الفصل السابع عشر

العولمة والعمل الجماعي

التضامُن والاختلاف

تخيَّل عالَمًا تتكسَّب فيه مجتمَعات بأكملها رزقها من خلال استخراج آيس كريم فراولة من أجود نوعية من التندرا الشمالية ومعالجته لاستخلاص ثمار الفراولة منه. وتخيَّل أنه في أقصى الجنوب تعثُر مجتمَعات مجهولة حتى اليوم على نبيذ معتَّق رائع ينساب في جداول وتُعالجه لإزالة الكحول واستعادة عصير العنب الطبيعي منه. لو اكتشفنا هؤلاء الأشخاص، لرحَّبنا بلا شك بهذا التوسُّع في الثروات العرقية على مستوى العالَم ولظننَّا أنهم جديرون على الأقل بنشر صورةٍ مُلوَّنة لهم على غلاف مجلة «ناشونال جيوجرافيك». ولكن، إذا كان بوسعنا تجاوز التفكير في عنصر الغرابة، سنُدرك أيضًا أنهم يُمثلون فرصةَ عملٍ تجاري مُدهشة.

على الأقل، دعُونا نأمُل في ذلك. هذه الاستجابة لاكتشاف أشخاص ذوي أذواقٍ مختلفة جدًّا عن أذواقنا قد تبدو تجاريةً بصورة أنانية، إلا أن من شأنها أن تُمثِّل تحسُّنًا كبيرًا على ردِّ فعل كثيرٍ من أجدادنا. لقد قاد اكتشاف أشخاصٍ مُسيطرين على أحد الموارد التي نُقدِّرها أكثر منهم، في أحيانٍ كثيرة، إلى قتلهم أو استعبادهم. وحتى في غياب الاستعباد أو الإبادة الجماعية، لطالَما كان صعبًا وجود ما وصَفَه آدم سميث بكونه نزعة بشرية إلى «المقايضة، والمتاجَرة، والمبادلة» مع إغراء تنافُسي للاستيلاء والتنمُّر والابتزاز. كان سميث رجلًا حكيمًا وجديرًا بالاحترام بصورةٍ استثنائية وصُدِمَ كثيرٌ من مُعاصريه بما رأوه مديحًا ساخرًا من جانبه لمزايا المصلحة الذاتية الاقتصادية الصرفة. لكن، من ناحية، كان سميث بعيدًا بما يَكفي عن السخرية؛ إذ لفت قدرًا ضئيلًا من الانتباه إلى هشاشة الدافع التجاري في مواجهة إغراءاتٍ أكثر وحشية. ومع ذلك فقد عاشَ في زمنٍ كان دمويًّا بالقدْر الكافي، وكان لدمويته عواقب عالمية أحيانًا. لذا، وصف ماكولاي وصفًا لا يُنسَى الملك فريدرش العظيم، المُحرِّض (من جملة كثيرين غيره) على حرب الخلافة النمساوية في عام ١٧٤٠، حين وصَل الشاب آدم سميث ليبدأ دراساته في جامعة أوكسفورد: «لكي يتسنَّى له سَرِقة جارٍ كان قد وعدَه بالحماية، حارب الرجال السُّود على ساحل كورومانديل وأباد الرجال الحُمر بعضهم بعضًا بالقُرب من البحيرات العُظمى بأمريكا الشمالية.»1 أشار سميث نفسه مراتٍ كثيرة في كتاباته إلى الحرب وعواقبها، رغم أن هذا لا يَبدو أنه قلَّل ثقته في استعداد البشر لإبرام الصفقات.
لقد كرِهَ المحافظُون من المدرسة الرومانسية على مرِّ العصور، بدايةً من أفلاطون ومرورًا بإدموند بورك وتوماس كارليل ووصولًا إلى بعض نُقَّاد العولَمة أصحاب المبادئ السامية في عصرنا الحالي، مثل جون جراي،2 الرُّوح التجارية باعتبارها روحًا مُبتذَلة ومادية النزعة. وقد أبدى البعض بوضوحٍ إعجابًا بالفضائل الأكثر ذكوريةً (اشتُهر بورك بوصفه الملكة الشابة ماري أنطوانيت، ملكة فرنسا بلغةٍ مُبهمَة حالِمة ومُثيرة بعض الشيء، مُتحسِّرًا على حقيقة أنَّ «عشرة آلاف سيف» لم «تخرج من أغمدتها للثأر من مجرد نظرةٍ هدَّدتها بالإهانة.» ليَختتم في أسى بأن «زمن الفروسية قد ولَّى؛ وزمن السُّفسْطائيين والاقتصاديين والمُحاسبين قد تبِعَه، واختفى مجد أوروبا إلى الأبد».)3 إلا أن الفضائل الأكثر ذكورية قد استُغلَّت مراتٍ لا تُحصى لخدمة القتل والابتزاز، في حين أن التبادُل مع شخصٍ مُختلِف عنَّا، رغم أنه قد يفتقر إلى الحيوية، فإنه في النهاية التصرُّف المُتحضِّر الوحيد الذي يجب القيام به. يُمكننا تبادُل الأشعار والأعمال الفنية إذا أردنا (وحتى إن لم تَرُق لهم الكوكاكولا)، ولكن يجب أن نتبادَل شيئًا. ولكن مشكلة المجتمع المُتحضِّر تتمثَّل في كيفية تحويل النزعة إلى المقايضة، والمتاجرة، والمُبادلة إلى شيءٍ أقوى من مجرد نزعة؛ إلى عادة، أو طبيعة ثانية. الطبيعة الثانية هي أفضل ما يُمكننا أن نأمُله؛ كونها بعيدةً كل البُعد عن أن تكون فطرتنا الأولى، كما أظهرت لنا حاليًّا البيولوجيا التطورية الحديثة (وكما لم يكن في مقدور آدم سميث أن يُدرك مطلقًا).
تصوُّر أشخاصٍ يستخرجون آيس كريم من باطن الأرض هو بالطبع تصوُّر وهمي، ولكنه أقل غرابةً مما قد يبدو. ففي مختلف أنحاء العالم، ثمَّة أشخاص يُحاولون تغيير، أو تحاشي أو التخلُّص من أشياء يُحاول أشخاصٌ آخرون في مكانٍ ما بحماسٍ اقتناءها؛ لدى بنجلاديش الكثير جدًّا من الماء في حين لدى البدو القليل جدًّا منه، والمُزارعون الأوروبيون يُكدِّسُون فوائض القمح بينما يتضوَّر الأطفال الإثيوبيون جوعًا، والسُّياح على الشواطئ يتشبعون بأشعة الشمس التي يُحاوِل المواطنون المَحليُّون بحكمةٍ تجنبها. إنَّ الاختلافات هي التي تُمهد الطريق أمام المصلحة المشتركة بين الغرباء، والاختلافات هي التي تُعطينا الأسباب للتعامل والتبادل. أحيانًا، تتحقَّق تلك الاختلافات من خلال مكافآت الطبيعة؛ فهي تُقدِّم لكل جانبٍ «ميزة تنافسية» في التجارة، كما أعرب ديفيد ريكاردو قبل قرنين تقريبًا.4 وأحيانًا، تكون الاختلافات مجرَّد نتيجة التخصُّص بين أشخاصٍ مُتشابهين كثيرًا بطريقةٍ أو أخرى. إلا أنهم عادةً ما يعكسون اختلافاتٍ في الذوق أو المظهر أو الرؤية للعالم، اختلافات تُعطينا مزيدًا من الأسباب للتبادل، وليس أسبابًا أقل. يُفضل النظر إلى عبارة «لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع» على أنها إيعاز باعتبار الاختلافات في الأذواق فرصةً، لا تهديدًا.

لو كان العنف في الجنس البشري مسألةً أُحادية وفردية، لكان بوسعنا أن نشعُر بالتفاؤل بأنه كلما كان الناس أكثر اختلافًا، فإن من شأن زيادة المكاسب من التبادل أن تُقدِّم سببًا للتجارة، لا القتال. لكن العنف البشري، مثل العنف بين قرود الشمبانزي، ليس النتيجة الوحيدة أو حتى الأساسية للنزاعات بين الأفراد؛ فالأمر مُتعلق أيضًا، بشكلٍ منهجي وبصورةٍ مُذهِلة، بالعنف بين المجموعات، التي يتعاون أفرادها فيما بينهم لممارسة العنف على نحوٍ فتَّاك ووحشي أكثر مما كان بإمكانهم أن يفعلوا بمُفردهم. ويتعيَّن على المجموعات أن تُحفِّز وتستغلَّ لخدمة العنف نفس القدرة على التعاون التي هي، في سياقاتٍ أخرى، أساس السلام. وهي تفعل ذلك بالتأكيد على أوجه التشابه بين أفراد المجموعة وأوجه اختلافهم مع الغرباء من خارجها. وتنظُر إلى القناعات (الأفكار والمعتقدات التي تتقاسَمُها المجموعة وتُعزِّزها) باعتبارها مختلفةً عن الأذواق الفردية البحتة وتدَّعي أن الاختلافات في القناعات تُقدِّم سببًا ممتازًا للقتال. ولكن لماذا ينبغي أن يؤتي هذا ثماره؟ ثمة سبب واضِح للتأكيد على التشابه؛ فهو يُتيح لمجموعات الأفراد الذين لا تُربطهم صلة إثارةَ عواطفَ فَضَّلَها التطور لتعزيز التماسك بين مجموعات الأقارب بدرجةٍ أكبر (نعني الإخوة والأخوات وأرض الأجداد). سبب التأكيد على الاختلاف عن الغرباء واضح أيضًا؛ فقد فضَّل التطور أساليب توجيه نزعتنا للعنف نحو الأشخاص الذين لا تربطنا بهم صِلة لذا هم منافسونا الوراثيون لا حلفاؤنا. ربما أدَّت هذه العواطف دور طَوق النجاة الجيني خلال تاريخنا التطوري، لكنها اليوم تُهدِّد البقاء المادي للجميع.

العولمة وإرثها

مع دخول القرن الحادي والعشرين، صارت «العولمة» مصطلحًا شاملًا ملائمًا لتلخيص عددٍ كبير من الأسباب المختلفة، والمتناقِضة عادةً، لضرورة عدم شعور الأشخاص بالارتياح للطريقة التي تتطوَّر بها الأحداث العالمية. وتخضع لنقاشٍ مُوسَّع كما لو كانت ظاهرةً ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية، رغم أنها استمرَّت، بطريقةٍ أو أخرى، على مدى فترةٍ طويلة من العشرة آلاف سنة الماضية، بموجات اشتداد بدأت قبل خمسة آلاف عام، وألفين وخمسمائة عام، وخمسمائة عام، ومجددًا قبل حوالي قرنٍ ونصف من الزمن، ثم مرة أخرى بعد الحرب العالمية الثانية. في الدولة التي أعيش فيها، فرنسا، يتَّفق جميع الساسة، الذين يحملون جميعًا علامات العولمة التي لا يُمكن مَحوُها على الملابس التي يَرتدونها، والطعام الذي يأكلونه، والكتب التي يقرءونها، والتكنولوجيا التي يستخدمونها، على أنَّ العولمة أمر سيئ، رغم أنهم، بخلاف ذلك، لا يتفقون إلا على أقل القليل.

وكما رأينا، على الرغم من أنَّ العولمة تفرض بعض المخاطر الجسيمة على مستقبل الكوكب، فإنه يتعيَّن كذلك التذكير بالفوائد المُذهلة التي جلبتْها إلى البشرية.5 من الصعب دراسة مجتمعات الماضي بنفس درجة الصرامة الإحصائية التي يُمكننا تطبيقها على الدول الحديثة اليوم. إلا أن إحدى الدراسات المُهمة التي أجراها فرانسوا بورجينيون وكريستيان موريسون حاولت تقدير تطور الدخل العالمي — من حيث متوسط مُستواه وكذلك توزيعه بين الأغنياء والفقراء — على مدار ما يَقرُب من قرنين من الزمان منذ نهاية الحروب النابليونية.6 مقارنة الدخول الحقيقية في الماضي بدخول اليوم هي مقارنة غير دقيقة؛ نظرًا لأن أشياء كثيرة مُتاحة حتى في الدول الفقيرة اليوم (مثل الكهرباء) لم تكن موجودة ببساطة في الحقَب الماضية. ولكن يُمكننا عقد مقارناتٍ فيما يخص البضائع والخدمات القابلة للتسويق (الأغذية، والملابس، والإسكان) التي تُشكِّل الجزء الأكبر من نفقات الفقراء الآن كما كانت على الدوام. والصورة التي رسمها بورجينيون وموريسون مُدهِشة للغاية. فنسبة أقل من الربع بقليل من سكان العالم اليوم تعيش في ظروف الفقر المُدقِع، التي يُحدِّدانها بأنها العيش بأقل من دولارٍ واحد للفرد في اليوم. هذه حقيقة مروِّعة حول العالم الحديث، ولكن لا شيء حديث على وجه الخصوص بشأن الفقر من هذا النوع. على النقيض من ذلك، قدَّر بورجينيون وموريسون أن حوالي ٨٤ بالمائة من سكان العالم عاشوا في مثل هذه الظروف عام ١٨٢٠. لا نسمع الكثير عنهم؛ لأن الروايات والمُذكِّرات والصحافة، التي تُؤثِّر على إدراكنا لتلك الفترة التاريخية، كان يكتبها الأثرياء. فعندما يظهر الفقراء في روايات القرن التاسع عشر (لكتَّاب مثل بالزاك وديكنز وفيكتور هوجو)، فإنهم عادةً ما يكونون فقراء الحضر، الذين تُشير ملابسهم وأجسادهم، المُسودَّة بفعل دخان المصانع، بأصابع الاتهام إلى المنظومة الصناعية التي كانت أيضًا نتاجًا للعولَمة. أما فقراء الريف، الذين عانوا بمئات الملايين من سُوء التغذية والمرض والوفاة المُبكِّرة بدون الاقتراب من أي مصنع، فلقد حُذِفوا من النص. علينا أن نتذكَّر أنه في جميع المراحل السابقة في تجربة العولمة الكبرى التي بدأها «الإنسان العاقل» قبل عشرة آلاف سنة مضت، عانت الأغلبية العُظمى من الفقر المُدقِع، وكانت حياتهم بائسة.

الأمر الأكثر إثارة للدهشة من الصورة التي رسمها علماء الإحصاء عن الدخول الحقيقية هو الدليل على أن الفقر كان يَعني ضمنيًّا في الماضي خطرًا أكبر للإصابة بالأمراض والوفاة المبكرة. تذكَّر ما قيل في الفصل العاشر عن معدَّل وفيات الرُّضَّع في إيطاليا قبيل الحرب العالمية الثانية، وأنه كان مرتفعًا بنفس قدْر ارتفاع مُعدَّله في أوغندا اليوم. هذه ليست حالة فردية. ففي عام ١٨٦٠، كانت دخول الدول الغنية في عالم اليوم تَتراوَح بين ١٣٠٠ دولار و٣٢٠٠ دولار تقريبًا للفرد بأسعار اليوم. إليك مقارنة بين غانا ورومانيا على نطاقٍ حديث. معدَّل وفيات الرضَّع في رومانيا اليوم يقترب من ٢ بالمائة بينما يقترب المعدل في غانا من ٧ بالمائة؛ في حين أنه في الدول النامية في عام ١٨٦٠ سجلت وفيات الرُّضَّع نسبةً بين ١٤ بالمائة (في السويد) و٢٦ بالمائة (في أستراليا). ويُمثل تقليل مُعدَّل وفيات الرُّضَّع للفقراء واحدًا من إنجازات البشرية المُدهِشة؛ ولا يَرجع إلى رصاصةٍ سحرية كاختراع المُضادات الحيوية، وإنما إلى تقدُّم مُطَّرد ومستدام في النظافة العامة، والتغذية، والتخلُّص من النفايات وكذلك نشر المعرفة الطبية عبر العالَم بأكمله.

صحيحٌ أن التقدُّم المُحرَز في العولمة قد يُهدِّد بعض الخصوصيات الأكثر شاعرية في العالم. في شوارع مدن وبلدات جنوب الهند، تستطيع النساء شراء أطواقٍ طويلة مجدولة بزهور الياسمين الصغيرة ليضَعنها في شعورهن. رائحة الياسمين المُنبعثة من الزحام حولي، التي تفوح مع نسائم المساء وتتداخَل مع روائح المدينة البغيضة، هي واحدة من أكثر الذكريات المُثيرة لديَّ عن الهند، رغم أنها من المُمكن أن تكون بالأساس بسبب عمالة الأطفال ذوي الأصابع الرشيقة بما يَكفي لنَظمِ خيطٍ من الزهور بسرعةٍ تجعل العمَلية مُربحة. عندما يصير فقراء الهند أكثر ثراءً، فإن عددًا أقل من الأطفال سيكون راغبًا في القيام بمثلِ هذا العمل، ولكن اختفاء عمالتهم اليدوية هو شيء يصعب الندم عليه بصِدق. فهو لن يكون الضحية الوحيدة للرخاء، ولكن ينبغي لنا أن نتيقَّن من أنه إذا تسبَّبت العولمة في اختفائها، فسيُحسَب ذلك ضمن نجاحات العولمة، لا إخفاقاتها.

أحيانًا يكون من المُذهل مقارنة الخطاب الناقم على الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي لساسة اليوم بلُغة المُجتمَعات في الماضي التي نَعتبرها عادةً مُغلَقة أكثر من لُغتنا. قال بيريلكيس للأثينيِّين في خطبة جنازته:
لقد فتحنا مدينتَنا على مصراعَيها للعالَم، ولم نُقصِ الغرباء مُطلقًا بموجب قوانين غريبة من أيِّ فرصة للتعلم أو الملاحظة، على الرغم من أن عيون عدوٍّ ما تتربَّص أحيانًا بحريتِنا؛ واثق في النظام والسياسة بدرجة أقل من الرُّوح القومية لمواطنينا؛ بينما في التعليم، الذي يسعى فيه منافسُونا من المهد لتعلُّم الرجولة باتِّباع قواعد انضباط صارمة، نعيش في أثينا كما يَحلو لنا، ومع ذلك نحن على نفس القدْر من الاستعداد لمواجَهة جميع المخاطر المشروعة.7
إنها رؤية نبيلة ومُثيرة، حتى وإن كانت دويلة المدينة، المُتاجِرة في العبيد والكارهة للنساء والمُتناحِرة على الدوام التي عاش فيها، بعيدة كلَّ البُعد عن النموذج الحديث للانفتاح على الغرباء.8 بيد أن ثمة عنصر مُثير للشفقة في عبارته الأخيرة. لقد خسرت أثينا الحرب البيلوبونيسية، ومنذ ذلك الحين سادت العالم هشاشة النظام السياسي والاقتصادي القائم على التبادُل بين الدول المستقلة.

السياسة وولاء المجموعة

إذن ما الذي يتعيَّن على السياسة تقديمه لمواجهة هذه الهشاشة؟ تُعدُّ السياسة الديمقراطية الحديثة توفيقًا انتهازيًّا بين مهارات الإنسان العقلاني والمُستخدِم للمعرفة الرمزية ومهارات الإنسان النصير العاطفي لجماعة الصيد وجمع الثمار. يُنجَز الكثير من المُهام اليومية الخاصة بالحكومة، على الأقل في الدول الصناعية العاملة بشكلٍ معقول، وفقًا لمجموعةٍ من القوانين، المُصاغة في تصنيفاتٍ مجردة تتَّسم بالاستقلالية عن الأفراد المَعنيين بتطبيق هذه القوانين. تُعدُّ الخدمة المدنية خُلاصة التفكير الرمزي، حتى وإن لم يَرْقَ أداؤها الفِعلي غالبًا إلى الموضوعية الصارمة التي تنصُّ عليها المُثُل. ولكن العملية السياسية نفسها نادرًا ما تهدف حتى إلى تلك الموضوعية. إذ يَهدف الساسة بكل وضوح إلى إثارة الاستجابات العاطفية لدى المجموعة الأُسَرية. ولقد عزَّزت موارد التليفزيون الآن من قدرتهم على القيام بذلك بما هو أكثر حتى مما كان مُمكنًا في قاعة الاجتماعات أو الاستاد. السياسي الذي يتحدَّث على شاشة التليفزيون يَغرس وَهْم أنه يتحدَّث إلى كل مُشاهدٍ على حدة وكأنه قريب أو صديق. ربما لا يَنخدِع مخُّ المشاهد، ولكن ربما لا يكون المخُّ هو الهدف. فاستجاباته غير الواعية ستتأثَّر، مثلما تأثَّر أجدادُنا أثناء تطوُّر البشرية واستجابوا بودٍّ للابتسامات والضحك، كما رأينا في الفصل الرابع. «ثقوا بي»، يقولها السياسي المُبتسِم، فنَسترخي قليلًا. «أيها الإخوة والأخوات»، يقولها السياسي الذي يبدو عليه الاهتمام، فنصير بدورنا مُهتمِّين، وجادِّين، ومُستعدِّين للتضحية. تستثير إشارة إلى الوطن لدَينا حسَّ الولاء؛ فكيف يتسنَّى لنا أن نكون من الغلظة الشديدة لدرجة وقف تعاوننا الآن؟

والساسة ليسوا وحدَهم في هذا الصدد؛ فالأعمال التجارية الحديثة تستخدِم تقنيات مُشابهة لترويج مُنتجاتها. لماذا ينبغي أن تُحْدِث حقيقة أن تشجيع أحد المشاهير لطراز سيارةٍ أو هاتفٍ ما أي فارقٍ بشأن ما إذا كنَّا سنُقرِّر شراء المنتج؟ لأن المشاهير يُعطوننا شعورًا وهميًّا بأنهم أشخاص نَعرفهم. كما أنهم يستغلُّون رغبتنا في الانتماء إلى مجموعاتٍ قوية وذات مكانةٍ عالية وتُوحي لنا ضمنيًّا بأنه من خلال شراء الوسام الذي يُميِّز أعضاء المجموعة عن البقية، فإن بإمكاننا بطريقةٍ ما زيادة احتمال انتمائنا حقًّا. يُمكن لرغبتنا في عُضوية المجموعة أن تكون قويةً جدًّا؛ فجاذبية المجموعات ذات المكانة الرفيعة بديهية، ولكن في ظروفٍ كثيرة يُمكن حتى للمجموعات الضعيفة ذات المكانة المُتدنِّية أن تبدو أكثر جاذبية من الحياة المنعزلة. لا بدَّ أن هذا خدمنا على نحوٍ جيد أثناء تطوُّرنا؛ نظرًا لأنه أقعدَنا عن ترك جماعات أقاربنا حتى حينما ثبتَت صعوبة العلاقات الشخصية. إلا أنها رغبة تجعلنا عُرضة لتلاعُب الدعاية في ظلِّ ظروف الحاضر المُختلفة تمامًا.9 لا يعني أيٌّ من هذا أن المُعلِنين والشركات التي تدفع أجورهم لهم سلطة مُطلقة، كما ناقش كتاب فانس باكارد «المُقْنِعون الخفيون» قبل عدة عقود.10 فهم، في نهاية الأمر، يتنافسُون بعضهم مع بعض على كسبنا زبائنَ لهم، ونحن لسنا دُمًى هامدة. لقد حبانا الانتخاب الطبيعي أيضًا بعقولٍ يُمكنها التمعُّن في نقاط ضَعفنا العاطفية.

هذا لا يعني أن الخداع اليومي في مجال السياسة يُلاقى باستياءٍ دائمًا. فقد يخدم بعضه مصالح الرخاء والسلام. ولكن حقيقة أنه يُمكن استغلال العواطف المُماثلة لأهداف سلمية وعدوانية على حدٍّ سواء تعني أنه لا يُمكننا تحديد ما ستئول إليه العواقب الاجتماعية الإجمالية بناءً على طبيعة التفاعُل العاطفي وحدَه. عندما نُرسل أقوى شبابنا للمشاركة في مسابقاتٍ رياضية دولية أو بطولات كرة القدم، والساسة يُعلنون دعمهم للشباب الشجعان ويُنسِّقون عروض تضامُن وطني، هل نحن بذلك نَصقل مواهبَ المُحاربين أم أننا نؤدِّي مُحاكاة للحرب لتشتيت تلك الغرائز بعيدًا عن التطلُّع للحرب الحقيقية؟ عندما يعلن الساسة الحرب على اسمٍ مُجرَّد مثل الفقر أو المُخدِّرات أو البطالة، إلى أي مدًى يقتربون من حشد الدعم للحروب الحقيقية، ذات الضحايا الحقيقيِّين؟

عندما تعمل مُحفِّزات الولاء داخل مجموعةٍ ما على حساب التعاون بين المجموعات، ربما يتكبَّد الجميع الخسارة. أجرى عالمِ السياسة والاقتصاد ليونارد وانتشيكون تجربةً سياسية رائعة في مسقط رأسه بنين، عندما أقنع الأحزاب السياسية المُتنافِسة في حملة الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٠١ بأن يَسمحوا له باختيار عددٍ من القرى المختلفة لتجربة آثار البرامج السياسية التي نادَت بالمصالح العامة للأمة، على النقيض من تلك البرامج التي اهتمَّت بالقضايا نفسها (الصحة والبطالة وما إلى ذلك) من منظورٍ حزبي واضح، ووعدت الناخبين في مكانٍ ما بوظائف وإعانات حتى ولو كان ذلك على حساب وظائف وإعانات ناخبين آخرين في مكان آخر. كانت النتائج واضحة، ومزعجة. عندما قدمت الأحزاب برامج تنادي بالمصالح العامة، تلقَّت عددَ ناخبين أقلَّ مما حصلت عليه حين قدمت برامج مُتحيِّزة. ولعلَّ الناخبين ظنُّوا أن مثل هذه البرامج المُتحيزة لحزبٍ معين أكثر مصداقية (لأنها أسهل في التنفيذ). وعلى أيِّ حال، أكَّدت التجربة ما كان يخشاه الكثير من علماء السياسة منذ فترة طويلة؛ وهو أن شن الحملات من منظورٍ حزبي، لاستغلال ولاء مجموعةٍ بإثارة التنافُس مع مجموعاتٍ أخرى، ربما يكون استراتيجيةً تؤتي ثمارها للسياسي المُستقل حتى وإن كانت تضرُّ بالنظام السياسي ككل.11

إذن، إلى أين يؤدِّي هذا بالأفكار العامة والمبادئ السامية؟ هل تفسح رؤية سياسية قائمة على الحنين للتطور، وعلى عواطف مجتمع الصيد وجمع الثمار، أي مجال أمام هذه الأفكار والمبادئ؟

الليبرالية وتاريخها

كانت الليبرالية واحدةً من أقوى الأفكار السياسية التي ظهَرَت على ساحة العالَم الحديث. يعود تاريخ أصول أغلب الروايات عن الليبرالية ما بين خمسمائة وثلاثمائة عام مضَت تقريبًا، بناءً على ما إذا كنُّا نُرجِع تاريخ ولادة الفكرة إلى أول تأثير رئيسي ملحوظ لها أو إلى أول تدوينٍ واضح لها. قبل خمسمائة عام مضت شهدنا اكتشاف العالَم الجديد ومولد البروتستانتية (حيث خضَع مارتن لوثر للمُحاكَمة أمام المجلس التشريعي الإمبراطوري بمدينة فورمس في عام ١٥٢١). ومنذ حوالي ثلاثمائة عام، ما بين عامي ١٦٨٩ و١٦٩٢، نشر جون لوك كتابيه «رسالتان في الحكم المدني»، و«رسائل في التسامح». فيما بين الفترتَين، حدثت أمور كثيرة؛ فقد ظهرَت الأشكال الأولى للرأسمالية؛ ووقعَت الحرب الأهلية الإنجليزية ونظيرتها الأوروبية المُروِّعة، وحرب الثلاثين عامًا. ناقش المؤرِّخون بالتفصيل الطابع الدقيق للبوتقة التي أفرزت الليبرالية، إلا أن أغلبيتَهم اتفقُوا على أنها نتاجٌ للغرب المسيحي الرأسمالي الحديث.

ومثل أغلب الفلسفات السياسية، تجمع الليبرالية بين رؤية للأوضاع الإنسانية ومجموعة من الأفكار والقيم التي يَنبغي العيش وفقًا لها. وعلى الرغم من الاختلافات بشأن التفاصيل، ثمة مواضيع مُشترَكة قوية فيما يخصُّ القِيَم قدَّمها العديد من الكُتاب الليبراليِّين. هذه المواضيع تَشتمِل على:
  • القيم الأساسية؛ وأوضحها الحرية، ولكن تَشمل أيضًا، بدرجاتٍ مُتفاوتة، المساواة والتعدُّدية.

  • خطوات الاستدلال الأخلاقي؛ مثل العقد الاجتماعي للوك وروسو، أو نظرية «ستار الجهل» التي اقترحها رولز؛12 والهدف من ورائها هو تقويض الطابع التعسُّفي للطعن في التقاليد أو التمرُّد على السلطة.
  • مجموعة من التوصيات الدستورية لحماية القيم الأساسية مثل حق الاقتراع العام أو ميثاق الحقوق.

  • برنامج للإصلاح السياسي، يَعتمِد مضمونه على الظروف السياسية الحالية ولكنه يهدف دومًا إلى التخلُّص من التهديدات القائمة أمام ممارسة الحرية.

رؤية الأوضاع الإنسانية المُتجسِّدة في الليبرالية هي جزئيًّا ثمرة سيكولوجية فطرية، تفسير للطريقة التي يُفكِّر ويشعر بها البشر. كما أنها جزئيًّا أيضًا ثمرة لرؤية مأزقهم الاجتماعي، وصف إخباري عن السبب في أن الأشخاص الذين يُفكرون أو يشعرون بهذه الطريقة عادةً ما يجدون أنفسهم في مأزق، وما يُمكن فعله لحل الصراعات بطريقةٍ تتوافَق مع قيود السيكولوجيا الفطرية. يُعتبر التاريخ النمطي لليبرالية سيكولوجيتَها الفطرية مثل نظرية «الصفحة البيضاء» للعقل البشري ويُعتبر سردُها للمأزق الاجتماعي مثل الرأسمالية الغربية الحديثة. ونظرًا لأن الأولى فقدت حاليًّا مصداقيتها من الناحية العلمية، والأخيرة تبدو مقرونة بوقتٍ ومكان ذي طابع تاريخي خاص جدًّا، فإن قدرة الليبرالية على التعامُل مع مخاوف عالم اليوم تبدو، من هذا المُنطلق، محدودةً للغاية. فكيف يتسنَّى لها فهم الفلسفات الأخرى بدايةً من الاشتراكية ومرورًا بالقومية وحتى الأصولية الإسلامية، ناهيك عن مواجَهة تحدياتها؟ هل البديل الوحيد هو مفهوم «صدام الحضارات»، الشهير والمُحبِط، الذي ابتكره صامويل هنتنجتون؟13
لنُلقي نظرة أولًا على الكيفية التي صيغ بها هذا التفسير التاريخي التقليدي. أغلب الروايات التاريخية ترى أصول الليبرالية في الرأسمالية (واعتمادها على ما أَطلق عليه المؤرِّخ سي بي ماكفيرسون «الفردية الاستحواذية»)14 في حركة الإصلاح البروتستانتي وتمسُّكها بقدسية ضمير الفرد، وكذلك في ردِّ الفعل المشترك والمُروِّع تجاه وحشية الحروب الدينية التي دمرت أوروبا في القرن السادس عشر وبالأخص في القرن السابع عشر.15 ووفقًا لهذا الرأي، أدَّت الرأسمالية وحركة الإصلاح دور المُذيبات، لتسهيل الانتقال من قانونٍ إلى عقد؛ من هدية إلى سوق؛ من السحر إلى العِلم؛ من عالم الرفاق إلى عالم الغرباء. واستطاعتا فعل ذلك بسبب قدْر كبير من المرونة في السيكولوجية البشرية، وهو ما لاحظه واحتفى به الفلاسفة من لوك إلى راسل. وفي الوقت نفسه، فرضت الحداثة مشكلاتٍ جديدة على البشرية تطلَّبت حلولًا جديدة جذريًّا، ولم تكن مُهمَّة دُعاة الليبرالية التخطيط لظهور الحداثة فحسب وإنما اشتملت عمليًّا أيضًا على اقتراح حلولٍ لأوجه الاستياء منها. لذا، كان كُتَّاب مثل لوك وروسُّو وفولتير وجون ستيوارت ميل مُصلحين اجتماعيِّين، استقَوا من موارد الأفكار الليبرالية لتقديم حلولٍ محددة للشرور الاجتماعية المُدرَكة وكذلك إطار للفكر أصبحت بداخله هذه الحلول منطقية. ولكتاباتهم وثورة الأفكار التي أسهموا فيها عواقب بالغة الأهمية:
  • الثورات الأوروبية لعامي ١٧٨٩ و١٨٤٨.

  • الحركات المناهضة للاستعمار في أوائل القرن التاسع عشر بأمريكا اللاتينية، وبعدها بفترة طويلة، بأفريقيا وآسيا في القرن العشرين.

  • تحرُّكات القوى الأوروبية الكبرى وبريطانيا العُظمى وألمانيا نحو التجارة الحرة في القرن التاسع عشر.

  • في الآوِنة الأخيرة، التوتُّر المتزايد بين العقلانية والتعدُّدية؛ بين الرغبة في تقبُّل أنماط حياةٍ بديلة والأمل في إخضاع كل شيء، بما في ذلك نمط الحياة، للتقييم العقلاني والنَّقد. هذا التوتُّر يفسد التعددية الثقافية الحديثة، وبعض نقاد الليبرالية يعتبرونه نقطةَ ضعفها.16
من المهم للغاية لهذا التاريخ النمطي لليبرالية أن المُعضِلات والمخاوف التي تُثيرها الآن مختلفة تمامًا عن تلك التي كانت في العالَم القديم. وربما يُعدُّ مقال بنجامين كونستانت الشهير بعنوان «ليبرالية القدماء وليبرالية المعاصرين» أصدقَ تعبيرٍ عن هذا الرأي،17 ولكنه بشكل أو آخر مِحوريٌّ في نظرتنا إلى الليبرالية على أنها فكر رأسمالي غربي؛ وهي نظرة لا تزال ملاءمتها لشواغل المجتمعات غير الغربية وغير الرأسمالية وأيديولوجيات مثل الإسلام محلَّ شكٍّ كبير. شكَّك بعض الكُتَّاب في شدة الانقسام بين الحساسيات القديمة والحديثة (الراحل برنارد وليامز مثال مهم).18 إلا أن هذا لم يُعكِّر حقًّا صفو إجماع الآراء الذي يرى الليبرالية متأصِّلة في واحدةٍ فقط من العديد من الأنظمة الاقتصادية والسياسية والثقافية المتنافِسة، ولا التوتُّر الناتج عن هشاشة ادِّعاء الليبرالية بتقديم الإلهام في مختلَف أنحاء العالم.

ومع ذلك، لا يُقدِّم هذا السرد التاريخي تفسيرًا منطقيًّا لحقيقة أن البشر قد واجهُوا تحدِّي العيش مع الغرباء طيلة العشرة آلاف سنة الماضية. لم يبدأ تحدِّي الانفِتاح على أولئك الذين لا يُشاركونَنا تقاليدنا برحلة كولومبوس إلى العالَم الجديد. لم تكن البروتستانتية التحدي الأول لسُلطة القساوسة المُتزعزِعين. ولم تكن الرأسمالية أول مجموعة مؤسَّسات تَبتكِر أسواقًا يجتمع فيها تبايُن اللغات واختلاف ألوان أنماط الملابس سعيًا لتحقيق مصلحةٍ مشتركة من التبادُل. ربما لم يحدث دفاع بركليز عن انفتاح مجتمع أثينا في لقاء مفتوح في دولة ليبرالية حديثة، إلا أنه تعبير مثالي عن المأزق الذي ينبغي أن تستجيب له الليبرالية، وعن حاجة المجتمع إلى التغلُّب على خوفه من الغرباء إذا أُريد التمكُّن من تحقيق الحياة الحديثة. وربما لم يحظَ هذا الرأي بالاستحسان الكامل من جانب الفلاسفة حتى ظهور كتابات لوك وروسُّو وفولتير وهيوم. ولكن لا ينبغي أن ننظر إلى أولئك الكتاب باعتبارهم المُخترعين الأصليين لحلول مشكلة إعمار الكوكب مع أشخاصٍ مختلفين عنَّا، ومنافسين لنا، ومع ذلك يتشاركون معنا في مصالح مشتركة. بدلًا من ذلك ينبغي لنا أن نفهم أولئك الكُتَّاب باعتبارهم يُدوِّنون ويُعبرون على الملأ عن حلولٍ كانت كامنة بالفعل في قدرات البشر والتي مكنت الناس لآلاف السنين من التعامل، حرفيًّا، مع الغرباء.

إن النظر إلى الليبرالية باعتبارها مجموعةً من الأفكار يَبلُغ عمرها (على الأقل ضمنيًّا) عشرة آلاف سنة لا خمسمائة سنة فقط هو أمر له ميزتان عظيمتان. أولًا: يُمكننا أن نرى علاقتها الحقيقية بالأيديولوجيات السياسية الأخرى. فالاشتراكية ليست «بديلًا» لمفهوم الليبرالية عن المأزق الاجتماعي للبشرية، وإنما هي بالأحرى وسيلة مُقترَحة لحلِّ ذلك المأزق؛ وتتنافَس مع بعض الحلول التي يُقدمها الكُتَّاب الليبراليون لا مع تشخيصهم. تتَّفق الاشتراكية والليبرالية الكلاسيكية في الرؤية المُتعلِّقة بحاجة الإنسانية إلى إيجاد طريقةٍ للعيش مع الغرباء؛ إلا أنهما يَختلفان بكل بساطةٍ حول حجم المشاريع الفردية وكمِّ العمل الجماعي المطلوب لأداء هذه المهمة. لطالَما كانت الليبرالية الكلاسيكية غافلةً عما يُمكن توقُّعُه من المشاريع الفردية بدون عمل جماعي. ولطالَما كانت الاشتراكية غافلة عن سهولة تحقيق العمل الجماعي وكذلك عن مخاطر إساءة استخدامه لأغراضٍ عسكرية أو قمعية سياسية.

وعلى نفس المنوال، فإنَّ الإسلام، من ناحية كونه أيديولوجية سياسية، يتكوَّن من مجموعة من الأفكار والقيم التي أثبتَت نجاحها الكبير في إيجاد ترابُط داخل المجتمعات تحت وطأة الضغط في فترةٍ حاسمة من تاريخها. لقرون عديدة، قادت المُجتمَعات الإسلامية العالَم في الثقافة، والريادة العالمية، والقوة العسكرية؛ فطبقًا لتعبير برنارد لويس، فإن الإسلام «خلق حضارة عالَمية، مُتعدِّدة الأعراق، ومُتعدِّدة الإثنيات، ودولية، بل يُمكن حتى للمرء أن يقول إنها عابرة للقارات.»19 بعض المراكز الإسلامية، كما في جنوب إسبانيا قبل استعادة المسيحية للسيطرة عليها وفي الأجزاء المُتعدِّدة الأجناس من الإمبراطورية العثمانية، كانت نماذجَ للتسامح والليبرالية، نعم الليبرالية، التي نادرًا ما ضاهَتْها أيُّ ثقافة منذ ذلك الحين. لقد وضَعَ الإسلام حلًّا لمشكلة التعايش في عالَمٍ يَسكنه غرباء، على الرغم من أنه حلٌّ أثبتَ ضعفَه تحت ضغوط القرون الأخيرة. إلا أن هذا الضعف ليس من قبيل الصدفة.20 حقيقة أن الإسلام اكتسب بسرعةٍ قوةً عسكرية وسياسية مُثيرة للإعجاب في غضون بضع سنوات من تأسيسه تعني أنه — على عكس المسيحية — لم يكن بحاجةٍ أبدًا إلى تطوير فلسفة تسامح مع السلطات العلمانية وكان بإمكانه الانخراط في طموحه نحو تَنظيمٍ شامل للحياة الاجتماعية. لذلك، كانت فترات التسامُح الإسلامي نتاجًا لثقة كبيرة بالنفس وغياب أي تحدٍّ داخلي حقيقي، ولم تكن نتاجًا لأيديولوجية تكيَّفت مع الوجود الدائم للغُرباء. ولا يزال الغموض يكتنِف الطريقة التي سيتطوَّر بها الإسلام في العقود المقبلة، ولكن بصرف النظر عن خطاب أتباعه المُولَعين أكثر بالحروب، وبصرف النظر عن مفاتن فكرة شنِّ هجوم شامل على غير المؤمنين، يجب على الإسلام التوصُّل إلى تعايش جديد مع الغرباء وغير المؤمنين إذا كان يُريد البقاء في العالَم الحديث.

من المُنطلَق نفسه، لا يُمكن تفسير حركة مناهَضة العولمة بالمعنى الحرفي لعنوانها؛ فالعولمة تمثل واقعًا ملموسًا لعصر ما بعد الزراعة، ولا يُمكن تمنِّي زوالِها. لقد أثبتَت مناهضة العولمة أنها شعار ناجح جدًّا للتضامُن داخل المجموعة، ومثل جميع أشكال التضامُن القائمة على التصدي لتهديدٍ خارجي حقيقي أو مُتخيَّل، يجب أن تتطور إلى أساسٍ للتعاون بين المجموعات وكذلك في داخلها. بعد أن نجَحَت الحركة في جذب اهتمام الصحافة والإعلام، سيتعيَّن أكثر من أي وقتٍ مضى على قادتها الذين يتمتَّعُون برجاحة التفكير البدء في إنجاز تلك المهمة. ولكن الأزمة المالية التي بدأت في عام ٢٠٠٧ لن تجعل هذه المهمة أسهل. إن الغضب المُبرَّر الذي أثارته حيال تجاوُزات أولئك الذين استفادوا من فترة الازدهار وحظوا بالكفالة المالية أثناء فترة الركود ربما يُجدِّد أوهام تحقيق الاكتفاء الذاتي، والسيطرة المُطلقة على التعامُلات الاقتصادية التي يقوم بها الآخرون، وحياة اقتصادية منغلقة دون تشويش من الغرباء على عاداتنا الراسخة. وكما ذكرنا مرارًا وتكرارًا في مواضعَ متفرِّقة من هذا الكتاب، فإن الانخراط في هذه الأوهام لن يُسهم بشيءٍ في مُعالجة المخاطر والتقلُّبات الكامنة التي لا تنفصل عن الحياة الاقتصادية الحديثة.

الميزة الثانية العظيمة لتقدير الأصول الحقيقية لليبرالية هي أنه يُمكننا تقدير ما هو قَيِّم في أفكار الفلاسفة الليبراليين العظماء دون التشبث بسيكولوجيتهم الفطرية غير المعقولة على الإطلاق. لم تَعُد نظرية «الصفحة البيضاء» للوك عن العقل البشري تؤخَذ على محمل الجدِّ في علم النفس، والآن تُعتَبَر الطبيعة المَرِنة للقدرات العقلية البشرية نتاجًا للمُتطلبات البيئية خلال عصور ما قبل التاريخ؛ فنحن نُجيد تعلم أنواع الأشياء التي تَكيَّفنا لتعلُّمها وليس التي نرِثُها كقدراتٍ مغروسة داخلنا. وتفسير روسو لعقلية الهمجي النبيل غير منطقي من منظور تطوري. في فقرة مُتعالية شِبه هزلية في مقاله «حول أصول عدم المساواة»، كتب عن روح:

الشخص الهمجي … الذي لا يُزعجه شيء، يَنغمس فقط في الشعور بلحظة وجوده الحالية، وليس لديه أدنى فكرة عن المستقبل، مهما كان قريبًا، ومشاريعه، المحدودة مثل آفاقه، لا تكاد تمتدُّ حتى نهاية اليوم. هذا هو مدى بُعدِ نظر الرجل الهندي الكاريبي، حتى في يومنا هذا؛ فهو يبيع حَشِيَّة سريره القطنية في الصباح، وفي المساء يأتي باكيًا لشرائها مرةً أخرى؛ إذ فشل في توقُّع أنه سيحتاجها من أجل الليلة التالية.21

من الصعب أن نتخيَّل كيف كان الهنود الكاريبيُّون، كما يصفهم روسو، سيستطيعون البقاء لجيلٍ واحد، ناهيك عن إعمار منطقة بأكملها من العالم.

كان البشر قبل عشرة آلاف سنة قد ورثوا سيكولوجيةً جعلتهم مُتشككين بشدَّة في الغرباء وقادرين على ممارسة العنف الهمجي تجاههم في ظل ظروف مُعينة، لكنهم قادرون على أن يستفيدوا استفادة مذهلة من الترتيبات المؤسسية التي جعلت من المعقول التعامل مع الغرباء على أنهم أصدقاء اعتباريُّون. ومن ثَمَّ، فالقُدرة على التجرد من الولاءات القبلية البحتة ومنح الغرباء نفس الحريات التي كانت ممنوحة للأصدقاء، والقدرة على الانفتاح على الفرص الجديدة والاختيار بحرية بينها، والرغبة في التواصُل مع أولئك الذين يختلفون عنَّا في أنماط اللبس والأكل والعيش، والتشارُك في مكان مع أشخاص لا يعبدون آلهتنا، لا يُشكِّل أي منها عقلية رأسمالية غربية خالصة، حتى وإن كانت الرأسمالية الغربية من الناحية التاريخية هي التي قطَعَت أكبر شوط على الصعيد الاقتصادي انطلاقًا من تلك الأمور. في الواقع، هذه الأفكار ليسَت كافية في حدِّ ذاتها لتكوين تصور ذهني كامل من أي نوع، ولكن بدونها لم يكن من الممكن أن تتطور أيٌّ من الحضارات التاريخية الكبرى.

هذا يجيب أيضًا عن تساؤلنا حول مدى أهمية الأفكار في عالم السياسة. فالأفكار باعتبارها مفاهيم مجرَّدة لا تُحْدِث أي فارقٍ على الإطلاق؛ لأن السياسة تَبقى نشاطًا قبليًّا جدًّا، قائمًا على التنافُس بين القادة المُحتمَلين لإيجاد طرُق تحريك غرائزنا نحو الولاء والتعاون. ولكن يُمكن تجسيد الأفكار في العادات الفكرية التي تُؤثِّر على من نتعامل معهم على أنهم أصدقاء اعتباريون وفي المؤسَّسات التي تُطَبَّق فيها تلك العادات. وكما أوضحت فصول سابقة من هذا الكتاب بالتفصيل، يُمكن اعتبار أن جميع مؤسسات المجتمع الحديث تقريبًا مُكرسة لتقسيم العمل بين الغرباء على نحوٍ مخالف للطبيعة تمامًا. من شأن فكرة هذا التعاون في حدِّ ذاتها أن تكون ضعيفة بدون المؤسَّسات التي تجعل الأفراد يؤمنون بتعاون الآخرين، لكن المؤسسات، بدورها، لا تستطيع العمل ما لم تستند على نزعةٍ طبيعية لدى البشر للتعاون فيما بينهم؛ ومن ثَمَّ فالأفكار السياسية التي ستَحتاج إليها البشرية من أجل بقائها في القرن المُقبل هي جميعها أفكار تدور حول كيفية تفعيل هذه المؤسسات.

قد يُساعدنا تأمُّل هذا التاريخ في فهم بعض مُعضلات الليبرالية الحالية. إلى أيِّ مدًى يستطيع المواطنون المعاصرون في المجتمع الصناعي أن يُذعنوا لرُؤى ثقافية بديلة؟ والإجابة هي: بقدر الحاجة إلى الثقة بهم. المنطق لا يتعارَض مع التعدُّدية، لأن ما نحتاجه لكي نثق في الغرباء أقل بكثيرٍ مما نحتاجه للتوغُّل بشكل كامل في رؤيتهم الثقافية. قد نُحبِّذ أو لا نُحبِّذ الرؤية الثقافية لشخصٍ ما، ولكننا لسنا بحاجةٍ إلى اتخاذ قرار في هذا الشأن لمشاركة نفس المساحة الاجتماعية معه. التسامح لا يعني الإشادة المُنافِقة بكل الأفكار التي تَختلِف عن أفكارنا؛ بل يعني ببساطة رفض السماح للخلافات حول الأفكار أن تمنعنا من التعامُل مع الآخرين بطريقةٍ حضارية. وبالمثل، فإن كراهية ثقافة شخصٍ ما لا تعني أننا قادرون على تجنُّب التعامل معه، ولا ينبغي تفسير التعامل معه على أنه تهديد لقِيَمِنا الأساسية.

قد تبدو هذه المشاعر الليبرالية مُثيرة للإعجاب، وحقيقة أنها كانت إلى حدٍّ ما جزءًا من تراث جنسنا البشري لمدة عشرة آلاف سنة قد تزيد من احترامنا لأهميتها للإنسانية ككل، وليس فقط للأقليات الثرية والمُميزة. لكن عالَم اليوم يُعرِّض هذه المشاعر لضغوطٍ جديدة ومُقلِقة. ما مدى احتمال نجاة التجربة الكبرى من الطاقات البشرية غير المُتوقَّعة التي أطلقتها تلك التجربة؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠