الفصل الرابع عشر

استغرق الأمر ثلاثة أيام من سيرِ تالات المتأني ليصِلا إلى تقاطع الطُّرق الذي افترقا فيه عن دليلِهما ليُكمِلا طريقهما ويُواجها التنين؛ ثلاثة أيام كانت صعبةً لأن إيرين لم تقوَ على النزول عن صهوةِ تالات إلا حين تجدُ شيئًا بالقُرب من موقعٍ للتخييم يمكن أن يُساعدها في النزول والعودة على صهوته في الصباح التالي.

وكانت في كل مساءٍ تشعر بإنهاكٍ شديد؛ وكان كاحلها يخفق من الألم لبقائه مُعلقًا بصورةٍ رأسية فترةً طويلة؛ وأدركت أنها واهِنة أكثر حتى مما كانت تظن. كان من الصعب أن تحمل نفسها على تناول الطعام؛ فلم تشعُر بالجوع مُطلقًا، وكان تناول الطعام يؤلِمها، فكانت تأكل وجوبًا لأن تناول الطعام هو ما يفعله المرء؛ لكنها كانت تسعَد كثيرًا حين ترى تالات يرعى. وقد أكل تالات كلَّ شيءٍ يُمكنه أكلُه على ضفاف الجدول، بما في ذلك شيء من لحاء الأشجار، كما أخذ يرتع بحماسةٍ كبيرة في أرجاء العشب النَّضر الذي كانا حينئذٍ يُخيمان إلى جواره.

في مراتٍ ليست بالقليلة في أثناء النهار كانت تعود إلى رُشدها فتنظر حولها وتُدرك أنها سرَحت بأفكارها. أحيانًا كانت تستغرق دقيقةً أو دقيقتين فقط لتتعرَّف على الأشجار من حولها، الأشجار الدامارية الشائعة التي كانت أشكالها وأنماطها مألوفةً لها منذ طفولتها. وبين الحين والآخر كانت تستفيق فتجد نفسها منهارةً على رقبة تالات. لكنه لم يكن يتركها تسقط عنه، ولم تسقط هي عنه. كان يحملها في ثبات، وهو مُحترِس وأذنه منتصبة؛ وبدا أنه لم يكن يشعر بأي تردُّد بشأن الاتجاه الذي كانا يَمضيان فيه.

همست إيرين لتالات حين وصلا في نهاية المطاف إلى تقاطُع الطُّرق، وكانت أذنه منتصبةً جهةَ الخلف ليستمع لها: «حسنًا، أنت تعي ما تفعل يا صديقي. لستُ أنا مَن أوصلَنا إلى هنا.»

وحين عاودا رِحلتهما من تقاطع الطرق في الصباح التالي كان الطريق مفتوحًا أمامهما. لم تتذكَّر إيرين أن الممرَّ الضيق قد أصبح طريقًا صغيرًا بتلك السرعة؛ لكن ذلك كان حين كانت إيرين لا تزال تتمتَّع بشَعرها وجميع أطرافها ولم تكن المساحات المفتوحة تُمثل أيَّ خطر عليها. كانت الجبال شديدة الانحدار عن شِمالهما، لكن عن يمينهما نظرت عبْر سياجات إلى الحقول المزروعة، فكانت المحاصيل تتموَّج بألوان الأخضر والذهبي تحت ضوء الشمس. وحاولت أن تجعل نفسها تشعر بشعورٍ أفضل بأن تُفكِّر في أنها لولا قتلها ماور — بغضِّ النظر عما كلَّفها ذلك — لكانت المحاصيل قد أصبحت سوداء الآن، ولكان الفلاحون طعامًا للتنين. لكن شعور الارتياح كان فاترًا، ولم تستطِع أن تشعر به؛ إذ كانت مُتعمقةً في إحساسها بالرهبة مما هو آتٍ.

في تلك الظهيرة أخذت إيرين تنجرف بين الغياب عن الإدراك والعودة إليه ثانيةً، وعُرْف تالات يلتفُّ حول يدِها السليمة حتى لا تسقط نحو الأمام فتؤذي ذراعها المُحترقة، وذلك حين توقَّف تالات فجأةً وتيبَّس مكانه — وصهَل. هزَّت إيرين نفسها لتستيقظ لدى سماعها صوتَه؛ وصهَل تالات ثانيةً وارتجف، وعرفت أنه كان سيشِبُّ ويصيح مُحيِّيًا أو مُتحديًا كما دُرِّبَت جياد الحرب الدامارية، لكنه لم يفعل ذلك من أجلها، وأغلقت عينَيها قليلًا على دموعٍ كانت من الإنهاك والشفقة على نفسها.

لم يكن باستطاعتها رؤيةُ مَن يقترب منها؛ أخبرها تالات أنه لم يكن مجرد شخصٍ عاديٍّ، إنما كان أحدًا يعرفه، ومن ثمَّ فلا بد أنه كان من المدينة. لكن رؤيتها لم تتحسَّن مطلقًا منذ سقطت في نار التنين، وكانت عينُها اليسرى تحرِقها وتتسرَّب منها الدموع فيما كانت تحاول أن تُحدِّق وتتفحَّص الطريق. أُصيبت بدُوار بسبب الجهد الذي بذلته، فكان الطريق يرتفع ويتموَّج في عينها. لكنها رأت بعد ذلك أن الطريقَ لم يكن يتموج، إنما همُ الفرسان على الطريق والذين كانوا مُقبلِين عليها عَدْوًا على صهوة خيولهم؛ وحين صهَل تالات ثانيةً، جاء الردُّ من أحدهم، ورأت رأس الجواد القائد يهتزُّ نحو الأعلى وهو يصهل، وفي نهاية المطاف عرفته: إنه كيثتاذ. وهذه دجيث فرس تور تعدو إلى جانبه.

رفعت إيرين رأسها في فزع، فتأثَّرت قشور الجروح على وجهها وآلمتها. وامتدَّت يدها اليمنى تُعدِّل ياقةَ سُترتها، وسحبت ثنيةً من ردائها على رأسها لتغطِّيه؛ وتلمَّست بأصابعها بسرعة الجانبَ الأيسر من رأسها حيث نبَت شعر.

وصل إليها والدها وابن عمِّها والفرسان معهما على الفور تقريبًا، ونادى عليها أرلبيث لكنها لم تُجِبه؛ لأن صوتها الأجش لم يكن ليُسمَع مع صوت الحوافر؛ ثم جاء تور إلى جانبها وقال في قلق: «إيرين، هذا أنت؟» لكنها لم تُجِب من فورها حتى مدَّ يده وأمسك بها — من ساعدها الأيسر. فصرخت، عدا أنها لم تتمكَّن من الصراخ، لكنها أطلقت صوتًا أجشَّ فظيعًا، فأبعد تور يدَه وقال شيئًا لم تسمعه؛ لأن صرختها جعلت تسعل، فأخذت تسعل ولم تستطِع أن تتوقف، وبدأ النزيف، وسقطت نِقاطٌ من الدم على رقبة تالات، وارتجف جسدها، وسقطت العباءة عنها إلى الأرض، وجمَد تور وأرلبيث مُتيبِّسَين على جواديهما يُراقبان في عجز.

•••

لم تتذكَّر إيرين إلا القليل من بقية الرحلة. حاولوا أن يُجهِّزوا لها حمَّالة، حتى تقطع الرحلة راقدةً، لكن لم تجِد الراحة وهي راقدة مُذعنة، ولدى أول توقُّفٍ لهم جاهدت من أجل أن تترك النقالة وذهبت مُتجهمةً إلى تالات الذي كان يحوم بالقُرب منها يتساءل عمَّا فعل حتى تُبعَد عنه سيدتُه. علَّقت إيرين ذراعها على رقبتِهِ وخبَّأت وجهها في عُرفه، متجاهلةً ملمس خُصلات شَعره على وجنتِها اليُسرى. تبِعها تور على الفور. «إيرين …» كان صوته مُفعمًا بدموعٍ مكبوتة وهو يُنادي عليها، فاشتدَّ إحكام أصابعها على عُرف تالات، تالات العزيز الجذِل الذي شعر أن ليس ثمة خطْب جسيم ما دامت تمتطيه. وتحدَّثت إيرين وفمُها في رقبته: «لا أجد راحةً في حملي. أُفضِّل أن أمتطي الجواد.» وهكذا امتطت الجواد وتقدَّم المرافقون كلُّهم على الوتيرة المتأنية للغاية التي كان يسير بها تالات، ومرَّ وقت طويل قبل أن يصلوا إلى المدينة.

وأخيرًا حين برزت المدينة أمامهم من الغابة، تحسَّست تبغي عباءتها، فسحبتها للأمام لتُوارِيَ وجهها مُجددًا، وكان والدها، الذي كان راكبًا إلى جوارها، يُراقبها. نظرت إيرين إليه، وتركت العباءةَ تنسلُّ للوراء إلى حيث كانت، وأقامت نفسها على السرج؛ وتذكَّرت وصفَ موت جورثولد في كتاب «تاريخ أستيثيت»، وكيف حُمِل، وهو ينزف من جراحٍ عديدة، إلى داخل المدينة، حيث حيَّاه القوم جميعًا باعتباره مُنقذَهم؛ ومات في قلعة الملك، الذي كان ابن عمومته؛ وحزنت دامار كلها على موته.

ارتسمت على فم أرلبيث ابتسامةٌ مريرة نوعًا ما. وقال لها: «أنت تدخُلين المدينة دخول الأبطال؛ لقد سبقتْكِ أنباء نصركِ، والرسول الذي جاء في المرة الأولى بقصة استيقاظ التنين الأسود موجود هنا مع مُعظم أهل قريته، وهم يتنافسون جميعًا فيما بينهم في سردِ مدى ضخامة ماور وشرِّه.»

«كيف عرفوا؟»

تنهَّد أرلبيث. «لم أسأل. التقَينا بالعديد منهم ونحن مُتوجِّهون شرقًا نحو المدينة، ولم ننتظِر لنسمع التفاصيل. انظري من بين أُذنَي تالات؛ إنه يعرف كل شيءٍ عن هذا النوع من الأحداث؛ كل ما عليكِ فِعله هو أن تنتصِبي في جِلستكِ. إنما نحن حرَّاس شرفك.»

بدأت إيرين تقول: «لكن …» إلا أن أرلبيث أشاح عنها وبالفعل، بينما كانوا يقتربون من البوابات الكبيرة، تراجَع هو وتور، وتظاهر تالات بالتبختُر، لكنه كان يتظاهر فقط حتى لا يهزَّ راكبتَه. أما هي ففعلت كما قال لها والدها، فجلست مُستقيمة وساكنة على سَرجها، ولم تنظر من بين أُذنَي تالات تمامًا حيث يمكن لها أن ترى شيئًا، وإنما نظرت إلى أُذنَيه وإلى رأسه، حيث نما شَعر ناصيتِه وأخذ يتطاير في النسيم وهو يهزُّ رأسه. كانت الشوارع هادئة، لكن شاهدهم الكثيرون وهم يمرُّون بهم؛ ومن زاويتَي عينَيها كانت ترى الكثير من مشاهديها يلمسون جباههم بظهور أيديهم ويمدُّون أصابعهم بتحيةِ أهل دامار إلى عاهلهم؛ لكن أرلبيث كان يسير بجواده في أعقاب ابنتِه. وسرَت بينهم نسمةٌ نفشَت شَعر إيرين التالِف، وسطعت الشمس بلا هوادةٍ على وجهها ذي الندوب؛ لكنَّ النظَّارة كانوا لا يزالون صامِتين ولم يأتوا على أي حركة سوى تحريك أياديهم اليُمنى ومدِّ أصابعهم.

حين وصلوا إلى ساحة القلعة، كان ثمة صفوفٌ كثيرة من جيش الملك تقف في مربع ينقصه ضلع، تاركين مساحةً كبيرة بما يكفي لحرس الشرف كي يدخلوا خلف ابنة الملك حين توقَّف تالات. وأمامهم على الأرض كانت رأس ماور، وحول الرأس كان المزيد من الرماد يتساقط ويتجمَّع في كُتَلٍ صغيرة. فغضَّت إيرين الطَّرْف عن التذكار الذي كان أحدٌ آخر قد عاد به من أجلها. كان عَظم الجمجمة حول محجرَي العينَين الفارغتَين قد تجلَّى عاريًا عن اللحم تمامًا؛ وكان العظم أسود. مرَّت عيناها ببطء على العظام الأنفية الطويلة والفك المُسنَّن وأدركت أن قدرًا كبيرًا من عِظام تلك المنطقة قد أصبح باديًا؛ فلم يبقَ من الجلد الصلب القاسي إلا شرائح مُهترئة، وبينما سرَت الريح على الرأس ونفضت بعض ذلك الجلد عن العظم، كان الجلد يقع على الأرض وقد استحال رمادًا. وكان الفكَّان المُنفرجان بتكشيرتهما الكئيبة يُروِّعانها.

أمسكت عُرف تالات بيدها اليمنى وانزلقت ببطء على جانبه، فلمست الأرض بقدمِها اليسرى أولًا. ثم جاء أرلبيث إلى جوارها وأخذ بيدِها مُجتازين جمجمةَ ماور المُكشِّرة، وتفرَّق الجنود في صمتٍ مُسرِعِين، وكأنه تدريبٌ عسكري، ووصلا إلى باب القلعة؛ ثم التفت إليها أرلبيث وحمَلها بين ذراعَيه وقطع بها الأروقة الطويلة وصعد بها السُّلَّم إلى غرفتها، وسلَّمها إلى تيكا.

•••

بعد ذلك زارها الكثير من المُعالِجين؛ لكن لم يستطِع أيٌّ منهم فعل شيء لجروحها أفضل مما فعل الكينيت، وكان كاحلها يُشفى من تلقاء نفسه، ولم يستطيعوا فِعل شيءٍ لسعالها ولا لصعوبة التنفُّس لدَيها. أمضت وقتها في الفراش، أو في مقعد النافذة العميق الذي يطلُّ على مُؤخر الفِناء، باتجاه الإسطبلات. كان هورنمار يقود تالات إلى تحت نافذتها بين الحين والآخر، وبينما لم تستطِع أن تُناديَ عليه من فوق، كان يُريحها أن تراه. وحاولت أن تتناول الطعام من أجل خاطر تيكا؛ ولم تُدرك من قبلُ أن طعامها أصبح بلا طعمٍ مُنذ أن ذاقت نيران التنين، لكنها أصبحت تعرف ذلك الآن. وأخرجت حجرَ التنين من الجيب الذي كانت قد صنعته بعقدة من القماش، ووضعته على الطاولة بالقُرب من فراشها؛ وبدا وكأن الحجر يزداد لمعانًا وأن به نارًا حمراء يضطرب لهيبُها حين كانت تُحدِّق فيه.

في نهاية المطاف تملَّك منها التبرُّم والجزَع، كما حدث في وادي التنين، فبدأت تتسلل في أرجاء القلعة وتزور تالات في الإسطبل. وكان قد استعاد مربطه القديم، وكان كيثتاذ، جوادُ أرلبيث الفَتِي، قد نُقِل في واقع الأمر إلى مربطٍ آخرَ لكي يمنحوا سالفه مكانتَه المرموقة. وكان تالات واعيًا تمامًا بما استعاده من كرامة ومقام. وتحسَّست إيرين ردفَه بأصابعها في حذر؛ كانت الندبتان الناتجتان عن إصابته بنار التنين قد اختفتا، وإن كان لا يزال باستطاعتها رؤيتهما؛ ذلك أن الشَّعر كان قد عاد ينمو في مكانهما في الاتجاه المعاكس لاتجاه الشَّعر حولهما.

وكان شعرها ينمو نموًّا حثيثًا وإن كان بشكل غير متساوٍ، وذات يوم مشَّطت تيكا شَعرها من بقعةٍ وسطى في أعلى رأسها وقَصَّته في شكل قوس مهندَم حول وجهها؛ ذلك أن شعرها لم يَعُد مجعدًا. نظرت إيرين إلى نفسها في المرآة وضحكت. وقالت: «أُشبِهُ الصِّبية.»

فردَّت تيكا وهي تكنس قصاص الشَّعر: «كلَّا. تُشبهين فتاةً لها قصةُ شَعر صبي.»

حدَّقت إيرين في نفسها. كانت قد تفادت النظرَ في المرايا كما تفادت الجميع عدا تور وتيكا ووالدها، والمُعالِجين الذين كانوا يُرسلونهم، والذين لم تستطِع التخلُّص منهم؛ والآن بعدما شجَّعت نفسَها على النظر في المرآة كانت مندهشةً مما رأت. فالجروح الملساء على وجنتها اليسرى، وبعض الرُّقَط التي تُشبه النَّمش على الجانب الآخر من وجهها، والتي هي موضع وقوع رذاذ دم التنين الساخن، كانت باديةً لكنها لم تكن شنيعة المنظر. كانت فروةُ رأسها لا تزال رقيقة على الجانب الأيسر من رأسها، وكان يتعيَّن عليها أن تستخدم فرشاةَ شعرها بحذر؛ لكن شعرها كان يُعاود النمو بنفس كثافته من قبل، وإن كان قد أصبح داكنًا أكثرَ ويكاد يكون مُسترسِلًا. كان يبدو على وجهها الشحوب والإنهاك، عدا مِن هاتَين البقعتَين الحمراوَين اللتين تقعان في أعلى عظام وجنتيها؛ وكان ثمَّة خطوط على وجهها لم تكن موجودة من قبل، وبدت عيناها عجوزتين بعمر أرلبيث. فقالت: «أُشبِهُ أمي كثيرًا الآن، أليس كذلك؟»

توقَّفت تيكا وقطعة القماش التي استخدمتها لجمع قصاص الشَّعر تتدلى من يدها. وأجابتها: «بلى.»

وفي الصباح التالي ذهبت لتتناول الإفطارَ مع والدها ثانية، وكان تور هو الآخر هناك، ولم يسَعه إلا أن يهبَّ من مقعده ويحتضنها. كان مسرورًا جدًّا بأن يراها تسير، وبأن شعرها نما ومُشِّط بانسيابيةٍ حول وجهها، حتى إنه كاد ينجح في أن يصرِف فكره عن مدى ضآلة جسدها وهو يحتضنها، ومدى الضَّعف الذي كانت عليه؛ وأن كل نفَسٍ تتنفَّسُه كان يبدو أنه يجعلها تهتز، كما تهزُّ الريح شتلةً صغيرة. ابتسمت له إيرين، ورأى تور البُقَع الحمراء على عِظام وجنتَيها لكنه لم ينظر إلا إلى ابتسامتها.

وسألت إيرين عن نيرلول، فقال أرلبيث إنه كان متواضعًا — وليس رعديدًا — بطريقةٍ كرهها أرلبيث أكثرَ حتى من تهديده المُتعجرف المعتاد؛ بدا وكأن التهديد بالانفصال لم يحدُث بالمرة. كان نيرلول قد بدا مُضطربًا، فكان ينظر خلفه كثيرًا، ويجفُل من أصواتٍ لم يكن يسمعها أحد سواه. واعتذر على ذلك، ومع أنه لم يكن يحصل على قسطٍ كافٍ من النوم، بالإضافة إلى حدوث إغارات كثيرة جدًّا على حدوده، فقد بدا ما يستطيع فِعله بشأن ذلك محدودًا للغاية. ردَّ أرلبيث، وجيشه من خلفه، بالكلمات والتطمينات المتوقَّعة التي كانت مناسِبةً اجتماعيًّا وسياسيًّا في هذا الموقف، وبعد أقصرِ زيارة مُمكنة بما يتماشى مع قواعدِ الكياسة عاد إلى الديار تاركًا حاميةً من جيشه لتُساعد نيرلول في مراقبة الحدود بالقُرب من أرضه. بدا نيرلول مُمتنًّا بصدق، وذلك جعل أرلبيث أكثرَ قلقًا؛ لكن لم يكن باستطاعته فِعل المزيد.

قال أرلبيث: «ليس لديَّ شك في أننا استُدرجنا حينها بعيدًا عن المدينة لغايةٍ ما، وأفضل ما أمكنني فِعله هو العودة بسرعة على قدْر ما يمكن للجياد. وكدتُ أنسى أمرَ ماور.»

غمغم تور: «أنا لم أنسَ أمره»، وتحرَّكت عيناه نحو وجهِ إيرين بحركةٍ سريعة ثم عادت لتُشيح عنها، وعرفت إيرين أنه كان قد ظنَّ أنها ستعود برفقة الرسول وستُواجِه التنين الأسود وحدَها.

عبس أرلبيث وهو ينظر في كأسه. وقال: «لكن إن كانت الغاية الوحيدة هي جعْل التنين الأسود يُهاجمنا، فلماذا إذن لا يزال يَكتنفنا الإحساس بأن مصيرًا مظلمًا ينتظرنا؟ فهذا ما أشعر به.»

فقال تور: «أجل.»

ساد الصمت بينهم، ثم قال أرلبيث أخيرًا: «لا يسعنا إلا أن نأمُل أن الأميرة إيرين قد عطَّلت خططَهم» — وبضمير الغائب «هم» كان مُستمِعوه يعرفون أنه يقصد الشماليين — «بحيث يكون لدَينا ما يكفي من وقتٍ للاستعداد وما يكفي من قوة في وضْع الاحتياط.»

ولم يُخبِرها أرلبيث ولا تور قطُّ بما فكَّرا فيه حين وقع نظرهما عليها للمرة الأولى، حين كانت محدودبةً ومصابة بحروق وتسعل دمًا على رقبة تالات البيضاء؛ ولم تسألهما إيرين. وجرى كلُّ ما قيل بشأن هذا الأمر في صباح ذلك اليوم نفسه؛ إذ قال أبوها مُتجهمًا: «تَدينين لي بعقابٍ على حملكِ سيف الملك دون أمرٍ منه، أيتها الأميرة إيرين.»

كانت إيرين تُفكِّر في هذا الأمر كثيرًا في الفترة الأخيرة، فأومأت. وقالت: «بانتظارِ أمرك.»

أحدَث تور جلبة، فأشار له أرلبيث أن يصمت. وقال: «عقابكِ أن تظلي حبيسةَ المدينة وألا تحملي سيفكِ مدةَ موسمَين، ستة أشهر، وليس أقل من ذلك. ولقد تولَّى ماور ذلك نيابةً عني.»

أحنَت إيرين رأسها؛ ثم جاءت إحدى الخادمات بشراب مالاك طازج وخبزٍ صغير ساخن، فشغلوا أنفسهم بتمرير الشراب والخبز بينهم، وكان هذا هو آخرَ العهد بالأمر. كانت إيرين الآن تضع الحليب في شراب المالاك الآن، كي لا يتعيَّن عليها أن تنتظره حتى يُصبح معتدلَ السخونة من تلقاء نفسه فيلاحظ الآخرون نفاد صبرها؛ وتلك عملية طويلة في قلعة الملك، حيث كان الشراب يُقدَّم في أكواب خزفية ثقيلة وضخمة لها قواعدُ عريضةٌ وغليظة وحوافُّ ضيقة ومستدقَّة. ولم تكن تُحب طَعم الشراب كثيرًا — إذ كان من المفترض بشراب المالاك أن يكون لاذعًا وكان الحليب يُخفِّف تلك اللذوعة — لكن كان ثمة تنازُلات أسوأ عليها أن تقدِّمها.

سألها أرلبيث متى يُمكنهم أن يُقيموا مأدبةً على شرفها، فطرفت بعينها وهي تنظر إليه في بلاهة وتُفكِّر في نفسها، عيد مولدي لن يحين حتى …؟

فقال هو برفق: «ماور. نرغب أن نُكرِّمكِ من أجل قتلكِ ماور.»

كان كلٌّ من تور وأرلبيث يعلم أنها لا تريد شيئًا من هذا القبيل، لكنها قالت مُبتسمة: «شكرًا لك. حدِّد يوم ذلك.»

كان الصمت الذي خيَّم على القاعة الكبرى في تلك الأمسية حين دخلتها أسوأ حتى مما تخيَّلت. كان ينبغي أن يكون الأمر مختلفًا بعضَ الاختلاف عمَّا كان عليه من قبل؛ ذلك أن حاشية والدِها لم تكن فيما مضى مرتاحة قَط في وجود ابنته؛ لكن الحال مع ذلك كان مختلفًا. كان للصمت المُخيِّم طنينٌ في رأسها، وصارت رؤيتها الضعيفة أضعفَ، حتى أضحى الناس من حولها هياكلَ مبهَمة مكتسية بألوان ملابس البلاط الملكي الزاهية. ارتدَت إيرين فستانًا طويلًا بلونٍ بنيٍّ له ياقة عالية وأكمامه تتدلَّى متجاوزةً رسغَيها؛ ورغم كثرة التطريز فيه، كانت الخيوط باللونين الأسود والبني الداكن، ودخلت عليهم حاسرةَ الرأس ولم ترتدِ سوى خاتمٍ واحد في يدِها اليُمنى. نظرت إيرين حولها فتحوَّلت الهياكل عنها ببطءٍ، واتخذت مجلسَها إلى جوار أبيها. عاد الحديث يدور، لكنها لم تسمع منه كلماته؛ بل سمعت الخوف المُضطرب والمُتقلِّب المتواري وراءه، وفكَّرت في هدوءٍ في نفسها: إنني أنا مَن يخافونها.

كانت جمجمة ماور القبيحة السوداء قد عُلِّقَت عاليًا على أحد جدران القاعة الكبرى، التي يعادل ارتفاع سقفها ثلاثة طوابق. كانت الجمجمة قد وُضِعت في مكانها هذا بتعليماتٍ من أحدٍ آخرَ سواها؛ لأنها لم يكن لها علاقة بهذا الأمر، ولو سُئِلت لما أرادت لها أن تكون موجودةً هناك. كانت الجمجمة ضخمةَ الحجم حتى في القاعة الكبرى؛ نظرت إلى الجمجمة واستطاعت أن ترى بوضوح، فارتاعت من هذا. بدا وكأن الجمجمة تقول لها: أنا تجسيد خوفهم، لأنكِ جرؤتِ على قتلي.

قالت الجمجمة: «أنا تجسيد خوفهم.»

فأجابت إيرين: لكنني عرجاء وقعيدة جرَّاء لقائنا؛ أنا بشَر مثلهم، فقد أُصبت بجروح شديدة.

ضحِكت الجمجمة؛ وكانت ضحكتها على هيئة تموُّجات صمتٍ ثقيل كتمت صوتَ الحديث الملتبس الذي يدور في القاعة؛ لكن لم يسمع تلك الضحكة أحدٌ سوى إيرين. صحيح، لكنكِ نجوتِ، وقتلتِني؛ وهذا كافٍ، بل وأكثر من كافٍ؛ لأنني كنتُ ضخمًا كالطود وربما كنتُ سأبتلع دامار بأكملها في نهاية المطاف. القرويون الذين رأوني قبل أن تأتي — والرجل الذي أرشدكِ إليَّ — كلهم يقولون إنني حين كنتُ أقف على قائمتيَّ الخلفيتَين، كان رأسي يطال النجوم؛ وأنه لم يكن باستطاعة أي بشَر أن يُواجهني. مَن رأوني يقولون ذلك برهبةٍ منِّي وامتنانٍ لنجاتهم؛ لكن ليس هكذا تُتناقَل الرواية.

سمِعَت إيرين إيقاعَ الأصوات من حولها؛ الإيقاعَ المُتقطِّع للمقاطع المتوارية وراء الكلمات التي كانوا ينطقون بها بصوتٍ عالٍ. ساحرة، هكذا كانوا يقولون. ابنة ساحرة.

قالت إيرين في يأسٍ: لكني أنقذتُهم. لقد أنقذتُهم.

فقالت الجمجمة في عواء: كان من الأفضل لو لم تفعلي! كان من الأفضل أن يكونوا الآن راقِدين في أعماقِ أمعائي!

انظروا كيف لا يزال وليُّ العهد ينظر إلى ابنة الساحرة، رغم كلِّ ما في وجهها من إنهاكٍ وندوب؛ انظروا كيف ينظر إليها، وكأنه لا يريد أن ينظر إلى أحدٍ سواها.

وكأنه لا يستطيع النظرَ إلى أيِّ شيءٍ آخر.

قال المُسنُّون من بينهم: تذكرون كيف كان الملِك ينظر إلى الساحرة، وكيف سحرَته لتُنجِب منه طفلةً حتى تُولَد من جديدٍ بقدرة أكبر؛ لأن دماء دامار ستسري في عروق الطفلة مع شر سِحرها!

ابنة الساحرة. ما كان لبشرٍ أن يقتل ماور. سوف تبتلِع دامار كما لم يكن في مقدور التنين الأسود قطُّ أن يفعل؛ لأنه كان سيُصبح في وسعنا أن نختبئ في الكهوف العميقة حتى ينام ثانيةً.

هل نتركها تفتن وليَّ العهد بسحرها؟

إننا نتذكَّر القصص القديمة عن ماور. إننا نتذكَّر.

ابنة الساحرة.

وكانت الكلمات التي قالوها جهرًا هي: الشمال. المُغيرون من الشمال، يُغيرون بتواتر أكثر، وبقوة أكبر. ما السبب وراء هذا الخوف المنطقي وغير المُبرَّر الذي يشعر به نيرلول؟ وهو الذي، وإن لم يُعرَف عنه قَطُّ التحلِّي بالحكمة، لم يُعرَف عنه قَطُّ افتقاره إلى الشجاعة. إنه الشر.

ابنة الساحرة.

كان من الأفضل أن تتركيني ألتهمكِ! هكذا صاح الشيء المُعلَّق على الجدار.

صاحت: كان قتلي لكَ مسألةَ حظٍّ فحسب! لم أتجرَّأ إلَّا لأني أيقنتُ أني كنتُ سأموت!

ضحِك الشيء.

ابنة الساحرة.

كانت مسألة حظٍّ فحسب!

قال رأس ماور: أكانت كذلك؟ أكانت كذلك؟

وقفت إيرين فجأةً وقالت: «أستميحكم عذرًا.» ثم استدارت وسارت، ببطء؛ ذلك لأنها كانت لا تزال تعرُج قليلًا، نحو الباب المفتوح على مصراعَيه الذي كانت ستخرج منه إلى خارج القاعة. وتبِعها تور مسرعًا حتى صار على مقربةٍ منها. «إيرين؟»

صاحت: «دعني وشأني! اذهب وتحدَّث إلى ضيوفك! لا تقترب منِّي!» وبدأت تسعل، ومع ذلك جرَت مُبتعدةً عنه، وهي تترنَّح، غير عابئةٍ بأنها كانت تعرُج على مرأَى كلِّ مَن في القاعة، وعبَرت الباب وابتعدت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤