «عبد الله بن أبي بن سلول» والذين اتبعوه بمقدَم النبي إلى المدينة وانتشار الإسلام فيها وانصراف المسلمين من الأوس والخزرج عن التفكير في المُلك وفيمن يصير الملك إليه، إلى التفكير في الإسلام والنبوة وإلى الاستجابة للنبي في كل ما يدعوهم إليه ويأمرهم به والانتهاء عمَّا كان ينهاهم عنه ويخوِّفهم منه.

وليس غريبًا أن يمتلئ قلب هذا الرجل والذين لاذُوا به حقدًا وحسدًا للنبي ومن جاء معه من المهاجرين ومن اتَّبعه من الأنصار من الأوس والخزرج جميعًا.

وليس غريبًا — حين ظهر الإسلام في المدينة وفشا في أهلها — أن يُضْطَرَّ هؤلاء الناس إلى أن يُسلِموا فيمن أسلم، لم يكونوا يستطيعون مقاومةً؛ لأن الإسلام كان قد دخل في كل دار من دور الأوس والخزرج، ولم يكونوا يستطيعون أن يخرجوا من المدينة ويتركوها للدين الجديد ومن جاء به. تمنعهم من ذلك مصالحهم وأموالهم وتمنعهم من ذلك كبريائهم أيضًا. ولم يكونوا آخر الأمر يستطيعون أن يظلوا كفارًا وأن يجاهروا بذلك فيجعلوا للنبي سبيلًا على أنفسهم وأموالهم. لم يشرح الله صدورهم للإسلام ولم يجرُءُوا على أن يُظهروا الكفر فعاشوا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما وصفهم الله في الآية الكريمة من سورة النساء.

شقُوا بنفاقهم هذا وآذَوْا به المسلمين إيذاءً متصلًا مختلفًا. كانوا خطرًا في أيام السلم يعرف النبي والمسلمون إسلامهم بأطراف ألسنتهم وكفرهم في أعماق قلوبهم. ثم يرون منهم ويسمعون ما يكرهون في أوقات كثيرة، ولا يستطيعون أن يعرضوا لهم بسوء؛ لأن الله لم يسلِّطهم عليهم، بل عصمهم منهم بكلمة التوحيد التي تنطلق بها ألسنتهم وتغلق من دونها قلوبهم. وكان أحدهم ربما غلب عليه كفره وبغضه فأظهر من القول والعمل ما كان جديرًا أن يحل دمه، ولكن النبي كان يُسرع إلى العفو عن هذه الهفوات على خطورتها. كالذي كان — حين أعلن عبد الله بن أبي بن سلول في غزوة بني المصطلق — من تلك الكلمة التي ذكرها الله في القرآن حين قال: لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، يريد مبادَأة المسلمين بالحرب إذا عادوا إلى المدينة وما يتبع ذلك من الاستعانة عليهم بأوليائه من الكفار.

وقد بلغت هذه الكلمة النبي واستأذنه عمر في قتل هذا الرجل؛ لأنه أحل دمه حين أعلن في صراحة عداوته للمسلمين وإزماعه على أن ينصب لهم الحرب إذا عادوا إلى المدينة. ولكن النبي أبى على «عمر» وكره أن يتحدث الناس بأن محمدًا يقتل أصحابه كما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان.

وقد وصف الله المنافقين واشتد عليهم في غير سورة من القرآن، فضح أمرهم كله وأظهر دخيلة نفوسهم في الآيات الكريمة من سورة البقرة وذلك حيث يقول: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ.

ثم يصف عنادهم وما ملأ قلوبهم من الكبرياء والغرور فيقول: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ.

ثم يصف ذلة نفوسهم واضطرابهم إلى المخادعة وإباءهم بأن يعترفوا بهذه المخادعة؛ فيقول: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ.

ثم يشبههم بأصحاب التجارة الذين يبذلون أغلى الأثمان وأنفَسَها ليشتروا بها أبخس المتاع وأشده عليهم وبالًا، ثم يعودون بعد ذلك بالخسران؛ فيقول: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ.

ثم يصورهم أروع تصوير وأبرعه حين يمثلهم مرةً بالذي يبذل الجهد ويَجِدُّ كل الجد ليستوقد النار فإذا اضطرمت وارتفع لهبها وأضاءت ما حوله وحول أصحابه، ذهب الله بما أتيح لهم من نور وتركهم في ظلمات لا يبصرون؛ فيقول: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ.

ثم يصور حيرتهم واضطرابهم بين الخوف والأمن وبين اليأس والأمل فيضرب لهم مثلًا قومًا أدركهم صَيِّبٌ من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، فهم وجِلون قد ملأ الخوف قلوبهم وخُيِّل إليهم أنهم يرون الموت؛ فهم يضعون أصابعهم في آذانهم إشفاقًا من الرعد والصواعق وحذرًا من الموت. وهم يرون البرق يضيء ما حولهم فيمشون في ضوئه، فإذا انقطع البرق وعادت الظلمة قاموا في أماكنهم لا يدرون أين يذهبون، فيقول: أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وذكرهم الله في سورة النساء فصور تردُّدهم بين الإيمان والكفر، فهم يؤمنون ثم يكفرون ثم يرجعون إلى الإيمان، ثم يعودون إلى الكفر، ثم يزدادون كفرًا، قد ملكت عليهم الحيرة أمرهم فهم لا يعرفون أي طريق يسلكون.

وذكر توليهم للكافرين من دون المؤمنين كيدًا لهؤلاء والتماسًا للعزة عند الكافرين.

وذكر أنهم إذا قاموا للصلاة قاموا كسالى؛ لأن صلاتهم ليست صلاة صِدْقٍ وإنما صلاة خداع ورياء؛ فهم يراءون الناس ليكفوا أيدي المسلمين عنهم، وهم يخادعون الله والله خادعهم، وهم مذبذبون بين الإيمان والكفر. ليسوا مع المؤمنين تأبى عليهم ذلك قلوبهم المدخولة وليسوا مع الكافرين صراحةً يخافون أن يجعلوا للمؤمنين عليهم سبيلًا، وهم يحاولون أن ينتفعوا بذبذبتهم هذه. فإذا أُتيح النصر للمؤمنين قالوا: ألم نكن معكم؟ لينتفعوا بثمرة الفتح، وإن يكن شيء من النصر للكافرين قالوا: ألم نَحُطْكُمْ ونَحْمِكُمْ من المؤمنين؟ يريدون أن ينتفعوا من انتصار الكفار. وهم يستهزئون بآيات الله إذا خلوا إلى أنفسهم والله يحذِّر المؤمنين إن سمعوا بعض هذا الاستهزاء أن يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره حتى لا يكونوا مثلهم ولا يلقوا مثل ما يلقى المنافقون من العذاب؛ لأن الله سيجمع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا.

والله يأمر نبيه أن يبشر المنافقين بالعذاب الأليم، ويعلن أنهم في الدرك الأسفل من النار، وأنهم لم يجدوا من ينصرهم أو يرد عنهم هذا العذاب.

والله يقول في هذا كله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا * بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلهِ جَمِيعًا * وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا * الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا.

فانظر كيف ذكر أمرهم على هذه الصورة من النكر والبشاعة ومن الكفر والغدر، وكيف أُنذرهم هذا النذير الشديد بالعذاب الأليم وبأنهم في الدرك الأسفل من النار لا يجدون لهم نصيرًا، ثم عاد بعد هذا الوصف القوي الموئس ففتح باب الأمل أمامهم وأعلن أن من تاب منهم وأصلح واعتصم بالله وأخلص له دينه فهؤلاء مع المؤمنين. والله يعد للمؤمنين أجرًا عظيمًا.

وكذلك القرآن يشدد النكير على المنافقين وعلى الذين يقترفون الآثام ويجترحون الكبائر حتى يُشرف بهم على اليأس، ثم يفتح لهم بعد ذلك أبواب الأمل واسعةً ويجعل التوبة الخالصة الصادقة النصوح سبيلهم إلى الأمل في النجاة، بل في أكثر من النجاة في الاستمتاع بما أَعَدَّ الله للمؤمنين الصادقين الناصحين من النعيم.

كان المنافقون إذن خطرًا أيام السلم وكانوا أشد خطورةً أيام الحرب؛ فهم كانوا أضعف إيمانًا بالله والرسول والدين من أن يقاتلوا العدو على بصيرة إذا لقوه، وأن يثبتوا له إذا أغار عليهم في المدينة، وهم كانوا يُظهرون هذا الضعف ولا يُخفونه، وكانوا حين يجد الجد لا يجدون حرجًا ولا حياءً في أن يُظهروا الجبن وما يستتبع الجبن من انخلاع القلوب واضطراب النفوس وضمور العزائم وفتور الهمم وانهيار الصبر على المقاومة.

وهم كانوا بذلك ينشرون الخوف ويُشيعون الذعر بين ذوي قربانهم وجوارهم من المسلمين؛ وأي شر في أوقات الحرب أعظم خطرًا من انقسام الجيش المحارب أمام العدو وفي أوقات الحصار خاصةً إلى فريقين، فريق يستقبل العدو في ثقة بالله وإيمان بوعده، وفريق آخر يُظهر الجبن ويحتال للفرار ما وجد إلى الفرار سبيلًا، ثم يشكك في عواقب الحرب ويملأ قلوب المدنيين فرَقًا وخوفًا.

وكذلك صنع المنافقون في غزو الأحزاب: خرجوا مع النبي وأصحابه لمواجهة العدو، فلما رأوا كثرته وما ظهر من قوته وبأسه، ورأوا أن المشركين لا يأتون المدينة من قِبَلِ مكَّة فحسب وإنما يأتونها من مكة ومن نجد، يأتونها من فوقها ومن أسفل منها، انخلعت قلوبهم وأخذ الرعب منهم كل مأخذ، وملك عليهم الهلع أمرهم كله حتى منعهم من الاحتياط في القول والعمل، فقال بعضهم — كما نقرأ في سورة الأحزاب: مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا، يذيعون الشك ويثبطون الهمم. وقال بعضهم: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا، يُغرُونَ المسلمين بالفرار وترك النبي وحده مع المهاجرين تجاه العدو. ثم لم يكتفوا بما قالوا وإنما أقبل بعضهم على النبي يستأذنونه في الرجوع ويعتَلُّون بأن بيوتهم عورة مكشوفة للعدو، ويُظهر الله جلية أمرهم فيرد عليهم معاذيرهم بقوله: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا.

ثم يفضح الله ما انطوت عليه قلوبهم من الكيد والغش والاستعداد لإجابة العدو ولما يريد، فيقول: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا، وينبئهم الله بأنهم لم يريدوا أن يفروا وحدهم وإنما أَغْرَوْا غيرهم بالفرار ولم ينتظروا مقدَم العدو لإظهار الجبن والفرَق والكيد معًا، وذلك حيث يقول من سورة الأحزاب أيضًا: قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا.

وما أعرف أن الجبن والمكر معًا وُصِفَا بمثل ما وصفهم الله في القرآن حيث يقول في المنافقين في سورة الأحزاب: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا.

فانظر إليهم بخلاء بالنصر والتأييد على المؤمنين، جبناء يُذهب الخوف إذا جاءَ نفوسَهم وعقولهم وأفئدتهم، فهم ينظرون إلى النبي تدور أعينهم كالذي تأخذه غشية الموت قبل أن يأتيه الموت. ثم انظر إليهم ماكرين بالمؤمنين كائدين لهم، قد ملأت البغضاء قلوبهم فأطلقوا في المسلمين ألسنتهم حدادًا بمقالة السوء في النبي وفي المؤمنين، حين يذهب الخوف ويعود الأمن.

وصوَّر الله في سورة الأحزاب أيضًا إفراط المنافقين في الجبن وإغراقهم في الفرَق؛ فقد انصرف الأحزاب عن المدينة ولكنَّ خوفَ المنافقين يُخيِّل إليهم أنهم ما زالوا محاصرين للمدينة، وهم من أجل ذلك وجِلون، ثم ينبئ الله نبيه والمؤمنين بأن الخوف قد ملأ قلوب هؤلاء المنافقين أن جعلهم يُشفقون من الأحزاب حتى بعد انصرافهم، يخافون أن يعيدوا الكَرَّة ولو قد فعلوا لوَدَّ المنافقون لو أنهم تركوا المدينة وعاشوا مع الأعراب في باديتهم، لا يرون ما يكون بين المؤمنين وبين الأحزاب من حرب ولا يرون عواقب هذه الحرب، وإنما يسألون عن أنباء المؤمنين وهم بعيدون عنهم في باديتهم تلك، قد أمنوا أن يمسهم من شر الحرب كثير أو قليل.

وقد ظهرت نيات المنافقين كأبشع ما كانت حين هَمَّ النبي بغزوة تبوك، ووصف الله نِيَّاتِهم هذه وقلوبهم وأعمالهم في روعة أي روعة، وتفصيل أي تفصيل، واشتد عليهم كل الشدة من أجل نياتهم وقلوبهم وأعمالهم في سورة التوبة.

وكانت غزوة تبوك مصدر محنة عامة للمنافقين جميعًا، ولفريق من المؤمنين أيضًا؛ ذلك أن النبي أخذ يتجهز لها في وقت لم يكن أشد على الناس فيه من ترك المدينة والمُضِيِّ إلى الحرب وإلى الحرب في مكان بعيد.

كان ذلك في أشد الصيف حين يشتد القيظ على المقيمين فكيف بالمسافرين، وحين تنضج الثمار ويَوَد الناس لو فرغوا لاجتنائها، وكان ذلك في وقت عسرة قَلَّ فيه المال واشتدت فيه الحاجة إليه. فهذه الحرب البعيدة التي لا تُعرف عواقبها، والتي لا تحمل إلى قبيلة من قبائل الأعراب قريبًا من المدينة وإنما تحمل إلى عرب الشام في حدود الجزيرة العربية.

كل هذا كان يحتاج إلى النفقة الكثيرة وكان يكلِّف المسلمين أن يجاهدوا بأنفسهم وأموالهم، وأن يُنفقوا على هذه الحرب عن سعة، ومن أجل هذا دُعي المسلمون إلى الإنفاق ودُعُوا إلى الجهاد بأنفسهم، فأما الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فأجابوا إلى ما دُعُوا إليه، وأبلى عثمان في الإنفاق على هذه الحرب أحسن البلاء. وتجهز المؤمنون الصادقون للحرب وأعانوا من احتاج منهم إلى المعونة. وجاءت جماعة من المؤمنين إلى النبي متطوِّعين للجهاد ولكنهم لا يجدون النفقة، فأقبلوا يسألونه أن يحملهم وأجابهم النبي بأنه لا يجد ما يحملهم عليه، فَتَوَلَّوْا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون كما ذكر الله في سورة التوبة.

ومن أجل هذا كله شدَّد الله على المؤمنين في أن ينفروا مع النبي ولامهم فيما أظهر بعضهم من الفتور والتثاقُل فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.

فإذا كان الجهاد قد ثقُل على المؤمنين الصادقين الذين أخلصوا دينهم لله، وآثروا رسول الله على أنفسهم فهو على المنافقين أشد ثقلًا.

والمنافقون لا يجاهدون ابتغاء مرضاة الله؛ لأن قلوبهم لم تؤمن به، ولا يجاهدون إيثارًا للنبي على أنفسهم؛ لأنهم لم يحبوا النبي ولم يخلصوا له، وإنما يجاهدون إن جاهدوا ابتغاءً للغنيمة واتقاءً لعاقبة القعود، ولذلك قال الله فيهم: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.

فهم إذن كارهون للخروج يؤثِرون الراحة والأمن وإحراز أموالهم، وهم يحلفون للنبي والمؤمنين لو استطاعوا لخرجوا معهم، ولكن الله يُنبِئُ نبيه بأنه يعلم أنهم كاذبون، وأنهم لو صح إيمانهم لم يستأذنوا. وقد أذن النبي لهم في القعود فعفا الله عنه وسأله في شيء من العتاب: عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ.

ثم بين له أن المؤمنين لا يستأذنون وإنما ينفرون للجهاد إذا دُعوا إليه، وأن الذين لم يَصِحَّ إيمانهم هم الذين يتكلَّفون الإذن يتخذونه تَعِلَّةً لقعودهم عن الجهاد.

ويُبين الله كذب المنافقين حين زعموا أنهم كانوا يَوَدُّونَ لو يخرجون مع النبي وأصحابه ولكنهم لا يستطيعون الخروج؛ فهم لم يتهيئوا للخروج ولم يحاولوا أن يُعِدُّوا له عدةً وإنما كانوا مُزْمِعِينَ على القعود حين دُعُوا ولم يكن استئذانهم واعتذارهم إلا تكلُّفًا. ومع ذلك فقد كان الله كارهًا لخروجهم فثبَّطهم وحبَّب إليهم التخلف؛ لأنه كان يعلم من أمرهم ما يخفى على المؤمنين. كان يعلم أنهم لو خرجوا مع المؤمنين لأفسدوا عليهم أمرهم بالغش والكيد والخيانة ولسَعَوْا بينهم بالفتنة يحرجون صدور بعضهم على بعض ومن المؤمنين من كان يسمع لهم لمكانهم من قومهم.

وقد عرف الله وعرف النبي والمؤمنون ما كان من أمرهم قبل هذه الغزوة، وكيف كانوا يكيدون للنبي وأصحابه، وكيف كانوا يقلبون الأمور ابتغاءً للإساءة إليهم والإيقاع بهم حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون.

وفي ذلك يقول الله عز وجل: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ.

ويمضي القرآن في تعديد سيئاتهم وآثامهم حتى يُنبئ النبي بأن منهم من يلمزه في الصدقات إذا لم ينله حظ منها؛ فيقول: وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ.

ويبين الله بعد ذلك أن ما يجتمع للنبي من الزكاة لا ينبغي أن يُعطى للأغنياء الذين لا يحتاجون إليه، وإنما يُوضع في المواضع التي بُيِّنَتْ في القرآن، فيُنْفِقَ منه على الفقراء والمساكين والذين يعملون على جمعها وإحصائها والذين يُريد النبي أن يتألَّف قلوبهم، وعلى تحرير الرقيق الذين يُسلمون ولا يجدون ما يشترون به حريتهم من سادتهم، وعلى الذين تقع عليهم المغارم فلا يستطيعون النهوض بها، وتُنفق على الجهاد في سبيل الله، وعلى الذين تتقطع بهم الطريق من أبناء السبيل، فأما القارُّون في المدينة العاملون في أموالهم والمنتفعون بثمراتها فليس لهم من الصدقات حظ.

وقد كان النبي يضع الصدقات في المواضع التي بيَّنها الله ولا يعطي منها الأغنياء والقادرين على أن يكسبوا ما يغنيهم عن المسألة. فأما المؤمنون الصادقون فيرضون عن ذلك ويرون أنه الحق، ويستعفون عمَّا يعلمون أن غيرهم أشد حاجةً إليه، وأما المنافقون الذين في قلوبهم مرض فكانوا يرون أن ما يجتمع للنبي من الصدقات مالٌ وأن لهم فيه نصيبًا. وكانوا من أجل ذلك يلمزون النبي في هذه الصدقات، وكانوا كذلك يلمزون المتطوعين فيها من الأغنياء، يقولون: إن صدقتهم رياء. ومن الفقراء، يقولون: إن الله غني عمَّا تصدقوا به.

وفضح الله في القرآن هذا كله من أمرهم، وفضح من أمرهم شيئًا آخر وهو أن منهم من كانوا يؤذون النبي ويقولون: هو أُذُن؛ أي يسمع لما يُنقل إليه. ورد الله عليهم ذلك بأن النبي أذن خير لهم، ثُمَّ أنذرهم بأن الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم.

فقال: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

وبعد أن أحصى الله من سوء أعمالهم وفضح من ذات نفوسهم ما تستطيع أن تقرأه فيما بعد هذه الآية من سورة التوبة أظهر من غضبه عليهم شيئًا عظيمًا؛ فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.

ويقول المحدِّثون — وفيهم الشيخان — إن عبد الله بن أبي بن سلول لما مات جاء ابنه إلى النبي فأنبأه بموته وسأله الصلاة عليه فأجابه النبي إلى ما سأل. وكان عمر حاضرًا فراجع النبي في ذلك وذكر هذه الآية، فقال النبي: «إن ربي خيَّرني وأختار الصلاة عليه.» فأنزل الله بعد ذلك نهيه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم فقال: وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ.

ثم نهى الله نبيه عن أن يقبَل منهم عذرًا بعد عودته إلى المدينة وبعد أن بيَّن الله له من أمرهم ما بَيَّنَ: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.

ونهى الله نبيه كذلك عن إخراجهم معه وإشراكهم في قتال العدو، فقال: فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ.

وعلى ما في سورة البقرة والنساء والتوبة من وصف المنافقين وتشديد النكير عليهم والوعيد بالتغليظ عليهم في العذاب، وصفهم الله في سورة أخرى سُميت باسمهم فعرَّفهم أصدق تعريف.

وصف هيئتهم حين يسكتون وحين يتكلمون، وذكر من أقوالهم وأعمالهم ما يبين في وضوح أنهم عادوا إلى جاهليتهم الأولى ولم ينتفعوا بالإسلام الذي قبِلوه ثم كفروا به، فقال: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ ۗ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ.

يريد عز وجل أنهم كذبوا على النبي فيما زعموا له من إيمانهم برسالته؛ لأنهم لا يؤمنون بها فيما بينهم وبين أنفسهم وإنما يُضْمِرُونَ الكفر ويستخفُون به ويتخذون إيمانهم دريئةً يتقون بها غضب النبي والمؤمنين عليهم وبطشهم بهم، ويسترون بها كيدهم للمسلمين وصدهم عن سبيل الله كما يقول عز وجل: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ.

ثم وصف هيئتهم حين يرون لأول وهلة وحين يتكلمون بعد ذلك أبرع وصف؛ فمنظرهم مُعجِب ومَخبَرهم مكذِّب لمنظرهم، ومن أجل ذلك قال الله: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ.

أي؛ لأنهم حين يتكلمون لا يصدر كلامهم عن قلوبهم وإنما هو شيء تنطق به ألسنتهم نطقًا آليًّا لا يصور ذات نفوسهم. وهم إلى ذلك جبناء يَرْهَبُونَ كل شيء ويحسبون كل صيحة عليهم، وهم إلى هذا كله خطرون بما يكيدون ويمكرون حين يخلون إلى أنفسهم وإلى شياطينهم ومن أجل ذلك يأمر الله نبيه أن يحذرهم.

ثم هم بعد ذلك مستكبرون، إذا دُعُوا إلى التوبة وإلى رسول الله ليستغفر لهم لَوَّوْا رءوسهم واستجابوا لكبرياء نفوسهم كما يقول الله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ.

وهم ينهون من يسمع لهم عن أن يُعينوا النبي على نفقة من يحتاج إلى النفقة من أصحابه، لعلهم يستيئسون منه فينفضُّوا عنه، ويأمر الله نبيه أن يقول: إن لله خزائن السموات والأرض وهو جدير أن يغني نبيه وأصحابه عن معونتهم، وذلك حيث يقول الله: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ.

وكذلك كانت حياة النبي في المدينة جهادًا كلها، فهو يجاهد المشركين من قريش والمشركين من العرب ويجاهد اليهود في المدينة وخارج المدينة، ثم يجاهد المنافقين الذين يظهرون أنهم له أولياء وليسوا من ولايته في شيء، وإنما هم أولياء أعدائه من المشركين واليهود. وهو يجاهد المنافقين بالصبر على ما يقترفون في ذاته وفي ذات المؤمنين وفي ذات الله عز وجل من السيئات والآثام وبالاحتياط لكيدهم ومكرهم وإغرائهم به وتأليبهم عليه. وهذا الجهاد المتصل المختلف كان جديرًا أن يستغرق حياةَ النبي كلها وأن يشغله عن كل شيء غيره. ولكنك سترى ممَّا يأتي في هذا الحديث أنه لم يستغرقْ من حياة النبي إلا بعضها بل أقلها، وأنه أنفق سائرها ناشرًا للدين معلمًا للمؤمنين والمسلمين مبيِّنًا لهم حقائق دينهم، ومرشدًا لهم إلى ما يجب عليهم وما لا ينبغي لهم في سيرتهم من خطير الأمر ويسيره.

ولا بد بعد هذا الحديث الطويل الموجز على ذلك عن المنافقين من أن نعود مرةً أخرى إلى جهاد النبي للمشركين.

١٨

ذلك أن الهدنة التي عُقدت بين النبي وقريش يوم الحديبية لم تُرِحِ النبيَّ والمؤمنين من الجهاد، ولم تُتح لهم سلمًا كاملةً قد كَفَّ الله أيدي قريش عن المؤمنين، وكف أيدي المؤمنين عن قريش بهذه الهدنة إلى حين، ولكن مكر قريش ما زال كما هو يَنْبَثُّ في قبائل العرب مغريًا ومحرضًا. ونحن لم نذكر لك من الجهاد بين النبي وبين مشركي العرب من غير قريش شيئًا، وإنما أشرنا إليه إشارةً لا تصوره ولا تحقِّقه، لأننا لا نكتب السيرة في هذا الحديث وإنما نصوِّر في إيجاز شديد ما ليس بُدٌّ من تصويره لنعرض عليك مرآةً صادقةً للعصر والبيئة اللذَيْن عاش فيهما النبي وأصحابه ولنشأة الإسلام وانتشاره قليلًا قليلًا حتى شمل جزيرة العرب كلها قبل أن يختار الله نبيه الكريم لجواره.

والواقع أن الجهاد بين النبي وبين المشركين من العرب كان متصلًا وكان شاقًّا، كان النبي يريد أن ينشر الإسلام من جهة وكان أعداؤه المشرِكون يحاولون أن يمنعوه من ذلك ما استطاعوا إلى منعه سبيلًا، يُغِيرُون على المدينة حينًا ويتهيَّئون للإغارة عليها حينًا آخر.

ولم يكن بد للنبي وأصحابه من أن يردُّوهم إن أغاروا ومن أن يسبقوهم ليكفوهم إن هَمُّوا بالإغارة. وكان في أهل البادية من العرب مكر وكان فيهم غدر أيضًا وكانوا يؤثِرون المال على كل شيء. وكان كيد قريش وإغراؤها يصبان عليهم في كل وقت يغرونهم بالمال أحيانًا وبغير المال أحيانًا أخرى، فكان منهم من يأتي النبي يزعم أنه قد أسلم وأن قومه من ورائه قد أسلموا، وأنهم في حاجة إلى من يُقرِئهم القرآن ويفقههم في الدين، فكان النبي يُرسل إليهم النفر من أصحابه فلا يكادون يبعدون بهم عن المدينة حتى يُظهِروا ما أضمروا من الغدر ويُوقعوا بمن أرسل النبيُّ معهم من المسلمين، فيقتلون بعضهم ويأسرون بعضهم يتقربون بأسره إلى قريش ويقدمونه إليها ويأخذون جائزتهم على هذا الغدر كالذي كان من «لحيان» يوم «الرجيع» حين أرسل النبي معهم مفقِّهين لهم في الدين فلما بعدوا بهم عن المدينة أظهروا الغدر. فقاتلهم المسلمون حتى قُتِلَ منهم من قُتِلَ وأُسِرَ منهم من حملوه إلى قريش فقتلته.

ولم يحدث هذا مرةً واحدةً وإنما حدث غير مرة، ذلك إلى ما كان يحدث من تجمع وتهيؤ لغزو النبي، فيعلم النبي علمهم ويضطر إلى أن يسبقهم إلى الغزو ليوقع بهم مرةً وليشعرهم بقوته وتأهُّبه ويقذف في قلوبهم الرعب مرةً أخرى.

فكانت حياة النبي والمسلمين جهادًا كلها، واضطر النبي أحيانًا إلى أن يرسل السرايا، وأحيانًا أخرى إلى أن يخرج بنفسه لهذه الأغراض التي بيَّنَّاها، أضف إلى ذلك أن قريشًا لم تقُم على هدنتها تلك إلا قليلًا، ثم نكثت عهدها وأغارت على بعض حلفاء النبي من خزاعة فلم يكن بُدٌّ من أن تعود الحرب بينها وبين النبي والمؤمنين جذعةً.

وأحست قريش أن النبي قد غضب لحلفائه واعتبر الهدنة بينه وبينها منقوضةً، فأرسلت أبا سفيان إلى المدينة ليعلم علم النبي وأصحابه من جهة، وليشد أمر الهدنة ويُقويه من جهة أخرى. ولكن أبا سفيان جاء إلى المدينة وعاد إلى مكة فارغ اليدين لم يبلغ ممَّا أراد شيئًا. وجعل النبي يتهيأ لعقاب قريش حتى كان العام الثامن للهجرة فخرج النبي إلى مكة في جيش لم يجتمع له مثلُه من قبلُ قوةً وكثرة عدد، حتى إذا كان غير بعيد من مكة خرج أبو سفيان في نفر من قريش يتحسَّسون الأخبار، فلما رأوا نيران الجيش راعهم ما رأوا وعرفوا أن قد حاق بهم مكرهم السيئ. وأُخِذَ أبو سفيان إلى النبي، أخذه العباس بن عبد المطلب الذي جعل ينصح له في الطريق ويحثه على الإسلام حتى أدخله على النبي فشهد بين يديه: لا إله إلا الله، وأظهر التردد في الشهادة بأن محمدًا رسول الله، ولكنه اضطر آخر الأمر إلى أن يُعلن الشهادة. فأمَّنه النبي على نفسه وعلى كل من دخل داره من قريش، وعلى كل من دخل المسجد الحرام منها، وعلى كل من لزم داره وأغلق بابه منها أيضًا.

وعاد أبو سفيان إلى قريش بهذا الأمان فلم يسعها إلا الإذعان؛ فقومٌ دخلوا دار أبي سفيان وقوم دخلوا المسجد الحرام وآخرون لزموا دورهم وغلَّقوا أبوابهم وأصبح النبي فدخل مكة بعد أن أمر قواده ألا يقاتلوا أحدًا إلا من عرض لهم بسوء. ولم يخالف عن هذا الأمر من القواد إلا خالد بن الوليد — رحمه الله — كان فيه شيء من عنف فأعمل السيف فيمن لقيه ورُفع ذلك إلى النبي فتبرَّأ ممَّا صنع خالد وأرسل من أصحابه من كَفَّه عن القتل والقتال ودخل النبي والمسلمون مكة، فأقبل النبي على المسجد الحرام فحطم ما كان حول الكعبة من الأوثان وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا.»

ثم أمر «بلالًا» فأذَّن فوق الكعبة إعلانًا للإسلام وإعلاء لكلمة الله، واجتمعت قريش — فيما يقول الرواة — للنبي ، فقال لهم فيما قال: «يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال النبي : «فإني أقول لكم ما قال يوسف لإخوته: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ اذهبوا فأنتم الطلقاء.»

وأسلمت قريش: منهم من أسلم طائعًا، ومنهم من أسلم لأنه لم يجد من الإسلام بدًّا.

وكذلك استقر الإسلام في مكة بعد أن خرج منها، هاجر به النبي والمسلمون اتقاءً للفتنة وابتغاءً للأمن والعافية ونشر الدين، لا خائفين ولا وجلين.

عاد الإسلام إلى مكة واستقر فيها ظافرًا منصورًا موفورًا، ودخلت قريش فيه طوعًا أو كرهًا وصدق وعد الله في قوله الكريم: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.

ولكن النبي ومن هاجر معه من أصحابه لم يقيموا بمكة ولم يستقروا فيها وإنما آثروا مهاجَرهم في المدينة وكرهوا أشد الكره أن يستبدلوا به مكانًا غيره مهما يكن وأن يخرجوا من المدينة إلا وفي نيتهم أن يعودوا إليها إن أذن الله لهم بالعودة إليها.

ويقول الرواة: إن سعد بن أبي وقاص — رحمه الله — مرض بمكة وثقل المرض عليه حتى هَمَّ بالوصية واستشار النبي في ذلك، فدعا له النبي وكان يشفق من أن يدركه الموت بعيدًا عن الأرض التي هاجر إليها، وصارت هذه سُنَّةً بين المهاجرين من أصحاب النبي حتى كانوا يكرهون إن أَلَمُّوا بمكة أن يصنعوا فيها صنيع المقيمين: كانوا يرون أنفسهم على سفر — وإن نزلوا بين عشائرهم من أهل مكة — فيَقصُرون الصلاة، ومن أجل ذلك راجعوا عثمان رحمه الله حين أتم الصلاة بمنى؛ لأنهم كانوا يرونه مسافرًا يجب عليه قصر الصلاة — وإن كان أهله بمكة — لأن دار إقامته في المدينة لا في غيرها.

ولم يعُد النبي بعد الفتح إلى المدينة وإنما بلغه أن «هوازن» تجمع له جموعها فخرج للقائهم في الجيش الذي أقبل معه إلى مكة وفيمن انضم إليه من طلقاء قريش أو مسلمة الفتح كما كان يقال إذ ذاك. والتقى الجمعان يوم «حنين» فامتُحن المسلمون امتحانًا شديدًا وجالوا جولةً حتى قام النبي وحده في الموقعة على ظهر بغلته. والعباس آخذ بزمامها والنبي يدعو أصحاب سورة البقرة ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب.»

ثم ثاب إليه الأنصار وثاب إليه بعدهم سائر المسلمين وأنزل الله نصره على نبيه وعلى المؤمنين فانهزم المشركون هزيمةً منكَرةً قُتل منهم من قُتِل وأُسِر منهم من أُسِر، وسُبيت النساء والذراري، وعاد النبي وأصحابه موفورين، ولكن «هوازن» عادوا إليه بعد هزيمتهم يسألونه أن يَمُنَّ على سبيهم ويذكرونه بأنهم أخواله؛ لأنه أرضع فيهم إذ كانت حليمة منهم.

وقد أطلق النبي من السبي من كان في أيدي رهطه الأدنين من بني عبد المطلب ووعدهم إذا صلى بالناس من غدٍ أن يسألوه في ذلك ويذكروا خئولتهم له. فلما فعلوا شفع النبي لهم عند المسلمين فلم يَبْقَ أحد منهم إلا أطلق من كان عنده من السبي ورده على قومه.

وكان آخر حرب للنبي مع المشركين حين حاصر الطائف بجيشه ذاك، وقد أطال الحصار ولكن الله لم يُسلِّطه على هذه المدينة، فرفع الحصار وعاد بجيشه إلى دار هجرته ثم لم تلبث ثقيف أن أرسلوا إليه وفدهم يطلبون الصلح، فقبله منهم على أن يدخلوا في الإسلام ويرفضوا الشرك ويمحقوا آثاره.

ومنذ ذلك الوقت جعل العرب يتسامعون في قلب الجزيرة وأطرافها بالإسلام وما أُتيح للنبي وأصحابه من نصر، فجعلت وفودهم تفد عليه يعرضون إسلامهم وإسلام قومهم، فيقبل النبي منهم ويُعلمهم دينهم. وربما أرسل معهم من يُعلِّمُ قومهم شرائع الإسلام.

وكذلك عظم أمر الإسلام وانتشر في الجزيرة العربية كلها. ونظرة سريعة إلى ما بدأ الإسلام عليه في مكة وما انتهى إليه في المدينة في هذا الوقت القصير تُبَيِّنُ في جلاء أن قوة عليا أرادت لهذا الدين أن يقوى وينتشر أولًا وأن يجمع كلمة العرب ويُوحِّد أهواءهم ويجعلهم أمةً واحدةً مؤتَلِفةً تتعاون على البر والتقوى ولا تتعاون على الإثم والعدوان بعد الذي كان بينهم من اختلاف أي اختلاف واختصام أي اختصام، ومن حرب بالألسنة دائمًا وبالسيف والسِّنان في أكثر الأحيان.

وأرادت كذلك أن تُغيِّر من أخلاقهم وعاداتهم وسُننهم الموروثة، فتحل الوفاء في نفوسهم محل الغدر، والأمانة محل الخيانة، والبر مكان الجحود، والرقة والرحمة مكان الغلظة والقسوة.

وأرادت أن تبيِّن لهم الخير فيسلكوا إليه سُبلهم وتدلُّهم على الشر فيتنكبوا طرقه، وأن تُبين كبائر الآثام فيجتنبوها ومحاسن الأعمال فيَجِدُّوا فيها.

كل ذلك وأكثر جدًّا من كل ذلك أُتيح للإسلام في أقل من ربع قرن، في ثلاثة وعشرين عامًا، أنفق النبي منها ثلاثة عشر عامًا بمكة لا يكاد ينشر الإسلام إلا قليلًا، وعشرة أعوام في المدينة أَتَمَّ الله فيها على يده جل هذه المعجزة الكبرى. فخلق العرب خلقًا جديدًا وجعل منها أمةً بأدق معاني هذه الكلمة وأوسعها، أنشأها إنشاء جديدًا وهيَّأَها للنهوض بالمهمة الكبرى التي تتجاوز حدود جزيرتها وتُحول وجهة التاريخ وتغير وجه الأرض في أقل من نصف قرن.

وكان النبي على هذا كُلِّهِ لا يدَّعي لنفسه معجزةً إلا القرآن، وقد صدَق النبي وبَرَّ في ذلك؛ فقد كان القرآن معجزةً أي معجزة، كان معجزًا بألفاظه ومعانيه ونَظمه، لم يستطع أحد من العرب أن يحاكيه أيسر المحاكاة، وكان معجزًا بآثاره التي ظهرت في حياة النبي والتي أشرنا إليها آنفًا، وبآثاره التي ظهرت بعد وفاة النبي والتي لا يزال كثير منها باقيًا إلى الآن وإلى آخر الدهر. وصدق الله حين قال في سورة النور: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.

وصدق الله كذلك حين قال في سورة الحشر: لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.

فقد خشعت قلوب العرب للقرآن آخر الأمر؛ نفذ إلى قلوبهم واستأثر بضمائرهم وفتح لهم آفاقًا كانت مغلَقَةً أمامهم قبل أن يُتْلَى عليهم، وحرَّرهم بعد الرق: رق النفوس للشهوات، وطهرهم بعد الرجس: رجس الخطايا والآثام، ووحَّدهم بعد الفرقة، وأعزهم بعد الذلة، وملأ قلوبهم نورًا فانبثوا في الأرض ينشرون نور الله ما وجدوا إلى نشره سبيلًا.

وزاد إقبال العرب على الإسلام وإذاعتهم له بعد الحجة التي حجَّها أبو بكر — رحمه الله — بالناس عن أمر النبي سنة تسع؛ ففي هذه الحجة أرسل النبي عليًّا ليلحق بأبي بكر ويتلو على الناس قرآنًا أُنْزِلَ فكان فصلًا بين عهدين: عهد الإسلام يقوى فيه شيئًا فشيئًا وكان للشرك مع ذلك بقاء في بعض قبائل العرب، وعهد آخر خلصت فيه الجزيرة كلها للإسلام.

وهذا القرآن الذي فرَّق الله به بين هذين العهدين هو الآيات الكريمة الأولى من سورة التوبة، فأعلن فيها براءة الله ورسوله من المشركين، وحرَّم فيها أن يقرب المشركون البيت أو يُلِمُّوا به أو يطوف به عريانٌ.

وأمر فيها نبيه والمؤمنين معه أن يُلغوا ما كان بينهم وبين المشركين من العرب من عهود الهدنة، وألا يُتموا من هذه العهود إلا ما كان بينهم وبين قوم لم يظهر منهم غدر ولا نقض للعهد، فهؤلاء أمر الله أن يتم المؤمنون لهم عهدهم إلى مدته ثم لا يجددوا لهم عهدًا آخر، وأجَّل الناس أربعة أشهر يأمنون أثناءها، فإذا انقضت فعلى المسلمين أن يقتلوهم حيثما وجدوهم وأن يقعدوا لهم كل مرصد؛ لأنهم أهل غدر لا يُؤمن لهم. وأمر ألا يكف المؤمنون عن قتلهم وعداوتهم حتى يتوبوا من شركهم ويدخلوا في الإسلام كما دخلت كثرة العرب.

ومعنى ذلك أن الله حرَّم الشرك في جزيرة العرب، وأمر النبي أن يقاتل المشركين من أهل الجزيرة حتى يثوبوا إلى الحق ويدخلوا فيما دخل فيه الناس. لم يأمر الله بذلك إلا لأنه علم أن هؤلاء المشركين إن أُتيح لهم أن يظهروا على المسلمين بما في قلوبهم من الغدر والكيد وما يُسلَّط عليهم من الإغراء لم يرعوا فيهم إلًّا ولا ذمةً ولم يحفظوا عهدًا ولا وفاءً.

وهذه الآيات الكريمة هي قول الله عز وجل في أول سورة التوبة: بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ۙ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ * كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ * فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ.

ثم يشدد الله عز وجل في رَدِّ المشركين عن المسجد الحرام بعد ذلك العام الذي حج فيه أبو بكر بالناس فيقول في الآية الكريمة من السورة نفسها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.

وكذلك حج النبي حجة الوداع فلم يلقَ في الموسم مشركًا ولم يرَ عند البيت عريانًا، وألقى في هذه الحجة خطبته المشهورة التي توشك أن تكون وصيته إلى المسلمين، والتي حرص فيها بعد كل أمر أو نهي على أن يردد جملته الخالدة «ألا هل بلغت اللهم اشهد.»

وقد أتم النبي رسالته كأكمل ما تتم الرسالات وأدى أمانته كأحسن ما تُؤدى الأمانات.

وصدق الله حين أنزل على نبيه في الآية الكريمة من سورة المائدة أثناء حجة الوداع: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.

وصدق الله كذلك حين أنزل عليه بمنى في حجة الوداع هذه السورة الكريمة يُشعِره فيها بأن رسالته قد تمت، وأن مهمته في الدنيا قد بلغت غايتها ويهيئه لما أعدَّ له عنده من النعيم المقيم في أرفع الدرجات: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.

وقد تحدث النبي ذات يوم على المنبر إلى أصحابه، فقال — فيما روى الشيخان: «إن عبدًا قد خيَّره الله بين زهرة الدنيا وما عنده، فاختار ما عند الله.» فلم يفهم عنه من أصحابه إلا أبو بكر، فقال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا. فعجب الناس لمقالة أبي بكر ولم يحققوا مغزاها إلا حين اختار الله رسوله للرفيق الأعلى.

ولم يلبث النبي بعد حديثه ذاك أن أحس الوجع، فكان يُمَرَّضُ في بيت عائشة رحمها الله، وكان يخرج للصلاة كلما وجد خِفَّةً، فلما ثقل عليه المرض أمر أبا بكر أن يُصلي بالناس.

وتُوفي في نفس الشهر الذي وصل فيه إلى المدينة مهاجرًا في ربيع الأول لعشر سنين مضين منذ هجرته.

وقد ارتاب المسلمون حين نُبِّئُوا بوفاة النبي، لم يصدقوا ذلك، بل شكوا فيه وماج بعضهم في بعض. وكان عمر أشدهم شكًّا حتى أنذر — فيما يقول الرواة — من قال إن النبي قد مات، ولكن أبا بكر تلا عليهم الآية الكريمة من سورة آل عمران: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ.

هنالك ثاب إلى المسلمين صوابهم فرجعوا إلى الحق وآمنوا لما لم يكن بُدٌّ من أن يؤمنوا له وذكروا قول الله لنبيه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ.

١٩

ولم يكد النبي يُفارق أصحابه حتى ظهر بينهم خلاف أوشك أن يكون عظيم الخطر على وحدتهم؛ ذلك أنهم أحسوا الحاجة إلى من يخلف النبي في سياستهم وتدبير أمورهم.

فأما الأنصار فظنوا أن الأمر ينبغي أن يكون فيهم وأن شئون الحكم يجب أن تصير إليهم؛ لأنهم أصحاب المدينة وليس المهاجرون إلا ضيفًا عليهم طرءوا على المدينة منذ عشر سنين. وهم قد آووا النبي والذين هاجروا معه من قريش والذين هاجروا إليه بعد ذلك من قريش ومن سائر العرب. وهم قد خاضوا في سبيل النبي وفي سبيل الدين ما خاضوا من الحروب، واحتملوا من مشقة الجهاد؛ فهم أولى الناس بأن يكون منهم خليفة النبي، وقد اجتمعوا بالفعل وأزمعوا أن يبايعوا بالخلافة رجلًا، ورشحوا «سعد بن عبادة» زعيم الخزرج لهذا المنصب.

ولكن الأمر انتهى إلى زعماء المهاجرين فأسرع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح إلى الأنصار ليعلموا علمهم وليصرفوهم عمَّا أزمعوا، فكانت محاورة وشيء من جدال ثم عرضوا أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، فأبى ذلك أبو بكر وقال لهم: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. واحتج عليهم بأن النبي من قريش فيجب أن يلي أمره بعده أولو قرابته. وروى لهم عن النبي أنه قال: «الأئمة من قريش.» فثاب الأنصار إلى سماحة نفوسهم وكرهوا أن يأخذوا الخلافة أجرًا على ما أبلوا في ذات الله ورسوله من البلاء.

وأذعنوا آخر الأمر لما حدثهم به أبو بكر عن النبي من أن الأئمة من قريش، ثم اقترح عليهم عمر أن يبايعوا أبا بكر وأسرع هو إلى بيعته فتبعه الأنصار ولم يخالف عنهم إلا سعد بن عبادة؛ لم يقتنع بقول أبي بكر ولا بإسراع القوم إلى بيعته، بل اعتزل الأنصار والمهاجرين جميعًا وعاش في عزلته حتى قُتل في الشام أصابه سهم لم يُعرف من رماه به.

وتحدَّث الناس بعد ذلك بأن الجن هم الذين قتلوه، وأضافوا إلى واحد من الجن بيتين من الشعر زعموا أنهم سمعوهما ولم يروا قائلهما:

قَدْ قَتَلْنَا سَيِّدَ الخَزْ
رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ
فَلَمْ نُخْطِئْ فُؤَادَهْ

وبايع سائر المسلمين في المدينة أبا بكر واستقام له الأمر.

ولكن خلافًا آخر شجَر، وكان أشد على أبي بكر من خلاف الأنصار ذاك، وكان هذا الخلاف بينه وبين فاطمة — رحمها الله — بنت رسول الله ، جاءته تطلب إليه ميراثها من أبيها، فأبى عليها ذلك وقال لها إنه سمع النبي يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث ما تركناه صدقة.» ثم قال: إنه لن يُخالف أبدًا عن قول رسول الله.

فغضبت فاطمة وشاركها زوجها في غضبها وتأخرت من أجل ذلك بيعة «علي» — رحمه الله — لأبي بكر، على أن فاطمة — رحمها الله — لم تُعمَّر بل تُوفيت بعد أبيها بستة أشهر، فأقبل «علي» فبايع كما بايع الناس.

ويقال: إن بني هاشم كانوا يرون لأنفسهم الحق في خلافة النبي ، فهم رهطه الأدنون وهم أقرب إليه من تيم قوم أبي بكر ومن عدي قوم عمر ومن أمية قوم عثمان. ولكنهم رأوا إجماع الناس على أبي بكر كما رأوا إجماع الناس على عمر من بعده وعلى عثمان من بعد عمر فكرهوا أن يُثيروا الفتنة أو أن يُحدِثوا في الإسلام حدثًا وأذعنوا لإجماع المسلمين.

ويُقال كذلك: إن النبي قال لبعض أصحابه في مرضه الذي توفي فيه: «إيتوني بصحيفة أكتب لكم ما لا تضلون بعده أبدًا.» فاختلفوا وتنازعوا، يقول بعضهم: إن النبي قد اشتد عليه الوجع وعندنا كتاب الله، ويقول بعضهم الآخر: بل دعوا رسول الله يكتب. فلما أكثروا قال لهم النبي : «قوموا عني.» قالوا: فكان ابن عباس يرى أن الرزية كل الرزية أنهم لم يُخَلُّوا بين رسول الله وبين ما أراد.

وأكاد أقطع بأن هذا الحديث — مهما يكن سنده — غير صحيح، فما كان للمسلمين أن يخالفوا عن أمر رسول الله. وما كان لرسول الله نفسه أن يخلي بينهم وبين هذا الخلاف وهو الذي لبث فيهم ثلاثة وعشرين عامًا يتلو عليهم القرآن ويُعلمهم شرائع الدين ويأمرهم وينهاهم ويُنبئهم بخبر السماء. وأكبر الظن أن هذا الحديث وُضع بأخرة حين تفرق المسلمون شيعًا وأحزابًا.

٢٠

ومهما يكن من شيء فقد تمت بيعة أبي بكر وصحت وإن كان المسلمون لم يتشاورا فيها حتى كان عمر رحمه الله يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتةً وقى الله المسلمين شرها.

ولكن أبا بكر واجه خلافًا كاد شره أن يستطير ويصبح خطرًا على الإسلام نفسه لولا أن الله عز وجل تأذَّن أنه هو الذي نزَّل الذكر وأنه حافظ له، فقال في سورة الحجر: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، ولولا أن أبا بكر قد ثبت لهذا الخلاف أروع الثبات وصمَّم على حسمه تصميمًا أذعن له المهاجرون والأنصار ومُسلِمة الفتح من قريش؛ فقد انتقض العرب على أبي بكر انتقاضًا مختلفًا. قال كثير منهم: نقيم الصلاة ولا نؤتي الزكاة. رأوا أن الزكاة نوع من الإتاوة ولم يتعوَّدوه بل كانوا يأنفون منه أشد الأنَفة ويرون أنه ضرب من الذِّلة والخضوع، ولم يقبل منهم أبو بكر ذلك بل صمَّم على أن يؤدي الناس إليه ما كانوا يؤدونه لرسول الله ، وقال: إن هؤلاء يفرقون بين الصلاة والزكاة مع أن الله لم يفرق بينهما بل ذكرهما معًا في القرآن مرات كثيرة. فهم يؤمنون ببعض القرآن ويكفرون ببعضه، وكان عمر قد قال له: كيف تُقاتل العرب وهم يقولون «لا إله إلا الله»، فقد قال النبي : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.»

كأنَّ أبا بكر أراد أن قول لا إله إلا الله بطرف اللسان ليس إيمانًا ولا إسلامًا، وإنما يجب أن تُقال باللسان ترجمةً عمَّا في القلب من الإيمان بالله والتصديق للنبي والائتمار بما أمر الله ورسوله به، والانتهاء عمَّا نهى الله ورسوله عنه، وقد أمر الله رسوله بإيتاء الزكاة؛ فالنكول عن أدائها كفر والالتواء بها جحود، وليس للكفار الجاحدين إلا القتال.

وقوم آخرون من العرب ظهر فيهم كذَّابون زعموا لأنفسهم النبوة وتَلَوْا على قومهم كلامًا زعموا أنه وحي من الله.

ظهر الأسود العنسي في اليمن، وظهر مسيلمة في بني حنيفة باليمامة، وظهر طلحة في بني أسد، وظهرت سجاح في أحياء من بني تميم؛ وتبعهم خلق كثير من العرب الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم. وصدق الله حين قال في الآية الكريمة من سورة الحجرات: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.

ولم يشك أحد من المهاجرين والأنصار والذين استقاموا على الإسلام في أن قتال هؤلاء واجب لا مُنْصَرَفَ عنه. والمهم أن أبا بكر نظر فإذا جزيرة العرب قد انتقضت عليه إلا أقلها، فلم ير بُدًّا من أن يُجاهد المرتدين كما كان النبي يُقاتل المشركين من قبلُ.

وقد جَدَّ أبو بكر في الحرب واستجاب له المسلمون استجابةً صادقةً فقاتلوا المرتدين عن إيمانهم وعلى بصائرهم، صادقين مستبسلين لا يبخلون بأموالهم ولا بأنفسهم حتى قُتل كثير من خيارهم ولا سيما في حرب مسيلمة. وأنزل الله نصره عليهم وعادت الجزيرة خالصةً للإسلام، واستطاع أبو بكر أن يُجَنِّدَ من أصحابه ومن الذين عادوا إلى الإسلام بعد الرِّدَّة تلك الجيوش التي رمى ببعضها العراق ورمى ببعضها الشام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١