الفصل الثامن

فكَّر تور في تلك الليلةِ أنَّ إيرين تبدو متألقةً وتمنَّى في حُزن لو أن لهذا علاقةً به، في حين كان يعرف يقينًا أنَّ ذلك ليس صحيحًا. وحين أخبرها بجرأةٍ كبيرة وهما يرقصان بين الراقصين أنها جميلة، ضحِكت من قولِه. فكَّر تور في نفسه أنها نضجت فعلًا؛ فقبل ستة أشهر حتى كانت ستحمرُّ خجلًا وتتخشَّب بين ذراعيَّ. قالت إيرين: «إنها الشرائط حول كاحليَّ. لقد بلغت الرتوق في فظاعتها مبلغًا عظيمًا اليوم، وقالت تيكا إنه إما أن أرتديَ هذا أو أن آتيَ حافية القدمَين.»

قال تور، وهو ينظر إلى عينَيها الخضراوين: «لستُ أنظر إلى قدَميكِ»؛ فأجابته دون أن تجفل: «ينبغي بك إذن أن تفعل، يا قريبي العزيز، لأنك لم ترَني مُزيَّنة بهذا الشكل من قبل، ومن المُستبعَد أن تراني هكذا ثانيةً.»

ولم يكن بمقدور ابن ثوربيد الواهن أن يغضَّ نظره عنها. وقال لوالده معلِّقًا إن الأميرة إيرين كبيرة الحجم بصورة رائعة. أما ثوربيد الذي كان يروق له أن تكون المرأة بهذا الحجم لكي يُلقي بها على كتفه ويهرب بها في خفة — ولا يعني هذا أن الفرصة قد سنحت له من قبل، لكن كان ذلك معيارَ قياسٍ رائعًا وجذَّابًا — فلم يقل سوى «آه، همممم». أما جالانا، التي لم يكن يروق لها الرجال الضعفاء الواهنون، فكانت لا تزال غاضبةً من أنَّ أحدَهم يُضيِّع وقتًا في النظر إلى إيرين، فعانقت بيرليث بلا هوادة. كانت شِبه مُذعنة لكونها متزوجةً من بيرليث؛ فقد كان تور ميئوسًا منه حقًّا. ليت بيرليث يتملَّقها أكثر؛ شيءٌ من قنوطٍ ساخرٍ منها بسبب كونها مَحطَّ الاهتمام في كل تجمُّع (تقريبًا)؛ شيء من الغيرة حين يكتب الشبانُ الوسماء قصائدَ الشعر لها، حيث كانت قادرة أحيانًا على حثِّهم على فعل ذلك. لكنه كان يتعامل معها بطريقةٍ مثيرة للغضب، فحواها أنه بعرضه المُنتقى بعنايةٍ للزواج بها قد أنعم عليها بمعروف. بحق الآلهة! كانت مناسِبةً له كثيرًا في نهاية المطاف.

ولكنه هو أيضًا كان مناسبًا لها كثيرًا. ولم يكن أيٌّ منهما لينسى هذا أبدًا.

أمضت إيرين الأمسيةَ بسلاسة. فمنذُ أصبحت الأميرة الأولى، لم تشعر مُطلقًا بالإحراج (أو بالارتياح) لكونها قادرةً على الامتناع عن المشاركة في الرقص. ولم تكن واعيةً، بصفة خاصة، إلى أنها لم تدعس قدَم أحدِهم في تلك الليلة، وكان هذا على غيرِ عادتها كثيرًا؛ وكانت مُعتادة على التأكيدات المهذَّبة، في نهاية كل رقصة، حين يجري تبادل شركاء الرقص، بأنه كان من السارِّ كثيرًا الرقص معها، وكان ذهنها شاردًا بعيدًا حتى إنها أخفقت في التعرُّف إلى رنة الصدق غير المُعتادة في أصوات شركاء الرقص. لم تُمانع حتى أن ترقص ثلاث رقصات مع ابن ثوربيد (ماذا كان اسمه ثانية؟) ذلك أنها وفي حين أنَّ طوله لم يُضايقها، فإن ضَعف شخصيته كان من شأنه، في مناسبةٍ أخرى، أن يُضايقها.

وقد لاحظت حين رقصت مع بيرليث أن ثمَّة خبثًا عميقًا غير مألوف في كلامه وتعليقاته، وتساءلت بشكلٍ عابر عما يُضايقه. هل لون ثوبي يجعل بشرته شاحبة؟ لكن بيرليث هو الآخر كان قد لاحظ إعجابَ ابن ثوربيد بابنة الملك الوحيدة، وأزعجَه هذا تقريبًا بقدرِ ما أزعج جالانا. فقد علِم بيرليث يقينًا أن جالانا توقَّفت عن لعبِ دورِ صعبةِ المنال فيما مضى حين كان يتودَّد إليها؛ لأنها كانت قد قرَّرت أن تجعل في الضرورة مزية بعد أن أصبح جليًّا أن أفضل ما ستحصل عليه هو لقب أميرة من المرتبة الثانية. إلا أن أميرةً من المرتبة الثانية كانت تُعَد شخصية هامة، وكان بيرليث يريد أن يحسُده الجميع على ظفره بالدرجة التي يَستحقُّها نَسبُهُ العريق وجاذبيته التي لا تُقاوم، وبالطبع ما يستحقُّه ما تتمتع به جالانا من جمال. كيف يجرؤ هذا القزم السوقي على أن يُعجب بالمرأة الخطأ؟

وكونه بيرليث، فقد ضبط بالطبع توقيت تودُّده إلى جالانا ليتزامن مع اللحظة التي أعلنت فيها جالانا هزيمتها في مسألةِ كونها ملكةً مُستقبلية؛ لكنه ما كان قادرًا أبدًا على حمل نفسه على التودُّد إلى إيرين. كان له في ابنة الملك حقٌّ بقدْر أي أحد — من المؤسف أنها ذاتُ شعر برتقالي وقدَم ضخمة الحجم — وفي حين أنه ما كان ليتزوجها أبدًا، سواء كانت ابنة الملك أو لم تكن، فلربما كان من المُسلي له أن يجعلها تُغرم به. وفي عقله الواعي كان يؤثِر أن يُظنَّ أنه لم يجعلها تُغرم به باختيارها؛ وقد راودَه في لحظةٍ كئيبة أن إيرين لم تكن تُحِب أن يتودَّد إليها أحد على الأرجح، وأنَّ سِحر أسلوبه الشهير (حين كان يُعنى بأن يستخدمه) ربما لم يكن ذا تأثير عليها بأي شكلٍ من الأشكال. فأبعدَ تلك الفكرةَ عن ذهنه في الحال، ودفنها إلى الأبد اعتزازُه بنفسه المُدَرَّب تدريبًا جيدًا.

كان بإمكانه الاعتراف بأنها تبدو أجمل من المُعتاد هذه الليلة؛ فلم يكن قد رآها من قبل في تلك الشرائط الأنيقة، وكان لها كاحلان جميلان دقيقان برغم شكل قدَمَيها. ولم يليِّن هذا الإدراك من موقفه؛ فأخذ يُحملق في شريكته في الرقص، وكان بإمكان إيرين الشعور بحملقته فيها، رغم أنها عرفت أنها لو نظرت في وجهه فإن تعبيراته ستكون تعبيرات استمتاع خامل، مع وجود وميضٍ عميق وحسب في عينَيه اللَّتَين ارتخت جفونهما كثيرًا لتخبراها بما يفكِّر فيه. وعند وقفةٍ في الرقص قطف بيرليث عدة ذرات غبار ذهبية في الهواء وُجدت فجأةً حين مدَّ يده نحوها. قبض بيرليث عليها بأصابعه، وابتسم وفتح يده ثانيةً فانبثقت بين إبهامه وسبابته حزمةٌ صغيرة من أزهارٍ صفراء وبيضاء، من نفس النوع الذي حملته إيرين في زفافه.

وقال لإيرين وهو ينحني: «إلى أجمل امرأةٍ هنا الليلة.»

شحب وجهُ إيرين وتراجعت خطوةً للوراء، ويداها خلف ظهرها. واصطدمت بالثنائي المجاور الذي كان ينتظر أن تبدأ موسيقى النمط التالي، فالتفتا مُبدِيَيْن بعضَ الانزعاج لينظرا ما كان يحدث؛ وفجأةً كانت القاعة بأكملها تتفرج. وضع الموسيقيون في البهو آلاتهم الموسيقية في حين كان ينبغي لهم أن يعزفوا النغمةَ الأولى؛ فلم يخطر ببالهم فِعل شيء آخر. كان بيرليث يُصبح «موهوبًا» جدًّا، خاصة حين يشعر بخيبة الأمل.

انفرجت مساحةٌ صغيرة حول بيرليث وإيرين، وكانت باقةٌ صغيرة من أزهار بيضاء وصفراء محطَّ أنظار القاعة الشاسعة بمن فيها. غمغم تور بشيء، وأسقط من يده يدَ شريكته في الرقص، الأمر الذي تسبَّب في إزعاج تلك السيدة كثيرًا (ستشعر هذه السيدة بالحنق تجاه الأميرة البرتقالية الشعر أسابيعَ لاحقة)؛ لكنه كان عند جانب القاعة القصي الآخر من إيرين وبيرليث، وكان الحشد وكأنهم تجمَّدوا وهم وقوف، وذلك لأنه وجد صعوبةً في شقِّ طريقه بينهم، ولم يحاول أحدٌ أن يفسح له الطريق.

عرفت إيرين أنها لو لمست الأزهار السحرية فإنها ستتحول إلى ضفادع، أو ستنفجر انفجارًا لن يسَعَ أي أحدٍ لم يلاحظ الضفادع إلا أن يلاحظه؛ أو الأسوأ من ذلك، أنها ستجعلها سقيمةً على الأرض عند قدمَي بيرليث. وعرف بيرليث ذلك أيضًا. فقد جعلها السحرُ شديدةَ الحساسية منذ أبكرِ أيام مُراهقتها، حين كان ينبغي أن تُعلِن «هِبتها» عن نفسها ولم تفعل؛ ومنذ اعتلَّت صحتها أصبحت ردَّةُ فعلها تجاه أي شيءٍ له علاقة «بالهبات» الملكية أكثرَ عنفًا. وقفت إيرين عاجزة ولم تستطِع التفكير في أي شيءٍ تقوله؛ فحتى لو طلبت منه أن يُعيد الأزهار إلى ذراتٍ من الغبار، فإن نفحة السحر حول بيدَيه ووجهه ستبقى، وما كانت لتجرؤ على أن تعاود الرقص معه على الفور.

وقف بيرليث يبتسِم لها ابتسامةً رقيقة، وذراعه مرفوعة في كياسة ويده ملتفَّة حول باقته؛ وكان الوميض في عينِهِ شديدَ التوهُّج.

ثم قفزت الأزهار من بين أصابعه ونمَت لها أجنحة، واستحالت طيورًا بيضاء وصفراء تغرِّد «إيرين، إيرين» بعذوبة قيثارات ذهبية، وفيما اختفت الطيور في ظُلمة السقف استهلَّ الموسيقيون العزفَ ثانيةً، وكانت يدُ تور تطوِّقها، وتُرك بيرليث ليشقَّ طريقه إلى خارج دائرة الراقصين. وطئت إيرين قدمَ تور عدةَ مرات وهو يُساعدها في مغادرة ساحة الرقص، ذلك أن السحر كان قويًّا في فتحتي أنفها، ورغم أن ما حدث كان قد حدث على مسافةٍ بعيدة من تور، ظلَّ السحر عالقًا به أيضًا. وقد رفعها تور بقوَّته المَحضة حتى قالت له وهي ترتجف قليلًا: «أفلِتْني يا بن العم، فأنت تُمزِّق حزام تنورتي.»

فأفلتها في الحال، ومدَّت هي يدَها، نحو كرسي، وليس نحو ذراعه الممدودة. فأنزل ذراعه. فقال: «عفوكِ، فضلًا. أنا أخرَق الليلة.»

فقالت هي بمرارة: «أنت لم تكن قطُّ أخرقَ» وسكت تور؛ ذلك أنه كان يتمنَّى لو أنها استندَت إليه وليس إلى الكرسي، ولم يُلاحظ أن معظم المرارة كان موجَّهًا إلى بيرليث، الذي كان يأمُل أن يُحرجَها أمام البلاط الملكي بأكمله، وبعضه كان موجَّهًا إليها هي نفسها، ولم يكن أيُّ قدرٍ منه مُوجَّهًا إليه. أخبرته أن بإمكانه أن يتركها، وأنها على ما يُرام إلى حدٍّ بعيد. قبل عامَين كان سيقول لها: «هراء، ما زلتِ شاحبة اللون، ولن أترككِ»؛ لكن الوقت لم يكن قبلَ عامَين، فما كان منه إلا أن قال: «كما تشائين»، وتركها ليجد شريكته في الرقص التي هجرَها ليُقدِّم اعتذاراته.

وأتى بيرليث إلى إيرين وهي جالسة في الكرسي الذي كانت قد استندت إليه، ترتشف من كوب من الماء كانت امرأة من الخدم قد أحضرته لها. وقال وهو يُغلق عينَيه حتى لم يبدُ من تحت أهدابه الطويلة إلَّا بصيصٌ من لمعانها: «بكل تواضُع أرجو عفوكِ. فقد نسيت أنكِ … لا تُعيرين اهتمامًا لمثل … هذه … التذكارات.»

نظرت إليه إيرين في حزمٍ وهدوء. وقالت: «أعرف تمامًا ما كنتَ تبغي هذا المساء. وأتقبَّل اعتذارك بقدْر قِيمته تمامًا.»

طرفت عينا بيرليث دهشةً من هذا التصلُّب غير المتوقَّع، وكان عاجزًا عن الرد هنيهةً. ثم قال بمداهنة: «إن كنتِ تقبلين اعتذاري بقدْرِ قيمته، فأعرف أنَّني لستُ بحاجةٍ لأن أخشى أن تحملي نحوي ضغينةً بسبب حماقتي البائسة.»

وضحِكت إيرين، وهو ما أدهشها بقدْرِ ما أدهشه. «كلَّا يا بن العم؛ لن أحمل نحوك ضغينةً بسبب حفل هذا المساء. فقرابتنا التي تمتدُّ سنواتٍ كثيرة، تتجاوز بنا حمْل الضغائن.» ثم انحنت إيرين بسرعة وغادرت القاعة، خشيةَ أن يُفكِّر في شيءٍ آخر يقوله لها؛ فبيرليث لم يخسر قطُّ في المناوشات اللفظية، وأرادت أن تحتفظ قدْر إمكانها بإحساسها الرائع بأنها أحرزت ضدَّه نقاطًا.

ولاحقًا في ظُلمة غرفتها، أعادت إيرين النظرَ في أحداث الأمسية بأكملها، وابتسمت؛ لكنها كانت ابتسامةً مُختلطة بتجهُّم، ووجدت أن النوم كان يُجافيها. كان يومًا طويلًا للغاية، وكانت في غاية التعب؛ ودائمًا ما كان ذِهنها يُصاب بالتشوُّش عندما تقضي أمسيةً على الملأ في القاعة الكبرى، وفي هذه الليلة، بمجرد أن صرفت أفكارها عن بيرليث وتور والطيور الصفراء، تحوَّلت من فورها إلى أمرِ الدهان المُضاد للتنانين.

وفكَّرت في أن تتسلَّل عائدةً إلى مُعملها، إلَّا أن أحدًا قد يرى ضوءًا في المكان الذي يجب ألا تُوجَد فيه إلَّا مقابض الفئوس. ولم تذكر إيرين قَط أنها قد استحوذت على السقيفة القديمة، لكنها شكَّت في أن أحدًا قد يُولي ذلك اهتمامًا ما دام أن الأضواء لم تظهر في ساعات غريبة — وأنى لها أن تُفسِّر ما كانت تفعله؟

أخيرًا قامت من سريرها ضجِرةً وتلفَّفت بالمِبْذَل الذي كان تور قد أعطاها إيَّاه، وشقَّت طريقَها عبْر الأروقة الخلفية والدَّرج، الذي كان نادرًا ما يُستخدَم، إلى أعلى شرفة في قلعةِ والدها. كانت الشرفة تطلُّ على الجزءِ الخلفيِّ من الفناء؛ وخلفه تقع الإسطبلات، وخلفها المراعي، وخلفهم جميعًا مُرتفعات التلال المُدبَّبة. ومن حيث كانت واقفة، كانت الهضبة الشاسعة حيث تقع المراعي وساحات التدريب مبسوطةً أمامها مباشرة؛ لكن على يسارها امتدَّت التلال بالقُرب من جدران القلعة، بحيث لم يكن يصِل من ضوء الشمس إلى أرضِ ذلك الجزء والطابق الأول فيه إلَّا القليل، وكانت جدران الفِناء منحوتةً في التلال نفسها.

كانت القلعة هي أعلى موضع في المدينة، وإن كانت الجدران التي كانت مُحيطة بالفناء تمنع أيَّ أحد يقف على مستوى الأرض بداخلها أن يرى المدينة مُنبسطة على المنحدرات السفلية. لكن من نوافذ وشرفات الطابقَين الثالث والرابع المُطلَّة على الجزء الأمامي من القلعة كان بالإمكان رؤيةُ الأسطح العُليا للمدينة، فكانت أحجارها بالألوان الرمادي والأسود والأحمر الباهت، وكانت من البلاط والألواح الخشبية الرقيقة؛ وكانت المداخن تعلُوها جميعًا. ومن نوافذ الطوابق الخامس والسادس كان بإمكان المرء رؤيةُ طريق الملك، ذلك الطريق المُعبَّد الذي يمتدُّ مباشرةً من بوابات القلعة وحتى بوابات المدينة، حتى قُرب آخره في استواءٍ مُنبسِط نظيفٍ تَحفُّه كُتَل صخرية، إلى مسافة قصيرة بعد أسوار المدينة.

لكن من أيِّ موضعٍ من القلعة أو المدينة كان يمكن للمرء أن يرفع ناظرَيه فيرى التلال التي تحتضنهما؛ حتى الفُرجة في الخط المُتعرِّج التي أحدثتها بوابات المدينة كانت ضيقةً بما يكفي لئلَّا تُرى على حقيقتِها بسهولة. وكذلك كانت تتعذَّر رؤيةُ الممر بين قمة فاست وقمة كار، وهما قمَّتا التلَّيْن الأعلَيَيْن اللذين يُحيطان بأرض الغابات المتموِّجة التي تمتد أمام المدينة وتلتفُّ لتلتقي بالتلال خلف القلعة. كانت إيرين تُحب التلال؛ إذ كانت في الصيف والربيع خضراءَ وفي الخريف بُنيةً وصفراءَ، وفي الشتاء بيضاءَ بفعل الثلج الذي تقي المدينة منه؛ ولم تكن التلال تُخبرها البتة أنها مزعِجة ومصدر خيبة أمل وأنها هجينة.

ذرعت إيرين الأرضَ حول الشرفة ونظرت إلى النجوم وإلى لمعة ضوء القمر على سطح الفناء الناعم كالزجاج. وبطريقةٍ ما كان المساء الذي قاسته قد أخمدَ كثيرًا من بهجتها بما اكتشفته صباحًا. فمسألة أنَّ شيئًا من دهانٍ أصفرَ يمكن أن يحمي إصبعًا من لهبِ شمعة لم يكن يُفهَم منها شيء عن خصائصه الوقائية في التعامُل مع التنانين؛ فقد سمِعت الصيادين وهم عائدون من الصيد يقولون إن نيران التنانين عنيفة، وأنها تحرق كما لا تحرق أيُّ نارِ موقد.

وفي تَجوالها الثالث حول الشرفة وجدت أن تور يترصَّد في ظلِّ إحدى الزوايا المُحصَّنة. قال لها تور: «أنتِ تسيرين بهدوءٍ شديد.»

فقالت باقتضاب: «حافية القدَمَين.»

«لو أمسكت بكِ تيكا على هذه الحال وهواء الليل بهذه البرودة، فستوبِّخك.»

«ستُوبِّخني فعلًا؛ لكنها تنامُ ملءَ جفونها، وقد تجاوزت الساعة مُنتصف الليل بكثير.»

«هذا صحيح.» ثمَّ تنهَّد تور وفرك جبهته بإحدى يدَيه.

فقالت إيرين: «يُدهِشني أنك تهرَّبت مبكرًا جدًّا؛ فحفل الرقص غالبًا ما يستمرُّ حتى مطلع الفجر.»

ورغم خفوت الضوء، استطاعت إيرين أن ترى تور يُقطِّب. «قد يستمر حفل الرقص في معظم الأحيان حتى الفجر، لكنَّني نادرًا ما أتحمَّل نصفَ تلك المدة حتى، وهو ما كنتِ ستعرفينه لو تكلَّفتِ عناء البقاء ومرافقتي.»

«هممم.»

«هممم ثلاثًا. هل خطر من قبلُ لكِ أيتها الأميرة إيرين أنني أيضًا لستُ براقصٍ بارع؟ وعلى الأرجح أيضًا أننا لا نرقُص معًا في أحيانٍ كثيرة وإلَّا فسنُلحِق بأنفسنا أضرارًا كبيرة. لا أحدَ يجرؤ على ذِكر هذا بالطبع، لأنني وليُّ العهد …»

«ولأنك رجل مُفرِط الانفعال.»

«إطراؤكِ عليَّ لن يُجديكِ نفعًا. لكنني أغادر ساحةَ الرقص بمجرد أن أكون قد وقفت مرة مع كلِّ سيدة تشعر بالإهانة إن لم أفعل.»

بدا مزاح تُور متكلِّفًا. فسألَتْه إيرين: «ما الخطْب؟»

نخر تور ضاحكًا. «لقد أبرزتُ لكِ أحدَ أكثرِ عيوبي تسبُّبًا في الإحراج لأحيدَ بكِ عن هذا، وأنت ترفُضين أن يتشتَّت انتباهكِ.»

فانتظرت إيرين.

تنهَّد تور ثانية، وخرج من بين الظلال ليتَّكئ بمرفقَيه على السور الحجري الخفيض المحيط بالشرفة. أضفى ضوء القمر على وجهه شحوبًا، وعلى ملامحه وقارًا وسكونًا، وجعل شَعره مادةً خامًا للظلمة المُطلَقة. وراق إيرين هذا التأثير كثيرًا، لكن تور أفسده بأن مرَّر إحدى يدَيه خلال شعره وعبسَ وتَجهَّم، وعندئذٍ عاد إلى كونه متعَبًا ومضطربًا وبشريًّا. «كان ثمَّة اجتماع من نوعٍ ما، عصر اليوم قبل المأدبة.» ثم سكت ثانيةً، لكن إيرين لم تتحرك؛ إذ توقَّعت أن ينطق بالمزيد؛ فرمَقَها بنظرةٍ ثم استطرد. «أراد ثوربيد أن يتحدَّث بشأن تاج البطل.»

«أوه.» انضمَّت له إيرين، فاتكأت بمرفَقَيها على الجدار إلى جواره، فلفَّ ذراعه حولها. فاكتشفت أنها كانت تشعر بالبرد وأنها مسرورة كثيرًا بذراعِهِ وبدفء جواره. «ماذا أراد أن يعرف بشأنه؟»

«ما الذي يريد أيُّ أحدٍ أن يعرفه بشأنه؟ يُريد أن يعرف مكانه.»

«وكذلك نحن جميعًا.»

«أجل. عذرًا. أقصد أنه يُريد أن يعرف إن كنَّا نبحث عنه الآن وإن لم نكن نفعل فلِمَ لا نفعل، وإن كنا نبحث عنه فبأي وسيلة، وما قدْر التقدُّم الذي أحرزناه. وإن كنا نعرف مدى أهميته وما إلى ذلك.»

«أرى أنك أمضيتَ وقتًا لم يكن مُسليًا على الإطلاق عصر اليوم.»

«بأي كيفية نبحث عنه في ظنِّه؟ بحق الآلهة السبع وما صاغت إيرينها! لقد رفعنا كل صخرة في دامار مرَّتَين على الأقل بحثًا عنه، ومن قبلُ سادت صرعةٌ اقتلَعْنا خلالها الأشجار وبحثنا عنه تحتها. لقد أتينا بكل العرَّافين، المُتمرِّس منهم والمبتذل، ليُحاولوا أن يقدموا لنا استبصارًا عن مكانه.»

أكانت أُمِّي واحدةً منهم؟ هكذا فكَّرت إيرين في نفسها.

«لا شيء. مجرد أشجار كثيرة ميتة وصخور في غير مواضعها.»

كانت جالانا قد أخبرتها ذات مرة أن ثمَّة تاجًا يقي دامار من الشرور، وأنه لو كان التاج بحوزة أرلبيث حين التقى والدة إيرين لَما تزوَّجها البتة، وأنه لو كان قد وجده في أي وقتٍ منذ ولادة إيرين، لما أُجبِرَت جالانا بعدها على تحمُّل أن تقصَّ لها إيرين أهدابها؛ لكنها لم تشرح لها بالتحديد كيف تعمل وظائفُ الحماية في التاج. عرفت إيرين أيضًا أنه كان من المُنتظَر من أعضاء الأسرة الملكية الأقوى موهبةً أن يمضغوا ورقةً من نبتة السوركا لِيُوجِّهوا أذهانهم نحو رصدِ مكانِ التاج. وافترضت أن تور فعل ذلك، وإن لم يكن ذلك بالشيء الذي كان سيُخبرها به. وكلُّ ما تعلَّمته من دروس التاريخ التي تلقَّتها أن ملوك دامار الحاليين كانوا قد قرَّروا ألَّا يرتدوا تيجانًا، إكرامًا لتاجٍ فُقِد قبل زمن طويل.

قالت إيرين بنبرة بطيئة: «سمعتُ به بالطبع، لكنني لستُ واثقة تمامًا من ماهيته، أو ما يُفترَض به أن يفعله.»

ساد الصمت بينهما لحظة. ثم قال تور: «ولا أنا. لقد فُقِد … قبل وقت طويل. كنت أظنُّ أنه مجرد أسطورة، لكن المُستشار العجوز زانك ذكره قبل عدة أسابيع، وحينها أخبرني أرلبيث أنهم كانوا يبحثون عنه تحت الأشجار. وقد اعتاد جَدُّ زانك أن يقصَّ حكاية فقدانه. ويظن زانك أن تزايد الغارات على الحدود يعود، إلى حدٍّ ما، إلى غياب التاج؛ وأن الشرور … القادمة من الشمال … لم تُسبِّب لنا المتاعب حين كان تاج البطل في المدينة. وعلى ما يبدو أن ثوربيد يُوافِقه الرأي، وإن لم يُصرِّح كثيرًا بهذا.»

ثم هزَّ كتفه، ووطَّد وجودها أكثرَ في ثنية ذراعه. «إن تاج البطل يحوي كثيرًا من جوهر دامار؛ أو على الأقل كثيرًا مما ينبغي أن يتمتَّع به ملك دامار في جوهره من أجل أن يحافظ على وحدة صفِّ شعبه ويَحميه من الشرور. ومن المُفترض أن إيرينها هي مَن شَكَّلَته. وهنا نأتي إلى الأسطورة، لذا ربما تَعرفينها. كان يُعتقَد أن قوة دامار — أو أيًّا ما كان في هذه الأرض ويجعلها على ما هي عليه ويجعلنا نحن من أبنائها — يُمكن أن يُحتفَظ بها بصورة أفضل أو بدرجة أكبر في شكل تاجٍ يُمكن تداوله من ملك إلى ملك، حيث إن بعض الحكام أفضل بالضرورة أو أكثر حكمةً من البعض الآخر. بالطبع ينطوي هذا النظام على إمكانيةِ فقدِ ذلك التاج، ومعه نفقد قوةَ دامار، وهو ما حدث في نهاية المطاف. ومُفاد قصة زانك أن التاج سرقه ساحرٌ أسود، وأنه تَوَجَّه شرقًا وليس شمالًا، وإلا لكان الشماليون قد تكالبوا علينا قبل وقتٍ طويل. ويظن أرلبيث …» وهنا خفَت صوته.

«ماذا؟»

«يظن أرلبيث أنه وقع في يد الشماليين في نهاية المطاف.» ثم سكت لحظةً قبل أن يضيف ببطء: «يؤمن أرلبيث على الأقل بوجوده. ومن ثمَّ يتحتَّم عليَّ أن أفعل كذلك.»

ولم تسأله إيرين أكثر من ذلك. كان هذا هو أحلك أوقات الليلة؛ كان الفجر أقرب إليهما من منتصف الليل، لكن بدا أن السماء تُبقيهم في ترقُّب. ثمَّ فجأة وتحت وطأة الظلمة ووطأةِ ما عرفت لتوِّها، تذكَّرت الدهان المُضاد لنيران التنانين، وبطريقةٍ ما لم يَعُد يهمُّها كثيرًا لا التاج المفقود ولا ضغينة بيرليث، التي هي سبب خروجها لتحدِّق في السماء في عتمة الليل؛ ذلك أنها، في نهاية المطاف، لم يكن بإمكانها فعلُ شيء بشأن أيٍّ منهما، وكانت وصفة إعداد دهان كينيت من صنعها. ولو أنها لم تستطِع النوم، فستعدُّ خليطًا تجريبيًّا كبيرًا يوم غد. قالت إيرين: «ينبغي أن أخلد إلى الفراش» ثم اعتدلت.

فقال تور: «أنا أيضًا. سيكون من المُثير للإحراج كثيرًا لشرف العائلة المالكة لو أن ولي العهد وقع من فوقِ جواده يومَ غد. هذا مِبذَل في غاية الجمال يا سيدتي.»

«فعلًا، أليس كذلك؟ لقد أعطانيه صديقٌ يتمتَّع بذوق رفيع.» ثم ابتسمت له، ومن دون أن يفكِّر هو، مال برأسه وقبَّلها. لكنها بدورِها احتضنَتْه فحسب في شرودٍ، لأنها كانت قلقة بالفعل بشأن ما إذا كان لدَيها ما يكفي من عُشبةٍ بعينها أم لا، فقد يَفسَد صباحها بالكامل إذا ما تعيَّن عليها أن تُحضِر منها المزيد، وستكون هي فارغة الصبر لدرجةٍ كبيرة، وقد تُفسِد الأمرَ كلَّه في نهاية المطاف. قالت إيرين: «لتنعمْ بنومك.»

وقال تور من داخل الظلمة: «وأنتِ أيضًا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤