الفصل السادس

ازداد تالات لياقةً وتألقًا. وكان دائمًا هزيلًا بعضَ الشيء من الناحية اليمنى الخلفية من جسده حين تمتطِيه، لكن أخذ الأمر يتطلَّب وقتًا أقل لكي يتعافى. امتطته إيرين طَوال أسابيعَ من دون عُدة، فيما أخذ الزيت يتساقط من السَّرج واللجام داخل دولاب ملابسها، إذ وجدت نفسها مُحجِمةً دون سببٍ يُذكَر عن أن تستخدِمهما — وكأن شيئًا ما سيفسد، أو كأن هبةً ما ستتحول إلى واجب، بمجرد أن تؤديَ التسريجة دورَها في جولاتهما معًا. قالت لتالات ذات مساء: «أظنُّ أنه حتى أفضل فترات الاستشفاء وأكثرها إمتاعًا لا بد أن تنتهيَ يومًا ما»؛ وفي اليوم التالي أحضرت إلى المرعى كل عُدته وسيفها الخاص من سيوف الفتية. أخذ تالات يتشمَّم فيهم ببطءٍ ثم بحماسة، وأخذ يتراقَص في نفاد صبرٍ فيما أخذت هي تُسرِّجه، حتى ضربت بقبضتِها على كتفه وصاحت فيه أن يُحسِن التصرُّف.

تحرَّك تالات متبخترًا وأطاع كل أمر لها على الفور؛ ورغم ذلك وجدت إيرين صلصلة الأجزاء المُختلفة المعدنية مزعجة، واستحوذ اللجام على قدرٍ أكبرَ من اللازم من يدَيها وكذلك من تركيزها. قالت إيرين للأُذنَين البيضاوين الصغيرتَين: «كيف يتعامل المرء مع السيف وهذا اللجام البغيض اللعين؟ ينبغي أيضًا أن تكون ثمَّة طريقةٌ لتعليق هذا الشيء البغيض حتى لا يصطدم بك وأنت لا تستخدِمه. لو حملت اللجام بين أسناني — فأخنق به نفسي بطريق الخطأ — وفي تلك الأثناء لا يُمكنني أن أصيح بصيحات الحرب التي تُجمِّد الدم في العروق مثل «نحو النصر!» و«لأجل دامار!» لأقذف الرعبَ في نفوس أعدائي، واللجام في فمي.» وبينما هما واقفان، سحبَت إيرين السيفَ من قِرابه وطوَّحت به يَمنة ويَسرة تُجرِّبه في نفس الوقت الذي أدار فيه تالات رأسه ليتلقَّف بفمه ذبابةً على كتفه، فعلِق السيف في اللجام فلم يتمكن تالات من أن يعدل رقبتَه، فظلَّ رأسُه ملتفًّا وإحدى عينَيه الداكنتَين مُثبَّتة على راكبته تُؤنِّبها، والنصل الثلم يُلامس وجنتَه.

قالت: «آه، تبًّا»، وحررت السيف بانتزاعه. فانقطع زمام من زمامَي اللجام. وقف تالات، إما في انتظار توجيهٍ أو خائفًا من أن يتحرك؛ وقد تدلَّى طرف الزمام المقطوع القصير على مسافة بضع بوصات تحت ذقنه، فأحنى رأسه وأمسك به وأخذ يمضغه في تروٍّ.

قالت إيرين غاضبة: «كنا نُبلي حسنًا من دونه»، ونزلت عن صهوته، ومزَّقت اللجام وألقت به على الأرض، مُمسكةً بسيفها العَصِيِّ باليد الأخرى مثل قُطَّاع الطرق. ثم عاودت ركوبَ صهوة تالات ودفعت بساقَيها في جانبيه، بأقوى مما أرادت حيث أربكتها حواف السَّرج. فانطلق تالات مُبتهجًا في أول عدْوٍ له منذ يومِ إصابته؛ وأنجزت إيرين بعملٍ أفضلَ مما كانت تتوقَّع، حيث كان تالات الآن يتمتَّع بالقوة والجَلَد ليعدوَ مسافةً طويلة نوعًا ما.

مرق تالات عبْر أرجاء مرعاه، ولم تستطِع إيرين أن تستعيد السيطرة لا على عقلها ولا على انفعالاتها، التي بدا أنها تقبع على الأرض حيث ألقت باللجام؛ ثم اكتشفت أن السَّرج مثلما جعلها تسيء الحكم على مقدار قوة عصرها على بطن الجواد بساقَيها، فإن كتلته جعلت الآن من السهل جدًّا على تالات أن يتجاهلها، فيما حاولت أن تخبره بأن يتوقَّف عن طريق الغوص بقوة في ظهره. ولاح السور أمامهما؛ فقالت إيرين وهي تئنُّ: «أوه، لا»، وألقت بسيفها وأمسكت بعُرف الجواد بكِلتا يدَيها؛ ثم قفزا في الهواء وعبَرَا السور. كان إقلاع الحصان مرتبكًا، لكنهما هبطا بخفَّة، واكتشفت إيرين أن جوادها الذي تعافى كان لا يزال عازفًا عن التوقُّف، وكان يرغب في الانصياع لساقَيْها ثانية؛ وفي نهاية المطاف أخذت الدوائر تصغر، وأصبح العَدْوُ أقربَ إلى الخَبَب، وفي الأخير حين جلست وظهرُها للخلف تراجعت سرعتُهُ بانقيادٍ فصارت سيرًا.

لكن رأسَه وذيلَه كانا لا يزالان مُنتصِبَين، وفجأة رفع تالات قائمتَيه الخلفيتَين فتشبَّثت به إيرين بذراعَيها حول رقبتِهِ في اضطراب. وصهل وضرب بقائمتَيه الأماميتَين. كانت إيرين قد رأته يفعل هذا قبل سنوات، حين كان والدُها يَمتطيه؛ ذلك أن جياد الحرب كانت مدرَّبة على خوض المعارك، وكذلك على حمْل فرسانها في خِضَمِّها؛ وكانت قد رأت الفرسان وغيرهم من الخيَّالة على ساحات التدريب، وفي منافسات لابرون. لكنها وجدت أنَّ الأمر يختلف كثيرًا حين يكون المرء على صهوة الجواد يؤدِّي ذلك.

قالت إيرين: «صه. إن لاحظ أحدٌ أننا هنا بالخارج فسنُواجِهُ متاعبَ.» قفز تالات مرةً أو مرتَين بقوائمَ مُتصلِّبة ثُم هدأ واستقر. وخاطبَتْه قائلة: «وكيف من المفترض بي أن أعود بك إلى مرعاك ثانية أيها المعتوه؟» فاهتزَّت أُذناه متراجعةً نحو صوتها. «البوابة على مرأى من أي أحدٍ يُراقب من الحظيرة؛ ودائمًا ما يكون أحدٌ ما في الحظيرة.» فتشنَّجت أُذناه. «كلَّا، لن نقفز عائدين.» كان جسدها كلُّه يرتجف؛ وشعرت بأن ساقَيها تختلجان على جانبي تالات.

حوَّلته إيرين نحو الجانب القصيِّ من المرعى مرةً أخرى، وهي تشعر أن أيَّ شيءٍ أفضل من أن يراها أحد؛ وشقَّا طريقهما إلى المكان الذي قفز منه تالات قفزته. وترجَّلت عنه. ثم قالت له: «انتظر هنا وإلا سأقطع لك سيقانك الثلاث الأخرى.» وقف تالات ساكنًا يُشاهدها فيما تسلَّقت بحذرٍ الجدارَ الصخريَّ القصير والقضبان الخشبية فوقه. أخذت تبحث في الأرجاء بضع دقائق ثم وجدت سيفها المطروح على الأرض؛ وعادت إلى السور وشرعت تطرق طرَف القضيب الأعلى بقبضة السيف حتى انزلق القضيب خارج الحامل وسقط على الأرض. وتبِعه الآخر. تفحَّصت إيرين تقرُّحات يَدَيها بتجهُّم، ثم مسحت العرق عن وجهها. وكان تالات لا يزال يراقبها باهتمام، ولم يكن قد حرك حافرًا. وفجأة ابتسمت إيرين. «تدريبك جوادَ حربٍ لم يكن هيِّنًا، صحيح؟ فالأفضل فقط هو مَن يحمِل الملك.» زوى تالات أنفَه وهو يُحمحم بصوتٍ خفيض. «أو حتى وليَّة عهد حمقاء، بين الحين والآخر.»

تراجعت مبتعدةً عن السور. وقالت: «والآن، جاء دورك. تعالَ إلى هنا.» وأشارت إليه كما لو كان أحد كلاب الصيد التابعة للملك. فجمع تالات قوائمه إلى بعضِها ووثب فوق الأحجار المُتدنِّية، وصخب الرِّكاب على جانِبَيه. أعادت القضبان إلى مكانها ثانية، وأمسكت بالسيف، وبينما كان تالات يتبعها، شعرت بأنها نالت كفايتها من الركوب لهذا اليوم، سارا عائدَين إلى البِركة وحجر الركوب، وإلى اللجام والسَّرج المُتكوِّمَين.

وفي اليوم التالي كان تالات يعرج عرَجًا شديدًا، ولاحقَتْه إيرين سيرًا على قدَمَيها ثلاثة أيام لتجعله يَخُبُّ ويُداوي الألَم قبل أن تَمتطيَه ثانيةً. وعادت إلى ركوبه من دون السَّرج واللجام، لكنها أخذت معها سيفها، وكانت تضرب بسيفها الأوراق المتدلية وخيوط العنكبوت — وكانت بين الحين والآخر تسقط عن ظهره حين كانت ضربة سيئة تُفقِدها توازنها — وتعلَّمت أن تتشبَّث بساقَيها حين يرفع تالات قائمتَيه الأماميتَين. كما أخذا يمشيان خببًا من دون توقُّف جهة اليسار ليُعزِّزا من قوة الساق الضعيفة، وإن كان تحتَّم عليها في بعض الأيام أن تصيح فيه وتضرب كتفَيه وخاصرته لتحمِلَه على استئناف الحذو يسارًا.

وسألت تور في تراخٍ عن الإشارات التي تعرفها جيادُ الحرب لتؤديَ الوثب والاندفاع، وبِحذرٍ أخبرها تور، الذي لم يكن يعرف بشأن تالات وخشِيَ مما يُحتمَل أن تكون بصدد فعله حاليًّا. كاد تالات يُسقطها عن صهوته في المرة الأولى التي أمَرَتْه فيها بفعل هذه الأشياء، ولم يستقرَّ ثانيةً أبدًا طَوال أيام، مُتطلعًا إلى مزيدٍ من الإشارات التي تُخبره أن يقوم بأكثر ما كان يُحِب القيام به، وهو العدْو السريع في حين أنها لم تكن تُريد منه سوى الخبب.

أما عن اللجام فلم تُعِده إلى خزانة ملابسها، لكنَّها عوضًا عن ذلك ألقت به تحت سريرها بعيدًا عن الأنظار. (وتيكا، التي كانت قد أعادت ترتيب الدولاب لتُفسح لزيت السرج، فقد تعجَّبت من هذا التعديل الجديد، لكنها في المُجمَل وجدت أنه أفضل، حيث لم يكن يُحتفظ بفساتين البلاط تحت السرير.) انتزعت إيرين الرِّكاب من السَّرج وبدأت تفكُّ القُطب من أسفله، وأخرجت مُعظم ما به من حشو، وحاكت ما بَقِيَ منه ثانية.

ووضعت السَّرج الناتج على ظهر تالات، وجلست عليه، وسبَّت ولعنت، ثم خلعته عنه ومزَّقته إلى قطعٍ صغيرة، وبدأت بعنايةٍ تُعيد تصميمَه بحيث يَمتثل تمامًا لقسمات ظهر تالات وساقَيها، الأمر الذي يعني أنها كانت طَوال عدة أسابيع تضع السَّرج على ظهره وتركب عليه ربما مراتٍ عديدة في وقت العصر، وكان تالات غاضبًا بعض الشيء من ذلك. كما تحتَّم عليها أن تستعير أدوات المشغولات الجلدية من هورنمار. وكانت مُتوترة للغاية بسبب الأسئلة التي لم يطرحها عليها هورنمار لكنه قد يفعل ذات يوم؛ إلا إنه أعطاها الأدوات في صمتٍ وعن طيبِ خاطر.

في نهاية المطاف، كان العمل على سَرجها قد انتهى. وكانت قد تركت روابطَ درع الصَّدر فيه حتى يظلَّ بوسع تالات ارتداء الشارة الملكية؛ وحين وضعت السَّرج ودرع الصدر عليه فوجئت كم يبدو جميلًا.

قالت وهي تُحدِّق فيما صنعت يداها: «لقد أحسنتُ صنعًا في هذا»؛ ثم تورَّدت خجلًا، لكن لم يكن بالأرجاء غير تالات ليرى ذلك.

•••

في تلك الأثناء وأخيرًا، عُقِد زفاف جالانا وبيرليث الذي طال انتظاره، وكان تور يؤدي مَهامَّ الإشبين لبيرليث بوجهٍ هادئٍ وخالٍ من التعبير، وكانت جالانا تكاد تكون مُتعالية بخُيَلاء وسعادة، ذلك لأن عيون البلاد بأكملِها كانت منصبَّةً عليها. كانت جميلة كفجر يومٍ ربيعي، تتزيَّن بألوان الوردي والذهبي والفيروزي، وشعرها الأسود معقود فقط بورودٍ ألوانُها الزهري والأبيض والأزرق الشاحب؛ لكنها عوَّضت هذا الاعتدال غير المعهود بالتزين بخواتم في كل إصبعٍ وبارتداء خاتمَين في كل إبهام، حتى إذا ما أقدمت على فعل إيماءات الطقوس تبدو يدُها وكأنها مُشتعلة؛ إذ كانت الجواهر تعكس ضوء الشمس.

لكن أيضًا في هذا الزفاف انطلقت شائعةٌ جديدة ومُزعجة بشأن ابنةِ الملك، شائعة لم يتعيَّن على جالانا أن تُطلقها؛ لأن أعينًا كثيرة غير عينَيها راقبت واستنتجت استنتاجات مُشابهة لاستنتاجاتها من دون حافز الغيرة والكبرياء الجريحة. وقفت ابنة الملك — الأميرة إيرين — على يسار والدِها، بحسب الأصول؛ وكانت ترتدي ثوبًا أخضرَ طويلًا، حواشيه مُمتلئة بقدْر امتلاء حواشي فستان جالانا، لكن كان هذا فقط لأجل أن تُظهر لقريبتِها الاحترام اللائق. وكان الدانتيل في صدارتها بسيطًا، ولم ترتدِ سوى خاتمَين، أحدهما هو خاتم آل بيت الملك، والآخر كان والدُها قد أهداها إيَّاه في عيد ميلادها الثاني عشر؛ وشعرها كان معقودًا بشكلٍ أنيقٍ إلى مؤخَّر عُنقها، ولم تكن تحمل سوى باقة أزهارٍ صغيرة باللونين الأصفر والأبيض. ولم تكن إيرين لترغب في أن تفوق جالانا بهاءً حتى ولو أمكنها ذلك، وكانت قد تجادلت مع تيكا بشأن كل قطبةٍ في الفستان وكل جديلةٍ من شعرها المعقود، وحاولت أن تتملَّص من حمل الأزهار من الأساس.

وقف الملك وابنته عن يمين العروسين، ووقف الأشابين على الجهة الأخرى منهم؛ وبدا واضحًا للكثير من الحاضرين أن نظرات إشبين بيرليث مُستقرة على ابنة الملك وليس على العروس؛ وتكمُن المفارقة في أنه لو لم يكن إشبينًا للعريس لوقف على يمين الملك، حيث لم يكن ليتمكَّن من النظر إلى الأميرة إيرين، سواء أراد ذلك أم لم يُرِد، ومن ثمَّ كان سرُّه سيبقى مكتومًا فترةً أطول قليلًا.

بدأت الشائعة في ذلك اليوم، ذلك أن الناس في مأدبة الزفاف مرَّروها فيما بينهم، وأخذوها إلى بيوتهم بعد ذلك، أن ولي العهد كان مُتيَّمًا بابنة الملك؛ وأن ابنة الساحرة ستوقِع الملك التالي لدامار في حبائلِها كما فعلت أمُّها مع أبيها؛ وعادت إلى الأذهان نسمة خوف ضئيلة — ذلك أن افتقار إيرين إلى «الهبة» كان مُطمئنًا — ولازمت الشائعة.

كاد أن يفسد يوم مجد جالانا — وهي التي كانت تأمُل أن تجعل تور يشعر فقط بقليلٍ من الأسف لأنه لم يتزوَّجها — حين لاحظت في نهاية المطاف أين ينصبُّ اهتمام إشبين زوجها الجديد؛ لكنَّ الغضب كان يُلائمها، ما دامت أبقت لسانها حبيسَ شفتَيها. وكان الأمر يستحقُّ العناء تقريبًا، ذلك أن إحدى أغبى صديقاتها، لكنها حسنة النية، ذكرت لها في قلقٍ أن إحداهن قالت إن تور كان واقعًا تحت تأثير سحر ابنة الساحرة، وأن التاريخ سيُعيد نفسه. قالت السيدة مُقطِّبة: «لا أعرف بالضبط ما كانت تقصد، هل تعرفين أنتِ؟ أمُّ الأميرة إيرين كانت ملكة؛ ومن شأن هذه أن تكون زيجةً مناسبة للغاية.»

ضحِكت جالانا أكثرَ ضحكاتها فتورًا. وقالت مُداعبة إيَّاها: «أنت غِرَّة للغاية. كانت فضيحةً رهيبة حين تزوَّج أرلبيث بأمِّ إيرين. ألم تعلَمي أن والدة إيرين كانت من الشمال؟»

لم تكن السيدة تعرف؛ إذ كانت قد نشأت في بلدةٍ صغيرة في الجنوب، فدُهشت لذلك كثيرًا؛ وكان بوسع جالانا أن تستنبط أنها شغوفة إلى الاستماع إلى بعض أخبار النميمة الجديدة لتدُسَّها في مُحادثتها مع صديقاتها في المرة التالية التي تجتمع فيها بهن. قالت جالانا بنبرةٍ وديعة: «لا شك في أن أرلبيث تزوَّجها، لكنها لم تكن بالضبط ملكة.» جالانا جعلت الأمر يبدو وكأن العُذر الوحيد لأرلبيث لإتيانه هذه العلاقة هو عاطفة مُضللة، ولولا أن ضلَّلته تلك العاطفة، ربما لم يكن ليتزوَّجها مُطلقًا. تركت جالانا السيدة تستوعب هذا — كانت السيدة غبية جدًّا وكان يتعيَّن التلاعُب بها بحذَر — ثم حين رأت في عينَيها إشراقَ الإدراك، أرسلتها، بلُطفٍ ورقَّةٍ، إلى حال سبيلها، حتى لا يغيب عنها ما فهمت.

تحمَّلت إيرين نفسها وطأةَ الزفاف والمأدبة بعدَه بأفضلِ ما في وسعها، لكن، وحيث إن هذا كان يَعني أنها صمدت أمامهم برزانةٍ كما يصمد الشهيد في وجه التعذيب، لم تلحَظ لا عينَي تور ولا غضب جالانا؛ كانت فقط مُعتادةً للغاية على أن تتجاهل جالانا متى أمكن ذلك؛ كان الشيء الوحيد الذي لاحظته بشأن العروس هو خواتمها الاثني عشر، التي كان من الصعب ألا تُلاحَظ — ولم تلحظ كذلك أي شيء سوى الجمود المُعتاد في المُجامَلات التي قدَّمها لها مَن حولها. أما تور — الذي كان يُنظَر إليه على أنه إما مُتيَّم بشكلٍ خطير ومن ثمَّ ينبغي معاملته بحذر، أو أنه مُضلَّل بصورةٍ تُثير الشفقة ومن ثمَّ ينبغي حمايته، أو على أنه قادر على تقرير مصيره كما اعتقد بعض البسطاء بشكلٍ لا يُصدَّق — فلم يعرف حتى وقت متأخر لاحقًا بشأن كلِّ ما باحت به نظراته.

تجرَّدت إيرين من ثيابها الفاخرة وأسلوبها الوقور وانطلقت بسرعةٍ نحو الحظائر عندما لاحت لها أول فرصة، ولم تَعُد تشغل بالَها بحفلات الزفاف.

•••

كانت قد استغرقت بعض الوقت بعيدًا عن مشغولاتها الجلدية لتبدأ التجريب على الدهان المضاد للنيران. ووجدت معظم المُكونات بسهولة، لأنها كانت أشياء شائعة، كذا كان ما تتلقَّاه وليَّة العهد من تعليمٍ يشتمل على قدرٍ قليل من أساسيات علم الأعشاب، الذي كانت إيرين قد تعلَّمته بكل سرور باعتباره مهربًا من تعلُّم التاريخ والسلوك. وقد طلبت شيئًا أو شيئَين من تلك المكونات من هورنمار، من مخزونه الخاص بعلاجات الجياد؛ وظنًّا منه أنها ربما تريد أن تجرِّب ضمَّادة من نوعٍ ما على ساق تالات الضعيفة، منحها صلاحيةَ استخدام علاجاته كما كان قد فعل بصندوق أدواته، ومُجددًا لم يطرح عليها أي أسئلة. كانت إيرين تعي العطية الكبيرة التي قدَّمها لها، وهذه المرة لم يسَعها إلا أن تنظر إليه بشيءٍ من الاستغراب.

ابتسم لها هورنمار. ثم قال بنبرةٍ دمثة: «أنا أحب تالات أيضًا كما تعرفين. وإن كان باستطاعتي مُساعدتكِ، فلا يلزمكِ سوى أن تطلبي.»

أما مع تيكا وعشبة الجذور الحمراء فكان الأمر أصعبَ بعض الشيء.

«تيكا، ما هي عشبة الجذور الحمراء؟» هكذا سألَتْها إيرين عصرَ أحد الأيام وهي تضع رقعةً غير متساوية على تنورةٍ كانت دومًا تكرهها، فحملقت بسخطٍ من نتيجة ذلك.

ردَّت عليها تيكا بحدَّة: «لو أنكِ تَقضين في الرتق ربعَ الوقت الذي تقضينه في تصليح ذلك السَّرج العتيق، لصِرتِ أجمل وأحلى من جالانا. مَزِّقي هذه واصنعيها مجددًا.»

تنهَّدت إيرين وبدأت تقتلِع القطب غير المُنتظم. «أتصوَّر أن لا جدوى من ذكر أني لا أملك أي رغبةٍ في أن أكون أجمل من جالانا.» ثمَّ صمتت لحظةً وأضافت: «وعلى ذكر هذا، لا ترتدي جالانا أيَّ شيءٍ به رتق أو قَطْع قَط.»

ابتسمت تيكا. وقالت: «كلَّا. إنما تُزيل قَطعًا كبيرًا وتضع جزءًا جديدًا تمامًا من قماش مختلف، وبذا يُصبح الفستان جديدًا.»

فأجابتها إيرين: «أرغب في أن أصنع ممسحةَ أرضيةٍ جديدةً من هذا الشيء.»

رفعت تيكا الثوبَ من يد إيرين وأخذت تُحدِّق فيه. وقالت موضِّحة: «لم يبلَ اللون تمامًا، لكنَّ القماش نفسه سليم. يُمكننا أن نُعيد صباغته.» فلم تُظهر إيرين أي نوبةٍ ملحوظة من الحماسة تجاه هذا التدبير. «ربما بلَون أزرق، أو أحمر. لا تُربكيني بابتهاجكِ يا صغيرتي. أنتِ دائمًا ما ترغبين في ارتداء الأحمر، برغم شعرك المُتوهج …»

غمغمت إيرين: «إنه برتقالي.»

«سيكون مظهركِ حسنًا بهذه الحاشية وهي باللون الأحمر، وسترتدين عليها سترة ذهبية — إيرين!»

فأوضحت إيرين: «لا يزال يلزم ترقيعها.»

تنهَّدت تيكا بعُمق. «أنتِ ابتلاء لصبر جولوتات نفسها. إن صنعتِ شيئًا مفيدًا بهذا اللجام الرديء الذي ظلَّ يقبع تحت الفراش طَوال الأسبوعين المُنصرمَين، فسأعيد صباغة تنورتكِ البائسة، وسأرتقها بحيث لن تستطيع جالانا نفسها حتى أن تُلاحظها — وكأنكِ تهتمِّين بذلك.»

مدَّت إيرين يدَها لتحتضِن تيكا، وأصدرت تيكا صوتًا بدا أقرب إلى زفيرٍ ينمُّ عن الانزعاج. نزلت إيرين من فوق مقعد النافذة وتوجَّهت نحو الفراش على يدَيها ورُكبتَيها وبدأت تنبش تحته. وعاودت الظهور ولم ينَل منها الغبار إلا قليلًا؛ لأن الخدم كانوا بارِّين بواجبهم في مسح الأرض، وأمسكت باللجام أمامها على امتداد ذراعها ونظرت إليه في نفور. وقالت متسائلة: «والآن ماذا أفعل به؟»

اقترحت تيكا بنبرة واثقة: «ضَعِيه على حصان.»

فضحكت إيرين. وقالت: «إنني أبتكر طريقةً جديدة لامتطاء الخيول يا تيكا. لا أستخدم فيها اللجام.»

هنا ارتعش جسد تيكا، وهي التي كانت لا تزال بين الحين والآخر تُراقب إيرين وفحلَها الأبيض لتطمئنَّ إلى أن تالات لن يُصيب طفلتها العزيزة بأي مكروه. كان من توفيق الآلهة أن تيكا لم تكن تُراقب إيرين يوم قفز بها تالات فوق السياج. «لا أريد أن أسمع أي شيءٍ عن ذلك.»

فأكملت إيرين وقد مدَّت يدَها الخاوية بجرأة: «يومًا ما، سأُصبح ذائعة الصِّيت في القصص والأساطير» ثم توقَّفت، تشعر بالحرَج من قول هذا حتى لتيكا.

بهدوءٍ قالت تيكا وهي تُمسك بالتنُّورة في النور حيث دَرَزتها بغُرَز خفيَّة حول الرقعة: «لم أشكَّ في ذلك قَطُّ يا عزيزتي.»

جلست إيرين على حافة الفراش واللجام في حِجرها ونظرَت إلى أطراف ستائر الفراش، والتي كانت من عُرُفٍ ذهبية طويلة لرءوس الجياد المُطرَّزة على حافة السَّدِيل المحدودة، وفكَّرت في أمِّها، التي ماتت يأسًا حين وجدت أنها أنجبت أنثى وليس ذكرًا.

تساءلت إيرين ثانية: «ما هو الجذر الأحمر؟»

فقطَّبت تيكا. «الجذر الأحمر. هذا … هو الأستزوران. الجذر الأحمر هو اسمه القديم — وقد اعتاد الناس الظنَّ بأنه مُفيد في بعض الأمور.»

«أي أمور؟»

رمقتها تيكا بنظرةٍ سريعة وعضَّت إيرين على شفتِها. «لماذا تريدين أن تعرفي؟»

«أنا … أوه، لقد قرأت كثيرًا في الكُتب القديمة في المكتبة حين لم أكن … حين لم أكن على ما يُرام. وكان ثمَّة كتاب عن الأعشاب، ذُكرت فيه الجذور الحمراء.»

تفكَّرت تيكا، وكان بعض أفكارها مُشابهًا لأفكار تور، حين طلبت منه إيرين أن يعلِّمها المبارزة. لم تفكِّر تيكا قَط بشأنِ ما إن كان مصير إيرين مرتبطًا أكثرَ بحالها أو بحال دامار، ولم تفكِّر كذلك في عللٍ تتجاوز أيًّا من ذلك؛ وإنما أحسَّت بأن مصير إيرين كان فريدًا. لكنها كانت تعرف، بأفضل حتى من القريب الذي أحبَّها، أن إيرين لن تكون أبدًا سيدةَ بلاط؛ ليس مثل جالانا، التي كانت سيدةً مُتسلِّطة جميلة، ولكن ليس أيضًا مثل تاتوريا زوجة أرلبيث الأولى، التي أحبَّها الجميع. ولم يكن بإمكان أيٍّ من أعراف بلاط أرلبيث أن تساعد ابنة الملك في اكتشاف مصيرها؛ لكن تيكا، على عكس إيرين نفسها، كانت تؤمن بأن قدَرها موجود في مكانٍ ما. تردَّدت تيكا، لكنها لم تستطِع أن تتذكَّر شيئًا خطيرًا بشأنِ عشبة الجذور الحمراء التي لم تَعُد ذات قيمة.

وقالت تيكا: «لا ينمو الأستزوران في هذه الأرجاء؛ فهو نبتة عشبية قصيرة تُفَضِّل المروج المفتوحة. وهي تنتشر بأن تبثق سُوقها الجارية، وحيثما تمسُّ السوق الجارية الأرضَ يخرج منها جذرٌ طويل ورفيع. هذه هي نبتة الجذور الحمراء.» تظاهرت تيكا بأنها تُولي تركيزًا كبيرًا على ما ترتقه. «قد أخرج مدَّةَ بضعة أيام إلى المروج خارج المدينة وإلى التلال؛ فقد تذكَّرتُ أن ثمَّة أعشابًا أنا في حاجة لها، وأنا أُفضِّل أن أجمع أعشابي بنفسي. فإن رغبتِ في المجيء، فسأريكِ بعضَ نباتات الأستزوران.»

ولم تطرح تيكا أيَّ أسئلة حين لفَّت إيرين حزمةً صغيرة من الأعشاب بنفسها وربطتها إلى سَرج تيكا أثناء رحلتهما، حزمة اشتملت على عدةِ جذور أستزوران طويلة وضعيفة، وإن كان أيٌّ من الفرسان المُرافقين قد لاحظ ذلك (ذلك أن تيكا لم تكن تركب الخيل إلا مكرهةً، وحتى وهي تَمتطي مُهرتها البطيئة البليدة العجوز كانت تشعر أنها أكثرُ أمنًا بوجود عدة أشخاص آخرين من حولها)، فلم يقُل شيئًا أيضًا.

•••

وجدت إيرين أن وصفةَ الدهان لم تكن مضبوطة كما ينبغي. إذ صنعت مزيجًا وبسطت شيئًا منه على أحد أصابعها وزجَّت به إلى لهب شمعة، وانتزعته سريعًا وهي تصرخ صرخةً حادة. وصنعت ثلاث خلطات أخرى، نتجت عنها ثلاث أصابع محترقة، وتوبيخ شنيع من تيكا، التي لم تكن، بالطبع، على علمٍ بتفاصيل أسباب أن تبدو إيرين مصمَّمة على حرق أصابعها. بعد ذلك استخدمت قِطعًا من الخشب لتدهن عليها خلطاتها التجريبية؛ وحين كانت تُصدِر دخانًا وتحترق، تعرف أنها لم توفَّق بعدُ في صنْع خلطتها.

بعد المحاولات القليلة الأولى تنهَّدت إيرين وبدأت تدوِّن ملاحظاتٍ دقيقة عن كيفية صناعة كل خليط وعيِّنة. ولم يكن هذا أمرًا مألوفًا لها، وبعد أن ملأت عدةَ رقوق كتابةً برموزها وأرقامها الصغيرة الدقيقة بدأت تفقد شغفها؛ كانت رقوق الكتابة أشياءَ ثمينة حتى على ابنة الملك. وفكَّرت في نفسها: «إن كان هذا الهراء يُجدي نفعًا بالفعل، لعرَف به الجميع؛ وكان الجميع سيستخدمونه في صيد التنانين، وكانوا سيستخدمونه طَوال الوقت، وما كانت التنانين لتُشكِّل خطرًا — وكان ذلك الكتاب سيُدرَّس وما كان ليُترَك ليُغطيه غبار النسيان. من الحماقة أن أظنَّ أني ربما أكون قد اكتشفت شيئًا غفل عنه جميعُ مَن كانوا قبلي.» وأحنت رأسها على الغصن المُحترق، وانسابت بضع دمعاتٍ حارة على وجهها ثم على الورقة التي دوَّنت فيها حساباتها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤