الفصل الحادي عشر

الماء: سلعة أم منظومة اجتماعية؟

المعاني الكثيرة للماء

ما الذي يَعنيه أن نتحمَّل على النحو الواجب مسئولية الماء باعتباره ثروةً قيِّمة؟ للإجابة عن ذلك السؤال، علينا أولًا أن نفهم لماذا نُقدِّر الماء وما الذي نُقدِّره بشأنه. الإجابات عن هذا السؤال كثيرة ومتنوعة ومتناقِضة؛ إذ تُنفِق الحكومة المكسيكية حوالَي ٤٠٠ مليون دولار سنويًّا لتوفير مياه الشرب لسُكَّانها، الذين يعيش نصفهم تقريبًا في مناطق ريفية ما زالت محرومةً من مصادر إمداد آمنة. هذا خُمس ما يُنفقُه المستهلكون في فرنسا (التي يبلُغ تعداد سكانها ثلاثة أرباع تعداد سكان المكسيك) سنويًّا على المياه المعدنية ومياه الينابيع المُعبَّأة في زجاجات، والتي يُرَوَّج لها بالأساس بوصفِها مُفيدة للصحَّة (كما تؤكِّد إعلانات المجلَّات أو التليفزيون).1 ومع ذلك فمياه الصنبور الفرنسية ذات جودةٍ مُمتازة ومتاحة للجميع، لذلك فالفائدة الأساسية للصحة من شُرب المياه المُعبأة هي أنها قد تحثُّ الناس على تقليل شُرب الكحوليَّات. لا يعني هذا الاختلاف أنَّ المكسيكيِّين أقل اهتمامًا بالصحة؛ فالطفل المولود في مدينة مكسيكو سيتي يتلقَّى على الأرجح تطعيماتٍ أكثر من نظيره المولود في مدينة أمريكية كبيرة. ولكن مع أنَّ المياه الآتية من ماسورةٍ عمومية في مدينة مكسيكو سيتي مُماثلة في مُعظَم أغراضها، من الناحية الكيميائية، للمياه الآتية من يَنبوع في جبال ماسيف سنترال في وسط فرنسا، ومع أن كلتيهما تَفي بالغرَض فيما يتعلَّق بالاهتمام الإنساني العميق بالصحة، فإنهما كسِلَع اقتصادية تختلفان أشدَّ الاختلاف.
ثمة اتفاق واسع النطاق على أن العالَم سيواجه في القرن الحادي والعشرين أزماتٍ صحيةً أو أمنيةً أو اقتصاديةً كُبرى،2 إن لم تكن الأُمَم على استعدادٍ لتنفيذ ما أطلق عليه مؤتمر دبلن الدولي للمياه والبيئة، إدارة المياه «باعتبارها سلعة اقتصادية»، وهو مفهوم يُمثِّل أيضًا قوام السياسات التي يُنادي بها حاليًّا البنك الدولي. ولكن ما الذي يَعنيه هذا؟ ما نوعية السلعة الاقتصادية التي «تُمثِّلها» المياه؟ كلما ازداد تدارُسنا الأدلة، ازداد إدراكنا؛ لأن الماء لا يُمثِّل نوعية واحدة من السِّلَع، وإنما نوعياتٍ كثيرة. وهذه السِّلَع تختلف على نطاق الأبعاد المادية والبيولوجية، ولكن ليس في ذلك فقط؛ إذ تَختلِف أيضًا في طريقة صياغة المُجتمعات البشرية لها وتقييمها.

ما سنراه في هذا الفصل هو أن الماء يَعني أمورًا كثيرة مختلفة اختلافًا واسعًا باختلاف الأفراد واختلاف الظروف؛ فهو مانح للحياة للبعض وتهديد للبعض الآخر، ومصدر إلهامٍ شعري للبعض، وسبب لحشد النفوذ السياسي للبعض الآخر، حتى إنه يبدو آخر شيء في العالَم يُمكن للمرء أن يُقيِّمه تقييمًا واقعيًّا باستخدام أداةٍ بسيطة ظاهريًّا وأُحادية البُعد كالسِّعر. إلا أنه، «لهذا السبب تحديدًا»، يجِب النظر إلى الماء باعتباره مَورِدًا شحيحًا، أو باختصار، موردًا «خاضعًا للتسعير»؛ إذ إنَّ ذات الطابع المُعقَّد لجاذبية الماء لدى مختلف المُستهلِكين سيجعل من المُستحيل عليهم أن يتَّفقُوا على كيفية تشاركه، ما لم يُركِّزُوا على السِّمَة الوحيدة التي تمنعُهم من الحصول على أكبر قدرٍ يحلو لهم منه؛ ألا وهي الندرة. تحمُّل مسئولية الماء لا يعني قياس مدى أهميته أو جماله أو شاعريته، وإنما ببساطة مدى نُدرته في الأماكن التي يحتاجه الناس فيها.

الندرة هي أهم سِمة اقتصادية أساسية لأيِّ سلعة؛ حتى إن التعريف المُعترَف به لعِلم الاقتصاد نفسه هو أنه «عِلم تخصيص الموارد الشحيحة بين الأطراف المتنافِسة.»3 فالمياه نادرة في أجزاءٍ كثيرة من العالَم، مقارنةً بالاحتياجات الفسيولوجية لسكَّان تلك المناطق. يلزم حوالي ١٢٥٠ مترًا مكعبًا من المياه لكل فردٍ سنويًّا لتوفير إمدادات المياه اللازمة للسكَّان وزراعة محاصيل الكفاف، بدون احتساب الكميَّات الضرورية للصناعة أو المحاصيل النقدية. ويعيش ثُلث سكان العالَم تقريبًا في بلدانٍ مُعرَّضة لمستوياتٍ تتراوح بين متوسطة وعالية من شُح المياه، حيث يَتشارك أكثر من ٦٠٠ شخص في مليون مترٍ مكعب متاح من المياه سنويًّا، ولقد توقَّع أحد تقديرات الأمم المتحدة أن تَرتفع نسبة سكَّان العالَم الذين يعيشون في ظلِّ ظروف شُح المياه، أو ما هو أسوأ، من ٨٪ في عام ٢٠٠٠ إلى أكثر من ٥٠٪ في عام ٢٠٢٥.4 وفي ظل ظروفٍ أخرى وفي أجزاء أخرى من العالم، يُمكن أن تكون المياه فائضة عن الحاجة؛ إذ دأبت الفيضانات في بنجلاديش أو في الصين على حصد أرواح أعدادٍ أكبر ممَّا يحصدها الجفاف. كما تُوجَد مناطق من العالَم وصلت إلى مستوًى مُعتدِل لحُسنِ الحظ؛ حيث تُوجَد فيها المياه بوفرة، فلا هي شحيحة ولا فائضة. يتغيَّر سلوكنا تجاه المياه بالكامل حسب نُدرتها؛ إذ تُصبح المياه في ظل ظروف الندرة مانحًا للحياة؛ ولكن في ظل ظروف الفيضان تُصبح مُهدِّدةً للحياة، أي واحدة من أكثر قوى الطبيعة إثارةً للرُّعب. كان إدراك مُواطِني الجمهورية الهولندية الأولى بأنهم قد نجَوا من تهديد البحر مِحوريًّا في تفكيرهم لدرجة أنهم اخترعوا عقوبةً بَشِعة؛ «زنزانة الغرق»، لأولئك المُدانين بإحجامهم عن العمل؛ إذ «يُوثَقون كالحمير ويُوضَعُون في زنزانة تُملأ بالمياه بحيث يتعيَّن عليهم إفراغها جزئيًّا بالضَّخِّ إن أرادوا النجاة من الموت غرقًا.»5
بعبارة أخرى، تتوقَّف قيمة المياه على ما إذا كانت موجودة وجودًا ماديًّا حيثما نُريدها، وبالكمية المناسِبة. ولقد كتب رويس هانسون أنه «إذا ما أُخِذَت الولايات المتحدة بأسرِها في الاعتبار، فإنها تَمتلِك كميةً وافرة من المياه، في الوقت الحالي ومستقبلًا. تتمثَّل المشكلة، بالطبع، في أن لا أحد يعيش في الولايات المتحدة بأسرِها.»6 وهذا الأمر يَنطبِق على العالَم بأسره؛ ففي المتوسط، تُوجَد موارد للمياه العذبة مُتاحة لكل فردٍ أكثر ممَّا يُمكن أن يَستنزفه الاستهلاك المُسرف بأيِّ حالٍ من الأحوال، إلا أنها ليست موجودةً حيثما تدعو الحاجة إليها. لقد تأسَّست إمبراطوريات بأكملها على الحاجة إلى تنظيم حركة المياه من مكان وجودها الطبيعي إلى حيثما يستلزم وجودها للحياة البشرية؛ أي من المكان الذي تتوافر فيه بوفرةٍ إلى حيثما تكون شحيحة. هذه هي النتيجة المُترتبة على حقيقةٍ تقنية مُهمَّة؛ هي أن تكلفة نقل المياه وتخزينها وتوزيعها تَستحوِذ على مُعظم تكلفة المياه على مُستهلكيها. والجانب التِّقني للقيام بذلك مرهون باقتصاديات الحجم الرئيسية، بمعنى أنَّ تكاليف نقْل أي قدرٍ مُعين من المياه تكون أقلَّ إذا ما نُقِلَت بكمياتٍ كبيرة. هذا يَعني أن السيطرة على المياه كانت على مرِّ التاريخ أقربَ إلى لعبة احتكارٍ كبيرة، أو حسب الرطانة الاصطلاحية، احتكار «طبيعي» (احتكار يَرجِع إلى طابع مُتأصِّل للتقنية وليس بسبب قيودٍ مُصطنَعة على التجارة). لطالَما كانت المياه تخضع لسيطرة القوى السياسية والعسكرية وليس لسيطرة التجار، وفي يومنا هذا ما يَجعلها متاحةً في كل مكان تقريبًا هو أنها امتياز للدول أكثر من كونها امتيازًا للأسواق الخاصة.
أيضًا تَعتمِد قيمة المياه، على نحوٍ أكثر غموضًا، على جودتها. فالمياه في الواقع لا تكون نقية أبدًا، ويُمكن لمُحتوياتها البيولوجية أو الكيميائية أن تُهلكنا. في عام ٢٠٠٤، قُدرت الوفَيَات التي سبَّبتها فقط الإصابة بإسهالٍ ناتج عن أمراض منقولة عبر المياه بنحو ١٫٨ مليون شخص حول العالَم سنويًّا، وهي نسبة تُعادل نسبة الوفَيات الناتجة عن تحطُّم اثنَتي عشرة طائرة ركاب ضخمة يوميًّا.7 سجلت تقارير منظمة الصحة العالمية في عام ٢٠٠٨ أنه وقعت ٢٤٧ مليون إصابة سنوية بالملاريا (وهو مرض يَنتشِر من خلال البعوض الذي يتكاثَر في المياه الراكدة)، وحوالي ٨٨٠ ألف حالة منها كانت مُميتة.8 يُصيب داءُ كُلابِيَّةِ الذَّنَب، أو العمى النهري، عدَّة ملايين سنويًّا، أغلبهم في أفريقيا. وسُجِّلت ١٧٨ ألف إصابة بالكوليرا عام ٢٠٠٧.9

ومن ثَمَّ، لملايين السكان حول العالم، حتى عندما تتوافَر المياه بكمياتٍ وفيرة، تكون جودتها شحيحة. إلا أنه، على المدى الطويل، الخوف من المحتويات العُضوية الملوثة للمياه أقل من الخوف من المواد الكيميائية غير العضوية. تُوجَد دورة هيدرولوجية طبيعية، تتحلَّل فيها المحتويات العضوية في المياه بعمليات التحلُّل الحيوية وتوازُن قائم يتجدَّد بموجبه مخزون المياه. إلا أن الملوثات الكيميائية تُهدِّد هذه الدورة؛ نظرًا لأنَّ أنواعًا كثيرةً منها تتَّسِم بالثبات على مدى فتراتٍ طويلة جدًّا من الزمن. وبالتأكيد، يُعدُّ الثبات، في الكثير من النواحي، صفة مرغوبة جدًّا للمواد الكيميائية الصناعية والزراعية، وإلا تحلَّلت إلى عناصر خاملة وتوقفت عن أداء الوظائف التي رُكِّبَت من أجلها. لذلك، تُبذل جهود كثيرة في المُختبرات العالمية لإدخال الاستدامة إلى التصميم الكيميائي، وهو جهد معهود من الرؤية الضيقة؛ إذ إنها لا تضع في الحسبان عواقب هذه الاستدامة على البيئة الطبيعية.

عند التعرُّض لتهديدات المواد الكيميائية الثابتة بالقدْر الكافي، لا تغدو المياه موردًا مُتجدِّدًا وإنما تصير موردًا غير مُتجدِّد. ويمكن التعافي من تردِّي جودة المياه بمواد كيميائية غير عضوية في بيئاتٍ مُعيَّنة فقط، مثل الأنهار (التي يمكن عبرها أن يُجرف مخزون الملوثات إلى البحار، حيث تُصبح مشكلة شخص آخر). وحتى حينئذٍ يُمكِن أن تكون التكلفة كبيرة، كما تبيَّن من مليارات الدولارات التي أُنفقت على تنظيف نهر الراين. وُضِعَت خطة عمل نهر الراين، التي اتُّفِق عليها في منتصف الثمانينيات، بحيث يكون هدفها الرئيسي هو عودة أسماك السلمون وغيرها من الأنواع المائية الأعلى إلى نهر الراين؛ إذ قُدِّر مُعدَّل صيد أسماك السلمون سنويًّا بحوالي ربع مليون سمكة في أواخر القرن التاسع عشر، وهذا يَعني ضمنيًّا أن أكثر من نصف مليار دولار أنفقَتْها شركة واحدة فقط (شركة بي أيه إس أف) عام ١٩٩١ كانت تُعادل تقديرًا اعتباريًّا بأكثر من ألفَي دولار لكل سمكة.10 إلا أنَّ النجاح التِّقني المُبهر للخطَّة يُظهر على الأقل أنه يُمكن للأنهار أن تتعافى من التلوث الكيميائي. يمكن أن تكون مصادر المياه الجوفية أكثر عُرضةً للتلوث وأبطأ استجابة لجهود إزالة الملوثات. على سبيل المثال، أظهرت نِسَب تركيز المبيد الحشري دي دي تي في الأسماك تحسُّنًا مُثيرًا للإعجاب؛ حيث تعرَّف العلماء على الخطر الناشئ عن استخدام مبيد الدي دي تي لأول مرة في ستينيات القرن العشرين. إلا أنَّ دراسةً أجرتْها وكالة المَسْح الجيولوجي الأمريكي عام ٢٠٠٦ أظهرت أن أغلبية مصادر المياه الجوفية في المناطق الحضرية الأمريكية احتوَتْ على مُستوياتٍ قابلة للاكتشاف من المبيدات الحشرية، وحوالي مصدرٍ واحدٍ من عشرين مصدرًا وُجِدَت فيه هذه المبيدات بمُستويات خطورة مُحتمَلة على صحَّة الإنسان.11
ثمَّة خاصية أخرى من الخصائص المادية شديدة التغيُّر المرتبطة بالماء وهي مدى إعاقته أو تيسيره للحركة؛ إذ ربما يُشكِّل الماء حاجزًا؛ فقد حمت القناة الإنجليزية الجزُر البريطانية من الغزو الخارجي أثناء الحرب العالمية الثانية (وكذلك أثناء عدَّة صراعات سابقة)، وحتى اليوم تُعيِّن الأنهارُ معالمَ حدودٍ سياسية كثيرة. وهذا يفسر السبب وراء أن الكثير من أحواض الأنهار (التي تُعد وحداتٍ اقتصادية طبيعية) لا بدَّ أن تُدار من خلال مفاوضات بين عددٍ من السلطات السياسية السيادية. إلا أن الماء يُمكن أن يكون أيضًا وسيلة نقلٍ لما هو صالح أو طالح. فقد دعمت الأنهار والقنوات والبحار أكفأ الطرُق التجارية الطويلة على مستوى العالم، وازدهرت الطرُق البرية الكُبرى، مثل طريق الحرير، فقط حيثما كانت بدائل الانتقال بالماء طويلة جدًّا أو خطيرة جدًّا. وكانت البحار الداخلية، مثل البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، مركزًا لحضارات العالَم الأكثر حيوية.12 إلا أن المياه ذاتها التي جلَبَت معها الرخاء أتت أيضًا بالأمراض؛ إذ انتقلَت الفئران الحاملة للطاعون على متن السفن المُتجهة إلى أوروبا، ونُقِل وباء الكوليرا عن طريق مياه الشُّرب الملوثة.
يعني تعذُّر رؤية المخاطر التي تَنتقِل عبر المياه أن إدراكنا لها عُرضة لتلاعُبٍ ثقافي قوي. يقوم الأساس الأيديولوجي للنظام الطبقي في الهند على الخوف من التلوُّث المُنتقِل عبر أفرادٍ من الطبقات الدنيا، والماء هو الرمز الأكثر فعالية لهذا الانتقال؛ فحتى في يومِنا هذا لن يقبل ملايين الهنود الماء إلا من أفرادٍ من طبقتهم الاجتماعية.13 وفي شمال شرق وأقصى غرب الولايات المتحدة، تُحظَر عادةً الأنشطة الترفيهية التي تَشتمل على المُلامسة الجسدية للمياه في مُستودَعات إمداد المياه (على الرغم من غياب المخاطر الصحية الموضوعية)، نظرًا لأن مديري الموارد المائية والرأي العام يَعتبران هذه الأنشطة مُلوِّثة؛ أما في باقي البلاد، فلا يُسمَح بتلك الأنشطة فحسْب بل وتَلقى تشجيعًا.14 والملوِّثات النووية والصناعية، التي تؤثر على مياهنا، هي ملوثات ذات صِلةٍ وثيقة وخطيرة بنا بشكلٍ خاص، كما تُذكِّرنا الأغنية الاحتجاجية القديمة: «ماذا فعلوا بالأمطار؟»
وهذه الصِّلة الوثيقة تحديدًا هي ما يُفسر توجُّهنا المُتناقِض حيال المياه. ربما عجَّلت «حبوب منع الحمل» من تغيُّر السلوك الجنسي والأعراف الاجتماعية في البلدان الصناعية منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولكن أيضًا كانت الفُرَص المتزايدة للحفاظ على النظافة الشخصية عاملًا رئيسيًّا؛ إذ لطالَما تعاملت الطبقات الأرستقراطية مع الجنس باعتباره ترفيهًا وشكلًا من أشكال الفنون، باستخدام وسائل منْع الحمل أو بدونها، ولكن لم ينتشر النشاط الجنسي إلا مع انتشار إمدادات المياه داخل البيوت. انتشار الإيدز يعني أنَّ المياه باتَت تُشكِّل مصدر تهديدٍ مِثلما كانت مصدرًا للتحرُّر؛ فالسوائل الجسدية هي الناقل، وحمامات سان فرانسيسكو هي رمز وصول الوباء. ومع ذلك، تمتَّعت المياه باعتبارها المُذيب العالَمي بقوةٍ شاعرية مؤثِّرة ومتناقضة. يبدأ الشاعر دبليو إتش أودن مَرثيته بعنوان «في مدح الحجر الجيري» بهذه الكلمات:
إذا كان [الحجر الجيري] يُشكِّل المنظر الطبيعي الذي نشتاق باستمرارٍ إليه نحن البشر المُتقلِّبي المزاج؛ فهذا بالأساس لأنه يذوب في الماء. لاحظ هذه المنحدرات الدائرية، بسطحها الذي تفوح منه رائحة الزعتر، وأسفلها عالَم سرِّي من الكهوف والقنوات.15

يرمز الماء في هذه القصيدة إلى التوازُن والألفة (فهو يُشكِّل المناظر الطبيعية «ذات المسافات المتقاربة والأماكن المحدَّدة»)، ولكنه يرمز كذلك إلى الغموض (مثل الموسيقى «يمكن أن يكون في أيِّ مكان، فهو غير مرئي وليس له رائحة»). وهو يرمز بالطبع إلى الموت، وتحلُّل الحياة. ووجوده في كل مكان يُعطيه خصائص رمزية عديدة.

من بعض النواحي، زاد وعيُنا بالماء مع تزايُد ثراء المجتمعات، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى توافُره المحلي الأكبر، وكذلك لأنَّ التعليم يُمدُّنا بمعرفةٍ بخواصِّه غير المرئية. لطالَما كان للماء وظائف كيميائية مُتناقضة — فأحيانًا يلعب دورَ عامل حفَّاز وأحيانًا أخرى يلعب دور عامل إطفاء — ولكننا عرفنا هذا الدور الأخير منذ فترة طويلة، بينما ما زلنا نتعلَّم المزيد كلَّ يومٍ عن الدور الأول. وتُشير أدلة استطلاعات الرأي إلى وجود اختلاف منهجي بين الدول الغنية والفقيرة حيال فهم مُشكلات المياه.16 لم تتبوأ القضايا البيئية بوجهٍ عامٍّ مرتبةً أهم بكثيرٍ مقارنةً بمسائل أخرى ذات اهتمامٍ سياسي في الدول الغنية وحسب؛ وإنما تأتي أيضًا «جودة» المياه عادةً كواحدةٍ من القضيتَين البيئيتَين الأهم اللتَين ذكرهما المشاركون في الاستطلاع. أما في الدول الفقيرة، فكثيرًا ما تظهر قضية جودة المياه في ذَيل القائمة؛ ففي استطلاع للرأي أُجريَ عام ١٩٩٠ بمدينة ليما (بيرو)، ذكر واحد بالمائة فقط من المشاركين في الاستطلاع تلوُّث مياه الشرب وتلوُّث الأنهار والبحار باعتباره المشكلة البيئية الرئيسية التي تواجِهُ البلاد، مُتخلفةً كثيرًا عن «وجود القمامة في الشوارع والأماكن العامة» (بنسبة ٤٢٪)، وتلوث الهواء الناجم عن عوادم السيارات (بنسبة ٣٠٪)، و«تلوث الهواء الناجم عن محطات توليد الطاقة والمصانع» (بنسبة ١٢٪). ومِن قبيل المُفارقة أنَّ إمكانية الحصول على «كميات» كافية من المياه هو الشغل الشاغل للفقراء، مع أنَّ جودة المياه تُشكل تهديدًا موضوعيًّا للفقراء أكثر من الأغنياء. ولا يُمكن لشيء أن يفسر هذا سوى تعذُّر رؤية جودة المياه بالمعنى الحرفي للكلمة.

خُلاصة القول: إنَّ للماء نطاقًا عريضًا من المعاني والاستخدامات والقِيَم؛ بالمعنى النظري أو الأخلاقي لكلمة «قيم». ومع ذلك، لحُسنِ الحظ، لا يحتاج شخصان غريبان يتبادلان الماء إلى أن يَنشغِلا بالمعاني والاستخدامات والقِيَم التي يَعزوها كلٌّ منهما إلى السِّلعة التي يتبادلانها. كل ما عليهما فعلُه هو الاتفاق على سعر؛ كمية الماء مُقابل كمية شيءٍ آخر. وفي هذا تكمُن بساطة التبادُل التجاري؛ فما يهمُّ هو نُدرة المياه لكل طرف، مقارنة بنُدرة أي شيءٍ آخر ربما يَحتاج إليه.

الندرة وحقوق الملكية

غير أن ندرة المياه لا تتحدَّد وفقًا لجغرافيتها المادية فحسْب؛ وإنما تعتمد أيضًا على أنواع حقوق الملكية المنوطة بها. فالمياه التي يستطيع المرء أن يَشربها ولكن لا يُسمَح له بضخِّها عبر المواسير ستكون فعليًّا أكثر نُدرة من المياه التي يُسمَح للناس بنقلها. بعبارةٍ أخرى، حق نقل المياه إلى حيثما تدعو الحاجة يُمكن أن يُخفِّف لدرجةٍ ما من القيد الذي تفرِضه علينا الندرة الطبيعية للمياه في المكان الذي فيه حاجة إلى الماء، ولهذا السبب فإنَّ لِحقِّ المِلكية قِيمةً كبيرة. حقوق الملكية هي في المقام الأول قواعد تُحدِّد كيفية استخدام المياه، واستخدام المياه بدوره منظومة اجتماعية نَبتكِر قواعدها بصورةٍ جماعية. وفي مختلف أنحاء العالم، نَبتكِر هذه القواعد بطرُقٍ عدَّة، يُقيِّدها كلٌّ من الندرة المادية للمياه والتوجُّه وطبيعة التعامُلات بين مُستهلِكيها المُختلفين. ولا يَجدُر وضْع القوانين إلا إذا كان بمقدورنا تحمُّل تكلفة وضعها مَوضع التطبيق. ومن ثم، أحيانًا تكون المياه سلعةً خاصة بشكلٍ مَحض، مثلما حين تُعبَّأ في زجاجاتٍ للشرب. المقصود من اعتبارها سلعة خاصة هو أن مالكها يستطيع حتمًا منع الآخرين من الوصول إليها. إن وزنها الكبير وحجمها المهول نسبة إلى قيمتها يجعل هذا الأمر غير مُعتاد؛ فقط حين يكون المُستخدِمون على استعدادٍ لدفع مبلَغٍ كافٍ يجعلها تستحقُّ تكلفة حجبها عن باقي العالم الخارجي، وحين لا يستفيد أحدٌ آخر أو يُعاني من الاستخدام المُخصَّص لها، تصير المياه سلعةً خاصة تمامًا. وعلى طرف النقيض، بعض الموارد المائية متاحة لجميع المُستخدِمين، مثل مُحيطات العالَم، حيث تَعني التكلفة المانعة لتنفيذ القواعد الخاصة بتجاوُز المياه الإقليمية أنه فِعليًّا لا تُوجَد قواعد. ويُطلَق على هذه الموارد أحيانًا السلع العامة، وتتمتَّع بِسِمتَين مُميزتَين؛ الأولى: أنه لا يُمكن استبعاد أحدٍ من إمكانية الحصول عليها. والثانية: أن إمكانية حصول أحدهم عليها لا تَنتقِص بشكلٍ ملحوظ من إمكانية أن يستخدمها الآخَرُون.

فيما بين الحالات القصوى للسِّلع الخاصة والسلع العامة، يقع نوعان من المُمتلكات يشتملان على مُعظَم الحالات المثيرة للاهتمام. أحيانًا تقع المياه تحت بند الأملاك العامة، حين يتمتَّع مجتمع محلي بأكمله بولايةٍ قضائية جماعية على استهلاكه. من المُحتمَل أن يكون كل فردٍ في هذا المجتمع في وضع يسمح بفرْض تأثيراتٍ خارجية على الآخرين، سواء بتلويث المورد أو بمجرَّد عدم مُراعاة الكميات المنقوصة المُتبقية للمُستخدِمين الآخَرين. ومن هذا النوع نُظُم الري المُجمَّعة، ومصائد الأسماك الساحلية، والكثير من مُستودَعات المياه الجوفية. وفي المقابل، قد يتَّسم استخدام المياه بتأثيراتٍ خارجية تتَّخذ اتجاهًا واحدًا فقط، على سبيل المثال حينما تملك مجموعة واحدة من المُستخدِمين زمام السيطرة، في حين تتأثَّر مجموعة أخرى تأثرًا ملحوظًا باستخدام المجموعة الأولى ولكنها لا تتمتع بحقوقٍ رسمية يُمكنها ممارستها لتقييد ذلك الاستخدام ويجب أن تعتمد على قوة الإقناع. والعلاقة بين دول المنبع والمصب على طول نهرٍ دولي هي أكثر مثال صارخ على تلك المنظومة. لقد أصبح من المألوف الآن أن نرى أعظم التهديدات لأمن العالَم في القرن الحادي والعشرين تأتي من «حروب المياه»، الناجمة عن توتُّرات بين دول المنبع والمصب وقصور آليات القانون والتحكيم الدولي عن التصدِّي لها.17 إنَّ اندلاع أعمال العنف في مناطق تُعاني من نقصٍ حاد في المياه مثل دارفور، وكذلك استمرار التوتُّرات الناتجة عن ضغط المياه الشحيحة في إسرائيل وفلسطين، لا يُشير إلا إلى الطريقة الكارثية التي قد تَستجيب بها المُجتمعات إذا أصبح نقص المياه مُنتشرًا في العقود المقبلة.

سوف تتأثَّر طبيعة حقوق الملكية الخاصة بالمياه بمدى السهولة التي يتمكَّن بها بعض المُستخدِمين من استبعاد الآخرين من الوصول إلى المياه. إلا أن الاستبعاد ليس أمرًا قائمًا على الحصول على كل شيءٍ أو لا شيء مُطلقًا؛ فالشخص الذي يُمكن منعه ماديًّا من سحْب المياه من أحد المنابع الجوفية لأغراضِ الاستخدام ربما لا يزال بوسعه أن يُلوِّث هذا المصدر. وأُكرِّر مرةً أخرى، حتى إن لم يكن في الإمكان تفعيل الحقوق الخاصة المُتعلِّقة باستخدام المياه في حدِّ ذاتها، فربما يملك أحدٌ ما حقوقًا مُحدَّدة بوضوح في شيءٍ موجود في المياه، مثل الأسماك أو الرَّواسب المعدنية. وهذا يعني أنه ينبغي لنا أن نتوقَّع أن تكون القواعد، التي تحكم بقدرٍ كافٍ جميع الاستخدامات التي قد نستفيد بها من المياه، بالغة التعقيد، وآخِذة في التطوُّر باستمرار مع تغيُّر الظروف التكنولوجية وغيرها من الظروف، ومُراعية بدرجةٍ كبيرة للإطار الطبيعي الذي تُوجَد فيه المياه.

ثمة أدلة تاريخية كثيرة على أن منظوماتنا الاجتماعية قد تكيفت بطرُقٍ مرنة بشكلٍ ملحوظ مع الظروف المادية المؤثِّرة على احتياجنا وقُدرتنا على التحكم في استخدام المياه. وخير شاهد على ذلك الاختلاف بين أشكال القوانين المَعنية باستخدام المياه السطحية في الجزء الشرقي من الولايات المتحدة وأشكال القوانين المُناظِرة لها في الجزء الغربي.18 وبصفةٍ عامة، لدى الولايات الشرقية قوانين قائمة على مبدأ «حقوق الضفاف»، الذي لا يُعطي أي طرفٍ الحق المُطلَق فيما يخصُّ مِلكية الموارد المائية؛ وإنما حقًّا مُقيدًا للاستخدام للأطراف الموجودة على ضفاف نهر أو بحيرة. وعلى النقيض من ذلك، لدى الولايات الغربية قوانين قائمة على مبدأ «الاقتسام السابق»، الذي يَضمن بالأساس حقًّا غير مشروط لأول مُستخدِم مُثْبَت لمورد مائي (تُوجَد أيضًا تنويعاتٌ قانونية هي مزيج بين هذا وذاك في عددٍ من الولايات الوسطى). والفارق بين النظامين هو أن حقوق الضفاف تدعم مجتمع مُستخدِمي المياه وتفرض قيودًا على ما قد يفعله أيُّ فردٍ من هذا المجتمع المحلي بمورد المياه بسبب تأثيراتٍ خارجية مُحتمَلة على الأفراد الآخرين. وفي الوقت الحالي، تتمثَّل تكلفة هذا القانون الأكثر إحكامًا لاستخدام المياه في فرْض قيودٍ على حوافز توجيه الموارد المائية نحو تطبيقاتها الأكثر إنتاجية. أما مبدأ الاقتسام السابق فيُفسِح المجال أكثر أمام التعاملات بين مُختلف المُستخدِمين للموارد المائية من أجل التوصُّل إلى حلٍّ عبر التفاوض الجماعي، كما يترك الحرية للمُستخدِمين الأفراد لمواءمة التطبيقات (على سبيل المثال، من خلال نقل المياه إلى مكانٍ مختلف) إن كان من المُربِح فعل ذلك. ولا يتَّصف أيٌّ من النظامَين القانونيَّين بالكمال؛ إلا أن مناقب الأول تتجلَّى أكثر حين تظهر تفاعلات مجتمعية كبيرة وصعوبات في تنسيق استجابةٍ لتلك التفاعلات على المستوى المُجتمعي. سيتناسَب نظام الاقتسام السابق تناسُبًا أفضل مع المواقف التي تكون فيها التفاعلات المجتمعية أقلَّ أهمية من الحاجة الفعلية لتوجيه الموارد المائية الشحيحة نحو استخدامات مُثمرة. وفي الغرب الأمريكي، حيث تُطبِّق تسع عشرة ولاية نُسخة من قانون الاقتسام السابق (تسعة منها تَلتزِم به بصرامة)، تكون المياه أكثر نُدرة من الشرق، وتطوُّر القانون بالأساس ليتعامل مع كثافة المياه العالية الخاصة بتقنيات التعدين الهيدروليكي في الأماكن البعيدة عن الأنهار؛ وفي فترةٍ لم يكن فيها تأثير المُلوِّثات غير العضوية على جودة المياه قد تسبَّب في قلقٍ عام بعد. والصورة أكثر تعقيدًا بعض الشيء فيما يتعلَّق بحقوق المياه الجوفية؛ حيث من المُرجَّح أكثر أن تظهر مشاكل اعتمادية المُستخدِمين المُتبادَلة، إلا أنه يُوجَد هنا أيضًا تقسيم مُشابه ظاهر للعيان بين الشرق والغرب.
في كتابه «الاستبداد الشرقي»، استقى المؤرِّخ كارل فيتفوجل استدلالًا مُتطرفًا وجامحًا من الفكرة القائلة بأن السِّمات المادية للمياه قد تؤثر على تطوُّر الممارسات الاجتماعية والقانونية التي تُعرِّفها على أنها سلعة.19 استعان فيتفوجل بطبيعة المياه ليفسر بِنية كاملة للسلطة الاجتماعية والسياسية المركزية وليس فقط أجزاءً من النظام القانوني. سعى فيتفوجل إلى تفسير حقيقة أن المؤرخين الأوائل، «المُتأملين لحضارات الشرق الأدنى والهند والصين … وجدوا في جميع هذه الحضارات مزيجًا واضحًا من السِّمات المؤسسية التي لم تكن موجودة في العصور الكلاسيكية القديمة ولا في أوروبا في العصور الوسطى والحديثة … ظهر الجوهر المُشترك في عدة مجتمعاتٍ شرقية على أبرز نحو في القوة الاستبدادية لسلطتها السياسية.» ذهب فيتفوجل إلى أن هذه المجتمعات كلها نشأت استجابةً للحاجة إلى تنظيم ما أسماه «الزراعة الهيدروليكية»؛ وهي أعمال ريٍّ واسعة النطاق تنقل المياه من موقعها الطبيعي إلى حيث يُمكنها تحسين خصوبة التربة بأقصى قدْر. وعلى النقيض من الاستغلال الانتهازي لموارد مياه الأمطار (الزراعة القائمة على الري على نطاقٍ محدود)، التي يُمكن تحقيقها من خلال أنماطٍ محلية فحسْب من التنظيم التعاوني، فإن الزراعة الهيدروليكية «تنطوي على نوع مُحدَّد من تقسيم العمل. فهي تُعزِّز الاستصلاح. وهذا يقتضي تعاونًا على نطاقٍ واسع.» تطلَّب تقسيم العمل بناء شبكاتِ ريٍّ كبيرة تطلَّبَت درجةً من الاستبداد السياسي الذي لا لزوم له في حالة دويلات المدن التي تتمتَّع بالاكتفاء الذاتي. كما أنها أمدَّت السلطات السياسية بموارد بشرية لبناء القصور والمعابد وغيرها من الأشغال العامَّة وللحفاظ على تلك السيطرة على السكان والتي اقتضتْها الحاجة للسُّخرة في المقام الأول. بعبارةٍ أخرى، من خلال تحليل خصائص مادية مُحدَّدة للمياه (الماء أثقل من مُعظَم النباتات. إلا أنه يُمكن إدارته بسهولةٍ أكبر …) تابع فيتفوجل ليَستخلِص نظريةً مُعقَّدة وجامحة حول الاختلافات بين المجتمعات التي تَصادَف أن وجدت نفسها في علاقةٍ مختلفة مع هذا المورد الطبيعي الحيوي. ولم يَزعُم أن هذه الاختلافات كانت حتميةً واستشهد بعدَّة حالات تفوَّقت فيها عوامل أخرى على النزعة التي تضمَّنَتْها العلاقة المادية الأساسية بالمياه. ولكن بصرف النظر عما إذا كان جوهر فرضيته مُقنعًا من الأساس أم لا، تظلُّ الفكرة الأساسية قوية؛ وهي أن الماء باعتباره موردًا يتَّخِذ عدة أشكال، بعضها بسبب السِّمات المادية المُتباينة للمياه وبعضها بسبب القوانين والأعراف المُتباينة التي تحكم استخداماتها. هذه القوانين والأعراف يمكن أن تكون محوريةً لتنظيم مجتمعٍ لدرجة أنها باتت تؤثر بدورها على الكثير من سِمات المجتمع الأخرى.
بالتأكيد، وُثِّقَت باستفاضةٍ نظائرُ أكثر تواضُعًا لأطروحة فيتفوجل. ثمة أدلة كثيرة على أن المجتمعات المحلية تمكَّنت من تطوير شبكاتٍ مُعقَّدة غير رسمية للإدارة الجماعية لموارد الري، شبكات يمكنها التغلُّب على دوافع الأفراد نحو «الاستخدام المجاني». أظهرت إحدى الدراسات التي أجراها روبرت ويد عن جنوب الهند أن «القُرى الواقعة بالقُرب من نهاية أنظمة الري وذات التربة الخصبة بما يَكفي لتحمُّل الماشية بكثافة عالية أظهرت قدرًا من التنظيم التعاوني أكبر من القُرى في أماكن أخرى.» لأن هذه السمات تزيد أكثر من مخاطر تكبُّد خسائر في المحاصيل، إذا أُديرت المياه إدارة سيئة.20 ولذا، ثمة حافز أكبر لإدارة أوجه الاعتماد الاقتصادي المُتبادَل بين المُزارعين عبر منظومة قواعد، تُحدَّد جماعيًّا وتُطَبَّق جماعيًّا. وحقيقة أنَّ هذه المُجتمعات هي مُجتمَعات محلية ليست من قبيل الصدفة. فمن الأسهل وضع المنظومات التي تحكُم أوجه الاعتماد المُتبادَل بين المُزارعين حين تكون المزارع مُتقاربة بما يكفي من أجل التيسير النِّسبي للمُراقبة والتطبيق. زعم فيتفوجل أنَّ الحجم الهائل والمدى الجغرافي لمنظومات المياه التي وصفها اقتضيا بالمِثل حلولًا أكبر.
على مرِّ التاريخ، أجادت مؤسَّساتنا الاجتماعية التكيُّف بطريقة لافتة للنظر مع قيود الموارد التي فرَضَها توافُر المياه. إلا أن هذا سبب لا يدعو إلى التفاؤل بشأن مُستقبلنا القريب؛ فمِثلما لا يعيش أحد في الولايات المتحدة بأسرِها في نفس الوقت، لا أحد يعيش على مرِّ التاريخ بأكمله. وثمَّة أسباب عديدة تُفسِّر السبب في أن المؤسَّسات الاجتماعية التي تكيَّفت بشكلٍ جيد مع القيود السابقة قد يَثبُت عجزها في مواجهة التحديات المُستقبلية. ويرجِع هذا جزئيًّا ببساطةٍ لأن النجاح في الماضي ليس ضمانًا للنَّجاح في المُستقبَل. على سبيل المثال، كان أحد النواتج الثانوية المُذهلة للحضارات الهيدروليكية التي وصفها فيتفوجل هو تطوير الساعات المائية، التي يُحتمل أنها كانت أدقَّ بكثيرٍ من الساعات الميكانيكية الأولى المُبتكَرة في أوروبا. ومع ذلك وصف المؤرخ ديفيد لاندز هذه التكنولوجيا بأنها «طريق مسدود باهر»؛ لأن الساعات الميكانيكية المنافسة التي تطوَّرت في أوروبا، «فضلًا عن سهولة استخدامها في جميع الأوقات والظروف المناخية … كانت قابلةً للتصغير لدرجة سهولة حملها في نهاية الأمر.» ويزعم أن هذا أتاح للناس تطبيق أفكارٍ متعلِّقة بكفاءة استخدام الوقت للقيام بأنشطة حياتهم اليومية بدلًا من الاعتماد على السلطات العامة لمُراقبة الوقت. «ومن ثم، أتاحت الساعة الوقتَ الخاصَّ في مقابل الوقت العام، والوقت العمومي مُقابل الوقت الكهنوتي أو الملكي.» والنتيجة من وجهة نظره (التخيُّلية على نحوٍ لا يُمكن إنكاره) كانت فكرة الإنتاجية وتعزيزها التي كانت أساس كثيرٍ من التقدُّم التكنولوجي اللاحِق. «إن ظهور الساعة الميكانيكية في الغرب، ومعها حضارة مُنظمة حول قياس الزمن ومعرفته، هو عامل حاسِم في تمييز الغرب عن البقية، وصعود أوروبا إلى الهيمنة التكنولوجية والاقتصادية.»21
السبب الثاني الذي يدعو إلى القلق مُتعلِّق باتجاه تدفُّق المياه والتبايُنات التي يخلقها هذا بين المُستخدِمين. فلدى مُستخدمي منبع المجرى المائي القدرة على التأثير على مستوى رفاهية مُستخدمي المصبِّ دون أن يكونوا خاضعين لاعتماديةٍ مُتبادلة. صحيح أن بعض المُتفائلين يؤمنون بأن التفاوض غير الرسمي بين الأطراف المُتأثِّرة يُمكِن أن يتغلَّب على تأثيرات العوامل البيئية الخارجية؛ وثمَّة مثال شهير ذكَرَه عالم الاقتصاد رونالد كوس، الذي أشار إلى حقيقة أنَّ الكثير من المنارات، التي تُحْدِث الكثير من التأثيرات الخارجية المفيدة، بُني على يدِ أفرادٍ مُستقلين، وليس بواسطة مؤسَّسات الدولة. وتذهب «نظرية كوس» الشهيرة إلى أنه إذا كان من المُمكِن إجراء مفاوضات بين جميع الأطراف المُتأثِّرة بلا تكلفة، فمن المُمكن حلُّ جميع مشكلات التأثيرات الخارجية. وربما لا يهتمُّ المُلوِّثُون بالضرَر الذي يُلحقونه بضحايا التلوُّث، إلا أن بوسع ضحايا التلوُّث تقديم مغرياتٍ كافية لجعلهم يهتمُّون.22

إنَّ التوقع المتفائل بأن مُستخدِمي المَصبِّ يَستطيعون التفاوض مع مُستخدمي المنبع على حلول فعَّالة لإدارة الموارد المائية — بعبارة أخرى، أنهم سيكونون قادرين على أن يُقدِّموا لمُستخدِمي المنبع مُغرياتٍ ذات تكلفةٍ أقل من المنافع المُكتسبة من التسوية — تتجاهَل حقيقة أنَّ مثل هذه المُساومات، حتى وإن كانت مرغوبة، قد لا تكون ذات مِصداقية. والوعود التي تُقطع اليوم (حتى وإن كانت بنيَّة حسنة) قد يستحيل مقاومة إغراء نقضِها غدًا، وخاصةً إذا ما أُخِذت في الاعتبار الفترات الطويلة اللازمة للتخطيط لاستخدام المياه، وخاصةً إذا ما أُخِذ في الاعتبار أنَّ الأنظمة السياسية لا تستطيع إلزام من يُخلفونها بالوفاء بتلك المُساومات.

لو أن كل فردٍ يعيش على طول طريق تجاري كان مُخولًا بأخذ رسوم على الحركة التجارية، فإنَّ هذه الحركة سرعان ما ستتوقَّف. وستنهار الاتفاقيات بين الأفراد بشأن المُستويات الفعَّالة للرسوم في مواجَهة إغراء زيادة الرسوم من جانب واحد. وبسبب صعوبة رصْد هذه الاتفاقيات، ولأن المكاسب الفردية من خَرْقِها تفوق أي تكلفةٍ مُحتملة يفرضها الانتقام من جانب أولئك الذين يُعانون أكثر على طول هذا الطريق، فمن شأن كلِّ فردٍ أن ينساق لإغراء الغشِّ وزيادة الرسوم. لذا، مثلما لم تحظَ الطرُق البرية الكبرى عبر آسيا الوسطى بأهميةٍ اقتصادية إلا حين أنشأ أباطرة المغول احتكارًا مركزيًّا للقوة على طول الطريق، أثبتت المراقبة المركزية الرسمية لمنظومات المياه أنها الحلُّ الوحيد الموثوق به بمجرَّد أن تمتدَّ شبكات المياه عبر منطقةٍ شاسعة بما يَكفي. كان وجود نحو ستِّين نقطةً مستقلة لتحصيل الرسوم على طول نهر الراين في مطلع القرن الخامس عشر بمثابة عقبةٍ كبرى أمام التجارة في القارة الأوروبية؛ وفي إنجلترا، حيث لم يكن يُوجَد مثل هذه الرسوم للمرور عبر الأنهار، ازدهرت التجارة.23 وربما تكون حوادث النهب والسرقة الكثيرة على أيدي أمراء الحرب في أفغانستان المُعاصرة مثالًا على الظاهرة نفسها. ومع ذلك، لا تَضمن المراقبة المركزية نتائج فعَّالة، كما ينبغي أن يُذَكِّرنا السِّجلُّ البيئي الكارثي للتخطيط المركزي في الاتحاد السوفييتي.

ربما يستجيب تطوُّر الأنظمة المركزية جزئيًّا إلى الضروريات البيئية والاقتصادية. إلا أنه يَعتمِد على أمور أخرى كثيرة — كاستقرار الأنظمة السياسية، وتوازُن القوة العسكرية بين المتنافِسين المُتصارعين على السيطرة — لدرجة أنه سيكون من قبيل التفاؤل الأحمق أن نُولي ثقةً كبيرة في قُدرتنا على حلِّ النزاعات حول الموارد المائية في القرن الحادي والعشرين. يحدُث أحد أهمِّ الأمثلة على الاعتماديات الدولية المُتبادَلة في إدارة الموارد المائية (التي ستزيد منها عمليات التنمية المُستقبَلية في بناء السدود وشبكات الري) في حوض نهر الأردن وفي منظومة مياه نهري دجلة والفرات، وهما منطقتان من أكثر المناطق اضطرابًا من الناحية السياسية في العالم. مؤسَّسات القانون الدولي ضعيفة ومُتنازَع على شرعيتها؛ فلا تُوجَد آلية لفرْض سيطرةٍ مركزية ولا يُوجَد معيار مُتَّفَق عليه للعدالة. وأحد الدروس المُستفادة من الإدارة الجماعية الناجِحة، أينما تحدُث، هو أنها تَستلزم معايير ثابتة، يدعمها توافُقٌ في الآراء؛ فمن الصَّعب جدًّا التغلُّب على الدوافع الفردية لخرْق اتفاقٍ حتى في إطار منظومة شرعية ومقبولة عمومًا. وحيثما لا تُوجَد شرعية أو أعراف متَّفَق عليها، يكاد يكون تحقيق الكفاءة والعدالة على مستوى استخدام الموارد المائية أمرًا شِبْهَ مُستحيل.

إن تنوُّع المؤسَّسات الاجتماعية التي نشأت من أجل التعامُل مع الموارد المائية، مع أنه شاهد على تمتُّع المجتمع الإنساني بالمرونة والقدرة على التكيُّف، يُشير ضمنيًّا أيضًا إلى أن الأعراف والقِيَم التي تتميَّز بها مواقفنا نحو المياه ستكون كثيرةً ومتضاربة. والبعض يرفض فكرة اعتبار الماء سلعةً اقتصادية، ربما لأنهم يظنُّون (خطأً) أنه إذا كان الماء سلعة اقتصادية، فلا يُمكن في نفس الوقت أن يكون أيَّ شيءٍ آخر، مثل أن يكون موضعًا للتبجيل. أيًّا كان السبب، لاقى قياس استهلاك المياه وفرض رسوم على الاستهلاك مُعارضةً شديدةً في دولٍ كثيرة عُومِل فيها الماء تقليديًّا باعتباره «سلعة أساسية» يَنبغي أن تُوفِّرَها الدولة بالمجان، وعادةً ما تفعل. إلا أن هذه الحُجَج تبدو منطقيةً فقط حين يكون الماء وفيرًا. بمجرد أن يصبح مُتسمًا بالندرة، كما هي الحال في الكثير من الأماكن على مستوى العالم حاليًّا، سيزيد الإخفاق في فرض رسوم على استهلاكه من نُدرته في المستقبل. ويزعم البعض أنَّ فرْض تسعيرة على المياه أمر لا طائل من ورائه لأنَّ الاستهلاك المنزلي للمياه لا يُراعي نسبيًّا كُلًّا من السعر والدخل؛ حيث أظهرت دراسة أُجريَت على مدينة أوستين، بولاية تكساس، في أواخر ثمانينيَّات القرن العشرين أن نصيب الفرد من استهلاك المياه قد تغير قليلًا منذ خمسينيات القرن ذاته ولم يتغيَّر على الإطلاق منذ عام ١٩٧٠، رغم أن المدينة، وكذلك عاداتها الاستهلاكية، كانت قد تغيَّرت تغيُّرًا جذريًّا في كل جانبٍ آخر يُمكن تخيُّله.24 ولكن مع أن الاستهلاك المنزلي المباشر قد لا يُراعي نسبيًّا الظروف، فإن الاستهلاك «غير المباشر» من خلال الزراعة والصناعة يُؤثِّر تأثيرًا كبيرًا على استخدام المياه ويتأثَّر تأثرًا بالغًا بالأسعار. زادت «الثورة الخضراء» في التكنولوجيا الزراعية في الدول الفقيرة منذ ستينيات القرن العشرين من كثافة المياه المُستخدَمة في الزراعة زيادةً مهولة، وربما تستهلك الطرُق البديلة لإنتاج كل شيء، بداية من القطن وحتى السيارات، كمياتٍ مختلفةً جدًّا من هذا المورد المُتَّسم بالندرة.

لا يوجد بديل جاد للتعامُل مع الماء باعتباره سلعةً اقتصادية. فهو يتَّسم بالندرة في مناطق كثيرة حتى وإن لم يتَّسم بالندرة على مستوى العالم، وقد يثبت في النهاية أن نُدرته على المستوى المَحلِّي تُمثِّل تهديدًا عالميًّا. إلا أن وصفه بسلعةٍ اقتصادية يبدأ الجدال ولا يُنهيه. ما الذي سيَعنيه التعامُل معه على أنه كذلك؟ أولًا: تتطلَّب ندرة المياه إعطاء المُستخدِمين حوافز لاستخدامه استخدامًا فعَّالًا. ليس من الضروري أن تكون هذه الحوافز مُتعلِّقة بالسعر، ولكننا نعرِف أنه عادةً ما تكون لحوافز الأسعار خصائص مرغوبة لا تتوافر في نوعياتٍ أخرى من الحوافز. فهي تحديدًا تُتيح إضفاء طابع اللامركزية على القرارات، حين نَفتقِر إلى المعرفة التفصيلية والثِّقة المتبادلة المطلوبة للتنظيم المباشر أو الإقناع الأخلاقي. تتمثَّل الميزة العظيمة لفرض تسعيرةٍ على المياه في أنَّنا لا نعود بحاجةٍ إلى الجدال بشأن من هو الأكثر استحقاقًا بها؛ فإذا كان الناس فقراء، فلعلَّهم يستحقُّون مساعدتنا، ولكن إذا كان في الإمكان تسعير المياه بحيث يعكس ذلك نُدرتها مقارنةً بالسلع الأخرى، فلن يعود لزامًا علينا أن نُناقش أمر مساعدتهم بمعزِلٍ عن تفكيرنا في توفير الغذاء والمسكن والماء والملبَس وسائر جوانب حياتهم الأخرى. «يُقوِّي» نظام التسعير المناسِب الحُجة لصالح مساعدة الفقراء، ولا يُضعفها.

قد تتمثَّل نتيجة ثانية لاعتبار الماء سلعة اقتصادية في التخلِّي عن محاولة إدارة الماء بطرقٍ مُشابهة عبر النطاق الواسع من الظروف التي يوجَد في ظلِّها في العالم. من الطبيعي جدًّا أن يكون للمناطق القاحلة والرطبة نظم قانونية مختلفة وترتيبات مؤسسية مُتباينة، بل وتوجُّهات مختلفة حيال التسعير والتنظيم. ثالثًا: التعامُل مع الماء باعتباره سلعةً اقتصادية من شأنه أن يَعني قبول حلول مختلفة في ظلِّ قيود تكنولوجية مختلفة. على سبيل المثال، جعلت اقتصاديات الحجم، المُرتبطة بنقل المياه وتخزينها، الاحتكارَ أمرًا شِبهَ حتمي. من ناحية أخرى، تقنيات تنقية المياه أقل اعتمادًا على الكميات الكبيرة (بالطبع، غالبًا ما يكون من المنطقي مُعالجة تلوُّث المياه بالقُرب من نقطة التصريف بدلًا من الانتظار حتى تتجمَّع المياه بكمياتٍ كبيرة). والنتيجة هي أن الحلول اللامركزية قد تكون مناسبةً لتنقية المياه أكثر من توزيعها. رابعًا: التعامُل مع الماء باعتباره سلعة اقتصادية يعني الاعتراف بالمُبادلات؛ فالاستخدامات المُختلفة للمياه تشتمل على تكاليف وفوائد مختلفة، وتوزيعات مختلفة لهذه التكاليف والفوائد عبر قطاع السكَّان. قد تقلُّ خطورة الصراعات الدولية المُحتمَل اندلاعها حول الموارد المائية بجعلها قريبة الشَّبَه بعملية المقايضة القائمة على المفاوضات الحصيفة المُنتشرة اليوم على مستوى العلاقات بين الدول عند التعامل في موارد أخرى.

رأيْنا في مُستهل هذا الفصل، من خلال المقارنة بين مياه الصنبور المكسيكية والمياه الفرنسية المُعبَّأة في زجاجات، أن التصوُّرات الثقافية قد تصنع سِلعتَين اقتصاديتَين مُختلفتَين تمامًا من مواد قابلة للتغيير الكيميائي. على مدار قرون، شكَّلت النُّظم القانونية ومعايير العدالة وهياكل السلطة السياسية المؤسَّسات التي تحكُم إدارة وتوزيع المياه. ويُمكن تفسير هذه الاختلافات من ناحية الظروف التي كانت استجابة لها. وسيتعيَّن تسوية هذه الاختلافات على نحوٍ متزايد إذا أُريدَ تجنُّب النزاعات على الموارد المائية في العالم في القرن المقبل.

هل تُوجَد طريقة واقعية لتسوية تلك الخلافات، مع أخذ الرؤية الضيقة التي يتَّسم بها جنسنا في الاعتبار؟ في الفصل الأول، تناولنا التنسيق الرائع للنشاط العالَمي الذي يحدُث في تصنيع القمصان. وهذا يتحقَّق دون وجود أيِّ خطة شاملة، بمجرد استجابة الأفراد المُشاركين للإمكانيات التي يُقدِّمها العملاء والمُورِّدون، وهي إمكانيات تُمثِّلُها لهم الأسعار التي يتوقَّعُون من خلالها أن يكون بمقدورهم البيع والشراء.

ولعلَّ الأمل في النجاة من الصراعات حول المياه، كما هي الحال مع النجاة من الصراعات حول الموارد الأخرى، يَكمُن في ضمان أنَّ الأسعار تعكس التكاليف بدقَّة أكبر؛ التكاليف على الجميع وليس فقط على المستخدم المباشر. لكي نعرف ما الذي قد يعنيه هذا، يجِب أولًا أن نُلقيَ نظرةً على كيفية وضع أنظمة التسعير في المقام الأول، ونقاط قوَّتها وأوجه قصورها عند تنسيق عمليات التبادُل المُشترَك. وهذه هي مُهمة الفصل الثاني عشر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠