الفصل الثاني

الإنسان ومخاطر الطبيعة

مخاطر إصدار الأحكام

من الصعب للغاية أن نُطلِقَ مقولاتٍ صحيحة علميًّا بخصوص شيء مُعقَّد ومُتعدِّد الأوجه مثل الذكاء البشري، والأصعب من ذلك هو مقارنة مُستوى الذكاء بين مجموعاتٍ مُختلِفة. ولكن إليك حُكمَين يُمكنُنا أن نثق في صحتهما على نحوٍ معقول. أولًا: على مدار فترة التطوُّر البشري خلال ٦ أو ٧ ملايين سنة مرت منذ آخر جيل مُشترَك بيننا وبين قِرَدة الشمبانزي والبونوبو، كان الأطفال، في المتوسِّط، أقلَّ ذكاءً على نحوٍ طفيف من آبائهم. ثانيًا: على مدار تلك الفترة نفسها، كان آباء كلِّ جيل، في المتوسِّط أيضًا، أذكى على نحوٍ طفيف من أجدادهم.1

كيف يُمكن أن تكون كِلتا المَقولتَين صائبة؟ فآباؤنا على أيِّ حالٍ هم أبناء أجدادنا. إليك التفسير: يَحمل الأبناء جينات آبائهم في مزيجٍ عشوائي. وهذا المزيج قد يجعلهم إما أكثر ذكاءً من آبائهم أو أقل، ولكن لا يُوجَد سبب لتوقُّع نتيجةٍ أكثر من الأخرى. وعند حساب المُتوسِّطات عبر المليارات العديدة من الأطفال الذين وُلدوا في أيِّ وقتٍ مضى، يمكن التوقُّع أن يكون لتوليفات الجينات الأبوية نفس مستوى ذكاء الجينات الأبوية نفسها. بالإضافة إلى ذلك، سيَحمل عددٌ قليل جدًّا من الأطفال طفراتٍ وراثية. ونسبة ضئيلة من هذه الطفرات الوراثية ستكون مُستحسَنة، بمعنى أنها تُعزِّز مستوى الذكاء لدى حامليها. إلا أنَّ الغالبية العُظمى من هذه الطفرات ستكون مُؤذية، لنفس السبب الذي يجعل احتمال أن تتسبَّب ضربةٌ عشوائية لجهاز تليفزيون في إلحاق الضرَر به أرجح كثيرًا من احتمال تحسين قُدرته على الاستقبال. والتأثير المُشترك للمزيج الوراثي والطفرة الوراثية، عبر ملياراتٍ من الأطفال، هو الوصول بمتوسط ذكاء الأطفال إلى مستوًى أقل قليلًا من آبائهم.

ماذا عن آبائنا، الذين هم أبناء أجدادنا؟ مستوى ذكاء أبناء أجدادنا سيكون أقلَّ قليلًا من «آبائهم»، ولنفس الأسباب بالتأكيد. ولكن آباؤنا لم يكونوا فحسْب الأطفال المُنتقَين عشوائيًّا من جيل أجدادنا؛ وإنما كانوا الأطفال الذين بقُوا على قيد الحياة ونجحُوا في التكاثُر. «وبوضع أنهم بقُوا على قيد الحياة من أجل التكاثر في الاعتبار»، فإن أولئك الأطفال كان من المُرجَّح أن يكونوا أكثر ذكاءً من آبائهم بقليل، وهم بدَورهم مَن نقلُوا هذه الميزة الطفيفة إلى أبنائهم. ومع ذلك فمن شأن هذه الميزة، رغم كونها طفيفة، أن تَصير واسعةَ المدى بدرجةٍ كافية عبر أجيال، لتُوَازِن التأثير السَّلبي للطفرات الوراثية. وأُكرِّر مرةً أخرى أنَّ هذه مقولة خاصة بالمُتوسِّطات، مقولة نعلم أنها صحيحة نظرًا لأن الإنسان الحديث أكثر ذكاءً من الشمبانزي، حتى ولو لم تكن صحيحةً في حالة جيل بعَينه من الثلاثمائة ألف جيل التي تفصِلنا عن آخِر جدٍّ مشترَك بيننا وبين قردة الشمبانزي. ولا يُوجَد شيء غامض بصفةٍ خاصة فيما يتعلَّق بهذه الحقيقة، كما أنها لا تُشير إلى أيِّ نوع من الحتمية التاريخية. إن ما «نُسمِّيه» نحن الذكاء، هو عبارة عن مجموعة مُختلطة من القُدرات العقلية المتعلقة بتوقُّع ظروف البيئة والسيطرة عليها؛ وتحديدًا القدرات التي تَميل، على المدى الطويل، إلى تعزيز البقاء على قيد الحياة والتكاثُر. بالطبع، يُمكننا أن نَثِقَ في مقارنة مستوى الذكاء بين البشر وقرود الشمبانزي أكثر من مقارنة مستوى الذكاء بين البشَر بعضهم مع بعض، وهو ما يُبرز حقيقة أن مقولتَنا مُتعلِّقة بالمتوسِّطات وليست مقولةً مُطلَقة على أيِّ جيلَين.

هذا التفسير لا يُلخِّص أساسيات نظرية الانتقاء الطبيعي فحسْب؛ بل إنه يَستفيد أيضًا من أهمِّ فكرتَين أساسيَّتَين في عِلم الإحصاء. الفكرة الأولى تتجسَّد في قانون الأعداد الكبيرة، الذي ينص، تقريبًا، على أنَّ مُتوسِّط السلوك الخاص بمجموعةٍ كبيرة من الأفراد المُتشابهين سيكون مُتوقَّعًا أكثر من سلوك مجموعة صغيرة، أو سلوك أي فردٍ من تلك المجموعة. (وأحيانًا يُعرَف على نحوٍ غيرِ رسمي باسم قانون المتوسِّطات.) تأمَّل مثلًا مدينة ساحلية يستطيع سُكانها اختيار قضاء عُطلة نهاية الأسبوع فيها بين إما الذهاب إلى الشاطئ، أو الذهاب إلى الحديقة، أو البقاء في المنزل. ففي أيِّ عطلة نهاية أسبوع بعَينها، قد يكون من الصَّعب أن تتوقَّع ما سيقوم به شخصٌ واحد، ولكن يَسهل نسبيًّا أن تتوقَّع، في حدود هامشٍ معقول، نسبة السكَّان الذين سيخَتارون أي خيارٍ من الثلاثة. قد يُقرِّر أي فردٍ الذهاب إلى الحديقة، ولكن أن يُقرِّر سكان المدينة بأكملها الذهاب إلى الحديقة، فإن هذا سيتطلَّب ارتباطًا كبيرًا وغير مُحتمَل بين قراراتهم الفردية (بمعنى أنه من غير المُحتمَل أن يَحدُث ذلك باستثناء أن يكون الجميع قد ذهبوا إلى هناك بمناسبة عيد الاستقلال الأمريكي في الرابع من يوليو). وعلى نفْس المنوال، على مدار عام كامل، إذا حاوَلنا توقُّع نسبة عطلات نهاية الأسبوع التي قد يَختار فيها فردٌ واحد الذهابَ إلى الحديقة، فلنا أن نتوقَّع اختلافًا كبيرًا بين الأفراد؛ ومن ثمَّ سيكون هامش الخطأ كبيرًا. وإذا حاوَلْنا توقُّع إجمالي نسبة السكَّان الذين يذهبون إلى الحديقة على مدار العام بأكمله، سيكون هامش الخطأ أصغر بكثير. بعبارةٍ أخرى، إذا اعتبرْنا نجاحنا في التوقُّع مُتوقِّفًا على مدى اقترابنا من النسبة الصحيحة، فإننا سنكون أكثر نجاحًا عند توقُّع سلوك سكان المدينة كَكُلِّ مقارنة بتوقُّعنا لسلوك فردٍ واحدٍ منهم. يَسهُل التنبُّؤ بمُستقبَل باعة حلوى المُثلَّجات ونادلي الطاولات في مدينةٍ كبيرة عنه في مدينة صغيرة.

تُعرَف الفكرة الإحصائية الثانية باسم الاحتمال الشرطي. إذا حاوَلنا توقُّع نسبة ستتصرَّف بطريقةٍ مُعيَّنة من مجموعةٍ ما، سيكون توقُّعنا (ويَنبغي أن يكون) مُراعيًا للمعلومات الأخرى المتوافِرة لدَينا. قد نعرف أنه، في المتوسِّط على مدار العام، يَذهب ٥ بالمائة من سكان المدينة إلى الشاطئ في عطلة نهاية الأسبوع. ولكن إذا وضَعْنا في الاعتبار عطلات نهاية الأسبوع في فصْل الصيف، تَرتفِع تلك النسبة إلى ١٠ بالمائة. ولكن إذا وضعْنا في الاعتبار عطلات نهاية الأسبوع التي تَرتفِع فيها درجات الحرارة عن ٣٠ درجة مئوية، ترتفع النسبة إلى ٢٠ بالمائة. ومن ثمَّ على حسب المعلومات الخاصة بفصول السنة أو درجات الحرارة، تختلف نسبة السكَّان الذين يذهبون إلى الشاطئ عن النسبة التي كان سيُمكننا الوصول إليها لو لم يتوافر لنا مثل هذه المعلومات. وبالمِثل، إذا عرفنا أنَّ اليوم هو الرابع من يوليو، سنُدرك أنَّ سكان المدينة لن يتصرَّفُوا على نحوٍ مُستقِل؛ وإنما سيكون سلوكهم مُرتبطًا بعضهم ببعض؛ بمعنى أن وجودَهم جميعًا في الحديقة لن يتطلَّب صُدفةً غير عادية؛ وإنما مجرَّد يوم مُميز على الرزنامة.

يُمكننا أيضًا أن نحسب الاحتمالات الشرطية ليس فقط على حسب المعلومات المتوفرة عن أحداثٍ خارجية، وإنما على حسب فئة فرعية مُحددة من الأشخاص. على سبيل المثال، نسبة مُرتادي الشاطئ بين السكان الذين لا يستطيعون السباحة أقل من نسبتهم بين سكان المدينة بأكملهم. وبالمثل، يَختلف متوسط ذكاء الأطفال الذين ظلُّوا على قيد الحياة وتكاثَرُوا عن متوسط ذكاء جميع الأطفال المولودين.

يَعتمد تأثير الاحتمال المشروط على ماهية الاحتمالات غير المشروطة التي نبدأ بها. فمَعرفة أن الطقس حار في عطلة نهاية أسبوع صيفية تجعلنا نتوقع أن نسبة ٢٠ بالمائة من السكان سيذهبون إلى الشاطئ؛ بفرْض أننا بدأنا في المقام الأول من خطٍّ مرجعي بنسبة ٥ بالمائة. لو كنا ضربنا مثالًا بمدينة مُختلفة، تبعُد أميالًا عن البحر، يذهب فيها ١ بالمائة فقط من السكان على مدار العام كله إلى أي مكانٍ بالقرب من الشاطئ، فإن تقديرنا لعطلة صيفية حارة في نهاية الأسبوع كان سيَتراجع كثيرًا. هذا النوع من المراعاة للشروط المبدئية يُسبب بلبلة ملحوظة في التشخيص الطبي. إذا كانت نتيجة تحليلك لمرض شائع إلى حدٍّ ما إيجابيةً في تحليلٍ موثوق من نتيجته بنسبة ٩٩ بالمائة، فالأرجح أنك مُصاب بالمرض. وإذا كانت نتيجتُك إيجابية في تحليلٍ بنفس درجة الموثوقية، ولكنه خاصٌّ بمرضٍ نادر جدًّا، فإن احتمال إصابتك بالمرض «ضئيل» جدًّا، حتى وإن كان الاحتمال أكبر مما كان عليه قبل خضوعك للتحليل. هذا لأن نسبة ٩٩ بالمائة من المصابين الذين ثبَت من خلال التحليل إصابتهم بالمرض لا تزال نسبةً ضئيلة من ناحية العدد مقارنة بنسبة ١ بالمائة من النتائج «الإيجابية الخاطئة» لسائر السكان. لذا، إذا كان المرض نادرًا، فأن تكون نتيجة تحليلك نتيجة إيجابية خاطئة أرجح من أن تكون نتيجة إيجابية صحيحة.2

لا تتطلَّب الاستعانة بقوانين الإحصاء مُستوًى متقدِّمًا من دراسة علم الرياضيات؛ فالبشر والحيوانات يَستخدمون قانون الأعداد الكبيرة وفكرة الاحتمال الشرطي طوال الوقت. ولعلَّهم لا يَعرفون أنهم يفعلون ذلك، مِثلما لا يعرف لاعب البلياردو بالضرورة أنه يَستخدِم علم الميكانيكا وحساب المثلَّثات. والأسماك التي تَسبح في قُطعان من أجل سلامتها تَستخدِم قانون الأعداد الكبيرة على نحوٍ غريزي، أما اتِّباع الاحتمال الشرطي فهو أمر محوري لبقاء الحيوانات على قيد الحياة. فالضَّواري مُنتشِرة بكثافة عبر السهول العشبية بحيث إذا تجوَّلتُ عشوائيًّا في المكان، فمن المُحتمَل أنني سأُصادف أحد الضواري مرةً واحدة في اليوم. ولكن إذا أصدرتُ صوتًا غير ضروري أو وقفتُ في مواجهة الريح عند حفرة ماء، فسيرتفع ذلك الاحتمال إلى مُستوًى خطير. ومعرفة هذا لا تُساعدني وحسب، بل ربما أكون قادرًا على استغلال الاحتمالات الشرطية لصالحي؛ من خلال الاستعانة بالتمويه مثلًا، أو بمُحاكاة مظهر حيوانٍ سامٍّ أو عدواني.

لقد تطوَّر المجتمع الإنساني أيضًا بطرُق تعكس هذه الأفكار الإحصائية المؤثِّرة. تحديدًا، تطوَّرنا بحيث أصبحْنا نستفيد بمزايا الأعداد الكبيرة، عبر تعقيدٍ مُتزايد زيادة كبيرة في تنظيمنا الاجتماعي. وهذا لا يعني أننا كنا عادةً على وعيٍ بهذه المزايا، ولا كنا على وعيٍ أيضًا بأن تنظيمَنا الاجتماعي قد خُطِّط له مع وضع مثل هذه المزايا في الاعتبار. بل على العكس تمامًا: لقد تطوَّر فهمنا الواعي للأفكار الإحصائية ببطء، وعادةً ما كان ذلك استجابةً لتطوُّراتٍ اجتماعية سابقة. على سبيل المثال، كان النظام الإحصائي الرسمي ثمرةً لحاجة الدول القومية في القرن الثامن عشر لتعداد مواطنيها ومراقبتهم، ولتعزيز الموارد المالية العامة من خلال بيع المعاشات السنوية التي كانت ربحيَّتُها تَعتمِد على فهم أنماط الوفيات في تعدادها السكاني الكبير بالفعل.3 غالبًا ما تَتناسَب استجابتُنا العاطفية للأحداث في حياتنا مع مجموعات مجتمعات الصيد والجمع الصغيرة التي تطوَّرنا داخلها أكثر ممَّا تتناسب مع ملايين تفوق الحصر من الأشخاص الذين ترتبط بهم مصائرنا اليوم؛ فتقرير تلفزيوني عن خطف طفلٍ وقتله، مثلًا، له تأثير صادم لعمل وحشي نادر حقًّا، إلا أن وسائل الإعلام الإخبارية تصطاد في محيط شاسع بحيث يُمكنها أن تُقدِّم لنا وجبةً يومية من قصصٍ إخبارية على نفس الشاكلة، إذا كان لدينا شهية مفتوحة لهذا النوع من الأخبار. وعادةً ما يتشكَّل إدراكنا للمخاطر من بروز الأحداث وتسليط الضوء عليها أكثر من مدى تكرارها الحقيقي؛ فعدد الأمريكيين الذين لقُوا مصرعهم في حادث الطائرة المُختطَفة في ١١ سبتمبر ٢٠٠١، أقل بكثيرٍ من عدد الذين لقوا مصرعهم في حوادث سيارات خلال الأسبوع التالي، إلا أن أحداث ذلك اليوم المُروِّع قد صارَت لا تُمحى من إدراكنا، الأمر الذي تسبَّب في شعور ركاب الطائرات بالتوتُّر وأدَّى إلى إحجام ملايين المسافرين عن السفر بالطائرات من أجل شعورٍ زائف بالأمان في السفر بالسيارة.

إنَّ تعقيد المجتمع المُعاصِر له تأثيرٌ جذري على أنواع المخاطر التي نُواجهها في حياتنا؛ فالكثير من هذه المخاطر أقلُّ بكثيرٍ من المخاطر التي كان يُواجهها أسلافنا، وبعضها أكبر بكثير. إلا أنَّ قدرتنا واستعدادنا للمُشاركة في التجربة الكبرى التي أوجدت المجتمَع المعاصر مرهونتان باستعدادنا للثِّقة في الغرباء الذين نُقابلهم، وهو استعداد عاطفي أكثر من كونه عقلانيًّا. ما الذي يجعلنا على استعدادٍ لأن نَأتمن قائد طائرة على حياتنا، ونقبل أن نتناول طعامًا يُقدِّمه لنا شخص غريب بأحد المطاعم، ونستقل عربة مترو مكتظة بمنافسينا الوراثيين؟ في أغلب الوقت، لا نُفكِّر في هذه الاختيارات لأكثر من لحظة؛ وحين نفكر فيها على نطاقٍ واسع، وخاصة في المناقَشات السياسية، فإنَّ آمالنا ومخاوفَنا يُمكن أن تكون نابعةً من أشباح؛ كالأجانب، والمُتآمِرين ذَوِي النفوذ، والعلماء المُختلِّين، ومُختطِفي الأطفال والإرهابيِّين. يجب على «الإنسان العاقل»، المزوَّد بالانفعالات العاطفية التي نشأت لتُقيم مخاطر الصيد، واحتمالية العثور على الجذور والبذور لأكلها، وأخطار التورُّط في تحدِّي مَن لهم الغلَبة والسيادة في جماعته، وإمكانية ارتكاب الزنا دون افتضاح أمره، أن يطوِّع هذه الأدوات المعرفية لتقييم الأغذية المُعدَّلة وراثيًّا، وعوائد صندوق التقاعُد الخاص به، وتحديد ما إذا كان عليه أن يَدفع مقابل تزويد سيارته بوسادةٍ هوائية، أو السماح لابنتِه بالذهاب إلى متجر البقالة بالدرَّاجة، والمخاطرة المُتزايدة للتعرُّض لهجومٍ إرهابي إذا اختار العيش وسط المدينة بدلًا من العيش في الضواحي. تظلُّ بعض الثوابت قائمة — كأخطار التورُّط في تحدِّي مَن لهم الغلَبة والسيادة في جماعته، وإمكانية ارتكاب الزنا دون افتضاح أمره — إلَّا أن نِطاق التحديات الجديدة أصبح شاسعًا.

في هذا الفصل، نَستعرض المزايا التي جلبتْها لنا الأعداد الكبيرة، وفي الفصل الثالث نتساءل كيف حدَث هذا، كيف جعلت نفسية الصيد وجمع الثمار هذه المزايا في مُتناولنا. مع أن قُدرتنا على الثقة هي نتاج تطوُّرنا، وبناءً على ذلك هي عُرضة للتأثيرات الوراثية القوية، فلا شيءَ يُوحي بأنَّ هذه التأثيرات الوراثية حدَّدتْ بدقةٍ كيف نتصرَّف؛ ولو كانت قد فعلت ذلك؛ أي لو لم نَستطِع تكييف أنفسنا مع التحدِّيات الجديدة، ما كانت التجربة الكبرى قد بدأت من الأساس. لقد اتَّخذ تطوُّر السلوك الإنساني طابعًا عشوائيًّا، ولم تَندمِج الحوافز المُتنوِّعة، التي دعمَها الانتقاء الطبيعي بين أجدادنا في فتراتٍ مُختلفة، بصورة كاملة في فِكر أحفادهم وتصرُّفاتهم. مع ذلك، من المُهم لنا أن نفهم بعض السِّمات المُميزة والمؤثِّرة على لجنة التناقُضات التي تُمثِّل عقل الإنسان الحديث. إنَّنا نُواجِه صراعات؛ مثلًا، بين تقديرنا العقلاني بأنَّ احتمالية الموت في طائرةٍ أقل من الموت في السيارة وشعورنا بقدْر أكبر من الأمان العاطفي حين نتولَّى نحن عجلة القيادة بأيدينا بدلًا من ترك أزرار تحكُّم الطائرة في يد شخصٍ غريبٍ غير مرئي. كان لا بدَّ لقُدراتنا على التفكير العقلاني أن تبقى عبر ملايين السنين في مواجهة نوعيَّات مُحدَّدة من مشكلات البقاء، وفي تنافس مع قدرات التفكير العقلاني للضَّواري والمنافِسين الذين نُواجههم. لقد ترك هذا التاريخ بصمةً لا تُمحى على طريقة تفكيرنا وتصرُّفنا.

مشاركة المهامِّ بصفتها وسيلةً لتقليل المخاطر

يختلف البشر عن جميع الأنواع الأخرى من نواحٍ عديدة، وأحد الأشياء ذات الأهمية الخاصة والتي تُسهم في فَهمنا للخطر هي مشاركة المهام بدرجةٍ كبيرة مع الأفراد الذين لا تجمعنا بهم صِلة قرابة. فمُشاركة المهام تحدث بدرجة محدودة في جميع الأنواع التي تتكاثر جنسيًّا. فالأب والأم يُقدِّمان إسهامات مختلفة لتنشئة الأبناء وتربيتهم، وعادةً ما تكون إسهاماتٍ متفاوتة بدرجة كبيرة فيما يتعلق باستثمار الوقت والطاقة التي تقتضيها هذه الإسهامات، ولكنَّهما ضروريَّان للمُحصِّلة النهائية. إلا أن قدرة البشر — ذات الطبيعة الاستثنائية كما رأينا — على مشاركة المهام بانتظامٍ وبدقَّة مع الآخرين الذين لا تَجمعهم بهم صِلة مكَّنتهم من استغلال وجود أعدادٍ كبيرة بطريقةٍ لا تتوافَر للثدييات العُليا الأخرى. فالكائنات ذات الأدمغة الكبيرة تتطلَّب استثمارًا أبويًّا مرتفعًا من حيث العتاد الصلب (البروتين) والعتاد المرِن (المعرفة والمهارات) على حدٍّ سواء. وهذا يتطلَّب فترات حمل ورضاعة طويلة، وعددًا محدودًا من الأطفال المولودين في كل فترة حمل. بالإضافة إلى ذلك، تحدد الوضعية المُنتصِبة للبشر، بتقييدها لحجم الحوض عند الإناث، المدة الزمنية التي يُمكن أن يقضيَها الجنين البشري داخل الرحم؛ وقياسًا على معايير القِرَدة العُليا، يُولد أطفال البشر قبل أوانهم على نحوٍ منهجي، وجميعهم يحتاجون إلى رعايةٍ مُكثَّفة. هذه الحقائق تقيد أعداد الأفراد الذين يَجمعُهم ارتباط وثيق ببعض، وربما يتوقَّع أن يظلُّوا على قيد الحياة في فترةٍ زمنية واحدة. ولذلك، يتطلَّب النظام الاجتماعي البشَري إما وحداتٍ صغيرة الحجم نسبيًّا (مثل جماعات الصيد وجمع الثمار) أو تطوُّر القدرة على تبادُل السِّلع والخدمات بين الأفراد الذين لا تجمعهم صلة بعضهم ببعض. لقد تجنَّبت الحشرات الاجتماعية مواجَهة هذه القيود بسبب حجم أدمغتها البالِغة الصِّغر؛ وهذا تحقَّق بتكلفةٍ تمثَّلت في الالتزام بمجموعة محدودة من الأنماط السلوكية المُكتسبة الجامدة من جانب كل فرد.

ما المنافع التي تُحقِّقها الأعداد الكبيرة؟ هنا، تَبرُز ثلاث منافع؛ مشاركة المخاطر، والتخصُّص، وتراكم المعرفة. ففي مجتمَع حديث يتَّسم بالتعقيد، تبدو ميزة مشاركة المخاطر جلية؛ فمخاطر العالَم الطبيعي والعالَم الاجتماعي لا تقع على عاتق الجميع في آنٍ واحد، وتُمكِّن الأعداد الكبيرة من مشاركتها. لا يحدث فشل المحصول لدى جميع الأفراد في الوقت نفسه؛ ولا تحترق جميع المنازل في الليلة نفسِها؛ ولا تفشل جميع الاختراعات في تحقيق الهدف منها. أحيانًا تتحقَّق مشاركة المخاطر على نحوٍ جلي، كما يَحدث حين تَستعين شركة تأمين بإيرادات قسط التأمين من مُؤمِّنٍ محظوظ لدفع تعويض ضرَر لحِقَ بمؤمِّنٍ تعيس الحظ. وفي أغلب الأحيان، تَحدُث مشاركة المخاطر بصورةٍ ضمنية، كما يحدث حين يستطيع البنك أن يوفِّر لي عائدًا مُتوقعًا على استثماري أكثر مما لو كنتُ أقرض أيًّا من عملائه المُقترِضين مباشرة. أحيانًا، تكون التقلُّبات في أوضاع السوق في حدِّ ذاتها طُرقًا لمشاركة المخاطر: فعندما يَحدث فشل واسع في الحصاد في منطقةٍ ما، تميل الأسعار إلى الارتفاع، وهو ما يَعني أن المُشترين يَتشاركون الخسائر التي كان من شأنها أن تُؤثِّر على البائعين فقط. وهذه الأسعار المُرتفعة تَجتذِب المورِّدين من أماكن أخرى، مما يوفر آليةً طبيعية يُرسِل مزارعو المحاصيل غير المتضررين من العجز بمقتضاها إمدادات إلى المزارعين المُتضرِّرين. وبصورة أعم، الأعداد الكبيرة مصدر راحة ليس فقط لباعة حلوى المثلجات ونادلي الطاولات في الحدائق العامة، وإنما لجميع التجار الذين يُواجهون طلبياتٍ غير متوقعة لِما يبيعونه. إنها مصدر راحة لكل الراغبين في الخروج وشراء أي شيء، من شطيرة بيتزا وصولًا إلى سروال، دون أن يُضطروا إلى التقدُّم بطلَبٍ خاص لها ولجميع مكوناتها ومركباتها مُسبقًا قبل فترة طويلة. وهذه الطرق الخاصة بالاستفادة من الأعداد الكبيرة لا تُؤتي ثمارها دومًا؛ فالبنوك قد تُعلن إفلاسها، والبيتزا قد تَبقى على أرفف المتاجر، وربما تَعني نوبات المضاربة الجنونية أنَّ الأسعار المرتفعة تجتذب المُشترين أكثر من الباعة (مثلما حدث في أزمة جنون التوليب في القرن السابع عشر أو فقَّاعة الإنترنت في أواخر القرن العشرين). إلا أنَّ الأمر يتطلَّب أعدادًا كبيرة ليؤتي ثماره، وأي مُستفيد منها يستعين بقوانين الإحصاء، سواء أكان مُدركًا لذلك أم لا.

واجه أجدادنا في مجتمع الصيد والجمع معظم أخطار الطبيعة وحدَهم أو داخل مجموعاتٍ صغيرة تكوَّنت بالأساس من الأقارب المباشرين. ومع ذلك، فثمة أدلة على أنهم بدءوا العيش في مجموعاتٍ أكبر تدريجيًّا أثناء تطورهم. ولقد أوضح عالِم الأنثروبولوجيا روبين دنبار وجود ارتباطٍ إيجابي عبر أنواع الرئيسيات بين حجم الدماغ ومتوسط حجم المجموعات، وذهب إلى أن الأفراد بحاجةٍ إلى قدراتٍ ذهنية إضافية للبقاء على عِلم بالتعقيد المُتزايد للعلاقات الاجتماعية في المُجتمعات الأكبر حجمًا.4 ومع وجود بعض الاختلاف في الآراء حول كيف ينطبق هذا بالضبط على أجدادنا البشر الأوائل، يبدو من الجدير بالتصديق أنه بينما تعيش قرود الشمبانزي في مجموعاتٍ تتألَّف من ٦٠ فردًا تقريبًا، فإن أنواع الأسترالوبيثسينات، التي ظهرت قبل ٤٫٥ ملايين سنة، كانت تعيش في مجموعات بلغ متوسط أعداد أفرادها ٧٠ فردًا، وعاش صانعو الأدوات الأوائل (قبل حوالي ٢ مليون سنة) في مجموعاتٍ من حوالي ٨٠ فردًا، كان «الإنسان المُنتصِب» يعيش في مجموعاتٍ من حوالي ١١٠ أفراد، وكان إنسان نياندرتال يعيش في مجموعاتٍ من ١٤٠ فردًا تقريبًا. ومن المُرجَّح أيضًا أن بنية المجموعات صارت أكثر مرونة، مع التقاء مجموعاتٍ فرعية من وقت لآخر للتعاون في مشروعاتٍ أكثر طموحًا.

ومع أن البنوك وشركات التأمين والأسواق لم تكن موجودةً حينئذٍ على النحو الذي نعرفه الآن، أتاحت هذه المجموعات الأكبر عددًا مشاركةً أفضل للأخطار. وكان بوسع أولئك الذين عثروا على صيدٍ أن يتشاركوا صيدَهم مع باقي أفراد المجموعة مع عِلمهم بأنهم سيستفيدون بالمِثل في أوقات شدَّتِهم من حظوظ الآخرين. كما أتاحت المجموعات الكبيرة أنشطةً أوسع نطاقًا؛ مثل صيد فريسةٍ كبيرة، أدَرَّت كمية بروتينات أساسية لتغذية صغارٍ ذوي أدمغة كبيرة. وجزء من السبب يعود إلى مزايا مشاركة الأعداد الضخمة في مسابقات القوى؛ ففُرصة صيد الفريسة لمجموعةٍ عددُها ضعف عدد مجموعةٍ أخرى أكبر بكثيرٍ من الضعف، ومن ثَمَّ يتوافر لكل مجموعةٍ من المجموعتَين اللَّتَين يُمكنهما التعاون معًا فرصة للعثور على بروتين أفضل بكثيرٍ من عمل كل مجموعة بمفردها. وجزء من السبب يعود إلى التأمين؛ إذ تستطيع المجموعة الكبيرة أن تُخصِّص بعضًا من أفرادها لإنجاز مشروع محفوف بطبيعته بالأخطار مثل صيد فريسةٍ ضخمة وكبيرة، مع عِلمهم بأن الإخفاق في الصيد، أو حتى موت الصيادين، لن يعني حدوث مجاعةٍ للمجموعة ككل.

مشاركة المهام والتخصُّص

النتيجة الأساسية الثانية لقُدرة البشر على مشاركة المهام مع الأشخاص الذين لا تربط بينهم صِلة قرابة هي أن الأعداد الكبيرة تُتيح التخصُّص. فعندما تتعاون مجموعة كبيرة من الأفراد لكسب العيش في بيئةٍ عدائية، تظهر تحديدًا المنافع الحقيقية حين لا يتصرَّف الجميع على نحوٍ مُماثل، وهذه الحقيقة تتطلَّب منهم الاستعانة بقوانين الاحتمال الشرطي بطريقةٍ أكثر تقدُّمًا.

أُكرِّر ثانية أنه، في مجتمعٍ حديث يتَّسم بالتعقيد، قد يُعتبر هذا أمرًا بديهيًّا. فلا يستطيع مزارع واحد بأيِّ حالٍ أن يُنتج التشكيلة المُتنوعة من كل الأغذية المتاحة في متجرٍ عصري كبير، هذا لأنه ثمَّة منافع يُحقِّقها أي مُزارع من التركيز على زراعة بضعة محاصيل ولأنه لا يُوجَد مناخ واحد وتربة واحدة مناسبان لإنتاج كلِّ شيءٍ يَستمتِع البشر بتناوله. فعلى سبيل المثال، الألمان مُولَعُون بالموز بصفةٍ خاصة؛ ولديهم أعلى معدَّلات استهلاك للفرد الواحد في العالَم. ولكن الموز ينمو على نحوٍ سيئ (وبتكلفة باهظة) في ألمانيا، ولذا يُركز الألمان على إنتاج محاصيل أخرى، محاصيل يُمكنهم تصديرها من أجل استيراد الموز في المقابل. في الواقع، لفَت مبدأ الميزة التنافسية، الذي اقترحه عالم الاقتصاد ديفيد ريكاردو في القرن التاسع عشر، الانتباه إلى الحقيقة المذهلة؛ ألا وهي أنه من المنطقي للأفراد والدول أن يتخصَّصوا حتى وإن كانوا يُجيدون القيام ﺑ «كل شيء».5 ينبغي لهم أن يُركزوا على القيام بما يُجيدونه على أفضل وجه، تاركين الباقي ليقوم به الآخرون. فلا ينبغي لجرَّاح أعصابٍ أن يجزَّ عُشب حديقته، حتى وإن كان يفعل ذلك على نحوٍ أفضل كثيرًا من البُستاني خاصته؛ لأن الوقت الذي يقضيه في جزِّ العُشب سيكون أكثر إنتاجيةً إذا قضاه في جراحة الأعصاب. وذلك أمر جيد لجرَّاحي الأعصاب، وكذلك للبُستانيين، بل هو كذلك حتى (أو على وجه الخصوص) للبُستانيين غير البارِعين. فكل شخصٍ يتمتَّع بميزةٍ «تنافسية» في شيء ما حتى وإن كان لا يُوجَد ما يُجيد القيام به على وجه الخصوص.

وثمة شيء مُماثل يَنطبِق على الإسهامات المُتنوِّعة في عملية تصنيع القمصان. من الممكن جدًّا أن يصنع شخصٌ واحد قميصًا بالكامل، من الألف إلى الياء، ولكن يجب على ذلك الشخص أن يُنجِز مجموعة كبيرة من المهام، بدايةً من زراعة القطن والغزل والنسيج، وتصميم الأزرار المبتكَرة على آخِر صيحات الموضة من مواد مناسبة، وتصنيع جميع الأدوات المُستخدَمة في هذه العمليات المتنوعة. ولكن في العالَم المعاصر، لا تُصنع القمصان بهذه الطريقة، إلا بأيدي شعب الهوبي الفقير جدًّا أو الهيبيز الأغنياء جدًّا. وبدلًا من ذلك، يتخصَّص المشاركون المختلفون، إما بسبب مزايا فطرية يتحلَّون بها لأداء مهمَّةٍ بعينها أكثر من غيرها (على سبيل المثال، لدى سكان الهند ميزة جغرافية يتفوَّقون بها على سكان الإسكيمو حين يتعلَّق الأمر بزراعة القطن) أو بسبب مهارة مُكتسبة. في بعض المهام، ربما لا يُهم أي تخصص تختاره طالَما أنك مُتخصِّص في شيءٍ ما.

ولكن التخصُّص في حدِّ ذاته قد يكون عمليةً محفوفةً بالمخاطر، خاصة إذا تطلَّب تدريبًا أو أنواعًا أخرى من الاستثمار؛ فلعلَّه من ثَمَّ يكون مرهونًا بوجود أعدادٍ كبيرة من العملاء المُحتمَلين لكي يجدُر الاضطلاع به. في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ذكر آدم سميث النحو الذي ربما كان يُوجَد عليه عادةً الحِرفِيُّون — المُتخصصون في شيء كان أكثر اعتمادًا على الآخرين من مجرد زراعة المحاصيل — مُتركِّزين في المدن. ففي المدن، كانت احتمالية اختفاء السوق التي يعرضون فيها منتجاتهم أقل (كما أنه كان بإمكانهم التعلُّم أيضًا من أقرانهم في المجال). كان ثمَّة حدٌّ لهذا التركيز؛ فالحدَّادون، مثلًا، مكثوا غالبًا في القرى، لأنهم كانوا بحاجةٍ إلى خيول، والخيول كانت بحاجةٍ إلى الأرض. كان العمل حدادًا في عصر آدم سميث أقلَّ مخاطرة ممَّا هو عليه في وقتنا الحالي، نظرًا لأن أغلب القرى كان لديها عدد كافٍ من الخيول يكفي حدَّادًا واحدًا على الأقل. على النقيض من ذلك، وظيفة عالِم أحياء اليوم أقل مخاطرة من العمل حدادًا؛ ففي القرن الثامن عشر أغلب علماء الأحياء كان لا بدَّ أن يكونوا مُوسِرين؛ بحيث لا يتأثَّر مورد رزقهم باختيارهم الوظيفي. لكن يتعيَّن على كلٍّ من علماء الأحياء والحدَّادين أن يَستثمروا وقتهم وغالبًا أموالهم في اكتساب المهارات اللازمة لمِهَنهم. وعليهم أن يتَّخذوا هذا القرار قبل أن يعرفوا مَن تحديدًا سيهتمُّ بمهاراتهم بدرجةٍ كافيةٍ لأن تُوفِّر لهم شيئًا قيمًا في المقابل. وكلما زاد عدد السكان، الذين يعيشون وسطهم أو الذين يَستطيعون المُقايضة معهم، وازداد ثراؤهم، زاد احتمال تقبُّل أيِّ درجةٍ من التخصُّص في مقابل مستوًى معقول من المخاطرة (كانت وفاة تشارلي دوجلاس في أبريل ٢٠٠٣، وهو مخترع التسجيل الصوتي لضحكات الجمهور بالتليفزيون، بمثابة تذكرة قوية بأن العالَم المعاصر قدَّم عددًا وافرًا من المِهَن المُتخصصة التي كان من شأنها أن تُربك أجدادنا المُعاصرين (انظر صحيفة «ذي إندبندنت»، ٢٥ أبريل ٢٠٠٣)).

لقد تشكَّل قدرٌ كبير من التعقيد المتزايد للمجتمعات الإنسانية خلال البضعة آلاف سنة الأخيرة، من نزعة ذاتية التعزيز للتخصُّص؛ فالتخصُّص يزيد مستوى الرفاهية لكي يتفرَّغ المزيد من الأفراد لتطوير طموحاتٍ جديدة أو إشباع طموحاتٍ قديمة؛ ومن ثَمَّ اكتساب الثقة الضرورية للتخصُّص في المقابل. ومن منطلق نفس المنطق، وقعت مجتمعات بأسرِها في بعض الأحيان في فخٍّ أدَّى فيه الفشل في التخصُّص إلى حرمانهم من الرفاهية التي ربما جعلتْ مثل هذا التخصُّص بسيط التكلفة. ومن ضمن الأمثلة على ذلك نجد اليابان التي عزلَت نفسها عن العالَم الخارجي بدايةً من القرن السابع عشر وحتى منتصَف القرن التاسع عشر،6 والكثير من الدول الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى بأفريقيا والتي نالت الاستقلال من القوى الاستعمارية في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

في الواقع، شرعت مجتمَعات الصيد وجمع الثمار في التخصُّص بمجرَّد أن وجدت وسائل لإدارة التعاون بين الأفراد الذين لا تجمعُهم صِلة قرابة. حتى مهام الصيد نفسها يُمكِن تقسيمها؛ إذ يتخصَّص بعض الأفراد في تتبُّع الحيوانات؛ لأنهم يُجيدون ذلك فطريًّا، أو لأنهم كرَّسوا الكثير من الوقت والجهد لإتقان المهارات اللازمة لذلك، أو للسببَين معًا. في حين أنَّ الآخَرين هم واضعُو الاستراتيجيَّات، الذين يُخطِّطون ويُوجِّهون خطَّ سَير العمليات. وربما يؤدي آخرون دور الطُّعم؛ إذ يتعلَّمون تقليد أصوات الطيور وغيرها من الحِيَل التي تُوقِع الفريسة في الفخ. بينما يقوم آخرون بالمجهود العضلي الخاص بالصيد. لا بدَّ أنه حتى الجماعات الصغيرة من الأقارب كانت تُقسِّم المهام بين أفرادها بدرجةٍ ما، ولكن حين زاد حجم الجماعات، صار التخصُّص أكثر طموحًا، وكذلك صارت استخداماته التي يمكن أن يُوجَّه إليها.

بمجرد أن أصبحَت الجماعات على استعدادٍ للتعامُل السِّلمي المبدئي مع جماعاتٍ أخرى، صار بوسعِها المُقايَضة مع تلك الجماعات، وأدَّى ذلك بدَوره إلى توسُّع كبير في أنواع الأغذية والأدوات والموارد التي أُتيحَت لهم سبُل الوصول إليها. ولدَينا أدلَّة على حدوث التبادل بين أفراد مجتمع الصيد وجمع الثمار منذ آلاف السنين قبل اختراع الزراعة، مع أنه لا بدَّ وأنَّ نمَطَ حياتهم جعل مثل هذه التعامُلات غير مُنتظِم ومحدودًا مقارنةً بالفُرَص المتاحة للمزارعين المُستقرِّين في الألفيَّات اللاحقة. وربما لعبت بعض أقدم الأغراض الرمزية المعروفة، مثل الخرز المنحوت الذي يعود تاريخه لأكثر من أربعة آلاف سنة، دورًا في تيسير مثل هذه التعامُلات.7 وفي العصور الأحدث، كان لدى السكَّان الأصليِّين بشمال أستراليا فئوس حجرية مع أنهم كانوا يعيشون على بُعد مئات الكيلومترات من أقرب المَحاجر (كانوا يُقايضُونها بالرماح المُستدقَّة الأطراف مع القبائل المجاوِرة) بل إنه كان لدَيهم فئوس فولاذية، قبل أول اتِّصال لهم مع التجَّار الأوروبيين، في نهاية القرن التاسع عشر بوقتٍ طويل.8 أتاحت التجارة الاستعانة ليس فقط بمهارات الجيران وإنما بمهارات جيران الجيران أيضًا، وهلمَّ جرًّا.

ربما ظهر أعظم ابتكارٍ حين زاد حجم الجماعات بدرجةٍ أتاحَت لبعض أفرادها أن يتخصَّصُوا بالكامل في أنشطةٍ لم تُسهِم مُباشرةً في الإمدادات الغذائية للجماعة؛ مثل شنِّ حروبٍ ضدَّ الآخَرين وتنظيم المعرفة ونقلها. ومن هنا، خرج الجيش والكهنوت إلى النور.

تطلَّب حدوث ذلك الكثير من الظروف التمهيدية — لا سيما الاعتماد على الزراعة وتبنِّي نمَط الحياة المُستقرَّة — التي بدونها يَستحيل تخزين الطعام على نطاقٍ كبير. ولكن بمجرد أن حدث ذلك، قبل عشرة آلاف سنة مضت، زاد حجم الجيش والكهنوت وزادت أهميتهما زيادةً سريعةً؛ لأنَّ الجماعات كانت تَتنافَس بعضها مع بعض. فبمجرد أن تستثمر في إعداد جيش، يكون من المُجدي أن تعدَّ جيشًا كبيرًا، لأنه يُمكنك بعد ذلك أن تستعبِد الجماعات الأخرى ذات الجيوش الأصغر أو الأضعف من جيشِك وتَسلُبهم الطعام دون أن تُضطرَّ إلى زراعته أو جمعِه بنفسك؛ وسرعان ما صار العبيد طبقةَ المتخصِّصين الثالثة. وبالفعل عادةً ما تكون سَرِقة الطعام من مُجتمعات الصيد والجمع مُرهِقة أكثر ولا تستحقُّ كل هذا العناء، نظرًا لأنها لا تمتلك إلَّا القليل جدًّا مما يُمكن سلبُه منها. أما المزارعون، الذين كانوا يختزنون محصولًا كاملًا، فيُمثِّلون وحدَهم هدفًا يستحقُّ العناء للسلْب والنهب المُنظم. ويتناول الفصل السادس عشر تداعيات هذه الدوَّامة التنافُسية.

وعلى المنوال نفسه، بمجرد أن يكون لديك كهنوت، من المُجدي أن يكون لديك أفراد كهنوت مُتعلِّمون ومُنظَّمون، بحيث يستطيع هذا الجيل من المُتخصِّصين أن يستفيد من بعض مهارات الجيل السابق دون الحاجة إلى تعلُّم كل شيءٍ من جديد. أصبحت الأغراض الرمزية — وهي بمثابة سجلَّات مُعمِّرة لأفكار الأجيال السابقة وأقوالهم — وسيلةً لمشاركة المهام بين الأجيال؛ ومن ثَمَّ أدَّت إلى تراكُم المعرفة الجماعية التي تُمثِّل الميزة الثالثة الكبرى للتعاون بين الأعداد الكبيرة، وهي ظاهرة سنَتناولها بالتفصيل في الفصل الحادي عشر.

حتى قبل اختراع الزراعة، كان التخصُّص قد صار جزءًا من التطوُّر البشري عبر تغيير المكاسب المُتوقَّعة من تطوُّر الذكاء. حين تكون جماعتك صغيرة الحجم وكل فردٍ فيها يتصرَّف على نحو مُتشابه بصورةٍ أو أخرى، فإن المكاسب المُترتِّبة على تنمية قُدرةٍ مُتطوِّرة على الاستبصار النفسي أو الإحساس الدقيق بالتدرُّج الاجتماعي ستكون قليلة. عندما تُصبح المُجتمَعات أكبر حجمًا وأكثر تخصُّصًا، يُصبح احتمال نجاح من يتوقَّعون هذا التعقيد ويتكيَّفون معه أكبر كثيرًا من احتمال نجاح أولئك الذين يَعجزون عن ذلك. ولا بدَّ أن الضغوط الانتقائية لصالِح الذكاء الاجتماعي صارت أقوى بكثيرٍ مع مرور الزمن (واستمرَّت على الأرجح منذ اختراع الزراعة، مع أنَّ هذه الفترة أقصر جدًّا من أن يكون لها تأثير ملموس وواضح). وفي كتاب «عقول ما قبل التاريخ»، ذهب ستيفن ميثن على نحوٍ مُقنع إلى أن الضغوط الانتقائية المُعدَّلة المرتبِطة بالجماعات الكبيرة ومشاركة المهام الأكثر تعقيدًا لعبا دورًا بالغ الأهمية في تطوُّر دماغ الإنسان العاقل. إذ مثَّلا أهميةً خاصة في تشكيل تنمية قدرات الدماغ فيما يتعلَّق بالفن والثقافة واتباع نهجٍ علمي في التعامل مع عالم الطبيعة، الذي لم يترُك لنا البشر الأوائل أيَّ آثارٍ دالة عليه أقدَم من ستة آلاف سنة، على أقصى تقدير.

التخصُّص ونوعيات جديدة من المخاطر

ازداد تخصُّص المجتمعات المعاصرة لدرجةٍ كان سيعجز عن تخيُّلها أجدادنا الصيَّادون وجامِعو الثمار، وكان من شأنه أيضًا أن يكون مُذهلًا لأقاربنا الذين عاشوا في القرن الثامن عشر. قدْرٌ كبير من هذا التخصُّص هو نتاج القدر الأكبر من الأمان الذي تُتيحه المجتمَعات الأكبر حجمًا والأكثر ثراءً، إلا أن أثره لم يُرسِّخ دومًا ذلك الشعور بالأمان. بل على العكس تمامًا؛ فالناس يتخصَّصون أكثر من أيِّ وقتٍ مضى في أنشطةٍ تجعلهم تحت رحمة اختفاء الأسواق المُخصَّصة لعرض مُنتَجاتهم أو مهاراتهم. وهذا ليس أغرب من الملاحظة التي مفادُها أن أصحاب أكثر السيارات الأكثر أمانًا هم عادةً من يقودُون سياراتهم بأقصى درجة من التهوُّر. ومثل هذا السلوك معروف باسم تعويض المخاطر؛ وهذا موثَّق، على سبيل المثال، فيما يتعلَّق بتأثير القوانين التي تفرض ارتداء حزام الأمان بالسيارة.9 (بل إنَّ جون آدمز قد ذهب إلى أننا إذا كنَّا حريصين بالفعل على تقليل حوادث السيارات، فعَلَينا أن نَفرض على جميع السيارات أن تكون مُزوَّدةً بوتدٍ حادٍّ مُثبَّت على عجلة القيادة ومُوجَّه صوب صدر السائق.)10 تعويض المخاطر ليس أمرًا مَرَضيًّا؛ إنه نفس السلوك الذي يَجعلنا — لحُسن الحظ — نتصرَّف حين نكون على سفح الجبل بحذَرٍ أكثر مما نفعل حين نكون وسط المروج. إلا أنَّ للأمر تداعياتٍ بخصوص نوعيات المخاطر التي تُواجهها المجتمَعات المعاصرة.
حتى قبل ستمائة عام تقريبًا في أوروبا، وحتى وقتٍ أقرب قليلًا في شمال أمريكا، كانت مُعظَم الأُسَر تتناول طعامًا كانت تَزرعه بنفسها.11 ولكنها بالتأكيد لم تكن تُحقِّق اكتفاءً ذاتيًّا بالمعنى الحرفي للكلمة؛ نظرًا لأنها عادةً ما كانت تعتمد على الآخرين في بعض الأمور؛ كاستخراج المعدن لصناعة أدوات الزراعة مثلًا. إلا أنَّ التغييرات في صِلاتها بالعالَم الخارجي نادرًا ما شكَّلت تهديدًا لإمداداتها الغذائية. اليوم، وفي البلاد نفسها، من شأن أغلب الأُسَر التي مُنعَت من التبادُل التجاري مع الآخرين أن تموت جوعًا في غضون بضعة أسابيع. ومن المُستبعَد أن تأتيَ التهديدات لقُدرتهم على التبادل التجاري من عوائق مادية، باستثناء أوقات الحروب (مثلما اكتشَف سكان مدينة لينينجراد — التي تُعرف حاليًّا باسم سانت بطرسبرج — تحت الحصار الذي فرَضَه جيش هتلر في شتاء عام ١٩٤١). من المُرجَّح أكثر أن يأتي التهديد لهذه القُدرة من خلال طرح أي شيءٍ للتبادُل التجاري؛ وهو موقف لا يرغَب فيه أحد في شراء ما هو مُضطرٌّ لبيعه. وهذه هي المخاطرة الأساسية التي يواجهها أفراد المجتمعات شديدة التخصُّص اليوم.

وعادةً ما يُخطئ المرء حين يظنُّ أن المخاطر التي تأتي من الاعتماد على التبادل التجاري مع الآخرين أعظم من المخاطر التي تأتي من مواجهة البيئة بمُفرده. فحتى قبل ثلاثمائة عام مضت، كان احتمال موت أغلب الأُسَر جرَّاء عجز المحاصيل الزراعية الخاصة بهم أو جراء أمراض، أعلى بكثيرٍ من احتمال موت أحفادهم اليوم جرَّاء كل هذه الأسباب مُجتمعة. إذ كان يموت طفل واحد تقريبًا من كل خمسة أطفال خلال أول عام من عمره (بل وأكثر من ذلك في المدن المزدحمة والقَذِرة)، مقارنةً بموت أقل من طفلٍ واحد من كل مائتي طفل في أوروبا وأمريكا الشمالية اليوم. وأحيانًا يكون الاكتفاء الذاتي لعنةً إيجابية؛ فبدون التبادل التجاري المُنتظم مع الآخرين لا يُمكنك أن تحصل على العلاج الطبي عندما تحتاج إليه، ولا يُمكنك أن تقترِض لتغطية تكلفة الكوارث المؤقَّتة، ولا يُمكنك أن تستبدِل سريعًا أداةً مُعطَّلة. كلَّف السعي المُضلِّل وراء الاكتفاء الذاتي في العقود الأخيرة الكثيرَ من البلدان الفقيرة ثمنًا باهظًا، ممَّا تسبَّب في عجزهم، مثلًا، عن استيراد الإمدادات الكافية حين يحدُث عجز في محصولها المحلي. لذا، فإن الاعتماد على الآخرين لا يُسفِر بالضرورة عن أن يُواجِه أفراد المجتمعات المُتخصِّصة اليوم مخاطر «أكبر». لكنه يسفر عن مخاطر «مختلفة» تمامًا.

لقد شهد الكثير من الناس، في عالَم اليوم، تهديدًا لمصدر رزقهم أو اختفاءً لمُدَّخراتهم، ليس (أو ليس فقط) بسبب خطأ اقترفُوه بأيديهم، وليس (أو ليس فقط) بسبب مخاطر البيئة الطبيعية والتي هي، من ثَمَّ، مُحايِدة، وإنما بسبب تصرُّفات غير مباشرة لكثيرٍ من الأشخاص الآخرين الذين لم يَستهدفوا في معظم الحالات تلك النتيجة ولا حتى كانوا على درايةٍ بها. لقد وقَع عُمَّال مناجم الفحم على مدى العقود القليلة الماضية بين شقَّي رحى ارتفاع تكاليف استخراج الفحم من الأرض وقرارات العديد من المُستهلكين والساسة وموظَّفي الدولة بأنَّ الفحم وقودٌ باهظ التكلفة ومُلوِّث للبيئة. لم يرغب من يُصدِرون ذلك الحكم في تسريح عمَّال المناجم، ولكن ذلك ما حدث نتيجةً لقراراتهم. خسرت أُسَر كثيرة المدخرات التي استثمرتْها أثناء فترة الرواج العقاري في الولايات المتحدة في ثمانينيَّات القرن العشرين، وفي تايلاند في تسعينيَّات القرن العشرين — ومرة أخرى في الولايات المتحدة في العقد الأول من الألفية الجديدة، كما سأتناول بتفصيلٍ في الفصل الثامن. لم يكن في نية مُستثمِري العقارات، الذين تسبَّب فقدانهم الثقة في انهيار الرواج العقاري، أن يخسر الآخرون مُدَّخراتهم نتيجةً لذلك. لم يعرفوا ولم يهتمُّوا بتلك النتيجة مِثلما لم يعرفوا أو يهتمُّوا بأنَّ الآخرين كانوا يستفيدون من تفاؤلهم أثناء سنوات الرواج. كان سبب ذلك الانهيار سوء فَهم بسيط لقوانين الإحصاء. حيث ظنَّ كلُّ مُستثمرٍ أنَّ الآخرين كوَّنُوا أحكامًا مُستقلة ولم يُدركوا إلى أي مدًى يُوجَد رابط بين ذلك وبين سلوكهم. ولم يُدرِك أحد أنَّ فترة الرواج بأكملها لم تكن سوى فترةٍ زمنية قصيرة.

من الخطأ الاعتقاد بأن التخصُّص والمخاطر المرتبطة به هو نتيجة مُترتِّبة على اقتصاد السوق وحدَه. فاقتصاد السوق هو أحد الأوجه التاريخية للتخصُّص؛ لكنه ليس الوجه الوحيد. بل على العكس تمامًا: يُمكننا أن نجد بعضًا من أتعس الأمثلة في دول الاتحاد السوفييتي السابق على أشخاصٍ بل ومجتمعات بأسْرِها انقطع الطلب على منتجاتها ومهاراتها. في ظلِّ التخطيط المركزي، جرى السعيُ وراء التخصُّص بدرجةٍ كبيرة للغاية، دون الانتباه إلى التكاليف الاقتصادية الحقيقية للنمَط المُعتمد، تلك التكاليف التي كانت مُعوِّقة ولكنها لم تَظهر للعيان حتى تفعيل نظام الأسواق في تسعينيات القرن العشرين. جمع القائمون على التخطيط المركزي بين رغبتهم في ضرورة تخصُّص كل دولة من الكتلة السوفييتية ورغبتهم في ضرورة أن تكون الكتلة ككلٍّ مُكتفية ذاتيًّا فيما يتعلق بباقي الاقتصاد العالَمي. وأُرسل عددٌ كبير من الأشخاص إلى سيبيريا أو آسيا الوسطى في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين لاستغلال الموارد الطبيعية الهائلة في تلك المناطق، إلا أنَّ ما حدث عادةً كان إهدار الموارد بطرُقٍ لم تكن مُمكنة إلا بسبب نظام الأسعار المشوَّه الذي كان يَعتبر الموارد مجانية أو شِبه مجانية؛ إذ استفاد مُزارعو القطن في أوزبكستان من المياه «المجانية»، التي كانوا يَستخدمونها بوفرةٍ مُبالَغٍ فيها لدرجة أن بحر آرال، الذي كانت تصبُّ فيه الأنهار التي بُنيَت عليها وقتئذٍ السدود من أجل الري، تقلَّص إلى نصف مساحة سطحه وانخفض إلى ثُلث حجمه في فترةٍ زمنية أقل من ثلاثين عامًا. وخَلَّف وراءه تجويفًا كبيرًا من أرضٍ جَدباء مُغطَّاة بالملح وملوَّثة كيميائيًّا، ومن هذا التجويف هبت رياح السهوب المُحمَّلة بأتربةٍ سامَّة استنشقَها أكثر من مليونَي نسمة، مُصابون الآن بواحدٍ من أشدِّ أمراض الجهاز التنفسي في العالَم. وهذا استثناء لافت للنظر للادِّعاء المذكور في الفصل الأول بأن القمصان في معزلٍ نسبيًّا عن العوامل الخارجية التفاعلية، من تلك النوعية ذات الصِّلة بالتلوُّث. إذ إنه حين تتعامل السلطات مع البيئة على أنها مصدر قابل للنَّفاد، يُمكن للقمصان القطنية حتى أن تكون ضارةً بنا؛ فتتسبَّب قرارات زراعة القطن في أضرارٍ مباشَرة لصحَّة البشر. كذلك تمتَّع مزارعو القطن الأوزباكستانيون بالطاقة «المجانية»: وأفادَت التقارير التي تعود لعام ١٩٩٥ أنَّ الأُسَر كانت تترك موقد الغاز مُشتعلًا أربعًا وعشرين ساعة في اليوم بسبب نقص أعواد الثقاب. أدَّت الطاقة المجَّانية أو شِبه المجانية إلى تجاهُل الناس تمامًا للحفاظ على الطاقة؛ وحتى اليوم تجري تدفئة الكثير من الشُّقق السكنية في مُدن شمال روسيا بالمراجل التي تُرسِل المياه لمسافاتٍ تَصِل إلى بضعة كيلومتراتٍ في مواسير سيئة العزل مدفونة في الأرض المُغطَّاة بالجليد، وحتى اليوم الطريقة الوحيدة لخفض درجة الحرارة في الكثير من الشقق السكانية هي فتح النوافذ.

fig1
شكل ٢-١: مُلصَق لحكومة أوزبكستان يَستعرض تراجع منسوب بحر آرال على مدى العقود العديدة الماضية. تراجَع منسوب البحر من ٥٣ مترًا إلى ٣٣ مترًا، وحجمُه من ٥٣ إلى ٢٠ كيلومترًا مكعبًا، والتدفُّق السنوي للمياه من ٥٥ إلى ما بين ١ إلى ٥ كيلومترات مكعبة في العام الواحد. التقط الصورة إم إتش جلنتس، الصورة مأخوذة في مدينة نُكوص، بجمهورية قرقل باغستان، أوزباكستان، سبتمبر ١٩٩٥.

ماذا كانت نتيجة ذلك الإسراف؟ النتيجة هي أن مدنًا كثيرةً في مختلف أنحاء روسيا قضت سنواتٍ بعد انهيار الشيوعية في حالة شلل؛ مصانع أسمدة مُلوثة، وخردة مُتآكِلة، وجرَّارات لا يُعتمد عليها، وسِلَع إلكترونية مليئة بالأخطاء — والكثير منها لا يُمكن بَيعُه بسعرٍ واقعي — توقَّفَت تمامًا فور عدم وجود قائمين على التخطيط المركزي يأمُرون بهذه الأنشطة. وفي العموم، بذل من يعيشون بالقُرب منها جهدًا معقولًا وفقًا لمعايير زمنهم. من وجهة نظرهم، لا يبدو أن السبب يعود إلى أن أساليب التصنيع خاصَّتهم كانت قصيرة النظر وإنما يعود إلى أن العالَم قد غير رأيه بشأن ما يُريده.

من الصعب أن نُلقيَ باللائمة على الواقعية الاقتصادية الجديدة، مِثلما يصعب أن نلقي بلائمة الموت على الجنازة. في النهاية، ما زالت محاولات التستُّر على التكاليف الحقيقية، من خلال التلاعُب بالحسابات، تتطلَّب أن يدفع أحدُهم الفاتورة. على سبيل المثال، ظل الصيَّادون، في مقاطعة إيفينك المستقلة في منطقة القطب الشمالي بروسيا، يتعاملون مع شركة تورا للطيران المحلية. ويُوضِّح عالِم الأنثروبولوجيا ديفيد أندرسون:
في فصلَي الربيع والشتاء من كل عام، تَحمل شركة تورا للطيران عددًا من المُواطنين الرُّوس إلى بحيراتٍ وأنهار معزولة في جميع أنحاء المقاطعة لكي يتسنَّى لهم وضع شباك الصيد وجمع البراميل … من أجل صيد السمك الأبيض وسمك التيمالوس. وهذه الخدمة الباهظة جدًّا (حيث إنَّ تكلفة الرحلة الواحدة تبلغ عشرات الآلاف من الروبلات) تُقدَّم في مقابل براميل السمك التي تُمنح إما إلى الطيارين أو إلى الشركة (أو كليهما) لإعادة بيعِها بعد ذلك. تُباع بعض الأسماك الطازَجة في متجر [المدينة] للحصول مقابلها على أموال … ولا شكَّ أن بقية الأسماك يتقاسمها موظَّفُو الطيران. وبالتأكيد، تصِل بعض الأسماك إلى موائد كبار مُوظفي الدولة في كراسنويارسك. ولا تكاد التعريفة الجمركية المُرتفعة، التي فرضتْها شركة الطيران على رحلات الصيد هذه، تُغطِّي التكاليف الورقية للأجور والوقود والتكاليف الرأسمالية للطائرة. وعلى الورَق، كما يمزَح الطيارون، نُفِّذت اتفاقية الدَّين المشترك من أجل النقل مقابل السمك الذي يُعدُّ وزنه أغلى من الذهب.12

استمرَّت الاتفاقية لوقتٍ طويل حتى بعد أن انتفَت عنها صفة التوفير؛ لأنه لم تُسدَّد مُطلقًا ديون كثيرة، مما أدخل كِلا الطرفين في حلقةٍ مفرَّغة لإهدار الأموال من أجل تحسين الوضع السيئ.

وعندما تنقطع سبُلُ الرِّزق، في بعض الأحيان تفيد التعويضات المالية؛ ولكن هذا يحدُث فقط في بعض الأحيان. في حالة العُمَّال الأصغر سنًّا، يُمكن لتعويضات التسريح من العمل أن تُقدِّم الدافع الضروري للانتقال وإعادة التدريب وبدء حياةٍ جديدة. أما في حالة العاملين البالِغين من العمر أربعين عامًا فما فوق، غالبًا يكون الأوان قد فات؛ فالمال قد يُجنِّبهم الجوع، إلا أنه لا يُمكن مُطلقًا أن يُعيد إليهم الشعور بأنهم عاشوا حياةً ذات قيمة. وفي البلدان المُزدهرة، عادةً يكون من يُعانون بهذه الطريقة مُوزَّعين ومُتفرِّقين بين السكان، وغير مُدرِكين للهوية المشتركة. وأحيانًا، يصيرون تربةً خصبة للغضب والحركات السياسية الناقمة؛ المَعنية عادةً، وليس دائمًا، بالحقوق السياسية. وفي روسيا بعد سقوط الاشتراكية، وجدوا تطابقًا كئيبًا في إحصائيات الوفيات: تراجَع مُتوسِّط العمر المُتوقَّع للرجال من ٦٥ عامًا في ثمانينيَّات القرن العشرين إلى ٥٧ عامًا في تسعينيَّات القرن نفسه — وهو مستوى يكافئ نفس مستوى متوسط الأعمار في زامبيا قبل ظهور الإيدز، وعلى النقيض من زامبيا، لا يُعزى هذا بالأساس إلى وفيات الرُّضَّع وإنما إلى تضاعُف مُعدَّل الوفيات بين الرجال فوق سن ٤٥ عامًا. جاء تناول الفودكا وحالات العنف عادةً ضمن الأسباب، وغالبًا مُجتمعَين، وارتفعت معدَّلات الانتحار ارتفاعًا كبيرًا. ومع النمو الاقتصادي المتجدِّد في مطلع الألفية الجديدة، بدأت معدَّلات الانتحار تتراجع مرة أخرى وارتفع متوسط العمر المتوقع للرجال ليصل إلى ٦١ عامًا تقريبًا. إلا أن التقدُّم المُحرَز هو تقدُّم هش، وقد يتراجع بسبب الأزمة الاقتصادية الحالية التي لحقت بروسيا.

ومأزق عمال الصلب وعمال المناجم والصيادين العاطلين من العمل (ناهيك عن عمَّال النسيج وموظفي السكرتارية وعمَّال تجميع السيارات في العالَم الغني، وكل مَن تراجَع الطلَب على مهاراتهم عما اعتادوا عليه من قبل) ليس مأزقًا جديدًا تمامًا في التاريخ. وإنما أُضيف إلى قائمة الأخطار التي كانت مألوفةً أكثر لدى أجدادنا الصيادين وجامعي الثمار: أخطار عالَم الطبيعة وحيواناته المفترسة والمخاطر التي فرضَها الأعداء من البشر، والتي لم يختفِ أيٌّ منها. ما زالت استجاباتنا العاطفية للأخطار تَتشكَّل من خلال إرث أجدادنا الصيادين وجامعي الثمار. ونحن نتعامل مع من يُعانون من أخطار الحياة باعتبارهم إما ضحايا للصدفة العمياء التي قد نخشاها ولكن لا يُمكننا أن نستاء منها من الناحية المنطقية، أو ضحايا وقَعَ عليهم الاختيار لعدوانٍ مُتعمَّد تكون استجابتنا العاطفية حياله هي الاستياء، واستجابتنا الوجيهة الوحيدة حياله هي الانتقام. يَنقسِم النقاش الدائر اليوم حول التغيير الاقتصادي في عالَمٍ مُتكامل بين قُطبين لا ثالث لهما، أولهما هو أولئك الذين لا يرون خسائر، وإنما فقط ضحايا (مثل الأبطال تعساء الحظ الذين كافحوا لمنع إغلاق مناجم الفحم البريطانية في الإضراب الطويل والفاشل عامي ١٩٨٤-١٩٨٥)، والثاني هو أولئك الذين لا يرون ضحايا، وإنما خسائر فقط (مثل الدعاة النشيطين للعولمة الذين لا يهتمُّون إلا بالحدِّ من المُعوِّقات التجارية، ولا يهتمون بمن سيتضرَّرُون نتيجة لذلك). والحقيقة أنَّ من يتضرَّرون بالتغيير الاقتصادي في عالَم اليوم هم على الأرجح ليسوا خاسِرين ولا ضحايا. بل هم يَندرِجون تحت فئةٍ مختلفة، فئة تحتاج إلى كلٍّ من الاستجابة العاطفية والعملية اللتَين أعدَّنا تاريخنا لهما إعدادًا رديئًا.

وهذا يُعيدنا إلى الفكرة التي بدأنا بها. يتَّسم الذكاء العملي الذي تطوَّر بين البشر ببراعةٍ بالغة في التلاعُب بالبيئة الطبيعية والتحكُّم في التعامُلات بين مجموعات الأفراد الصغيرة التي يَلتقي بعضها ببعض كثيرًا وتعرف بعضُها البعضَ جيدًّا. فقط في العشرة آلاف سنة الأخيرة — وهي فترة حديثة جدًّا لا تُتيح للتطوُّر الجيني أن يُسهم في تعديل الاستجابات العاطفية والعقلانية الملائمة — كان على البشر أن يتأقلَمُوا على نطاقٍ كبيرٍ مع تأثير الغرباء، ولم يُصبِح هذا التأثير حقيقةً سائدة في الحياة اليومية إلا في المائتَي سنة الأخيرة أو نحو ذلك. ولكي نُسيطِر على الأخطار التي تفرضها علينا تصرُّفات الغرباء، تطلَّب الأمر منَّا الاستعانة بمهارةٍ مُختلفة أورثَنا إيَّاها التطوُّر لأغراضٍ مختلفة تمامًا؛ ألا وهي القُدرة على التفكير الرمزي المُجرَّد. وتسعى المؤسَّسات السياسية، في استجابتها إلى المخاطر وكذلك تعامُلها مع النزاعات، إلى كبحِ الانفعالات العاطفية ومشاعر الاستياء، الخاصة بجماعة الصيد وجمع الثمار، بالخيوط الرفيعة للتفكير التجريدي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤