الفصل الأول

من المسئول؟

حاجة العالم إلى قمصان

خرجتُ هذا الصباح لشراء قميص. لا يُوجَد شيء استثنائي في ذلك، ربما فعل ٢٠ مليون شخص من مختلف أنحاء العالَم الشيء نفسه. والأمر الأكثر جدارة بالملاحظة هو أنني، مثل أغلب هؤلاء العشرين مليونًا، لم أكن قد أخبرتُ أحدًا مُسبقًا بما كنتُ أنوي القيام به. ومع ذلك فالقميص الذي اشتريتُه، رغم أنه غرَض بسيط بمقاييس التكنولوجيا الحديثة، يُمثِّل انتصارًا للتعاون العالمي؛ فالقُطن زُرعَ في الهند، من بذور مُطوَّرة في الولايات المتحدة؛ والألياف الصناعية في الخيط تأتي من البرتغال، والمادة المُستخدَمة في الصبغات تأتي من ستِّ دولٍ أخرى على الأقل؛ وبطانة الياقة تأتي من البرازيل، وماكينة الغزل والقص والحياكة تأتي من ألمانيا، والقميص نفسه مصنوع في ماليزيا. فمشروع تصنيع هذا القميص وتوفيره لي في مدينة تولوز كان قد خُطِّط له منذ وقتٍ طويل؛ منذ أكثر من عامَين في فصل الشتاء قبل الصباح حين بدأ مُزارع هندي بقيادة زَوج من ثيران الحراثة عبر أرضه في السهول الحمراء خارج مدينة كوامباتوري. وشارك المهندسون في مدينة كولون الألمانية والكيميائيون في مدينة برمنجهام في الإعداد لهذا المشروع قبل عدة سنوات. أما الأمر الأجدر بالملاحظة على الإطلاق، مع أخذ العراقيل التي تَعَيَّن التغلُّب عليها لكي يُصنع القميص بالإضافة إلى العدد الكبير من الأشخاص المشاركين طوال تلك الرحلة في الاعتبار، هو أنَّ القميص أنيق وجذَّاب للغاية (رأيي في مثل هذه الأمور قد لا يُعتدُّ به مُطلقًا). وأنا مسرور للغاية بالطريقة التي خرج بها هذا المشروع إلى النور. ومع ذلك، فأنا على يقين تام بأن لا أحد عرف أنني كنتُ سأشتري قميصًا من هذا النوع اليوم؛ فأنا نفسي لم أكَد أعرف بهذا يوم أمس. وكل شخص من هؤلاء الذين كدحوا لتوفير القميص لي فعَل ذلك دون أن يعرِف أيَّ شيءٍ عنِّي وحتى دون أن يهتمَّ بشأني. ولجعل مهمتهم أصعب، كان هؤلاء الأشخاص — أو أناس مثلهم تمامًا — يعملون في الوقت نفسه لتصنيع قمصان لعشرين مليون شخص آخرين، بمختلف المقاسات والأذواق والدخول، مُنتشرين عبر السِّت قارات، والذين قرَّروا مُستقلًّا بعضهم عن بعض شراء قمصان في نفس الوقت كما فعلت. وهؤلاء هم عملاء اليوم فقط. وغدًا سيأتي عشرون مليونًا آخرون، أو ربما أكثر من ذلك.

ولو كان يُوجَد شخص واحد مسئول عن مهمة توفير القمصان لسُكَّان العالم، فإن التحدِّي المُعقَّد الذي يواجهه ذلك الشخص يَستدعي للذهن مأزقَ جنرال يخُوض حربًا. إذ يستطيع المرء أن يتخيَّل رئيسًا قادمًا إلى الولايات المتحدة وأمامه تقرير بعنوان «العالَم بحاجة إلى قمصان»، وهو يرتعِد من مُحتواه، وعلى الفور يُكوِّن فريقًا رئاسيًّا. وسيكون من شأن الأُمَم المتحدة أن تعقد مؤتمراتٍ بشأن سُبل تعزيز التعاون الدولي لصناعة القمصان، وستُجرى مناقشاتٍ حول من ينبغي له أن يتولَّى القيادة؛ الأمم المتحدة أم الولايات المتحدة. وسيدعو البابا ورئيس أساقفة كانتربيري الجميع للتآزُر لضمان تلبية احتياجات العالَم، وستُذكِّرنا لجان مكوَّنة من الأساقِفة والنجوم المشاهير بصفة دورية أن وجود قميص ليَستُر جسد المرء هو حقٌّ من حقوق الإنسان. وستُرسل المنظَّمة الإنسانية «مُصمِّمون بلا حدود» الإمدادات جوًّا إلى المناطق التي تُواجه صعوبةً مُتعلِّقة بالحياكة. وسيُكلَّف الخبراء بمراجعة حِكمة قرار تصنيع الياقات في البرازيل من أجل قمصان مصنوعة في ماليزيا ومُعاد تصديرها إلى البرازيل. وسيقترِح المزيد من الخبراء أنه بالحدِّ من التنوُّع المُسرِف للموديلات الهوجاء سيكون من الممكن إجراء تحسيناتٍ كبيرة على العدد الإجمالي للقُمصان المُنتَجة. وستُمنَح المصانع التي حقَّقت أكبر زيادةٍ مهولة في إنتاجها جوائز، وستُجرى لقاءات شخصية تتَّسم بالاحترام مع رؤساء المصانع على شاشات التليفزيون. وستحتجُّ المجموعات الناشطة على مُصطلَح «القمصان» باعتباره تصنيفًا عنصريًّا ومُتحيِّزًا للجنس، وستَقترح مُصطَلحات مُحايدة على صعيد النوع والثقافة تشمل مُرادفات البلوزات والسترات والقِطَع العلوية من الساري والقرطق وقميص البارونج وعدد كبير من الملابس الأخرى التي يَرتديها سكان العالَم فوق الخصر. وستعجُّ أعمدة الصحف بالنقاشات حول الأولويات والاحتياجات. ووسط هذه البلبلة، أتساءل في نفسي عما إذا كان سيظلُّ بإمكاني شراء القميص أم لا.

في الواقع، لا أحد مسئول؛ إذ يُنفَّذ هذا المشروع الهائل بأكمله لتوفير القمصان بآلاف الموديلات لملايين البشر بدون أيِّ تنسيقٍ شامل على الإطلاق. فالمُزارع الهندي الذي زرع القطن لم يكن مُهتمًّا بشيءٍ سوى السعر الذي سيتحصَّل عليه فيما بعدُ من التاجر، وتَكلفة جميع المواد التي يستخدمها، والمجهود الذي سيتعيَّن عليه بذلُه لتوفير محصولٍ كافٍ. ولا يشغل مُدَراء شركة الماكينات الألمانية سوى طلبيَّات التصدير وعلاقاتهم بمُورِّديهم والقُوى العامِلة لديهم. ولا يُلقي مُصنِّعُو الأصباغ الكيميائية بالًا للعناصر الجمالية لقميصي. بالتأكيد، ثمَّة مراحل مُعيَّنة من العمَلية يحدُث فيها تعاون كبير واضح؛ شركة كبيرة مثل شركة الصناعات الكيميائية البريطانية (آي سي آي) أو شركة كوتس فاييلا لديها آلاف الموظفين العاملين بصورةٍ مباشِرة أو غير مباشرة تحت إمرة رئيسٍ تنفيذي. ولكن حتى كُبرى الشركات مسئولة فقط عن جزءٍ صغير من كامل النشاط المَعني بتوفير القمصان. بوجهٍ عام، لا أحد مسئول. ونحن نشتكي أحيانًا بخصوص ما إذا كانت المنظومة تَعمل على نحوٍ جيِّدٍ بالقدْر الكافي (فأنا أضطر إلى استبدال الأزرار المكسورة في قميصي بمُعدَّل أكبر من المُعدَّل المعقول). المُدهش حقًّا في الأمر هو أن المنظومة تعمل من الأساس.1

لم يَعُد مواطنو اقتصاديات السوق الصناعية يستغربون حقيقة أن بإمكانهم أن يُقرِّروا بعفويةٍ الخروج بحثًا عن الطعام والملابس والأثاث وآلاف من الأغراض المُفيدة أو الجذَّابة أو التافهة أو الداعِمة للحياة، وأنهم حين يفعلون ذلك، سيتوقَّع شخصٌ ما تصرُّفاتهم ويُتيح هذه الأغراض لهم على نحوٍ مدروسٍ ليشتروها. من وجهة نظر أجدادنا الذين جابوا السهول بحثًا عن صيد، أو نبشوا الأرض لزراعة الحبوب تحت سماءٍ متقلِّبة الأحوال، كان هذا المستقبل سيبدو إعجازيًّا، وإمكانية تحقيقه بدون تدخُّل أي عقلٍ شامل مُدبِّر، كانت ستبدو أمرًا لا يُصدَّق. وحتى حين شقَّ الرحَّالون المُغامرون أولى الطرُق التجارية وسنَحَت الفرصة لمُواطني أوروبا وآسيا لأول مرَّة ليُجرِّبوا وسائل الترَف الخاصة ببعضهم، فإنَّ وصولَهم بأمانٍ إلى وجهتِهم كان مرهونًا بالصدفة وعوامل الطبيعة لدرجة أنَّ هذه الرحلات صارت مصدرًا للأعمال الدرامية والمُثيرة حتى عصورٍ حديثة كعصر شكسبير. (تخيَّل أن تدور أحداث مسرحية «تاجر البندقية» في متجر كبير.)

وفي أوروبا الشرقية والدول التي كانت تَنتمي إلى الاتحاد السوفييتي، حتى بعد انهيار أنظِمة التخطيط لديهم، سادَت حالة من التحيُّر المُتواصِل الواسع الانتشار بأنَّ في إمكان أي مجتمعٍ أن يطمح إلى الرخاء بدون خطةٍ شاملة. بعد مرور نحو عامَين على انهيار الاتحاد السوفييتي، دخلتُ في نقاشٍ مع مسئول رُوسي رفيع المستوى كانت وظيفتُه الإشراف على إنتاج الخبز في مدينة سانت بطرسبرج. قال لي: «رجاءً تفهَّم أنَّنا حريصون على الانتقال إلى نظام السوق. ولكننا بحاجةٍ إلى فهم التفاصيل الأساسية بخصوص كيفية نظامٍ كهذا. أخبِرني مثلًا: من المسئول عن توفير الخبز لسكَّان لندن؟» لم يكن ثمة سذاجة في سؤاله؛ لأننا عندما نُفكر في الإجابة («لا أحد مسئول») بتمعُّن، فمن الصعب جدًّا أن نُصدقها. كل ما في الأمر أننا، في الغرب الصناعي، نسينا مدى غرابة هذا الأمر.

التعاون مع «لا أحد مسئول»

يتناول هذا الكتاب القدرات البشرية التي تجعل مثل هذا التعاون مُمكنًا، ومزاياها ومخاطرها. وأحد الطرق لاستيعاب طبيعتها المُتناقضة هي اعتبارها تجسيدًا لنوع من الرؤية الضيقة. وأقصد هنا ﺑ «الرؤية الضيقة» قُدرة المرء على لعب دوره في المشروع الضخم والمعقَّد المعني بتحقيق الرخاء لمجتمعٍ مُعاصر دون معرفة المُحصِّلة الإجمالية أو الاهتمام الشديد بها بالضرورة. لعلَّنا نكون مُهتمِّين — وكثيرًا ما نكون فعلًا — بأسئلةٍ أكبر بخصوص مَغزى الأمر والغرَض منه بالإجمال، لكن الإجابات عن مثل هذه الأسئلة لها تأثير ضئيل نسبيًّا على قُدرتنا على القيام بمهامِّنا على نحوٍ جيد. أنشطتنا هي جزءٌ من شبكة؛ ونستطيع أن نؤدِّي دورنا عن طريق مجرَّد معرفة كيف نتصرَّف حيال جيراننا في هذه الشبكة. وأحيانًا نُبرِّر لأنفسنا هذا بالاعتقاد بأن شخصًا آخر يتولَّى العناية بالشبكة ككل؛ وإن كان الأمر كذلك، فنحن عادةً مُخطئون.

تَختلف الرؤية الضيِّقة عن دافع الربح، رغم أنَّ الاهتمام بالربح لدرجة استبعاد كل ما سواه هو بالأحرى شكل غير جذَّاب يُمكن أن تتَّخذه الرؤية الضيِّقة. كما أنها تختلف عن المصلحة الشخصية. وكثيرًا ما يجِد خبراء الاقتصاد أنه من المُلائم افتراض أنَّ الأفراد يَبحثون عن المصلحة الشخصية الخالصة، لا لشيءٍ إلا لمُقارنة أنانيةِ دافعهم بالفوائد غير المقصودة المُتوفِّرة للآخرين من خلال السعي وراء ذلك الدافع. في الحقيقة، الدافع البشري أوسع من هذا التبسيط؛ ورغم ذلك لا يُمكنه الإفلات من الرؤية الضيقة. نحن جميعًا لدَينا نزعةٌ قوية نحو المصلحة الشخصية، كما أنَّنا نهتمُّ أيضًا بأشياء أخرى؛ مثل: رفاهية عائلاتنا وأصدقائنا، والصحة الجسدية والأخلاقية لمُجتمعاتنا، ومُستقبَل عالَمنا. وأحيانًا، يُعبِّر هذا القلق عن نفسه على هيئة آراءٍ قوية بشأن الطريقة التي يَنبغي بها تنظيم الإنتاج أو توزيع الموارد الاقتصادية، كما يحدث حين نحتجُّ على إغلاق مُستشفًى مَحلي. إلا أن إبداء الإيثار في لَفتاتِنا ليس ضمانةً على أننا فكَّرنا في تداعياته الأوسع نطاقًا؛ قد يسود الهوس المحدود الرؤية بين أولئك الذين ليس لديهم أهداف أنانية، مثل المدافعين عن قضية خيرية، مِثلما بين رجال الأعمال الساعين إلى الربح. وفي أغلب الأحيان، نحن لا نَعرف ولا نهتمُّ كثيرًا بالتفاصيل. إذا كنتُ أعمل في مصنع أثاث، فمن المُهم لي أن أحظى ببيئة عملٍ جيِّدة، وزملاء لُطفاء، وأجرٍ معقول أكثر من أن أعرف كيف سيُستخدَم الأثاث الذي أصنعُه في تزيين منازل المُشترين. بالتأكيد، قد أشعر بالرضا الوظيفي حين أفهم الكيفية التي تُساهم بها وظيفتي في أنشطة الآخرين وطموحاتهم. يستطيع الأفراد عادةً أن يُعزِّزُوا شعورهم بقيمة أنفسهم من خلال فَهم الكيفية التي يتلاءَم بها عملهم مع الإطار الأكبر للأشياء؛ وكانت هذه رسالةً مهمَّة لكتاب «العمل»، الذي أجرى فيه الكاتب الأمريكي ستادز تيركل لقاءاتٍ مع أشخاصٍ من شتَّى دروب الحياة لمعرفة الكيفية التي أثَّرت بها أعمالهم عليهم.2 إلا أن كتاب تيركل أبرز أيضًا الكيفية التي يُمكن بها للشعور بالرضا أن يكون شعورًا فرديًّا لدى الكثير من الأشخاص العامِلين في وظائف حديثة؛ فقد يُؤثِّر على شعورهم بالسعادة دون إحداث فارقٍ كبير في جودة أعمالهم. إنها حقيقة رائعة ومُحزِنة في آنٍ واحد أن التدريب وتنميط أساليب العمل مُصمَّمان بهدف التقليل من تأثير السِّمات الشخصية على العمل.3

ومن ثمَّ، تشمل الرؤية الضيقة مجموعة من الحالات العقلية، من القدرة على الانفصال من ناحيةٍ وحتى محدودية الرؤية المُفرِطة من ناحيةٍ أخرى. وكما سنرى في الفصول اللاحِقة، يُوضِّح فَهمنا للطريقة التي تعمل بها الاقتصاديات الحديثة شيئَين. أولًا: أنَّ المُجتمَع المُعاصِر بحاجةٍ إلى رُؤيةٍ ضيقة؛ فالرفاهية التي يُطالب بها بحقٍّ مُواطنو العالَم تستند إلى مؤسَّسات لا تتوافَق مع الرؤية الضيقة وحسب؛ بل وتشجع عليها أيضًا. ثانيًا: إن الرؤية الضيقة هي أيضًا أمر خطير؛ فهي مصدر الكثير من أخطر التهديدات لأمنِنا وسعادتنا. كيف يُعقَل هذا؟ لبدء الكشف عن الإجابة، يجِب أن نعود إلى مِثال القمصان مرةً أخرى.

كيف يَنبغي أن تكون استجابتُنا حين نطرح سؤال «من المسئول؟» عن نشاطٍ ما، ونَحصُل على الإجابة «لا أحد»؟ إنها تَعتمِد بكل وضوحٍ على نوعية النشاط محلِّ السؤال. فلو كنتُ مسافرًا على أحد خطوط الطيران، سأَقلق حين أكتشف أنه لا أحد مسئول عن الطائرة. ولكن من الجيِّد أن تعرِف أنه لا أحد مسئول عن ابتكار الشِّعر الإنجليزي الحديث. المُدهِش أن توفير القمصان لسكان العالم — في هذا المقام — أقرب في الشَّبَهِ إلى الشِّعر من قيادة الطائرة. لماذا؟ ما الذي يُفسِّر السبب وراء أنَّ هذه الأنشطة المختلفة تُثير هذه الاستجابات بعَينها؟

ستَشغل تفاصيل الإجابة معظم هذا الكتاب. ولكن ها هي بداية. أولًا: رُكاب الطائرة يشتركون بشكلٍ أو بآخَر في نفس الهدف الواضِح؛ وهو أنهم يَرغبون في الوصول إلى وجهتهم بسرعة، والأهم من ذلك، بأمان. وربما يكون بعضُهم أكثر استعدادًا من غيرهم للسفر على نحوٍ أبطأ لتجنُّب الاضطرابات الجوية، ولكن مقارنةً بالهدف الرئيسي المُشترك المَعنيِّ بالوصول بأمانٍ إلى الوجهة، فإن كل الاختلافات الخاصة باهتمامات الركاب هي اختلافات طفيفة. ثانيًا: في حالة تعرُّض جميع الركاب وطاقم الطائرة للخطر، فإنهم جميعًا على متن القارب نفسه، إن جاز لنا التعبير. فإذا لم تُعجِبني طريقة ميل الجانب الأيسر من الطائرة، لا يُمكنني فحسْب الذهاب والجلوس في الجانب الأيمن. فالجانب الأيمن من الطائرة سيتَّجه إلى نفس الوجهة التي يتَّجه إليها الجانب الأيسَر. بعبارةٍ أخرى، أنشطة الركاب وأقدارهم مُتداخِلة بطريقةٍ لا يُمكن فصلها، ومثل هذه التداخُلات قد تجعل الرؤية الضيقة خطيرة جدًّا. ورغم ذلك، ربما يكون جزء من هذا التداخُل بين أقدارنا مَحلَّ ترحيب؛ فإنْ كنتُ لا أمتلك مظلَّة هبوط، فسأشعُر بالطمأنينة حين أعرف أنَّ قائد الطائرة لا يمتلِك مظلةً أيضًا.

ثالثًا: يُوجَد قدرٌ كافٍ من الغموض في البيئة المحيطة بالطائرة بحيث يَجعلنا غير راغبين في الثقة بمجموعةٍ ميكانيكية بحتة من القواعد الخاصة بتنسيق الرحلة الجوية؛ مثل تلك المُتجسِّدة في نظام الطيَّار الآلي. حتى تقنيات الطيران الإلكتروني المُتطوِّرة لا يُمكنها أن تتوافَق إلا مع أوضاعٍ دقيقة بقدْر كافٍ لتُمكِّن المبرمجين من التنبؤ بالتفصيل؛ ولكن تُوجَد أوضاع أخرى (مثل فشل نظام الطيار الآلي في حدِّ ذاته) لن تنجح إلَّا بوجود شخصٍ مسئول. الأهمية النِّسبية لما يَصعُب تنبُّؤه تُفسِّر وجود قطاراتٍ بدون سائق؛ ولكن لم تُخترَع بعد طائرة ركاب بدون طيار (مع ذلك، طائرات الركاب بدون طيار في سبيلها إلى الإنتاج من الناحية التقنية (انظر جريدة «ذي إيكونوميست»، عدد ٢١ ديسمبر، ٢٠٠٢، صفحات ٨١–٨٣)، حتى وإن كان دخولها في فئة خدمة الجمهور قد يستغرق سنوات كثيرة. يُخبرني آدم براون من شركة إيرباص بمدينة تولوز أنه في المستقبل القريب ستقتصِر مقصورة القيادة بالطائرة على وجود رجُلٍ وكلب. ستكون مهمَّة الرجل أن يُطعِم الكلب، بينما ستكون مهمة الكلب أن يعضَّ الرجل إذا تجرَّأ على لمس مفاتيح التحكُّم). وهذا الاختلاف مُهم لنواحٍ عديدة من الحياة الاجتماعية.

رابعًا: على الرغم من أن قيادة طائرة هي مسئولية معقَّدة تتطلَّب قدرًا كبيرًا من الخبرة والتدريب، فهي لا تزال بسيطة بالقدْر الكافي ليكون في مقدور شخصٍ واحد تولِّيها في معظم الأحوال. وهذا يرجع إلى البساطة النسبية للهدَف العام، والعدد المحدود لمفاتيح التحكُّم التي يتعيَّن تشغيلها، والعدد المحدود لطرُق تشغيلها، والعدد المحدود نسبيًّا للإشارات التي يجِب على المُشغِّل أن يستجيب لها. وهكذا، فإن مهمَّة تولِّي المسئولية تقع في حدود قُدرة فردٍ واحد.

هذه السمات الأربع مُجتمعةً تُوحي بأن مهمَّة قيادة طائرة هي مهمة بسيطة بالقدْر الكافي ليقوم بها شخص واحد؛ ولكنها معقَّدة جدًّا وغير متوقَّعة لآلة. (ويُوجَد مهام عديدة كتلك؛ مثل تنظيف غرفة فندقية والتخلُّص من الأعشاب الضارة وتنسيق حوض الزهور على سبيل المثال لا الحصر.) ولكن لِمَ يَعني هذا أنه لا بدَّ أن يكون شخص واحد مسئولًا؟ لماذا لا يكون الجميع مسئولين معًا؟ في اللحظة التي يسأل فيها المرء هذا السؤال، تتَّضح الإجابة: إذا كانت قيادة السيارة من المقعد الخلفي أمرًا مزعجًا، فإنَّ قيادة الطائرة من المقعد الخلفي يُحتمَل أن تكون أمرًا كارثيًّا. فمُحاوَلة الوصول إلى اتفاقٍ بخصوص كيفية قيادة الطائرة ستشتمل على مناقشاتٍ وتأخيرات لن يتحمَّلها الركاب الراغبون في الوصول إلى وجهتهم بأمان.

وإبداع الشعر مختلف تمامًا بعدَّة طُرُق واضحة، بعضها فقط ذو أهمية للسؤال الذي نحن مَعنيُّون به هنا. أولًا: لا يُوجَد هدف واضح يُحاوِل الشعر إنجازه؛ ومع ذلك قد يحاول نُقَّاد الأدب فرض نسقٍ مُعيَّن عليه. وهذا ليس مجرد صدفة أو إغفالٍ مؤسِف، فلن يكون الشعر ذا قيمةٍ إن فقد سِمة عدم التوقُّع التي يتميَّز بها نشاطٌ أهدافه تخضع دومًا للتساؤل والتجديد. يفقد الشعراء، الذين ليس لديهم حرية لإعادة ابتكار نشاطهم الخاص واكتشافه من جديد، صفة الشعراء ويتحوَّلون إلى كتَّاب خُطب. وإذا كان لِشِعر أي فترة أو ثقافة نمَطٌ مُعيَّن، فإنه ليس بشيء يُمكن التخطيط له وفرضُه وإنما يظهر من تفاعُل أصواتٍ فردية كثيرة.

ثانيًا: لأن الأصوات كثيرة وفردية، فالروابط بينها غامضة وغير قابلة للفصل. وبالتأكيد، يؤثر الشعراء بعضهم على بعض؛ ولكن إذا كتَبَ أمير الشعراء قصيدةً سيئة، فهي قصيدة سيئة، وليست كارثة جماعية.

ثالثًا: حتَّى لو وُجِدَت أسبابٌ تجعلنا نتمنَّى فعل ذلك، فإنَّ تولِّي مسئولية شِعرِ أُمَّةٍ أو ثقافة أُمَّة هو مهمة مُعقَّدة حتى إنَّ فردًا واحدًا لا يستطيع أن يتحمَّلها، إلا بتبسيطها إلى حدِّ الفجاجة. ولهذا السبب يَشْرع المُفوضون الثقافيون المُعينون من قبل أنظمة ديكتاتورية في وضْع مهمةٍ واضحة لأنفسهم: يَنبغي أن يهدُف الشعر إلى استعادة الكرامة الوطنية أو رفع همَّة الجماهير الكادحة والمُسخَّرة. بعد ذلك، يُدركون أن مُراقَبة إنجاز هذه المهمَّة ستكون أمرًا صعبًا للغاية؛ لأنه لا حصر لأعداد القادرين على كتابة الشعر، إذن فالخطوة التالية هي اشتراط أنَّ جميع الشعراء لا بدَّ أن يكونوا أعضاءً في اتحاد للكُتَّاب. وحتى بدون التذرُّع بحقوق حرية التعبير، لا يحتاج الأمر إلى خيالٍ جامح لنرى أنَّ المفوَّضين يَضرُّون بالشعر.

ربما يُوجَد أيضًا سبب أكثر غموضًا وراء عدم إمكانية وجود شخصٍ واحدٍ مسئول عن شعر ثقافةٍ ما. وأحد الأسباب وراء أن عددًا قليلًا من نقَّاد الفن أو الأدب يكونون أيضًا فنَّانين أو مؤلِّفين عظماء هو أنَّ عُمقَ ومرونة الرؤية التي تصنَعُ الناقد — القدرة على رؤية المناقِب في الأساليب والحركات المُعارِضة والقُدرة على فهم جانبٍ من جذور مُعارضتها — تنحو إلى أن تكون غير مُتوافِقة مع الطاقة الخاصة بمحدودية الرؤية التي تَبتكِر أعمالًا عظيمة. يبدو أن الإبداع يتطلَّب رؤيةً ضيقة أكثر ممَّا يُمكن أن يُتيحه النَّقد عادةً.

إذن، لنَعُد إلى سؤال: ماذا عن إنتاج قمصان العالَم؟ الإجابة: لا يمكن تلخيص هدَفِ هذا النشاط ببساطةٍ في عبارة «إنتاج القمصان». إنَّ الجودة والتصميم وتنوُّع الأزياء ومتانة القماش ومكان الأشخاص المختلفين بأذواقهم المختلفة تُمثل مجموعةً كاملة من الأبعاد التي بناءً عليها يجِب أن تُتَّخَذ القرارات نيابةً عن العشرين مليون شخص جميعهم الذين يشترون القمصان في اليوم، وهي أبعادٌ لا تقلُّ أهميةً عن الكمية الهائلة للقمصان المُنتَجة. فلا يُوجَد هدف مُتَّفق عليه. هذه، بالمصادفة، الخطوة الأولى نحو فَهمِ السبب في تحقيق الاتحاد السوفييتي في أيامه الأولى نموًّا اقتصاديًّا مُثيرًا للإعجاب، مقارنةً بالدُّوَل الغربية؛ حين كانت الأولوية لإنتاج أشياء مثل: الفحم والصُّلب والكهرباء، وفي هذه الحالة يُمكن تلخيص الأهداف، على نحوٍ لا جدال فيه نسبيًّا، في الكم، أكثر من النمو الاقتصادي الذي حقَّقه في عُقوده الأخيرة، حين تحوَّل التركيز إلى السلع الاستهلاكية. كان لمسئولي التخطيط الصينيين بُعد نظَرٍ أكثر من ذلك؛ فسترة الماو، نسبةً إلى زعيم الحزب الشيوعي الصيني، فَرضت بكل بساطة على الأزياء الاستهلاكية منطق الفحْم والصلب.

مقارنةً بالركَّاب على متن الطائرة، أيضًا لا يُوجَد صِلة مباشِرة بين الأنشطة الخاصة بمُرتدي القُمصان في العالَم جميعهم، باستثناء إنهم جميعًا مُساهِمون في سوق القمصان. وفي هذا السياق، القمصان مختلفة تمامًا عن غيرها من المُنتَجات، إذا كانت محطة توليد الطاقة خاصتك تُلوِّث الهواء في سبيل إنتاج الكهرباء، فلهذا تأثيرٌ مُباشِر على الجميع، لا عليك أنت وحدَك، إلا أنك على الأرجح تتغاضَى عن مُعظَم هذه التأثيرات على الآخرين حين تُدير محطة توليد الطاقة خاصَّتك. والحياة العصرية تزخَر بالأمثلة على أن التفاعُلات المباشرة بين الأفراد تعني أنه أثناء السعي لتحقيق أهدافهم الخاصة تئول الأمور إلى الأسوأ. تأمَّل ما يلي:
  • يقود الجميع سياراتهم إلى العمل؛ ومن ثمَّ فخدمات الحافلات والسكك الحديدية غير منتظمة، ومن ثَمَّ أقود أنا أيضًا سيارتي إلى العمل وتَصير الشوارع مُكدَّسة بالسيارات.

  • يَخشى كل طرفٍ من طرفَي الحرب الأهلية عدَم التزام الطرف الآخر بالهُدنة، ومن ثَمَّ يستعدُّ كل طرفٍ لكسْر الهدنة بدلًا من المخاطرة بالسماح للطرَف الآخر بأن يبدأ بإطلاق النار.

  • لا بدَّ أن تكون أي سيارة مُستعمَلة معروضة للبيع ذات جودة مشكوك فيها، ومن ثَمَّ لا تَستحقُّ إلا سعرًا مُنخفِضًا، ولكن إذا كانت السيارات المُستعمَلة لا تأتي إلا بأسعارٍ مُنخفِضة، فلن تُعرَض للبيع إلَّا السيارات ذات الجودة المشكوك فيها.

  • هو يشرَب الخمر لكي ينسى خيانتها، وهي تخونه لأنه يشرَب الخمر!

  • يودُّ صاحب كلِّ سفينة صيد أن يتجدَّد المخزون السمكي، إلا أنَّ الجميع يعرفون أن إحجام شخصٍ لن يصنع فارقًا في المخزون؛ ومن ثَمَّ يصطاد الجميع بكثافةٍ كبيرة، ويتراجَع المخزون.

  • تأمُل كل شركة في إمكانية تجنُّب الركود، ولكن في حالة عدم استطاعة ذلك، فإن جميع الشركات تُخفِّض طلبياتها؛ ومن ثَمَّ يَحدُث ركود.

مجال تصنيع القمصان خالٍ نسبيًّا من مثل هذه التفاعُلات (ولكنه ليس خاليًا تمامًا منها، كما سنرى في الفصل الثاني). ربما تَحتقِر ذوقي، ولكن هذا بوجهٍ عامٍّ لا يؤثِّر على قُدرتك على شراء وارتداء القمصان التي تُفضِّلها، ولن يهتمَّ باقي المُشترين على مستوى العالَم جميعهم بنوعية القُمصان التي أشتريها. صحيح أنه ربما تَكفي صورة واحدة لعارض أزياء يَرتدي طرازًا مُعينًا من القُمصان لإحداث طفرةٍ في الطلب عليه، إلا أن تلك الطفرة لن يتعدَّى كونها موجةً صغيرة على سطح الصناعة الشاسِعة التي تُنتج القمصان إلى العالَم ككل، ويُمكننا أن نكون واثقين من أنه ستُلتقَط صورة لعارِض الأزياء يَرتدي قميصًا مُختلفًا غدًا.

يُمثِّل العدد الهائل والتنوُّع الشديد للقُمصان المُصنَّعة على مستوى العالم جزءًا أساسيًّا من السبب وراء عدَم إمكانية وجود شخصٍ واحد في مَوضعِ المسئولية. إذ يُوجَد حوالي ٧ مليارات نسمة في العالَم، ولعلَّ أي شخص، يظن أن بوسعِه تخيُّل هذا العدد من الأشخاص، عليه أن يُفكِّر أن ٦ مليارات هو عدد أكبر قليلًا من عدد الطوابع التي يُمكن أن تُطوِّق خط الاستواء أو عدد الأيام التي يحتاجها شعرُك لينمو من لندن إلى الدار البيضاء. وهذا العدد الهائل يعني أن تنوُّع الاحتياجات والطرازات والأذواق التي لا بدَّ أن تفيَ بها صناعة إنتاج القمصان يتعدَّى قُدرة أي فردٍ على استيعابه، فضلًا عن القدرة على تنظيمه. وكما يعرف أيُّ شخصٍ عَمِل في مؤسسةٍ كبرى، لا يَجلس الموظَّفُون — الذين يتحمَّلون مسئولية نشاطٍ مُعقَّد من الأفضل أن يُترَك بلا تدخُّل من أحد — بلا عملٍ مُطلَقًا؛ وإنما يسعَون إلى تبرير وجودهم من خلال تبسيط ذلك النشاط وتقييده بحيث يُمكن مُراقبتُه. وهذا ما فعله مسئولو التخطيط السوفييت؛ أسَّسوا شركاتٍ كُبرى، أكبر من أي شركةٍ مُماثلة في الغرب، ببساطة حتى لا يُضطرُّوا إلى التعامُل مع أكبر عددٍ منهم.

وعلى خلاف الطابع المهول للمُشكلات التي قد تُواجِه الشخص المسئول عن الإنتاج العالمي للقُمصان، يستطيع كلٌّ منَّا أن يَتولَّى مهمة اختيار قميصه بفعالية إلى حدٍّ ما بدون الحاجة إلى إرشادٍ خارجي. فالقميص هو مُنتَج ذو جودةٍ واضحة للعيان، بشكلٍ أو آخر، قبل شرائه (بصرْف النظَر عن التحفُّظات التي قد تكون لدى المرء تجاه جودة الأزرار). على النقيض تمامًا من هذا الأدوية مثلًا، فعجْز المشتري العادي عن إدراك الخصائص الدوائية بمجرَّد النظر إلى الدواء هو عُنصر محوري يُفسِّر سبب اختيارنا عادةً لتفويض جزءٍ على الأقل من مسئولية صحَّتنا إلى من هُم أكثر خبرةً ودراية منَّا بهذه الأمور.

كما تُساعدنا الأعداد الكبيرة أيضًا على فَهم أحد أغرب السِّمات الخاصة بنظام لا يتحَّمل فيه أحد المسئولية؛ ألا وهي قُدرته الواضحة على توقُّع رغبتي دون بذْل أدنى جهدٍ للتعبير عن تلك الرغبة من جانبي لأيِّ أحد. ربما يَرُوق لنا أن نعتبر أنفسنا أفرادًا مُختلفين عن الآخرين، إلَّا أنَّ سلوكنا، من نواحٍ عديدة، مُتوقَّع بشدَّة. ويعود جزءٌ من السبب في ذلك إلى تكوينِنا البيولوجي؛ فلدَينا احتياجات جسَدية مُشترَكة بوجهٍ عامٍّ مع باقي أفراد نوعنا. وتلعب الأعراف الاجتماعية دورًا أيضًا؛ فلا شيء في تكويننا البيولوجي يُجبرنا على تناوُل وجباتنا حين يتناوَل الآخرون وجباتهم، ولكن الحياة ستكون مُمتِعة أكثر إذا فعلْنا ذلك. ولكن في النهاية، هذا عددُنا الهائل هو ما يجعل سلوكنا مُتوقَّعًا؛ حيث إن أعدادًا كبيرة من الأفراد تَميل إلى التصرُّف في ظلِّ عدة ظروفٍ بطرُقٍ اعتيادية أكثر مما يفعل أفراد بعينهم ممَّن يُشكلون مثل هذه التجمُّعات. كان خبراء الإحصاء في أوائل القرن التاسع عشر مُنبهرين بحقيقةِ أنَّه حتى التصرُّفات الشخصية تمامًا مثل الانتحار تحدُث بطريقةٍ اعتيادية بدرجةٍ كافية في أعدادٍ كبيرة من البشر بدرجةٍ تَسمح بتوقُّعها في إطار حدودٍ مُعيَّنة.4 ويتَّضح عمومًا أن أنشطتنا العادية أكثر، الخاصة بالعمل والتسوُّق والطهي وارتداء الملابس والسفر تُبدي قدرًا لافتًا للنظر من الاعتيادية بحيث تَعتمِد مراكز كاملة للنشاط الإنتاجي على تلك الاعتيادية. لو لم أشترِ القميص هذا الصباح، فمن المُحتمَل جدًّا أن يَشتريَه شخصٌ مِثلي في غضون بضعة أيام. وبناءً على هذا التخمين، أسَّس مُصنِّعُو قمصاني نشاطهم التجاري.

تُقدِّم هذه العوامل الأربعة — الأعداد الهائلة، والتعقيد الشديد، وبضعة ارتباطاتٍ مباشِرة بين تصرُّفات مُختلَف المُشترين للقمصان، والقُدرة المعقولة لدى هؤلاء المُشترين العاديِّين على تقييم جودة ما يَشترُونه — نواة الإجابة عن سؤالنا السابق: لماذا نَشعُر بالارتياح حين نعرِف أنه لا يُوجَد شخص واحد مسئول عن تصنيع القمصان عالميًّا؟ تَمثَّل أحد الإنجازات الفكرية العظيمة للاقتصاديات الحديثة في استنباطٍ دقيقٍ جدًّا للظروف التي في ظلِّها يُمكن لأنظمة التبادُل التجاري غير المركزية أن تُحقِّق نتائج تتَّسم بالكفاءة، من حيث تحسين وضْع كل فردٍ بقدْرِ الإمكان متى أمكنَ القيام بذلك دون إيذاء الآخر. وهذا التعريف اقترحَه بالأساس الخبير الاقتصادي وعالِم الاجتماع الإيطالي فيلفريدو باريتو ويُعرَف باسم أمثلية باريتو. يَختلف الإنجاز الفكري الاقتصادي، المُتمثِّل في كيف ومتى يُمكن للتبادل التجاري أن يُحقِّق مبدأ أمثلية باريتو، عن الإنجاز العمَلي؛ لأنَّ جميع أنظمة التبادُل التجاري الحقيقية، كما سنرى، فشلت في الصمود أمام هذه الظروف الصعبة، إلى حدٍّ مُزعِج أحيانًا. إلا أن القمصان بمثابة دعاية رائعة جدًّا للتبادل التجاري غير المركزي. كما أنها تَذكِرة مُهمَّة لمدى ظهور نمط الحياة الحديثة حتى بدون رغبةٍ واعية من أحدِهم.

للشك سببان

ربما لا تَكفي مُناقَشات كهذه لدحض الشكوك المُزعِجة. هل يُمكن لنا أن نتأكَّد من أنَّ تصنيع القمصان يُبين لنا مناقب الرؤية الضيقة بدلًا من مساوئ المراقبة المركزية؟ هل تعمل منظومة تصنيع القمصان بنجاحٍ كبير؟ ثمَّة سببان خطيران للتساؤل عمَّا إذا كانت المنظومة ناجِحة بقدْر الإمكان أم لا. السبب الأول هو أنه في حين أن المنظومة تُنتج قمصانًا بصورةٍ جيدة عند توافر الظروف المُواتية في أي وقتٍ بعينه، فربما تكون غير مُستقرَّة مع مرور الوقت. فتقلُّبات الموضة والاختلافات الصغيرة بين المُنتِجين في تكاليف الإنتاج قد تُؤدِّي إلى تغييرات كُبرى في الطلب من بعض المُنتِجين لصالح مُنتِجين آخرين. وعلى وجه الخصوص، أسفر إضفاء الطابع الدولي على إنتاج القمصان الذي وصَفْناه في بداية هذا الفصل عن فقد الكثير من الوظائف في البلدان الغنية التي تعرَّضت فيها صناعات المنسوجات إلى تراجُعٍ شديد على مدار عدة عقود.5 وقبل بضع سنوات، عبرت جريدة «ذي إيكونوميست» بوضوح عن الخوف الدفين وراء هذا الانتقاد على غلافها، الذي صوَّر رجلًا هزيلًا، أسمر البشرة، رثَّ الثياب تحت عنوان: «هو يُريد وظيفتك» يُوجَد قدْر كبير من التضارُب عادةً (فضلًا عن كراهية الأجانب) في مثل هذه المشاعر، لا سيما عندما تُؤكِّد على أن الدول الأخرى ينبغي أن تَشتريَ مُنتجاتنا دون افتراض أنَّهم بصدَد إنتاج أي شيءٍ يخصُّهم، كما لو أن بإمكانهم فعل شيء واحد دون فعل الآخر. إلا أنه يُوجَد أيضًا نقطة وجيهة وربما أكثر خطورة. على الرغم من أنَّ القمصان التي صُنعَت من خلال التعاون الدولي هي، في المتوسط، قمصان تتوافَق على نحوٍ أفضل مع ما يُريده المُشترون، فإذا كانت المنظومة التي تُنتجها تزيد عدَم الاستقرار، فسوف يُصبح الأمر سيئًا للجميع. في عصورٍ سابقة، واجه الناس مخاطر كُبرى تؤثر على قُدراتهم الإنتاجية (غالبًا الأمراض وفشل موسم الحصاد). ومع تراجع هذه المخاطر، واجه الناس تهديدات لم تكن موجَّهة نحو قُدرتهم على الإنتاج بقدْر ما كانت موجَّهة نحو قُدرتهم على بيع ما أنتجُوه. وفي مجموعة أسواق مُتَّحِدة عالميًّا، قد يُطوِّر الأشخاص مهاراتهم لإنتاج قمصانٍ ذات جودة رائعة؛ إلا أنهم يَكتشفُون أنَّ هذه المهارات صارت عديمة القيمة بسبب التغييرات غير المُتوقَّعة في قرارات المُشترين على الجانب الآخر من العالَم.
ومن ثم، قطعًا لم يُبْعِد التقسيم المُتزايد للعمل على المستوى العالمي التهديدَ بعدم الاستقرار عن مُصنِّعي القمصان أو مُزارعي الطعام أو مُصمِّمي السيارات. ولكن هذا لا يعني أنه «زاد» من عدم الاستقرار المُتعلِّق ببديلٍ واقعي بعض الشيء. أصبحت مخاطر المرض أو فشل موسم الحصاد أقلَّ كثيرًا اليوم في مُعظَم أجزاء العالَم عمَّا كانت عليه قبل قرنٍ أو قرنين من الزمن (والاستثناءات تَقتصِر على أجزاء من قارة أفريقيا فقط). ولا يَنبغي أن نستهين بعدد المرَّات التي عانى فيها المزارعون والتجَّار والحرفيُّون في مجتمعات ما قبل الصناعة من انهيار السوق الخاصة بما كانوا يُنتجونه.6 فعندما كانت الأسواق محليةً ومُتشرذِمة ومعزولة عن العالَم الخارجي أكثر ممَّا هي عليه اليوم، لم يكن انهيارُها يظهر باعتباره حدثًا عالَميًّا أو حتى قوميًّا. ولكنها كان يُمكن أن تُمثِّل أحداثًا كارثية فقط للأفراد الذين تأثَّروا في أعقابها. صحيح أن عدم استقرار بعض الأسواق الحديثة هو مشكلة خطيرة بالتأكيد للنظام الاقتصادي العالَمي. ولكن أحد أسباب اعتبار الأمر خطيرًا جدًّا هو أن عددًا من المشكلات التي كانت تبدو أكبر فيما مضى صارَت الآن لا تُقلقنا كثيرًا.
قد يَطعن السبب الثاني للخلاف حول تأثيرات الرؤية الضيِّقة في وصفي للمنظومة بأنها تُوفِّر القمصان التي يَرغب فيها المُشترون. ويُوجَد تفسير مُحتمَل مُخيف أكثر؛ وهو أن المنظومة تُعلِّم المُشترين أن يرغبوا فيما يُمكنها أن تُوفِّرَه. فإذا كنتُ أعتقد أن بإمكاني شراء كلِّ شيءٍ أرغبه تقريبًا بدون الحاجة إلى قطع مسافةٍ كبيرة بعيدًا عن بيتي، فهذا ربما لا يُبيِّن شيئًا سوى مدى كفاءة غسيل الدماغ الذي أُجري لي، نظرًا لأنه لم يَخطُر على بالي قطُّ أن أرغب في شيءٍ يَجعلني أقطع مسافةً أطول لكي أحصُل عليه. وفي الخمسينيَّات من القرن العشرين، أقنع كتاب فانس باكارد الشهير واللافت للنظر بعنوان «المُقْنِعون المُتخفُّون» الناس بأنهم واقعون في قبضة المُعلِنين الذين لم يتَّصِفوا بكونهم عديمي الضمير فقط وإنما أيضًا بكونهم مُؤثِّرين على نحوٍ استثنائي. كان المُعلِنُون يُحقِّقون في الغرب ما كان المُفوِّضون يُحاولون، بقدْرٍ أقلَّ نجاحًا، تحقيقَه في الشرق.7
ولا يُمكن أن تكون هاتان الحجَّتان صحيحتَين في آنٍ واحد، على الأقل ليس إلى حدٍّ كبير، مع أنه أحيانًا ما يَطرحهما نفس الأشخاص. إذا كان المُنتجون قادِرين على إقناع العامة بأن يَرغبوا في أي شيءٍ يُنتجونه، فإنهم لا يُمكن أن يكونوا في الوقت نفسه عرضةً لتخلِّي الجمهور في أي وقتٍ عن مُنتِجِهم من أجل شراء سِلَع مُنتِج مُنافِس. ويَرِدُ هذا التناقُض أيضًا في الكتاب المؤثر الذي يحمِل اسم «بلا شعار» لناعومي كلاين، الذي يزعُم أنه خلال عملية ابتكار العلامات التجارية على مستوى العالم، صارت الشركات قويةً جدًّا، إلا أنها في الوقت نفسه انخرطت في صراعٍ مُستميتٍ للصمود في وجه المنافسة بعضها مع بعض.8 وبالتأكيد، بعض الأمثلة التي استخدمتُها لتُوضِّح القوة المَنيعة للعلامات التجارية (مثل علامة سراويل ليفايز الجينز) بدَتْ ضعيفةً بالفعل حتى في وقت نشر كتابها.

وتُعبِّر كلتا هاتَين الحُجَّتَين عن قلقٍ متأصِّل بخصوص قلة حيلة الأفراد في مواجهة نظامٍ اقتصادي عالمي كبير ومجهول الهوية، وحقيقة أن قلَّة الحيلة هذه تمسُّ وترًا حسَّاسًا لدى مُواطِني اليوم جعَل ناعومي كلاين مليونيرة. غير أن الحُجتَين تُقدِّمان قِصَّتَين مُختلفَتَين ومُتناقضتَين عن قلَّة الحيلة تلك. أخبرَنا كتاب «المُقْنِعون الخفيُّون» أننا كنَّا بلا حيلةٍ لأنَّ شخصًا آخر كان يَمتلك القوة. وتُخبرنا فرضية عدم الاستقرار بأنَّنا بلا حيلةٍ لأنه لا أحد يمتلك القوة. في الواقع، فرضية عدَم الاستقرار هي القصة الأكثر إقناعًا عن أخطار الرؤية الضيقة، رغم أنَّنا سنرى في فصولٍ لاحِقة أنَّ كتاب «المُقنِعون الخفيُّون» قد يَحتوي أيضًا على درسٍ مُهم لنا. ولكن في الوقت الحاضر، اسمحوا لي أن أعود إلى مِثال القمصان وأُكرِّر الرسالة البسيطة التي يوضحها. حتى وإن كان للرؤية النفقية أخطار، فإن فهم تلك الأخطار يتعيَّن أن يبدأ من تفسير الحقيقة البارِزة بأنَّ عدَّة آلافٍ من الأنشطة الإنتاجية والمُفيدة تُنفَّذ بالمُجمل دون وجود شخصٍ مسئولٍ بوجهٍ عام.

هل هذا حقًّا بسبب الرؤية الضيقة أم بالرغم منها؟ هل من المُمكن أن تُنفذ هذه الأنشطة لأن الناس مُفعَمُون بالحِرص على المصلحة العامة، لأنهم يفهمون ما يحتاج إليه النظام ويَبذُلون قصارى جهدهم للمُساهمة؟ لا تتمثَّل صعوبة هذا المُقترَح في افتراض أنَّ الأفراد قد يكونون مُفعَمين بالحِرص على المصلحة العامة. فثمة أدلة كثيرة على أنه يُمكن إقناع الناس، في ظلِّ الظروف المُناسِبة، بالتصرُّف بطرُق غير أنانية للغاية. لا تتمثَّل المشكلة الحقيقية في فكرة وجود حِرص على المصلحة العامة بقدْر ما تتمثَّل في فرضية أنَّ الأفراد لا يُواجهون مشكلةً بخصوص معرفة ما يتطلَّبه الذَّوق العام. فإذا كان من الصعب جدًّا على فردٍ واحدٍ فهم منظومة تصنيع القُمصان ككل، فليس من السهل على كل فردٍ من مجموعةٍ كبيرة من الناس فهمها. والسبب الوحيد وراء أن المنظومة تعمل على نحوٍ أفضل حين لا يتولَّى أحد المسئولية هو أنه يجِب على كل فردٍ من المجموعة الكبيرة من الأفراد الذين يُسهمون في المنظومة أن يهتمَّ بجزءٍ صغير فقط من المُهمة، ومن الأسهل أن تهتمَّ بجزءٍ من أن تهتمَّ بالكل. فالإحساس بأنك مسئول عن العالَم بأكمله قد يصير بكلِّ سهولةٍ عبئًا معجزًا.

دور الحكومة

قد يبدو من الغريب أن نقترح عدم وجود من يتولى المسئولية؛ لأننا قد نتساءل عن مُهمة السياسيِّين. فلكل دولةٍ وزير مالية أو وزير خزانة أو مُستشار مالي، وظيفته رعاية اقتصاد الأمة. ربما لا يُوجَد أحد مسئول عن الاقتصاد العالمي، ولكن ذلك لأنه لا تُوجَد حكومة عالمية. وعلى مستوى الدولة القومية، ربما يظنُّ المرء، أنه من الواضح قطعًا من المسئول.

لكن هل فعلًا الأمر واضح جدًّا؟ أحيانًا ما تعلو نظرة تائهة وجوه كبار السياسيين الذين يعجزون عن التحكُّم في تعبيرات وجوههم بصورة مثالية. إنها كنظرة صبيٍّ صغير كان حلم حياته أن يُسمح له بتولِّي مسئولية مفاتيح التحكُّم بالطائرة، ولكنه يكتشف حين يتولَّى الأمر أخيرًا أن لا مفتاح من مفاتيح التحكُّم التي يُشغلها يبدو مُتصلًا بأيِّ شيء، أو يكتشف أنها تعمل بطريقةٍ لا يُمكن التنبُّؤ بها لدرجة أنه من الأسلَم أن يتركها وشأنها تمامًا. يَمتلِك السياسيُّون سُلطةً محدودة جدًّا، إذا كنَّا نَقصِد بالسلطة القدرة على تحقيق الأهداف التي كانوا يأمُلون ويَعِدون بتحقيقها. ومثل هذا الاعتراف جاء على لسان المستشار البريطاني المعزول من منصبِه نورمان لامونت، الذي اتَّهم الحكومة التي ترك العمل بها (بعد إجبار المملكة المُتَّحدة على الخروج من آلية سِعر صرف العُملات الأوروبية عام ١٩٩٢) بكونها «تتولَّى منصبًا؛ ولكن دون سُلطة.» كان يقصد بذلك اتهام حكومة بعَينها، إلا أنه، بدرجةٍ أكبر أو أقل، يصفُ المأزق الذي تُواجِهُه أي حكومة في مجتمعٍ حديث مُعقَّد. إنه مأزق يبدأ عند أبسط المُستويات على الإطلاق، تحديدًا من معرفة ما يحدُث من حولِنا؛ لأنه، كما ذكر خبير الاقتصاد السير جوشيا ستامب ذات مرة: «الحكومة حريصة جدًّا على تكديس الإحصائيات. فهي تجمعها، وتُضيف إليها، وترفعها إلى أس، وتأخُذ الجَذر التكعيبي وتُعدُّ رسومًا بيانية رائعة. ولكن يجِب ألا تنسى أنَّ كلَّ رقمٍ من هذه الأرقام يأتي في المقام الأول من موظَّفٍ صغير يُدوِّن ما يحلو له.»9 فبدون عيونهم وآذانهم، يَعتمِد السياسيُّون على نحوٍ مؤثِّر على تعاون أولئك الذين يُفترَض بهم أن يَحكموهم. فالتعاون هو الذي يسبق الحكومة وليس العكس.

السياسيون مسئولون عن الاقتصاد الحديث مثلَما يتحمَّل البحَّار مسئولية قاربٍ صغير وسط عاصفة. ربما تُسفرُ عواقب فقدهم للسيطرة بالكامل عن كارثة (كما تُذكِّرنا الحرب الأهلية والتضخُّم الشديد في أجزاء من الإمبراطورية السوفييتية السابقة)، ولكن حتى إن أبقَوا على القارب طافيًا، فإنَّ تأثيرهم على سَير الأحداث ضئيل جدًّا مقارنةً بتأثير العاصفة من حولهم. ونحن — الذين نُمثِّل الركَّاب على متن القارب — قد نُركِّز آمالنا ومخاوفَنا عليهم، ونُعبِّر عن بالِغ الامتنان نحوهم إذا وصلْنا إلى برِّ الأمان، ولكن هذا بالأساس؛ لأنه من غير المُجدي أن نَشكُر العاصفة.

عبَّر تولستوي في رواية «الحرب والسلام» عن فكرة مُشابِهة بخصوص قيادة نابليون لجيشه: «نابليون، الذي قُدِّم لنا باعتباره قائدًا لكل هذه التحرُّكات ذهابًا وإيابًا (كما يبدو التمثال الخشبي الموجود في مُقدمة السفينة للشخص البدائي وكأنه القوة المُوجِّهة للسفينة في مسارها). كان نابليون يُشبه، في أي شيءٍ فعله خلال هذه الفترة، طفلًا مُمسكًا بالسيور داخل عربة مُتوهِّمًا أنه يَقُودها.»10 رواية تولستوي بأكملها هي بمثابة محاولة انقلاب على التصوُّر البسيط للقادة بأنهم مُسيطِرون على كل ما يحدُث في المؤسسات والمجتمعات التي يقودونها، وهي نظرة ثاقبة تُفسِّر السبب في أنه يُمكن للرواية أن تبدو ذات رؤية حديثة على نحوٍ مذهل جدًّا حتى بعد مرور قرنٍ ونصف على كتابتها.

إنَّ عجْزَ السياسيِّين عن السيطرة على الأحداث ليس سِمة عرضية ومؤسِفة يختصُّ بها المجتمع الحديث؛ وإنما هي نتيجة للتعقيد الشديد والرؤية الضيقة المُترتبة عليه اللذَين يمنحاننا مكافآت الرخاء ومخاطره في شكله الحديث، مِثلما تُمثِّل العواصف خطرًا حتميًّا بمجرَّد أن يُغادِر القارب الميناء ويخرج إلى البحر المفتوح. يتحوَّل الكثير من النقاشات الحامية الوطيس بشأن الطريقة التي ينبغي أن يُنظَّم المجتمَع وفقًا لها، إلى نقاشات حول الاختيار بين المحاسن المُتناقضة عادةً للمكوث في الميناء أو الخروج إلى البحر المفتوح. والحقائق الأبدية المتمثلة في: الريف مُقابل المدينة بمغامراتها وانحطاطها الأخلاقي؛ ومزايا الاكتفاء الذاتي القومي مقابل ثمار الاندماج في الاقتصاد العالَمي؛ والأمان النابع من الأشكال التقليدية للنظام والمجتمع مُقابل المُرونة وانعدام القيود التي تتضمَّنها الحداثة. هذه التوتُّرات مُترسِّخة بعُمق في الإنسانية حتى إنه لا يُمكِن حلُّها ببساطة من خلال الاختيار الجريء لصالح أحد القُطبَين على حساب القطب الآخر. قد يَركب السياسيُّون، الذين يختارون أمرًا أو آخر، موجةً مُؤقَّتة ولكنهم يُخاطرون بأن يكونوا عُرضةً لتحوُّلٍ لاحق في مجرى الأمور؛ ففي حالة الماركسية، استمرَّت الموجة نصف قرن، بمساعدةٍ من الشرطة السرِّية، في حين أن عُمرَ خليفتِها الديمقراطية الليبرالية يبلُغ عقدين فقط من الزمان في الإمبراطورية السوفييتية السابقة، والتيار القومي يَستجمِع قوته. القومية، على أيِّ حال، هي مُجرَّد رؤية ضيقة ذات بِذَلٍ رسمية وأعلام، ولكنها مدفوعة بالأساس من قِبَل الخوف من البحر المفتوح المجهول.

يَنبغي أن يتَّضح لك الآن أن هذا الكتاب لا يمتدح الرؤية الضيقة. الرؤية الضيقة هي ما يُتيح لجميع المشاركين في مهمة توفير القمصان إلى العالَم الاستجابة إلى تلك الحاجة بعدَّة طرُق تكشف عنها بنفسها، دون الحاجة إلى الرجوع إلى القاعدة؛ فلا يوجد قاعدة. ولكن الرؤية الضيقة أيضًا هي ما يُتيح لنا تلويث كوكب الأرض دون التفكير في الخسائر. والرؤية الضيقة هي ما يُمَكِّن العامل في مصنعٍ يَصنع الألغام الأرضية، والموظف الحكومي الذي يُجيز تصديرها، ألَّا يرَوا نفسَيهما أعوانًا في جريمة قتل طفلٍ صغير سيطأ الأرض المُلغَّمة في غضون خمس سنوات. الرؤية الضيقة هي ما يجعلنا جميعًا شديدي التأثُّر بالاختِفاء المُفاجئ لسوق المهارات التي استطعنا بناءها بكثيرٍ من الجهد.

الرؤية الضيقة من هذا المُنطَلق هي مهارة (ومأزق) كان يَجهلها أجدادنا في مجتمعات الصيد وجمع الثمار. إنها مهارة اجتماعية أكثر منها مهارة بيولوجية، رغم أنها تُمرِّر قدرات بيولوجية قوية، وإنها تطوَّرت أثناء العشرة آلاف سنة، أو نحو ذلك، التي تفصِلنا عن المُزارعين الأوائل في العصر الحجري الحديث. وقبل أن نتأمَّل تداعياتها على الحياة في العالَم المُعاصر، من المُهم أن نتأمَّل سبب تطوُّرها من الأساس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠