الثقة والذعر: مقدمة الطبعة المنقحة

الثقة الاجتماعية والأزمات المالية

تتَّسم المجتمعات الحديثة بالهشاشة؛ فثمَّة لحظات نادِرة ولكن خطيرة تتسبَّب حينها رياح جديدة، تهبُّ فجأة من جهةٍ غير مُتوقَّعة، في انهيار صروح تبدو صلبةً من الناحية الظاهرية. ومثل هذه الانهيارات لا تقلُّ في خطورتها حين تتعلَّق بكياناتٍ معنوية في حياتنا الاجتماعية. الأعراف غير الرسمية والمؤسسات الرسمية التي تضمَن أن الثقة تحلُّ محلَّ الشك المتبادَل. وربما يكون الدافع للانهيار من الخارج، كما في وقتِ الحروب، أو ربما يبدأ من الداخل، على نحوٍ أكثر غموضًا، من خلال تحوُّلٍ سِرِّي للتوجُّهات المشتركة التي تُثير شكًّا مفاجئًا في الثقة التي كانت تُعتبَر فيما مضى من المُسلَّمات. وسواء أكانت النتيجة تفشِّيًا لعُنفٍ مادي أو انهيارًا لاقتصادٍ تبادُلي، فإن فَهم تلك التطورات الخفية وظهورها المفاجئ للعيان هو أحد التحديات الكبرى أمام قُدرتنا على فَهم العالَم الذي نعيش فيه.

كانت الأزمة المالية التي بدأت في عام ٢٠٠٧ أحد هذه الانهيارات. كانت صدمةً شديدة، ليست فقط لواضِعِي السياسات المُسيطرين الذين كانوا يُهنِّئون أنفسهم على فترةٍ طويلة من النمو الاقتصادي المُستقر في مُعظَم أنحاء العالم؛ ولكن أيضًا لكثيرٍ من العمال والمُدَّخرين والمُستثمرين الذين كانوا قد كَفُّوا ببساطة عن الشعور بالقلق حيال مُستقبلهم. وفي غضون أشهرٍ قليلة، شهد العالم تهافُتًا على سحْب الودائع المصرفية من بنكٍ بريطاني لأول مرة منذ القرن التاسع عشر، وأول انخفاض مُستمر في أسعار المنازل الأمريكية طيلةَ العشرين سنة التي حُوفِظ فيها على المؤشرات المنهجية، وانهيار قيمة الأسهُم المُتداوَلة في أسواق الأسهم العالَمية بأكثر من النصف، وتجميد نشاط سوق الإقراض بين البنوك. وفي غضون عامين، وقعتْ خسائر للقروض الأمريكية قدَّرها صندوق النقد الدولي بنحو ٩ آلاف دولار تقريبًا لكل رجلٍ وامرأة وطفل في الولايات المتحدة الأمريكية،1 وحدث أكبر تراجُع في إنتاج كُبرى الدول الصناعية منذ فترة الكساد الكبير. هذا يَجعلنا نطرح أسئلةً على غرار: أي نوع من الذُّعر كان هذا؟ ماذا كانت أسبابه الخفية؟ وما الذي دفع إلى ظهورها على السطح؟
يتناول هذا الكتاب الثقة التي تُشكِّل أساس حياتنا الاجتماعية، ويتناول على وجه التحديد ما يُمكِّنُنا من أن نثق في أشخاصٍ غرباء تمامًا عنا بشأن وظائفنا، ومدَّخراتنا، وحتى حياتنا. كما يتناول أيضًا ما يحدُث حين تنهار تلك الثقة، كما حدث مؤخرًا في القطاع المصرفي وكما حدث عبر عدَّة أزمنة من تاريخنا، وما ترتَّب عليه أحيانًا من عواقب وخيمة. لطالَما افتُتِن المؤرِّخون وعلماء الاجتماع بنوبات الذعر الاجتماعي،2 وكلما كانت الأسباب أكثر غموضًا، ازداد افتتانُهم بها. ما الذي دفع المجتمَعات في جميع أنحاء أوروبا من القرن الخامس عشر إلى القرن السابع عشر إلى الحُكم على مئات الآلاف من الأشخاص، الكثير منهم سيدات مُسنَّات وغريبات الأطوار، بأنهن ساحرات خطيرات يَستحقِقن التعذيب والإعدام؟ والإجابة ليست «اللاعقلانية»: فإن كان بإمكان نيوتن ولوك أن يُؤمِنا بالسحر، إذن فلم يَحمِ الذكاء والمنظور العِلمي من الشعور بالذُّعر. ما الذي دفع الحكومة البرازيلية عام ١٨٩٧، بتحريضٍ من الصحافة والرأي العام، إلى قتْل عدة آلاف من أتباع المُتصوِّف الديني أنطونيو كونسيلهيرو، الذي كان قد انسحب إلى مُستعمَرة كانودوس البعيدة ليكون بعيدًا عن طريق العالَم؟ لماذا استجاب الآلاف من الكوسيين عام ١٨٥٦ إلى نبوءة فتاةٍ مُراهِقة تُدعى نونجكاووس بذبح مئات الآلاف من الماشية، ممَّا أدَّى إلى حدوث مجاعةٍ ربما أودَت بحياة ما قد وصل إلى ثلاثة أرباع السكان؟3 ولكي نَستشهد بأمثلةٍ أقلَّ عنفًا أثارت اهتمام علماء الاجتماع؛ لماذا اقتنع سكان مدينة أورليانز في مايو ١٩٦٩ بأن عملية خطف الشابات على نطاقٍ موسَّع وإجبارهن على ممارسة الدعارة كانت بتدبيرٍ من أصحاب ستة محلَّات لبيع الفساتين بوسط مدينتِهم؟4 دائمًا ما يُوجَد أفراد يكونون عُرضةً لنزوات الخلل والارتياب في كل المجتمعات وفي جميع الأزمنة التي تَوافَرَ لدينا سجلَّات لها، إلا أنَّ أغلب المُجتمَعات الحديثة الكبرى استطاعت عادةً أن تَحصرهم، أو، على الأقل، أن تحصُر نزواتهم في أضيق الحدود. إذن، لماذا يتعدَّون تلك الحدود أحيانًا ويصيرون جزءًا من التيار السائد؟

لم تؤدِّ الأزمة المالية لعام ٢٠٠٧ إلى عُنفٍ واسع النِّطاق بعد، في حين أنه ربما كانت فترة الكساد الكبير في ثلاثينيَّات القرن العشرين تتحمَّل جزءًا من مسئولية اندلاع الحرب العالمية الثانية، فمن الحماقة أن نَنهمِك في تهنئة أنفسنا قبل الأوان. إلا أنَّ هذه الأزمة ليست مجرَّد نوبة ذُعرٍ مثل الأزمات الأخرى. ربما كان سكان كانودوس سيُواصِلون العيش بسلام إلى الأبد بشكْلٍ أو آخر، لو أن أبناء وطنهم كانوا على استعدادٍ لتركهم وشأنهم. ولم يُجبِر شيء سكانَ أوروبا أوائل العصر الحديث على تصعيد الأمر بمثل هذه الوحشية القائمة على شكوكهم تجاه غرابة أطوار بعض مُواطِنيهم ذوي الحظ السيِّئ. ورغم أن نزوات اختطاف النساء ظهرت على نحوٍ مُتكرِّرٍ على مرِّ التاريخ، فلم يكن لدى سكان مدينة أورليانز سبب مُقنع ليَستسلمُوا لتلك النزوات في عام ١٩٦٩. غير أنَّ الأزمة المالية لعام ٢٠٠٧ لم تظهر من العدَم وسط سماءٍ صافية بلا غيوم؛ بل استغرقتْ وقتًا لتنشأ، وتلَت حالة ازدهار غير مُستدامة، لا يُمكن فهم تدهور مُستوى الثِّقة أثناء الأزمة إلا في ضوء البنية المُهترئة لتلك الثقة. إنَّ فهم السبب وراء أنَّ حالة الازدهار لم تكن مُستدامة هو السبيل إلى فهم نوبة الذعر التي أعقبت هذا الازدهار. كما أنه السبيل إلى فهم كيف تُبنى بِنْية مُستدامة من الثقة الاجتماعية.

تُعدُّ الأزمة المالية مثالًا على موضوع هذا الكتاب وحالة اختبارية له. فمؤسسات حياتنا الاجتماعية تُشَكِّل أساس الثقة التي نضعها في الغرباء. وأحيانًا إذا وُضِعت تلك الثقة في غير محلها، فإن السبب يعود إلى أن هذه المؤسسات، في أغلب الوقت، تؤدي مُهمة استثنائية للغاية لدرجة أنَّنا نَسِينا تمامًا أن الثقة في الغرباء هي في الأصل مُعجِزة. ببساطة، الثقة في الغرباء هي أكثر شيءٍ مُنافٍ للطبيعة يُمكن أن نفعله. الأمر يُشبه لغةً أجنبية تعلَّمنا تحدُّثها بكل ثِقةٍ لدرجةٍ لم نَعُد نَلتفِت إلى أخطائنا الحتمية والالتباسات الفاضحة التي تنشأ عنها أحيانًا. ولكي نَفهم السبب في أنَّ هذا الأمر يُعَدُّ مُنافيًا للطبيعة جدًّا والسبب في أننا مع ذلك نتعلَّم كيف نثق في الغرباء عمومًا وببساطة بالغة، علينا أن نتعمَّق أكثر في استرجاع ماضينا التطوُّري.

التجربة الكُبرى

حياتنا اليومية أغرب ممَّا نتخيل، وتستند إلى أُسس هشَّة. هذه هي الرسالة المُذهلة التي نستخلِصها من تاريخ تطوُّر البشرية. إن وجودنا، بأعدادنا الغفيرة وما نمتلِك من نشاطٍ صناعي وشبكات تواصُل، ليس نتيجةً تدريجية وحتمية لتطوُّر البشر عبر ملايين السنين. إنه يرجع، عِوَضًا عن ذلك، إلى تجربةٍ استثنائية بدأت قبل عشرة آلاف سنة فقط. (يعادل هذا نحو دقيقتين ونصف مضَتْ بمقياس ساعةٍ مُكوَّنة من ٢٤ ساعة بدأت تعمل حين تشعَّب تطوُّرنا عن بقية أنواع المملكة الحيوانية). لم يَكن بوسع أحدٍ أن يتوقَّع هذه التجربة من خلال مُراقَبة مسار تطوُّرنا السابق، إلا أن من شأنها أن تُغير إلى الأبد وجهَ الحياة على سطح كوكبنا؛ إذ إنه في تلك الأثناء، بعد نهاية العصر الجليدي الأخير، بدأ استقرار أحد أكثر الأنواع عُدوانيةً ومُراوَغةً ونهبًا في المملكة الحيوانية بأكملها. كان هذا النوع هو أحد أنواع القِرَدة العُليا؛ قريب الشَّبَهِ بالشمبانزي والبونوبو، وأحد الناجين المحظوظين من الانقراض الذي أباد فروعًا عديدة واعِدة أخرى من فصيلة الشمبانزي.5 ومثل الشمبانزي، كان هذا النوع نوعًا عنيفًا وسريع الحركة وشديد الارتياب تجاه الغرباء، واعتاد الصيد والقتال في جماعاتٍ تتكوَّن من أقارب مُباشرين بالأساس. ومع ذلك، بدلًا من التجوُّل بحثًا عن الطعام، بدأ بتكوين قُطعانٍ وزراعة محاصيل وتخزينها في مُستعمرات قيَّدت من حركة هذا القِرد الأعلى وجعلتْه عُرضةً لجذب انتباه نفس الغرباء الذين قاتلَهم أو هرب منهم. في خلال بضعِ مئاتٍ من الأجيال، وهي لا تعدو بُرهة لالتقاط الأنفاس في زمن التطوُّر، كوَّن هذا النوع تنظيماتٍ اجتماعية ذات تعقيد مُذهِل. ليست مجرَّد مُستعمرات قروية وإنما مُدن وجيوش وإمبراطوريات وشركات ودولٌ قومية وحركات سياسية ومُنظَّمات إنسانية، بل ومجتمَعات افتراضية على شبكة الإنترنت. والآن صار نفس القرد الأعلى، الحذِر والسفَّاك للدماء والذي كان يتجنَّب الغُرباء على مدار تاريخه التطوُّري، يعيش ويعمل ويتحرَّك وسط ملايين من الأشخاص الغرباء عنه تمامًا.
«الإنسان العاقل» هو الحيوان الوحيد الذي يَنخرِط في مشاركةٍ مدروسة للمَهام — أو تقسيم العمل كما يُعرف أحيانًا — بين أفراد لا تَجمعهم صِلة وراثية من نفس النوع.6 إنها ظاهرة استثنائية ومُمَيِّزة للبشر كاللغة ذاتها. يتقاسَم أغلب البشر الآن حصَّةً كبيرة من مُؤَن حياتهم اليومية مع آخَرين لا تربطهم بهم صِلة دمٍ أو نسَب. وحتى في المُجتمعات الريفية الفقيرة يَعتمِد الناس بشكلٍ كبير على أشخاص ليسوا أقرباء من أجل الحصول على الطعام والملبس والدواء والحماية والمأوى. وفي المدن، أغلب هؤلاء الأشخاص الذين يُمثلون أهمية حيوية لبقائنا هم أشخاص غرباء عنَّا تمامًا. ولا تعرف الطبيعة أمثلةً أخرى لمثل هذه الاعتمادية المُتبادَلة والمُعقَّدة بين الغرباء. صحيح أن تقسيم العمل يحدُث بين بعض الأنواع الأخرى، مثل الحشرات الاجتماعية، لكنه يحدُث في الأساس بين أقرب الأقرباء؛ فالشغَّالات في خلية النحل أو مُستعمَرة النمل هنَّ أخوات. وتُوجَد بعض حالات للتعاون الظاهري بين مُستعمَرات النمل نجدها بين الملكات اللواتي لا تجمعهُنَّ صِلة بعضهنَّ بالبعض، رغم أن تفسير هذه الظاهرة يظلُّ مُثيرًا للجدل.7 بيد أنه لا يُوجَد جدال حول السلاسة النسبية التي يمكن أن يُفَسَّر بها تطوُّر عملية التعاون بين الأقارب المُباشرين؛ تُعرَف الآلية باسم نظرية اصطفاء الأقارب.8 أظهرت هذه النظرية أن التعاون من خلال تقسيم العمل بين الأقارب المُتشابِهين وراثيًّا من المُرجَّح أن يكون مُفضَّلًا من قِبَل الانتقاء الطبيعي، حيث إن الأقارب المباشرين يتشاركون في نسبةٍ كبيرة من الجينات، بما فيها الطفرات الجينية، الجيدة والسيئة على حدٍّ سواء.9 إلا أنه سيكون مُثيرًا للدهشة جدًّا أن ينشأ التقسيم التعاوني المنهجي للعمل بين أفرادٍ لا تجمعهم صِلة وراثية؛ لأنَّ الأفراد ذوي الطفرات الجينية التي تُفضِّل نزعات التعاون قد يساعدون الآخرين ممَّن ليس لديهم مثل هذه النزعات ولا يُقدِّمون شيئًا في المقابل. وكما هو مُتوقَّع، لم يَنشأ التعاون من أجل التقسيم الدقيق للعمل بين أفراد لا تَجمعهم صِلة قرابة في أي نوعٍ من الكائنات قطُّ باستثناء البشر.
صحيح أن بعض الأنواع تُمارس درجةً قليلة من التعاون بين أفراد لا تَجمعهم صِلة قرابة؛ وذلك لأداء مهامَّ دقيقة جدًّا.10 فلقد لوحظ هذا بين أسماك أبو شوكة والخفافيش مصَّاصة الدماء والأُسُود مثلًا، رغم أن هذا يحدُث فقط في مجموعاتٍ صغيرة جدًّا.11 إلا أنَّ هذه الصور الأولية للتعاون تحمِل تَشابُهًا كبيرًا مع التقسيم الدقيق للعمل بين البشر من الأقارب، وغير الأقارب، والغرباء تمامًا؛ مِثلما تؤدِّي صيحات الصيد التي يُطلِقها قرود الشمبانزي نفس دَور اللغات الشديدة التعقيد التي يتحدَّثها البشر في جميع أنحاء العالَم. تزخَر الطبيعة أيضًا بأمثلةٍ على الاعتمادية المُتبادَلة بين الأنواع «المختلفة»؛ مثل تلك التي بين أسماك القِرش والأسماك المُنَظِّفة (وهذا يُعرَف باسم التكافُل).12 إلا أن أفراد نفس النوع يعيشون في البيئة ذاتها ويأكلون الطعام ذاته ويسعون — تحديدًا — وراء الفُرَص الجنسية ذاتها؛ ومن ثَمَّ فهم مُتنافِسون على كل هذه الأشياء بصورةٍ أكثر شِدَّة عن أفراد نَوع مُختلِف عنهم. ولا تُوجَد في الطبيعة أمثلة أخرى على أفرادٍ من نفس النوع لا تربطهم صِلة قرابة — مُنافِسين وراثيِّين مدفوعين بالغريزة والتاريخ على قتال بعضهم لبعض — يَتعاونون في مشروعاتٍ بهذا القدْر من التعقيد وتتطلَّب درجة عالية من الثقة المُتبادَلة مِثلما يفعل أفراد الجنس البشري.
لا يتسنَّى لنا العثور على حلٍّ لهذا اللُّغز في عِلم الأحياء التطوُّري وحدَه. فمدة عشرة آلاف سنة هي مدة قصيرة جدًّا لكي تتطوَّر التركيبة الجينية الخاصة ﺑ «الإنسان العاقل» تطوُّرًا شاملًا في مُحيطاتها الاجتماعية الجديدة. فلو كان من المُمكن بطريقةٍ أو أخرى أن تجتمع بأجدادك المُباشرين من نفس جنسك — أبيك وأبي أبيك وهلُمَّ جرًّا إذا كنت ذكرًا، وأُمِّكِ وأم أمكِ وهلمَّ جرًّا إذا كنتِ أنثى؛ بحيثُ إنَّ كل جيلٍ يُمثله فردٌ واحد وصولًا إلى فجر عصر الزراعة — فإنه بإمكانك وجميع هؤلاء الأفراد أن تَسعكم بأريحية قاعة مُحاضرات متوسِّطة الحجم.13 ولَتَعَرَّفَ نِصفُ عددِكم فقط على اختراع العجلة، ولتَعرَّف ١ بالمائة فقط منكم على اختراع السيارة. إلا أنَّ درجة التَّشابُه بينكم — من الناحية الوراثية والجسدية والغريزية — ستكون أكبر من أي مجموعةٍ من رجال أو نساء العصر الحالي، الذين ربما يكونون قد اجتمَعُوا في هذا المكان بالصدفة. وصحيح أن بضعة جيناتٍ مُهمة صارت مُنتشِرة بين جموع البشر بسبب الضغوط الانتقائية القوية بصورة استثنائية عبر العشرة آلاف سنة الأخيرة، وتشتمل الأمثلة على جينات مُقاومة لمرَض الملاريا في مناطق صار فيها ذلك المرض مُستوطنًا، وجينات البشرة البيضاء والشعر الأشقر في شمال غرب أوروبا؛ حيث أشعَّة الشمس نادرة، وجينات عدم التحسُّس من اللاكتوز — أي القدرة على هضم اللاكتوز — لدى البالِغين في أجزاء من العالَم كانت الماشية والخراف مُستأنَسة فيها في وقتٍ مُبكِّر عن غيرها.14 بل إنه من المُرجَّح أن سرعة تطوُّر الجينات البشرية تَسير بخُطًى أسرع كثيرًا على مدار العشرة آلاف سنة الأخيرة عمَّا كان يحدُث سلفًا، لا لشيء إلا لأنَّنا قد واجهنا تغيُّراتٍ صعبة في بيئتنا أثناء ذلك الوقت.15 كذلك تأثَّرت أجسادُنا تأثُّرًا عميقًا جرَّاء تحسُّن جودة التغذية وغيرها من التطوُّرات البيئية عبر القرون. ولا يزال من الصعب تمييز الاختلافات البيولوجية بينك وبين أبعد جدٍّ لك — باستثناء بعض الأبعاد الخارجية مثل طول القامة وربما لون البشرة — عن الاختلاف العشوائي ضمن أفراد المجموعة. فإذا كنتَ تقرأ هذا الكتاب على مَتن قطار أو طائرة، فهذا يعني أنَّ أبعد جدٍّ لك من العصر الحجري الحديث كان على الأرجح يُشبهك، من الناحية البيولوجية، أكثر من الغريب الجالس بجوارك الآن.
ومع ذلك فلدى عِلم الأحياء التطوُّري أمرٌ مُهم يُخبرنا به. كان من الضروري أن يَستند تقسيم العمل بين أفراد الجنس البشري إلى عِلم وظائف الأعضاء وعِلم النفس اللذين تطوَّرا ليُواجها مجموعةً مختلفة تمامًا من المشكلات الإيكولوجية. وكانت هذه المشكلات هي تلك التي واجهَها مجتمع الصيد وجمْع الثمار، بالأساس في غابات السافانا الأفريقية، عبر ستَّة أو سبعة ملايين من السنين تفصلنا عن آخِر جدٍّ مُشترك بيننا وبين قرود الشمبانزي والبونوبو. وفي فترةٍ ما أثناء المائتي ألف عام الأخيرة أو نحو ذلك — أي أقل من واحدٍ على ثلاثين من إجمالي ذلك المدى الزمني — حدثَت سلسلة من التغييرات، الضئيلة من وجهة نظر علماء الوراثة، والكبيرة على نطاق الإمكانات الثقافية، جعلت البشَر قادِرِين على استغلال مَهارات التفكير المُجرَّد والتفكير الرمزي ومهارات التواصُل.16 ويَنطوي تحديد توقيت حدوث هذه التغييرات على مسائل صعبة فيما يتعلَّق بالتأريخ،17 ولكن نظرًا لأن جميع البشر يَشتركون في هذه القدرات التي تسبَّبت فيها التغييرات الجينية فإنها على الأرجح حدثت قبل ١٤٠ ألف سنةٍ مضَت على الأقل. ولكن عُثر على أول دليل على القدرات الثقافية الجديدة التي نشأت من هذه التغييرات في رسومات الكهوف ومُتعلِّقات المقابر وغيرها من الحُليِّ الرمزية التي تركتْها مُجتمَعات الصيد وجمع الثمار للإنسان الحديث تشريحيًّا (إنسان الكرومانيون، كما يُعرَف أحيانًا)، الذي لا يَزيد عمره عن ستين أو سبعين ألف عام، وأغلبها أحدث بكثير. ويبدو أن هذه القدرات جعلت الانتقال إلى الزراعة والاستيطان مُمكنًا بمجرَّد أن صارت الظروف البيئية مُواتية، وهذا بعد نهاية العصر الجليدي الأخير. وبالفعل تُوحي حقيقة أن الزراعة قد اخُترعت على نحوٍ مُستقل سبع مرات على الأقل، في فتراتٍ زمنية مُتقاربة، وفي أماكن مُختلفة من العالَم، بأن الأمر كان مُحتملًا جدًّا؛ بل وربما كان حتميًّا بشكلٍ أو آخر.18 أيضًا مكَّنت هذه القُدرات البشر من وضع القواعد والعادات الاجتماعية التي من شأنها أن تُقيِّد نزعاتهم العنيفة وغرائزهم المُتقلِّبة بالقدْر الكافي لجعل المجتمع مُحتملًا على نطاقٍ أكبر وأكثر تقليدية. ووضعت الأساس لتراكم المعرفة التي من شأنها أن تُقدِّم للإنسانية جمعاء مُستودعًا لمهاراتٍ مشتركة تفُوق بكثيرٍ المهارات المتاحة لفردٍ واحد. إلا أن هذه القدرات الثقافية لم تتطوَّر «بسبب» قيمتِها فيما يتعلق بجعل التقسيم الحديث للعمل مُمكنًا. على العكس تمامًا: المجتمع الحديث عبارة عن تجربة نفعية، ترسَّخت في النفسية البشرية التي كانت قد تطوَّرت بالفعل قبل أن يُضطرَّ الإنسان إلى التعامُل مع الغرباء بأيِّ طريقةٍ منهجية. الأمر أشبَهُ برحلةٍ إلى البحر المفتوح لأشخاصٍ لم يتكيَّفوا قطُّ مع أيِّ بيئةٍ أخرى سوى اليابسة.

حُجَّة هذا الكتاب

تستكشف الفصول التالية ما جعل هذه التجربة الاستثنائية مُمكنة والسبب في أنها لم تنهَرْ رغم كل الصعاب. كما تَستكشِف أيضًا السبب في أنها يُمكن أن تنهار في المستقبل، وما يمكن فِعله لمنع حدوث هذا. يوضح الجزء الأول السبب في أن تقسيم العمل يُشكِّل تحدِّيًا يصعُب علينا تفسيره. ويتناول الطريقة التي يعتمد بها بعض أبسط أنشطة المجتمع الحديث على شبكاتٍ معقَّدة من التعاون الدَّولي وهي التي تُؤدِّي وظيفتها دون أن يتولَّى أحد المسئولية بالكامل. وهي، على العكس من ذلك، تعمل من خلال أن تستخرج من المُشاركين فيها ضِيق أُفُق، أو رؤية نفَقِيَّة، لا تتوافَق مع رؤيةٍ واضحة وموضوعية لأولويات المُجتمع ككل. ويبدو صعبًا تصديق أنَّ شيئًا مُعقَّدًا كالمجتمع الصناعي الحديث يُمكن أن ينجح على الإطلاق بدون وجود عقْل مُدبِّر شامل، ولكن منذ صدور أعمال عالِم الاقتصاد آدم سميث في القرن الثامن عشر، توصَّلنا إلى إدراك أن الأمور تَسير هكذا بالضبط. ومثل طلاب الطب الذين يدرسون جسم الإنسان، علينا أن نَفهم ونَندهِش من درجة التعاون التلقائية التي تظهر في المُجتمعات الإنسانية قبل حتَّى أن نتمكَّن من البدء في دراسة أمراضها. وهذا التنسيق يحدُث بكلِّ بساطةٍ بسبب استعداد الأفراد للتعاون مع الغرباء بعدَّة طرُق بسيطة ولكنها ذات أهميةٍ كبيرة جدًّا على مُستوى الجماعة.

ويتناول الجزء الثاني من الكتاب ما يَجعل هذا التعاون مُمكنًا، بوضع التركيبة النفسية التي ورثناها من أجدادنا من مُجتمَع الصيد وجمع الثمار في الاعتبار. وتتألَّف الإجابة من المؤسَّسات؛ مجموعات من قواعد السلوك الاجتماعي، بعضها رسمي والكثير منها غير رسمي، تستند إلى غرائز القِرَدة العُليا الحَذِرة والسفَّاكة للدماء بطرُقٍ جعلت الحياة بين الغرباء ليست فقط صالحةً للاستمرار، وإنما جذَّابة وواعدة بالرفاهية أيضًا. أتاحَت قواعد السلوك هذه لنا التعامُل مع الغرباء من خلال إقناعنا، عمليًّا، بالتعامُل معهم كأصدقاء اعتباريِّين. صُمِّمت بعض المؤسَّسات التي جعلت هذا ممكنًا بِوعيٍ وترابُط، إلا أن الكثير منها تطوَّر بالتجربة أو كناتجٍ ثانوي لمحاولات إنجاز شيءٍ مختلف تمامًا. ولا يستطيع أحد أن يدَّعي أنها «أفضل» مؤسساتٍ استطاع البشر ابتكارها على الإطلاق. إنها ببساطة المؤسَّسات التي تَصادف تجربتها، والتي تصادَفَ استمرارُها وانتشارها بالوضْع في الاعتبار نفسية الكائنات التي جرَّبتها وتركيبها الفسيولوجي.19
يبدأ التفسير بتوضيح الكيفية التي تجعل تقسيم العمل يُسفر عن فوائد عظيمة لصالح تلك المجتمعات التي تستطيع تنفيذه. وتأتي هذه الفوائد بالأساس من التخصُّص، وتقاسُم المخاطر، وتراكُم المعرفة. إلا أنَّ المميزات التي تعود على المجتمع لا يمكن أن تُفسِّر السبب في نشأة تقسيم العمل. علينا أيضًا أن نَفهم السبب وراء اهتمام الأفراد بالمشاركة. فتقسيم العمل يحتاج إلى القوة في مواجهة الانتهازية؛ ذلك السلوك الذي ينتهِجُه أولئك الذين يسعون إلى الاستفادة من جهود الآخرين دون الإسهام بأي شيءٍ من جانبهم. بعبارةٍ أخرى، يتعين على المشاركين أن تكون لديهم القُدرة على الثِّقة بعضهم ببعض؛ ولا سيما بأولئك الذين لا يعرفونهم. وهذا أمر يتَّسِم بأهمية خاصة؛ لأن تكلفة وضع الثقة في غير محلِّها قد تكون باهظة؛ فالخسارة لا تكون للمَوارد الاقتصادية وحسْب، وإنَّما لحياتنا. وكما تصِف فصول الجزء الثاني، لم تكن المُفترِسات الأكثر فتكًا بنا في غابات السافانا الأفريقية حيواناتٍ لاحمة ضخمة وإنما بشرًا آخَرين مثلنا؛20 كانت مستويات العنف اليومي أعلى بكثيرٍ جدًّا مما هي عليه الآن في جميع أنحاء العالَم المعاصر تقريبًا؛ فنحن من نَسل أولئك الذين ساعدتْهم حصافتهم وحِكمتهم على البقاء على قَيد الحياة في هذه البيئة المُهلِكة؛ ومن ثمَّ فليس من المُستغرَب إن كانت نفسيَّتُنا الموروثة لا تتواءَم أحيانًا مع مُثُلنا العُليا.

ومع ذلك، تأسَّس التعاون الاجتماعي وعلى نِطاق لم يكن بوسع أسلافنا تخيُّله. وحدث ذلك من خلال مؤسسات قوية؛ قوية من حيث إن الأفراد الذين يعملون بداخلها هم مَحلُّ ثقةٍ للقيام بما يتوقَّعه منهم الآخرون. وبوضع الحقائق الخاصة بالنفس البشرية في الاعتبار، تضمن هذه المؤسَّسات أنَّ التعاون لا يتمُّ وحسب، وإنما يُعتمَد عليه بالدرجة الكافية أيضًا لجعل الآخرين مُستعدِّين لاعتبار وجوده من البديهيات، أغلب الوقت على الأقل. وسيُشرَح مثال على هذه المؤسسات البشرية القوية بالتفصيل؛ وهو مؤسَّسة المال. ومثال آخَر هو النظام المصرفي. سنُلقي نظرةً على أُسس الثقة في المؤسَّسات المالية، ونَفحص التوازن الدقيق بين المُحفِّزات الفطرية التي تحثُّ الأفراد على إبراز جدارتهم بالثقة للآخرين والحاجة إلى رقابة خارجية لفرْض الثقة. وتَعتمِد المؤسسات الفعَّالة على حدٍّ أدنى من الرقابة الخارجية، مع العِلم بأن القليل من الرقابة الخارجية يُمكِن أن يجعل المُحفِّزات الفطرية تُحقِّق نجاحًا كبيرًا.

وكما ذكَّرتنا الأزمة المالية الأخيرة على نحوٍ مؤلِم، كثيرًا ما تُوضَع مثل هذه الثقة بالمؤسسات في غير مَحلِّها على نحوٍ خطير. إذن، ما الخطأ الذي حدث في الأزمة المصرفية الأخيرة؟ الإجابة هي أنَّ الخطأ الذي حدث كان نتيجةً مفهومة لما يسير على نحوٍ صحيح، في معظم الظروف؛ إذ يُتيح النظام المصرفي الفعَّال لمعظم الناس، وفي أغلب الوقت، ألا يقلقوا بخصوص ما يحدُث لمُدَّخراتهم وأن يتركوا لآخرين أمر القيام بتقديراتٍ سليمة لعنصر المخاطرة. ومثل جهاز الطيران التلقائي، يُتيح هذا النظام للناس ألا يُعيروا المخاطر الانتباه حتى وإن كان لديهم الكثير على المحك. وهذا أمر جيد جدًّا؛ ففي العالم الحديث المُعقد، سنُثقِل كاهلنا لو حاولنا أن نُعير كل مخاطرةٍ مُحتملة تهدِّد أمننا وسعادتنا الانتباه. ولكن، مثل جهاز الطيران التلقائي أيضًا، قد يُغري نظام مصرفي فعَّال حتى أولئك الذين من المُفترَض أن يكونوا مُتيقِّظين ليَستسلموا للنوم أثناء فترة مُراقبتهم. في النهاية، حدثت أزمة مصرفية؛ لأنَّ أناسًا كثيرين للغاية وضعوا قدرًا أكبر من اللازم من الثقة في تقديرات الآخرين بشأن المخاطرة،21 رغم أن هذه الثقة في تقديرات الآخرين بشأن المُخاطَرة، إلى حدٍّ معين، هي بالضبط ما يُتيح لنا النظام المصرفي أن نفعله.

وتُوضِّح باقي فصول الجزء الثاني بالتفصيل هذه الفكرة؛ وفحواها أنَّ التعاون الإنساني قائم على تَبنِّي نمطٍ ما من الرؤية الضيقة. ولا تنشأ الثقة الاجتماعية واسعة النطاق برغم أوجُهِ قصور الرُّؤى المُستقلة للأفراد وحسْب، بل إنها «تتطلَّب» هذه الرؤية الضيِّقة لكي تستمر. هذا لأن الآليات الأكثر فعالية لضمان الثقة لا تَعتمِد فقط على المُحفِّزات وإنما تَعتمد أيضًا على غرس القِيَم داخل الأفراد من خلال التعليم والتدريب. وهذه العملية تُرسِّخ الالتزام بالقِيَم المهنية وفي الوقت نفسه تجعلها مقاوِمةً للتغيُّر. لذلك يمكن لقواعد السلوك الشخصي والأخلاقيات المهنية أن تجعل التصرُّفات الفردية أكثر موثوقيةً فيما يتعلَّق بالتعاون المحلِّي، مُعزِّزة في الوقت نفسه درجةً من الجهل المُمنهَج بالعواقب الأبعد أمدًا لتصرُّفاتنا. ولمِثل هذا الجهل — الرُّؤية الضيقة — مخاطر هي ناتج ثانوي طبيعي لمزاياه الأصيلة.

ومن ثَمَّ، يؤكد الجزء الثاني على أنه بإمكاننا أن نفهم لماذا ثبتت قدرة البشر على التعاون مع الغرباء، والفضل يعود هنا إلى المؤسسات التي تَستند إلى نفسية مجتمع الصيد وجمع الثمار الموجودة بالفعل. ويمضي الجزء الثالث ليتناول التداعيات العالمية؛ أي ما يحدُث حين يجتمع البشر المزوَّدون بهذه النفسية بأعدادٍ كبيرة، ليستجيبوا إلى وجود هذه المؤسَّسات. لقد أسفرت اعتماديَّتُنا المتبادَلة عن تأثيراتٍ تفُوق تمامًا ما كان يمكن أن يرجوه أي شخص من المشاركين أو حتى أحيانًا ما كان يُمكن أن يتخيَّله. فنموُّ المدن، ونهْب ثروات البيئة، والأداء المُتطوِّر للأسواق، ونمو الشركات الكبرى، وتطوُّر مخزون المعرفة الجمعية في صورة العلوم والتكنولوجيا؛ جميعها جزء من مشهد التفاعل البشري، على الرغم من أنَّ أحدًا لم يُخطِّط لكي يبدو المشهد كما هو الآن، وكل هذا أسهم في التحسُّن التاريخي الكبير لمستوى رخاء البشرية. ولكن نظرًا لأنَّ أحدًا لم يُخطِّط لكل هذا، ينبغي ألَّا نندهِش حين نجد أن بعضها يبدو باعثًا على التفاؤل، في حين أنَّ البعض الآخر يبدو مُزعِجًا جدًّا بالتأكيد. على سبيل المثال، أدَّى نمو المدن، نتيجة لقراراتٍ فردية غير مُنسَّقة لا تُحصى بخصوص أماكن العيش والعمل، إلى ظهور بعض البيئات الأكثر إبداعًا وابتكارًا على مرِّ التاريخ. كما أسفر أيضًا عن حدوث تلوُّث وظهور أمراض على نطاقٍ مُكثَّف وغير مسبوق. استطاعت المدن ذاتها غالبًا أن تُنظِّم عملًا جماعيًّا للتغلُّب على هذه النواتج الثانوية لرخائها، ولكن فقط بالتطفُّل على منطقةٍ نائية لتستغلَّ مواردها وتُصدِّر لها نفاياتها. ولكن العالَم ككل لا يستطيع أن يقوم بما قامت به المدن؛ لأنَّ العالَم لا يمتلك منطقةً نائية على أيِّ حال. ويُوضِّح لنا مثال المياه، الذي سنُلقي عليه نظرةً بالتفصيل، أنَّ المشكلات الخاصة بالتلوُّث العالمي واستنزاف الموارد سيَثبُت أنها تُمثِّل خطرًا بالغًا إذا لم نَستَطِع أن نجد طرُقًا لحساب ومراجعة تكلفة الموارد التي نستخدِمها والتلوُّث الذي نتسبَّب فيه. ولهذا السبب، علينا أن نعمد إلى إحدى الخصائص الكبرى العرضية للمجتمع المُعاصر؛ ألا وهي قُدرة الأسواق على حساب الأسعار التي تُلخِّص المعلومات الضرورية لتخصيص الموارد في عالَمٍ يُعاني الندرة. وتتمتع الأسواق، حين تعمل على أكمل وجه، بقُدرة رائعة تُتيح للمشاركين فيها، الذين ربما لا يلتقُون على أرض الواقع قط، جمع معلوماتٍ عن ندرة السلع والخدمات التي يتبادلونها. وهذه تحديدًا نوعية المعلومات التي نحتاجها لنتعاملَ مع مواردنا البيئية المحدودة بحِكمة.

ومع ذلك، ثمَّة جوانب أخرى من تقسيم العمل لا تَستطيع الأسواق بمُفردها أن تُنسِّقها بفعالية. فأنواع كثيرة من النشاط الإنتاجي تحدُث داخل الشركات، التي تُمثِّل جزرًا مُنفصِلة من التخطيط والتنسيق، غالبًا أيضًا بين الغرباء، وسط بحرٍ من تعامُلات السوق غير المُخطَّط لها. ما الذي يجعل بعض الأنشطة مناسبةً للشركات الكبرى، التي يجهل بعض أعضائها بعضهم بقدرٍ أكبر، بينما تُناسب أنشطة أخرى الشركات الصغيرة؟ الإجابة هي أن الشركات الناجِحة تتكيَّف مع بيئتها الاقتصادية من خلال توجيه المعلومات بين الأشخاص بطريقةٍ تعجز عنها معاملات السوق. تُعَدُّ المعلومات، والتراكُم المُذهل للمعرفة على مرِّ قرونٍ من الزمان، ناتجًا ثانويًّا آخر من النواتج الثانوية المُذهِلة للمجتمع الحديث. كيف حدث ذلك، وما فوائده، وما مخاطرُه؟ في النهاية، يستعرض الفصل الأخير من الجزء الثالث المُفارَقة المُتمثِّلة في أنَّ بإمكان مجتمعٍ أفرادُه مُترابطون على نحوٍ غير مسبوق من قبل، استبعادَ بعضٍ من أضعف أفراده مِثل العاطِلين والفقراء والمرضى ويُنحِّيهم جانبًا.

وعلى الرغم من أن الجزء الثالث يذكُر لنا الكثير من الأسباب لننبهرَ بإنجازات المجتمع الحديث، فإنه يذكُر لنا أيضًا أسبابًا مُلحَّةً تدعو إلى القلق. إن استمرار الفقر المُدقع في عالَمٍ من الوفرة، وتدمير الأصول البيئية للعالَم، وانتِشار أسلحة الدمار الشامل والمحدود (نتيجة لوصول المعلومات إلى أيدي أولئك الذين قد يستغلُّونها لتحقيق أهدافٍ عدوانية) جميعها أسباب تدعو إلى التفكير الواعي في حلول؛ وذلك بالاستعانة بنفس القُدرة على التفكير التجريدي الذي تسبَّب في الكثير من هذه المشكلات في المقام الأول. ويتناول الجزء الرابع مؤسسات العمل الجماعي — الدول والمُجتمعات وغيرها من الكيانات السياسية — ويبحث مَناقِبها ونقاط ضَعفها في مواجهة الحاجة إلى تصميم حلولٍ جماعية لمشكلاتٍ شائعة لدى جنسنا. لأوَّلِ وَهلة، قد يبدو الأمر كما لو أن لدَينا أسبابًا كثيرةً لنكون مُتفائلين. ففي حين أنَّ الجزء الثالث أشار إلى الحَجم الهائل لهذه المُشكلات الشائعة، فلقد أوضح لنا الجزء الثاني أنَّ القُدرات العاطفية والمعرفية للتعاون، وللتفكير العقلاني في تحقيق الاستفادة القصوى من ذلك التعاون، تُشكِّل أساسًا مَتينًا للتطوُّر البشري.

ومع ذلك، لسُوء الحظ تُعدُّ قدرة البشر على التعاون سلاحًا ذا حدَّين؛ فهي ليست فقط أساسًا للثِّقة الاجتماعية والتعايش السِّلمي؛ وإنما أيضًا سببٌ في أنجح الأعمال العدوانية بين جماعةٍ وأخرى. ومثل قرود الشمبانزي، بل وبمهاراتٍ مُصقلة أشد فتكًا، يتميَّز البشَر بقدرتهم على تسخير مزايا الإيثار والتكافُل، وقُدرات التفكير العقلاني إلى حدِّ شنِّ حربٍ وحشية وفعَّالة ضدَّ الجماعات المُنافِسة. لذلك، فما يحتاجه المُجتمع الحديث ليس المزيد من التعاون وإنما أشكال من التعاون موجَّهة على نحوٍ أفضل. ويُختَتم الكتاب بالسؤال عن كيف يمكن أن نكون متفائلين بدرجةٍ معقولة، ونحن نُدرك أن بعض الخصائص التي جعلت التجربة الكُبرى للحياة الحديثة مُمكنة هي نفسها التي تُهدِّد وجودها ذاته. ما مدى هشاشة التجربة الكُبرى التي بدأها جِنسنا قبل عشرة آلاف سنة مضَت؟ وما الذي يُمكننا القيام به لجَعلها أقلَّ هشاشةً الآن؟

إنَّ فهم هشاشة مؤسَّساتنا الاجتماعية وجذورها المُتأصِّلة في ماضينا التطوُّري يُساعدنا على التفكير البنَّاء في المشكلات المُلحَّة لعالَم اليوم. خذ العولَمة مثالًا؛ وهي أحد تلك المُسمَّيات المُجرَّدة التي قد تحمِل الناس على الخروج إلى الشوارع في مظاهراتٍ بمئات الآلاف. إنَّ المخاوف المُثارة بسبب العولمة ليست جديدةً وإنما موجودة معنا منذ عشرة آلاف سنة؛ مخاوف بشأن الأفراد والجماعات المُؤثِّرة التي نعرِف عنها القليل والتي ربما تنوي إيذاءنا أو ربما تُهدِّد أمنَنا ورفاهيَّتَنا حتى وإن كانت لا تُضمِر تجاهنا نوايا من أيِّ نوع. ويُعدُّ الإرهاب أيضًا مُسمًّى جديدًا لظاهرةٍ تستثير داخلنا خوفًا قديمًا؛ فأعداؤنا لا يقتصرون على من يُكنُّون لنا ضغائن شخصية وحسْب؛ وإنما أيضًا يضمُّون أولئك الذين لا يعرفوننا كأفرادٍ أو حتى يأبهون بوجودنا على الإطلاق. ويتطلَّب منَّا التعايُش مع هذه المخاوف استخدام التفكير التجريدي لصالِح بناء المؤسَّسات، اليوم كما كان الحال على مدار العشرة آلاف سنة الماضية. ونظرًا لأنَّ عالَمنا يزداد تعقيدًا، علينا أن نقوم بما هو أكثر من مُجرَّد توفير أسواق محلية بسيطة حيث يَستطيع الغرباء أن يلتقُوا في أمانٍ بدرجة كافية لضبط مخاطر التعامُل بعضهم مع بعض. علينا أن نُوفِّر سوقًا يُمكن للقبائل والشركات والأمم بأكملها أن تَلتقيَ فيها بأمانٍ نِسبي وتُبرِم صفقاتٍ تُعزِّز رفاهيتها الجماعية. ورغم أن نطاق التحديات يَزداد، فإنها ما زالت تحتفظ بالكثير من سماتها القديمة. ولقد أبرَزت العشرة آلاف سنة الأخيرة مرارًا وتكرارًا أنَّ أولئك الذين لم يتعلَّمُوا من تاريخهم ربما لا يُلاحظون مُطلقًا أوجه القصور لديهم حتى يتنافسوا، على نحو مُهلك، مع خصومهم الذين لاحَظُوها.

ومن ثَم، يستند هذا الكتاب إلى أربع ركائز:
  • أولًا: التنسيق غير المُدبَّر ولكن المُتطوِّر للمُجتمعات الصناعية الحديثة هو بمثابة حقيقة لافتة للنظر تحتاج إلى تفسير. فلا يُوجَد في التطوُّر البيولوجي لنوعِنا ما يُثبِت أننا نتمتَّع بأيِّ موهبةٍ أو مَيلٍ للتعامُل مع الغرباء.
  • ثانيًا: يُمكن العثور على هذا التفسير في وجود المؤسسات التي تجعل البشر على استعدادٍ للتعامُل مع الغرباء كأصدقاء اعتباريِّين.
  • ثالثًا: عندما يجتمع البشر بأعدادٍ كبيرة، تكون العواقب غير المقصودة مُثيرةً للإعجاب على نحوٍ مُذهِل أحيانًا، ومُزعجة جدًّا في أحيان أخرى.
  • رابعًا: المواهب المُستخدَمة في التعاون والتفكير المنطقي اللَّذَين قد يُوفِّران حلولًا لأكثر مشاكلنا إلحاحًا هي ذاتها مصدر قُدرة الجنس البشري المُخيفة على العُنف المُنظَّم بين الجماعات؛ فالثقة بين الجماعات تحتاج إلى نفس القدْر من البراعة البشرية التي تحتاجها الثقة بين الأفراد.

كيف يعتمد هذا الكتاب على الأبحاث الحديثة؟

يجمع هذا الكتاب عددًا كبيرًا من النتائج التي توصَّل إليها علماء يَعملُون في مجالات التاريخ والأحياء والأنثروبولوجيا، وخاصةً الاقتصاد والتاريخ الاقتصادي. والخطوط العريضة للقصَّة المذكورة هنا ليسَت جديدة، والكثير من جوانبها يُمثِّل جزءًا من الفهم المُشترك لعلماء الاقتصاد منذ ظهور أعمال آدم سميث في القرن الثامن عشر. إلا أن التخصُّص المُتزايد لفروع المعرفة يعني أن الكثيرين من خارج الأوساط الاقتصادية المُحترِفة لا يُدركون إلى أيِّ مدًى يمسُّ موضوعنا ماضي الجنس البشري ومُستقبله على نحوٍ مباشر. إذ يُعتقَد أنَّنا لا نتعامَل إلا مع الهيكل العقلاني الخارجي للحياة البشرية ونتجنَّب التعامُل مع الجوهر الملموس الذي يحمِلُه بين طيَّاته من لحمٍ ودم. وفي الوقت نفسه، يندهِش بعض العلماء العامِلين داخل الاقتصاديات من اكتشاف إلى أي مدًى تُوضِّح كتابات الفروع الأخرى من المعرفة بكلِّ وضوح وبصورة مُعبِّرةٍ الإشكاليَّات التي من عادتنا غالبًا أن نَدرُسها بطريقةٍ سطحية بعض الشيء.

وللمُساعَدة في سدِّ هذه الفجوة، اخترتُ مناقَشة الموضوعات الجدلية الاقتصادية باستخدام أقلِّ قدرٍ مُمكِن من المصطلحات الاقتصادية والاستِشهاد بأدلةٍ مُستقاة من خارج مجال الاقتصاد بالأساس؛ من التاريخ والأحياء وغيرها من المصادر، بما فيها المصادر والمؤلَّفات المُتخصِّصة. والحواشي الموجودة في نهاية الكتاب ليست موضوعةً لدعم المَزاعِم المطروحة داخل النصِّ فحسب، وإنما أيضًا لتوفير مصادر ومُقترحات بمزيدٍ من القراءات. وفي حين أنَّ فصول الكتاب المُستقلَّة مُصمَّمة لتُقرأ باعتبارها مقالاتٍ قائمة بذاتها، فإن مُقدِّمة كل جزءٍ من الأجزاء الثاني والثالث والرابع تضعُ الفصول اللاحِقة في موضعها المناسب داخل إطارٍ منظَّم لِخَيط النقاش. تربط الخاتمة الموجودة في نهاية كل جزءٍ من هذه الأجزاء الموضوعات التي نُوقِشَت بمؤلَّفاتٍ اقتصادية أكثر منهجية. وتُقدِّم مُقترحاتٍ بمزيدٍ من القراءات لمن يَودُّ الاطِّلاع على الأطروحات الاقتصادية بمزيدٍ من الوضوح.

أخيرًا، على الرغم من أنَّ هذا الكتاب يبحث الأصول التطوُّرية لنفسيَّتنا، فإنه ليس عملًا يختصُّ بعِلم النفس التطوُّري كما هو مفهومٌ بشكلٍ عام؛ بمعنى أنه عمل يَتناول مجموعةً من الفرضيات المُحدَّدة بخصوص الطريقة التي يُجسِّد بها سلوكُنا الحالي السِّمات النفسية التي نشأت أثناء فترة الصيد وجمع الثمار، فرضيَّات مُرتبِطة بعلماء مثل ليدا كوزميديس وجون توبي، اللذَين سيُناقَش بحثُهما لاحقًا.22 وعلى الرغم من أنَّ داروين كان مُحقًّا بصورةٍ جلية حين قال: «لا يزال الإنسان يحمل داخل هيكله الجسدي بصمة، لا تُمحى، لأصلِه الوضيع.» فإنَّنا ما زلنا لا نَعرف سوى القليل عن الكيفية التي يُقيِّد بها أصلُنا الوضيع سلوكيَّاتنا اليوم على وجه التحديد. وثمَّة حقيقتان تَبرُزان أمام المُراقب المُحايد لسلوك «الإنسان العاقل»: أولاهما أننا نوعٌ من الرئيسيات الاجتماعية، وتحديدًا من القِردة العُليا. ومُعظَم الرئيسيات الاجتماعية تعيش في بيئاتٍ تتَّسِم بتعاونٍ مُعقَّد في نطاق الجماعات وفي الوقت نفسه تتَّسِم بالتنافُسيَّة الشديدة بين تلك الجماعات، إلى جانب التنافُس بين الأفراد على ميزة الانتماء إلى أقوى الجماعات. وعلى الرغم من وجود تنوُّع كبير في السلوك الإنساني اليوم، فإنه سيكون مُستغرَبًا لو لم يبقَ الكثير من مقوِّمات سيكولوجية الرئيسيات الضرورية للتعامُل مع مثل هذه البيئة داخل أدمِغتنا البشرية الحديثة. غير أنَّ الحقيقة الثانية المُدهِشة بخصوص سلوكنا هي أنَّنا أثبتنا قُدرتنا على تعلُّم طريقةٍ جديدة تمامًا للحياة الاجتماعية منذ أن تطوَّر ذلك الدماغ الحديث. وهذا لا يعني فقط أنَّنا أنشأنا بيئةً جديدة مأهولةً بالغرباء؛ وإنما يَعني أنَّ استجاباتنا السلوكية الأساسية تجاه الآخرين تَختلِف عمَّا كانت عليه في العصر البليستوسيني المُتأخِّر. لستُ مُضطرًّا إلى كبتِ شعور الخوف الغريزي قبل أن أطلُب من شخصٍ غريب أن يُعِدَّ لي وجبةً في أحد المطاعم، ولستُ مُضطرًّا إلى كبح جماح نفسي بجهدٍ نابع من الإرادة لعدَم ضرب النادل حتى الموت بمجرَّد أن يُدير لي ظهرَه لكي أتمكَّن من خطف الوجبة دون تسديد ثمنها. فهو يُقدِّم ليَ الوجبة طواعيةً وأنا أُسدِّد الفاتورة طواعية. أما عدد الحِيَل الجديدة الأخرى التي تستطيع أدمغتنا المُنتمية إلى الرئيسيات القديمة أن تتعلَّمها هو أحد الألغاز الباقية التي يتعيَّن أن تعالجها أبحاث علم النفس الحديث.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠