الخاتمة

نختتم هذا الكتاب بمقالين لهما طبيعة شخصية إلى حدٍّ ما؛ فرغم توافُقهما مع موضوعات ظهرت مسبقًا، فإنهما لا يتناسبان بسلاسة مع التدفُّق التاريخي للكتاب. وربما يبدو وضعهما في النهاية للوهلة الأولى أحدَ أشكال الخضوع لهوى النفس وتعظيم الذات. في الحقيقة، رغم أن المقال الثاني يصف نَسَبي الكيميائي، فإنَّني لستُ عضوًا مهمًّا في تاريخ مجالنا هذا. إن المقصد الفعلي لمقال الأنساب الكيميائية هو إظهار تدفُّق تاريخ الكيمياء، وتطور التعليم، وحقيقة أنه على مستوى معيَّن توجد أهمية لهذه الصلات، وأخيرًا، الفرحة العارمة التي تُصاحب الاكتشاف. يصفُ المقال الأول ذكرياتي عن عبقري شاب يُدعى روبرت إي سيلبرجليد، خلال أوائل ومنتصَف سنوات المراهَقة. ويَتناسَب هذا مع موضوع الكتاب على مُستويَيْن؛ فالكيمياء تصف الحقيقة المَخفية. وقد أسهمَت دراسات روبرت للتواصُل بين الفراشات في كشف الحقيقة المخفية للانتقاء الجنسي في الأشعة فوق البنفسجية، وهو نطاق لوني غير مرئي لنا، لكنه على ما يبدو يُشبه إشارات النيون بالنسبة لها. تتحكَّم الصبغات الكيميائية والبِنية المادية لأجنحتها في هذه السلوكيات. لكن السبب الحقيقي لهذا المقال هو مُتعة تخيُّل شباب بعض العباقرة الذين سلَّطْنا عليهم الضوء باختصار هنا.

(١) عالِم طبيعي

هل نكتشف الموهبة العلمية الإبداعية الحقيقية عندما نشهدها في سن مبكِّرة؟ هل يجب علينا رعايتها أم يَنبغي علينا مجرَّد الابتعاد عن طريقها وتركها تنمو على نحو مستقل؟

تُوفي روبرت إي سيلبرجليد في ١٣ يناير عام ١٩٨٢ في حادِث تحطُّم الرحلة ٩٠ التابعة لطيران فلوريدا في واشنطن العاصمة في السادسة والثلاثين من عمره.1 كانت آخر مرة رأيته فيها عندما كان في السادسة عشرة من عُمرِه، ومع ذلك يظل يُمثِّل لي قوةً حيويةً — مزيجًا من الغرابة والإبداع المعهودَيْن في عالِم بالفطرة.2
التقَينا لأول مرة ونحن في سن الثانية عشرة في مدرسة بروكلين الإعدادية. كنتُ أعتزُّ إلى حدٍّ ما في هذا الوقت بقُدراتي العلمية؛ فقد كنت أقرأ كتبًا عن التاريخ الطبيعي والحشرات والديناصورات، بالإضافة إلى كتب لإسحاق أزيموف، وكنتُ أسير في كل مكانٍ وأنا أحمل كتبًا معقَّدة عن الفيزياء النووية، ظاهرة بوضوح، وكنتُ آمُل أن أستنير منها إذا حملتها لفترة طويلة بما يَكفي. فعلى الأقل، ربما تُثير إعجاب الفتيات! كنتُ أرسم تصميمات لصواريخ مُستحيلة التنفيذ؛ فقد كان «تخصُّصي» في الوقود السائل، وافترضتُ أنني في يومٍ ما سأستطيع التحكُّم في الهيدرازين والأكسجين السائل أو حمض النيتريك المدخن الأحمر. وكانت تصميمات الصمامات التي أصنَعها تتكوَّن من عدة طبقات من الورق المقوى — ضع السوائل (كيف؟) ثم اركض بأقصى سُرعة مُمكنة. لحسن الحظ، كنتُ «منظِّرًا» لتصميم الصواريخ، على عكس المتحمِّسين الآخرين الذين استخدموا الوقود الصلب المتاح، وكانوا أحيانًا يؤذون أنفسهم عند إجراء تجاربَ حقيقية.3 في هذا الوقت تقريبًا، سمعتُ لأول مرة شائعاتٍ عن طفل كان، وفقًا لزمرتنا، «عقليةً علميةً»، وكان لزامًا عليَّ أن «أتبيَّن أمره».

كان روبرت قصير القامة، ويَرتدي نظارات، وكان ميئوسًا منه في فصل اللياقة البدنية. كانت وسائل دفاعه الوحيدة في باحة مدرسة بروكلين ذكاءه وحقيقةَ أنه لا يُوجد ما يدعو للفخر في ضربه. في بدايات صداقتنا أخذني وصعَدنا إلى غرفته في عمارة سكنية قديمة ومتواضِعة للغاية، وأراني مجموعته من الحشرات. وعلى عكس طريقتي العشوائية في جمع الحشرات، كان روبرت لديه مختبَر نظامي به شبكاتٌ منزليةُ الصنع، وبرطمانات لقتل الحشرات، وسائلٌ لقتلها (أخف وزنًا في الواقع — المزيد عن هذا لاحقًا)، وسائلٌ يسبب لها الاسترخاء، ولوحات تجميع ودبابيس. وكانت حشراته مثبتة بدقة باستخدام دبابيس مناسبة تمرُّ عبر بطاقات تحمل أسماءها العلمية وأماكن الإمساك بها، مكتوبةً بخط صغير للغاية لكنه جميل (المزيد عن هذا لاحقًا، أيضًا). من الواضح أن روبرت كان يُمارس العِلم على مستوى أعلى بكثير مما كنتُ أفعله أنا. طاردنا الحشرات في الحدائق النباتية في بروكلين، وعلَّمني كيف أصنع شبكة كانسة (حمالة ملابس معدنية مع ستارة دقيقة المسام). كان يُحرِّك فتحة الشبكة ذهابًا وإيابًا على طول جانب إحدى الشجيرات، ثم يضع هذه الشبكة في وضع مقلوب بحيث تُصبِح فتحتها على العشب. كانت النتائج مُثيرة؛ إذ كنا نحصل على حقيبة من الحشرات — حرفيًّا مئات الخنافس، والبَق، والقمل، ونطاطات الأوراق، والذباب، والزنابير، والنمل، كمحصول في متناول أيدينا.

كان روبرت معروفًا أيضًا بين مجموعتنا في المدرسة الإعدادية بساعة يده التي على شكل لفافة والتي اشتُهر بها. كان قد أزال قلب ساعد يد قديمة، وصنع مكانها لفافات مكتوبةً بخط صغير لكنه يتَّسم بدقة عالِم الحشرات ليغشَّ منها. لماذا لم نُبلِّغ عنه؟ أعتقد أن هذا بسبب انبهارنا بمهارته؛ فربما شعرنا بإثارة غير مباشِرة من هذا التحدِّي الجريء — وإن كان سريًّا — لإدارة المدرسة، وعلى أيِّ حال، نادرًا ما كان يَحصل على درجات جيدة. في الحقيقة، أعتقد أنه لم يَستخدِم الساعة قطُّ في الامتحانات، ولكنه كان يحتفظ بها من أجل الشعور بالأمان، تمامًا مثل الصواريخ العابرة للقارات ذات الرءوس النووية التي تظلُّ الدول محتفظةً بها حتى في حالة السِّلم.

سنَستعرِض بعض العلامات البارزة الأخرى في أنشطة روبرت؛ على سبيل المثال، كان يَحمل معه سائلًا خفيفًا (قاتلًا للحشرات) في كل مكان في الأيام المطيرة، وكان يرشُّ بعضًا منه على البِرَك الصغيرة، ويأمل أن يرى سيدة عجوز متدينة ترمي عقْب سيجارة مُشتعلًا في البركة، فيشهد «معجزة». وحصل على كتالوج من متجَر مُستلزَمات الزواحف في فلوريدا وتخيَّل إطلاق ٧٥٠ حرباء (مجرد ١٥ دولارًا!) في المدرسة الإعدادية. وقد «جمع» بالفعل (أنا أعتقد أنه اشترى) كمًّا هائلًا من شرانق فرس النبي، ووضعها في أماكنَ خفيةٍ في جميع أنحاء المدرسة، وكان كريمًا بما يَكفي ليُعطيني دستةً منها. لم تَفقس قط في البيئة الخبيثة التي سادَت المدرسة الإعدادية، إلا أنها فقسَت في شهر فبراير الدافئ على غير العادة في غرفة نومي، وغطَّت الجدران بمئات فرس النبي الصغير، مما سبَّب صدمة أبدية لأختي الرضيعة روبرتا.

في غضون سنتنا النهائية في مدرسة إرازموس هول الثانوية رأيتُ روبرت. كنتُ «مهتمًّا» بالرياضة، بينما أصبح هو تحت تأثير مدرِّس موهوب لمادة عِلم الحيوان. وعرفتُ من الشائعات أنه تخلَّص من ساعة اليد السيئة السُّمعة، وكان يَصنع الزرنيخ، وقدَّم طلبًا للالتحاق بكلية الزراعة جامعة كورنيل. انتقلتُ إلى مدينة إنجلوود في نيوجيرسي، في النصف الثاني من سنتي النهائية، وعندما قرأتُ أنه يُمكن العثور على حفريات على طول نهر نافيسينك، دعوته إلى عبور نهر هدسون، وركوب الحافلة إلى بلدة ريد بانك. باء بحثُنا عن الحفريات بالفشل، إلا أنَّ روبرت استطاع، بعتادِه الموجود دومًا، الإمساكَ بنحلة طنانة، وأزال إبرة اللدغ منها بدقة، وربط أحد طرفي خيط ببطن النَّحلة المنزوعة السلاح، والطرف الآخر بزر قميصه، وركب مُنتصِرًا عائدًا إلى المنزل، و«النحلة تطِنُّ» طوال الطريق. حدث هذا في ربيع عام ١٩٦٣، وكانت هذه آخِر مرة أرى فيها روبرت.

بعد نحو ١٨ عامًا أعطاني طفلاي، ديفيد وريتشل، اللذان كانا في الثامنة والسادسة من عمرهما، ذريعةً للعودة لتجربة جمع الحشرات؛ فقد اشتريتُ لهما عُدَّة جمعِ الحشرات التي أردتُها دومًا. فكرتُ في روبرت، وبناءً على حَدْسي، بحثتُ عنه في مرجع «رجال ونساء أمريكان في الكيمياء»، وعثرتُ عليه — بكالوريوس علوم، كورنيل؛ دكتوراه، هارفارد؛ كان في هذا الوقت عضوًا في هيئة التدريس في هارفارد، والمُتولي شأن مجموعة الفراشات التابعة للجامعة. كتبتُ إليه وذكَّرته بتجاربنا المبكِّرة معًا بتفاصيل موجزة (وإن كانت مؤلمة). كتب إليَّ في المقابل، وأثنى على ذاكرتي، ودعانا جميعًا لزيارته في كامبريدج. كان يُوقِّع في هذا الوقت مُستخدِمًا الاختصار «بوب». كانت عائلتي منشغلةً للغاية في هذا الوقت فلم نَستطِع قبولَ عرضه. وبعد نحو خمس سنوات بحثتُ عنه مرةً أخرى ووجدت كلمة «الراحل»، ولم أعلم إلا بعد سنوات أنه تُوفي في المياه المتجمِّدة لنهر بوتوماك.

في مرحلة المراهقة، فاز روبرت في معرض للعلوم بدراسته للتنويعات في العلامات الموجودة على أجنحة الفراشات في الأجزاء المختلفة من مدينة نيويورك. أعتقِد أن هذا التكريم كان ذا صِلَة باهتماماته العلمية، وأنا متأكِّد من أنه لم يَحصُل على أيِّ مساعَدة من والدَيه أو من أي مختبر علمي معروف. وقد أخبرني موقع معهد سميثسونيان السابق الذكر، أن روبرت ارتقى إلى درجة أستاذ مساعِد وقيِّم مساعد لحرشفيات الأجنحة في متحف علم الحيوان المقارن في هارفارد. حصل لأول مرة على منصب في معهد سميثسونيان للأبحاث الاستوائية في عام ١٩٧٦، وأنهى حياته المهنية هناك. كان أيضًا ناشطًا بيئيًّا كرَّس نفسه لحماية جزيرة لينيوم فيتا كي في فلوريدا وإدارتها. وعُرف روبرت، من بين كثير من الإنجازات العِلمية الأخرى، على وجه الخصوص بدراساته عن أهمية الأشعة فوق البنفسجية في عادات التزاوج لدى الفراشات.

fig187
شكل ١: فراشات مصبوغة من أجل إثبات دور الأشعة فوق البنفسجية في سلوك التزاوج لديها. انظر الصور الملوَّنة. هذه الصورة مأخوذة من آخر بحث قدَّمه الأستاذ روبرت إي سيلبرجليد، صديق الصبا للمؤلِّف و«شخصية لا يُمكن نسيانها». أُعيدَت طباعتها بإذنٍ من «علم أحياء الفراشات: ندوة الجمعية الملَكية لعلم الحشرات بلندن» رقم ١١، آر آي فين-رايت وبي آر آكري (محرَّران)، الصفحات من ٢٠٧ إلى ٢٢٣ (١٩٨٤)، بإذنٍ من الناشر، المطبعة الأكاديمية (يَحمِل دمغة ناشر تحت اسم إلزيفير ساينس).
الصورتان A وB في الشكل ١ مأخوذتان من بحثه الأخير «التواصُل البصري والانتقاء الجنسي بين الفراشات»، الذي أنهاه قبل بضعة أيام من وفاتِه، ونُشرَ بعد وفاته.4،5 أشار سيلبرجليد إلى أنَّ الفراشات تتمتَّع بأوسع نطاق طيفي للرؤية بين الحيوانات — المنطقة المرئية للإنسان بأكملها بالإضافة إلى الأشعة فوق البنفسجية، وتصل إلى ٣٠٠ نانومتر. فقد اتَّضح أن ذَكَر أبو دقيق الكبريتي البرتقالي (كولياس يوريثيم) يَعكس أشعةً فوق بنفسجية (لا يراها الإنسان) من السطح الخلفي لأجنحته (ظهرها أو الجزء العلوي منها)، وهذا الانعكاس، وليس لونه، هو الذي يجذب الإناث. في الصورة العليا A نرى ذَكرًا مرجعيًّا لأبو دقيق الكبريتي البرتقالي (الأعلى يسارًا) مصبوغًا باللون الأصفر باستخدام قلم تحديد على الجزء السُّفلي من جناحيه. ورغم أن لونه ومظهره، حتى على السطح الخلفي، قد تغيَّرا فإنه لا يزال يعكس أشعةً فوق بنفسجية من السطح الخلفي، ويتزاوَج بنجاح. أما الذكور الخمسة الأخرى في الصورة A فقد صُبغَت بألوان مُختلِفة على الأسطح الخلفية من أجنحتها، ما يعمل على تغيير ألوانها المرئية، ومنع انعكاس الأشعة فوق البنفسجية. وقد قُوبلَت هذه الذكور الخمسة برفض من جانب الإناث. وفي الصورة B نرى ذكور أبو دقيق الكبريتي الغائم (كولياس فيلودايس)، المعروفة بامتصاصِها للأشعة فوق البنفسجية في الجزء الخلفي من أجنحتها بدلًا من عكسها. وُضِعت صِبغة صفراء فوق سطح أجنحة الذكر المرجعي (الأعلى يسارًا)، ووُضعت مجموعة الصبغات اللونية نفسها المُستخدمة في الصورة A على الأسطح الخلفية من أجنحة الفراشات الأخرى. ولمَّا كانت الأسطحُ الخلفيةُ الستةُ كلها امتصَّت الأشعةَ فوق البنفسجية، تزاوجَ الذكور الستة كلهم بنجاح.
في كتاب السيرة الذاتية الذي يَحمل اسم «عالِم الطبيعة»، أطلق البروفسير الشهير إدوارد أوه ويلسون، المسئول عن رسالة روبرت للدكتوراه، على روبرت لقبَ «عالِم طبيعةٍ موهوبٍ وعالِم تصنيفٍ موسوعيٍّ».6 وفي إهداء بعد الوفاة في الكتاب التجميعي الذي يحتوي على آخِر بحث كتبه، يقول المحرِّرون في جزء منه:7 «أسَرَ بوب سيلبرجليد كلَّ مَن قابله بحماسه المُعدي، وطاقته التي لا حدود لها. وقد تجلَّى هذا في أوضح صورِه في اجتماع الندوة؛ حيث كان في أفضل حالاته، ويزخر بالأفكار والمعلومات والدعابة. لم تسلُب وفاتُه المروعةُ، في كارثة واشنطن الجوية في الثالث عشر من يناير عام ١٩٨٢، عِلمَ الأحياء موهبةً كبيرةً فحسب، ولكنها سلبتْنا أيضًا صديقًا مبهِجًا.» لقد كان بالفعل كذلك.

لقد كنتُ محظوظًا لتأثري بهذه العبقرية الوليدة في هذه المرحلة المبكِّرة من حياتي، وظللتُ أحاول طوال اشتغالي بالتدريس في شبابي العثورَ عليه مرةً أخرى.

(٢) منحدر من أنابيب اختبار فالوب؟

(٢-١) سؤال طال انتظاره

أشعر بالخجل من الاعتراف بأنني كنتُ في الخامسة والخمسين من عمري عندما بحثتُ أخيرًا عن نَسَبي الكيميائي. إلا أنَّ الأمر خطئي بالكامل؛ فقد تلقَّى «والدي الكيميائي»، بيير لازلو — الذي أشرف على رسالتي للدكتوراه ووقَّع عليها في جامعة برينستون — تعليمَه في فرنسا، وتعرَّض لبضعة انعطافات غير تقليدية نوعًا ما في دراساته العليا، ولم يتحدَّث فعليًّا قطُّ مع مجموعتنا البحثية عن أصله الكيميائي، ولم نكن نحن فضوليِّين بالقدْر الكافي لنسأله. إلا أنَّ زيارة بيير لنيوهامشير في أكتوبر عام ٢٠٠١، وفَّرت بعض لحظات الاسترخاء، فطرحتُ السؤال أخيرًا: «مَن كان «جدي الكيميائي»؟» أخبرني أنه كان إدجار ليديرر، في السوربون في باريس، وهو عالِم كيمياء عُضوية ورائد في الاستشراب. عرَّفني بيير أيضًا على هوية مُستشار ليديرر — ريتشارد كون في هايدلبرج.

في هذه الليلة، دخلتُ على الشبكة العنكبوتية العالَمية واكتشفتُ في غضون دقائق أن كون، الذي حصل على جائزة نوبل، أنهى رسالة الدكتوراه الخاصة به تحت إشراف ريتشار فيلشتيتر، الذي حصل على جائزة نوبل عام ١٩١٥، وأن فيلشتيتر درس تحت أدولف فون باير، الحائز على جائزة نوبل عام ١٩٠٥، والذي درس بدوره مع أوجست كيكوله. غمرني الفرح لعثوري على هذا التاريخ «العائلي» المُميز، وكنتُ فخورًا باكتشافي للصفات العائلية في نفسي. كان كيكوله أحد رواد الكيمياء العضوية التركيبية؛ فكان أول مَن اكتشَفَ أن الكربون يُكوِّن أربع روابط، وأن البنزين، الجزيء العطري الأساسي، يتكون من حلقات سداسية. ولطالما اعتبرتُ نفسي عالِم كيمياء عُضوية تركيبية، ونشرتُ مقالات عن المركَّبات العطرية و«الخاصية العطرية». حتى إنه كان يُراودني أحيانًا «حُلم الثعبان»، رغم أنه لم يكن بنفْس نفع حُلم كيكوله. ومن بين إنجازات باير العديدة كان وضعه لأول نظرية تشرَح القدرة التفاعُلية العالية للجزيئات العضوية ذات الإجهاد الزاوي، مثل البروبان الحلقي. وقد شاركتُ، مع صديقي القديم جويل إف ليبمان، في تأليف كتاب «الجزيئات العضوية المجهدة» في عام ١٩٧٨، ونشرتُ أبحاثًا أخرى في هذا المجال البحثي؛ ولذلك، كان هذا الاكتشاف السريع للسلالة الكيميائية المُميزة هذه — التي تعود إلى منتصَف القرن التاسع عشر (المزيد عن هذا فيما يلي) — مصدرَ بهجة على وجه الخصوص لشخصٍ تعرَّض تراثُه العائلي الفعلي قبل القرن العشرين للتدمير فعليًّا، ودُفن وسُوِّيت به الأرض في بعض القرى اليهودية في شرق أوروبا ووسطها.

(٢-٢) من ألمانيا إلى فرنسا وإلى أمريكا: ملحمة في القرن العشرين

يُعدُّ تاريخ أجدادي الكيميائيين في القرن العشرين تاريخًا مُذهِلًا، وتأثَّر كثيرًا بالأحداث التي وقعت في ألمانيا في الفترة بين عامَي ١٩٢٠ و١٩٥٠؛ فعقب فوز ريتشارد فيلشتيتر بجائزة نوبل عام ١٩١٥ عن تنقيته للكلوروفيل ووضعه أساس تحديد تركيبه، عُين جدي الأكبر هذا، اليهودي، أستاذًا للكيمياء في جامعة ميونخ.8،9 كان فيلشتيتر صديقًا مقربًا لفريتز هابر، يهودي آخَر، صنع معجزة كيميائية ﺑ «تثبيته» للنيتروجين الجوي من أجل صنع الأسمدة (والمتفجِّرات)، وهذا سبب حصوله على جائزة نوبل عام ١٩١٨.9 كان هابر وطنيًّا مخلصًا، وصنع الغاز السام سلاحًا من أجل إنقاذ أرض الأجداد في الحرب العالَمية الأولى. وفي عشرينيات القرن العشرين حاول صنع طريقة لاستخلاص الذهب من ماء البحر؛ لتمكين ألمانيا من دفع تعويضات الحرب.10،11 عندما تولَّى النازيون السُّلطة عام ١٩٣٣، أُجبر «هابر اليهودي»11 على ترك عُضويته في مجلس إدارة معهد القيصر فيلهلم للكيمياء الفيزيائية في برلين. قَبِل منصبًا في كامبريدج، في إنجلترا، لكنه تُوفي إثر أزمة قلبية في العام التالي.
في عام ١٩٢٤، في سن الثالثة والخمسين، استقال فيلشتيتر من منصبه الجامعي احتجاجًا على العداء المتصاعِد للسامية، الذي شعر بأنه سبب حرمان د. فيكتور مورتس جولدشميت من التعيين في منصب في ميونخ.8،9 وأصبحت حياته المهنية، التي قُطعت فجأة، تزداد صعوبة. وبسبب تعرُّض حياته للخطر بعد حملة النازيين المعادية للسامية في عام ١٩٣٨، أُجبر فيلشتيتر على الهرب، واستقرَّ في سويسرا في عام ١٩٣٩، لكن بعد أن واجه صعوبات بالغة. ووصف فيلشتيتر الرقيق وصاحب المبادئ حياتَه المملوءة بالأحداث في عمل رائع لسيرة ذاتية عِلمية بعنوان «من حياتي»،12 نُشر في عام ١٩٤٨، بعد نحو ستِّ سنوات من وفاته.
أنهى ريتشارد كون رسالته للدكتوراه تحت توجيهات فليشتيتر في ميونخ عام ١٩٢٢؛ حيث أجرى تجاربَ استكشافيةً مُبكِّرةً على الإنزيمات والكاروتين.13،14 وعقب قضائه فترة في ميونخ، ثم في زيورخ، عاد كون إلى ألمانيا أستاذًا ومديرَ معهد قيصر فيلهلم (أصبح معهد ماكس بلانك فيما بعد) للأبحاث الطبية في هايدلبرج. وأدَّت أبحاثه على الكاروتين وفيتامين أ إلى حصوله على جائزة نوبل عام ١٩٣٨، إلا أنه اضطرَّ إلى رفض الجائزة؛ فقد منع هتلر الألمانَ من قبول جوائز نوبل بعد منح جائزة نوبل للسلام لعام ١٩٣٥ بعد الوفاة لأحد سجناء مُعسكَرات الاعتقال، وهو أيضًا أحد دعاة السلام الألمان ويُدعى كارل فون أوسيتزكي، الذي تُوفي إثر إصابته بمرض السُّل.15 في عام ١٩٤٩، قَبِل كون أخيرًا ميداليته وشهادته في ستوكهولم. توصَّل تلميذ كون ليديرر لطريقة الاستشراب من أجل فصل الأيزومرات المُختلفة للكاروتين. كان ليديرر يهوديًّا وهرب من ألمانيا في مارس عام ١٩٣٣، قبل أربعة أيام فقط من زيارة الجيستابو لمعهد القيصَر فيلهلم.16 حصل على مساعدة من مساعد كون أندريه لوف16 وهاجر إلى فرنسا، وهكذا دخل العنصر الفرنسي في سلالتي الكيميائية. حصل لوف على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء عام ١٩٦٥ مناصَفةً.

(٢-٣) ارتباك وخداع

والآن حان وقت المهمَّة المُمتعة المتمثِّلة في تتبُّع تاريخ «أسرتي» المميزة من باير إلى كيكوله إلى … لكن انتظر! فقد كشفتِ القراءة المتأنية للمصادر التاريخية أنه عندما حاول فيلشتيتر الانضمامَ إلى مجموعة باير المُلهمة في ميونخ، أرشده الأستاذ العظيم إلى زميله في القسم ألفريد أينهورن، الذي أنهى معه آنذاك رسالته للدكتوراه.10–12 استنتج أينهورن تركيب الكوكايين، وشك فيلشتيتر أنه غير صحيح وسأل مديرَه عما إذا كان يستطيع العمل على حلِّ هذه المشكلة. رفض أينهورن وأعطاه مشكلة بحثية لا علاقة لها بالموضوع. استشار فيلشتيتر مستشارَه المُلهم الحقيقي باير، الذي حلَّ هذه المشكلة في السياسة الأكاديمية بالحيلة. رأى باير أن التروبين يُشبه في تركيبه الكوكايين كثيرًا واقترح على فيلشتيتر دراسته. وبعد ساعات، إذا صحَّ التعبير، توصَّل فيلشتيتر إلى حل تركيب التروبين مما أدى في النهاية إلى معرفة التركيب الصحيح للكوكايين. استشاط أينهورن غضبًا ورفض التحدُّث مع فيلشتيتر لسنوات، حتى أصبح تلميذه السابق مديرًا للقسم، وعندها هدأت حدة آرائه بعض الشيء.10،11 لا يأتي ذكر أينهورن إلا على أقصر نحو مُمكن في كتاب بارتينجتون الشامل عن تاريخ الكيمياء.17 ومع ذلك، فإنه مخترع النوفوكاين،12 وهذا الإرث على الأقل يُقلِّل بعض الشيء من ألم وجود أينهورن الجامد التفكير بدلًا من باير المتَّقد الذكاء ضمن سلالتي.

نرى في العلاقة بين فيلشتيتر وأينهورن مثالًا على مشكلة تنشأ أحيانًا في أبحاث الأنساب هذه — مَن «يُنسَب إليه الفضل» في ظهور عالِم شهير — مستشار رسالته العلمية أم العقلية التي كان لها تأثير فعلي؟ ويزداد هذا صعوبة مع تعمُّقنا أكثر في الماضي. وماذا عن مشرفي ما بعد الدكتوراه؟ لماذا لا يُمكِن اعتبارهم «آباءً»؟ فربما من المنصف القول إنَّ المشرف على الأطروحة هو أوَّل مَن يرصد العقبات التي تظهر في المختبر الكيميائي للعالم المبتدئ، ويُقدِّم له الرعاية حتى يصل إلى مكانة كيميائية مرموقة.

(٢-٤) ثلاثمائة سنة من الإرث الكيميائي الألماني

بدأت الدراسة الأكاديمية للعلوم ومنح درجة الدكتوراه لأوَّل مرة في ألمانيا في مُنتصَف القرن التاسع عشر.18 أما بكالوريوس الطب فهو أقدمُ من هذا بعدة قرون. أدَّى بحثي، في هذه المرحلة، إلى وصولي إلى صفحة مفيدة عن الأنساب الكيميائية في موقع جامعة إلينوي الإلكتروني (www.scs.uiuc.edu/~mainzv/Web_Genealogy). حصل ألفريد أينهورن على درجة الدكتوراه تحت إشراف فيلهلم شتيدل في مدينة توبينجن، وأنهى شتيدل أطروحته للدكتوراه تحت إشراف أدولف فريدريش لودفيج شتريكر، أيضًا في مدينة توبينجن. وأنهى شتريكر رسالته في مدينة جيسن مع يوستوس ليبيج، الذي يُقال عنه إنه أهم عالِم كيمياء عضوية في القرن التاسع عشر.
اخترع يوستوس ليبيج جهاز تحليل الكربون الذي أحدث ثورة في التحليل العضوي. فلا يُمكن الحصول على الصيغ المعقدة للمركَّبات إلا بعد تحليل دقيق، مما يؤدي في النهاية إلى استنتاجات عن التكافؤ والتركيب لا تظهر إلا بعد عقود لاحقة.19،20 نرى في الشكل ٨-١١ (في الأسفل يسارًا) تصوُّرًا لمختبر ليبيج في جيسن. هل أرى جدي الأكبر شتريكر؟ نعم، فهو يجلس في المنتصف بالأمام، ويُمسِك المدقة والهاون في يده.
يوستوس ليبيج — أبو الكيمياء الحيوانية والنباتية والغذائية! غنَّيتُ من فرحتي: «يا له من يوم مبهج! يا لفرحتي!»21 كان ليبيج فاشلًا في سنوات دراسته الأولى وكان شابًّا مفرط الشغف والانفعال22— فلاحظتُ تشابهًا جينيًّا واضحًا بينه وبيني. نلتقي في تاريخ ليبيج بلبس «أبوي» آخَر، يُشبه كثيرًا الموجود لدى فيلشتيتر. فيقر ليبيج نفسه أن جوزيف-لوي جاي-لوساك في باريس كان مُعلِّمه الأساسي. ومع ذلك، يخبرنا التاريخ أن ليبيج أنهى رسالته للدكتوراه مع كارل فريدريش فيلهلم جوتلوب كاستنر، الذي لم يكن راضيًا عنه في مدينة إرلنجن.19،20 وهكذا نستمر في عودتنا في الزمن:
يوهان فريدريش أوجست جوتلينج
يوهان كريستيان فيجليب23
إرنست جوتفريد بالدينجر
كريستيان أندريس مانجولد
جيورج إرهارت هامبرجر
يوهان أدولف فيدل
جورج فولفجانج فيدل24
فيرنر رولفينك25
fig188
شكل ٢: صفحة العنوان من كتاب الكيمياء الذي نُشر عام ١٦٦٢ للدكتور جورنر رولفينك، أحد الأسلاف الكيميائيين للمؤلِّف. مثَّل رولفينك انتقالًا مهمًّا من الأطباء المتعلمين في بادوفا إلى الكيميائيِّين الذين يدرسون في ألمانيا. حقَّق نوعًا من الشهرة من عمليات تشريحه العلنية في مدينة ينا للمجرمين المُنفَّذ فيهم حكم الإعدام، بغرض التدريس الطبي. ولبعض الوقت كان يُشار إلى التشريح البشري بمُصطلَح «الرولفينكي».
فيرنر (أو جورنر) رولفينك! وُلد رولفينك في عام ١٥٩٩ في هامبورج، وتلقَّى تعليمه في فيتنبرج ولايدن وأكسفورد وباريس وبادوفا، وحصل على بكالوريوس الطب في عام ١٦٢٥.25 وفي عام ١٦٣٨، أسَّس المُختبر الكيميائي في مدينة ينا، وفي عام ١٦٤١ أصبح أوَّل أستاذ كيمياء في الجامعة. عارض كتاب رولفينك «مختصَر لفن الكيمياء» (الشكل ٢)، الذي نُشر لأول مرة في عام ١٦٦١، الكيمياء القديمة وقدَّم علاجات طبية. حقَّق رولفينك شهرة لتشريحه العلني، في المسرح التشريحي الذي بناه في ينا، للمجرمين المُنفَّذ فيهم حكم الإعدام. ولفترة من الوقت، كان يُشار لعمليات التشريح هذه باسم «الرولفينكية».25

(٢-٥) علماء تشريح البندقية في القرن السادس عشر

كان رولفينك الشخصية الانتقالية في تاريخ «عائلتي»؛ فقد وُلد في ألمانيا وتمتع بحياة مهنية طبية وعلمية مميزة في ألمانيا، وأتمَّ حصوله على بكالوريوس الطب في بادوفا تحت إشراف أدريان فون دن شبيجل.26 وبينما يُمكن اعتبار رولفينك اختصاصيًّا في الطب الكيميائي وجراحًا بالقدْر نفسه، كان فون دن شبيجل يَنتمي بوضوح إلى مجالي التشريح والجراحة. وقد وُلد شبيجل في بروكسل عام ١٥٧٨، ودرس في بادوفا على يد جيرولامو فابريتشي وجوليو كساري، وأتمَّ دراسته بين عامي ١٦٠١ و١٦٠٤.
ويُواصِل الموقع الإلكتروني لعِلم الأنساب التابع لجامعة إلينوي نقلي إلى الماضي. فمع دخولي مرةً أخرى إلى إيطاليا في أواخر القرن السادس عشر، بدأتُ أفكر أين سينتهي كل هذا (أو سيبدأ، في واقع الأمر)؛ فمع قربي جغرافيًّا من الأراضي المقدَّسة، بدأتُ أتساءل: هل موسى الذي تعامل مع الذهب، أم توبال قابيل،27 أقدم متخصِّص في علم المعادن في العهد القديم، كان جزءًا من سلالتي الكيميائية أيضًا؟
في الواقع، يُغطي نسبي الكيميائي القرن السادس عشر بأكمله تقريبًا في بادوفا، ثم يتلاشى. لماذا التحول إذًا من جمهورية البندقية الشمالية إلى ألمانيا في الجزء الجنوبي من الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة؟ فقد شكلت مدينة البندقية وجمهوريتها منطقة مزدهرة تجاريًّا وثقافيًّا طَوال القرن الخامس عشر. عندما غزَت فرنسا جمهورية ميلانو الشمالية الغربية في أواخر القرن، وأصبح الإسبان حلفاء لها، بدأت القوتان احتلال إيطاليا، ما أدَّى إلى إضعاف المنطقة. وبينما ظلَّت مستقلة طوال القرن السادس عشر، أُضعفَت دولة البندقية اقتصاديًّا وثقافيًّا، وفقَدت مكانتها كمركز فكري في أوروبا. حصل كساري28 على بكالوريوس الطب في بادوفا عام ١٥٨٠، كما حصل معلِّمه فابريتشي29 على درجته العِلمية من بادوفا عام ١٥٦٩ تقريبًا. وبصفته أحد أعضاء هيئة التدريس في بادوفا، كان فابريتشي نموذجًا للأكاديمي الذي يَفتقِر إلى القُدْرة على العمل ضمن فريق بسبب غروره. ففي عام ١٥٨٨، اتهمه طلابه علنًا بإهماله التدريس لصالح أبحاثه. وفي عام ١٦١١ اشتبك مع أحد زملائه بسبب مواعيد المقررات الدراسية. إلا أن، سمعته الأكاديمية وعمله الاستشاري ازدهرا كثيرًا وبدأ تولِّي علاج جاليليو منذ عام ١٦٠٦.29
تلقَّى فابريتشي تعليمه على يد جابريلي فالوبيو (١٥٢٣؟–١٥٦٢)30 في بادوفا. وأصبح فالوبيو شخصية شهيرة للغاية لدرجة أن كثيرًا من الكتب نُسبَت إليه زورًا بعد وفاته. ولا يُمكن أن يُنسب له على سبيل اليقين سوى كتاب «ملاحظات تشريحية» (١٥٦١).30 وقد عملتْ دراساتُه الرائدة في التشريح على توسيع عمل رئيس قسم التشريح السابق عليه، أندرياس فيزاليوس. بالطبع يشتهر فالوبيو بكونه مُكتشِف قناتَي فالوب التي تُوصِّل البويضات إلى الرحم. وُلد أحد مُعاصِري فالوبيو، ريالدو كولومبو31 (الذي يُسمى عادةً خطأً ماتيو ريالدو كولومبو) عام ١٥١٠ تقريبًا. درس هو وفالوبيو على يد جيوفاني أنطونيو لونيجو، رغم وجود كثير من الشكوك هنا. خلف كولومبو فيزاليوس في رئاسة قسم التشريح في بادوفا. وبعد هذا، واستجابةً للشائعات التي روَّجت لانتقاد كولومبو له، لم يلبث فيزاليوس أن «اتهمه بأنه جاهل ومحتال».31 وفي عام ١٥٤٨، زار كولومبو روما ودرس التشريح مع مايكل أنجلو،31 ووصف فيما بعد دورَ القلب في الجهاز الرئوي، وبذلك يكون قد سبق ويليام هارفي.31 خلف فالوبيو كولومبو في رئاسة قسم التشريح في بادوفا، وحظي أيضًا بعلاقات مضطربة معه تمامًا مثل فيزاليوس.31
تُعيد رواية حديثة بعنوان «عالِم التشريح»،32 لفريدريكو أندهاسي، تصوير الجراح الرائد كولومبو وسط المحظورات الدينية والرياء في بادوفا في القرن السادس عشر. فيرد في الرواية، أنه اكتشف الوظيفة الحقيقية لعضو «حب فينوس»، الذي سيُصبح التوغُّل في الحديث عنه خارج سياق كتابي الكيميائي هذا الوقور والمُحترَم. يُثير كولومبو التخيلي في القصة غضب الكنيسة ويلقى نهاية مروِّعة. ومن حيث الحقائق التاريخية، فقد درس فالوبيو عضو «حب فينوس»، ويتساءل المرء لماذا اخترع أندهاسي شخصية مركَّب «ماتيو» مركبة من كولومبو وفالوبيو.
ومع ذلك، إذا توغلنا في الماضي أكثر من ذلك، وتحديدًا قبل لونيجو، نجد أنطونيو موسى براسافولا (١٥٠٠–١٥٥٥)، أحد المساهمين الكبار في عِلم الصيدلة في عصر النهضة وطبيب البابا بولس الثالث.33 وبينما ما زال أمامي ٢٨٠٠ سنة أو نحو ذلك لأتحدث عنها في جهودي المستقبلية للربط بين براسافولا وموسى، كانت هذه، إلى الآن، رحلة ممتعة.

هوامش

(1) The Smithsonian Institution Archives retain Robert’s papers (1960–1982) and related materials (to 1984) in a collection (Record Unit 7316) described by Rebecca V. Schoemaker (see http://www.si.edu/archives/faru7316.htm).
(2) Here I happily acknowledge my friendship with Joel F. Liebman dating back to Fall 1967, when we met as first-year graduate students in chemistry at Princeton University. Although Joel and I were 20 when we met, we were “young adults,” scientifically speaking, and thus mostly “formed.” It would have been fun to have known Joel at, what entomologist Silberglied might have referred to as, his pupal stage. Joel, too, won science fairs as an early teenager without help of parents or any scientific establishment. Finally, Joel’s continued scientific creativity, his “manic” punning, his appreciation for the absurd, and his innate kindness perhaps allow me to imagine Robert as an adult.
(3) In 1997 I had the good fortune to meet Dr. Slayton A. Evans, Jr., Professor of Chemistry at the University of North Carolina at Chapel Hill. Slayton, an African-American, grew up in rural Alabama, and like so many other boys in the “Sputnik generation,” also developed an interest in rockets. He related to me how one of his (solid-fuel) rockets blew up near the house, leaving a small crater in the yard. Alarmed by the explosion, his mother called out to her precocious son “What happened?” To which he replied “Nothing, Mom.” To which she replied “Well, make sure that ‘nothing’ never happens again.” Professor Evans died on March 24, 2001 following a prolonged illness. On the university Webpage the following words appear: “His grace and dignity touched everyone he met in a unique way.” Girls were not particularly encouraged into the sciences and engineering during those days. But many were not to be denied and I think of my contemporary Dr. Marye Anne Fox, Chancellor of North Carolina State University and a member of the National Academy of Sciences, as one formidable example. Dr. Joan Valentine, the first female graduate student in chemistry at Princeton, Professor of Chemistry at UCLA, and journal editor, is another. Indeed, my wife Sue would, as a young girl, unfashionably watch and assist her dad, Wilbert Covici, in his building and repair activities. As a result, her mechanical abilities put mine to shame. Similarly, my sister Ilene (“Dee Dee”) Franklin was not encouraged to imagine a career as a scientist, but she became a gifted chemistry teacher and is now stimulating her second generation of high school students. My other sister, Roberta, a talented dancer, might have become a business executive.
(4) R. E. Silberglied, in The Biology of Butterflies. Symposium of the Royal Entomological Society of London, No. 11, R. I. Vane-Wright and P. R. Ackery, Academic Press, London, 1984, pp. 207–223.
(5) See Plate 4 and its description in the book cited in Siberglied, op. cit.
(6) E. O. Wilson, Naturalist, Island Press/Shearwater Books, Washington, DC, 1994, pp. 276–279.
(7) R. I. Vane-Wright and P. R. Ackery, op. cit., p. xxi. After the present essay was written, and the manuscript sent to the publisher, an article on the aftermath of Air Florida Flight 90 appeared (The New York Times Magazine, August 4, 2002, pp. 36–41). I am grateful for the details about Robert’s life that it provides, including the fact that he proposed marriage (joyfully accepted) on the morning of his ill-fated flight.
(8) C. C. Gillespie (ed.), Dictionary of Scientific Biography, Charles Scribner & Sons, New York, Vol. XIV, 1976, pp. 411-412.
(9) B. Narins (ed.), Notable Scientists From 1900 to the Present, The Gale Group, Farmington Hills, Vol. 5, 2001, pp. 2438–2441.
(10) J. R. Partington, A History of Chemistry, Macmillan & Co., Ltd., London, Vol. 4, 1964, pp. 636.
(11) The New Encyclopedia Britannica, Encyclopedia Britannica, Inc., Chicago, 1986, Vol. 5, pp. 601-602.
(12) R. Willstätter, Aus mein Leben, A. Stoll (ed.), Verlag Chemie, Weinheim, 1948; transl. L. S. Hornig as From My Life, W. A. Benjamin, New York, 1965.
(13) Gillespie, op. cit., Vol. VII (1973), pp. 517-518.
(14) Narins, op. cit., Vol. 3, pp. 1281-1282.
(15) The New Encyclopedia Britannica, op. cit., Vol. 8, p. 1031.
(17) Partington, op. cit., p. 860.
(18) J. Ziman, The Force of Knowledge—the Scientific Dimension of Society, Cambridge University Press, Cambridge, 1976, pp. 57–62.
(19) Partington, op. cit., pp. 294–334.
(20) Gillespie, op. cit., Vol. VII, 1973, pp. 329–350.
(21) With sincerest apologies to Lewis Carroll for bawdlerizing Jabberwocky.
(22) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley & Sons, New York, 2000, pp. 196–199.
(23) Gillespie, op. cit., Vol. XIV, 1976, pp. 332-333.
(24) Gillespie, op. cit., Vol. XIV, 1976, pp. 212-213.
(25) Gillespie, op. cit., Vol. XI, 1975, p. 511.
(26) Gillespie, op. cit., Vol. XII, 1975, p. 577.
(27) J. Read, Humour and Humanism in Chemistry, G. Bell & Sons Ltd., London, 1947, p. 3.
(28) Gillespie, op. cit., Vol. III, 1971, pp. 98–100.
(29) Gillespie, op. cit., Vol. IV, 1971, pp. 507–512.
(30) Gillespie, op. cit., Vol. IV, 1971, pp. 519–521.
(31) Gillespie, op. cit., Vol. III, 1971, pp. 354–357.
(32) F. Andahazi, The Anatomist (transl, by A. Manguel), Doubleday, New York, 1998.
(33) J. R. Partington, A History of Chemistry, Macmillan & Co., Ltd., London, Vol. 2, 1961, p. 96.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠