الفصل الثالث

العنف عبر التاريخ الإنساني

الطبيعة الإجرامية لدى البشر

بانبو هي قرية في وسط الصين كان يَسكنها مجتمع زراعي صغير قبل ستة آلاف عام تقريبًا. بعدما أعاد علماء الآثار بناء القرية، كان عشرون كوخًا تقريبًا تلتفُّ حول مبنًى أكبر قليلًا، بالإضافة إلى حظائر أصغر مساحةً للحيوانات ولتخزين الطعام. وهي تُشبه كثيرًا القرى الصغيرة الموجودة في جنوب الهند حيث أمضيتُ عامًا أُجري أبحاثًا ميدانية بصِفتي طالب دراساتٍ عُليا. وربما يكون المرء معذورًا في تصوُّره أن الحياة في المجتمعات الزراعية لم يطرأ عليها أيُّ تغيير يُذكَر خلال ستِّين قرنًا؛ باستثناء جانبٍ واحد. فالقرية في بانبو مُحاطة بخندق شاسع؛ يصِل مُحيطه إلى ثلاثمائة متر وعُمقه خمسة أمتار على الأقل ويَتراوَح عرض الجزء العلوي منه بين ستة وثمانية أمتار. تطلَّب حفر هذا الخندق نقل عشرة آلاف مترٍ مُكعَّب من التراب. ولا بدَّ أنها كانت مهمةً مرهقة حقًّا لبضع عشرات من الأشخاص الذين عانوا الجوع — وبالتأكيد لم يكن القُرويُّون في بانبو يَنالون تغذية أفضل من سكان تلك القرى الفقيرة جدًّا في الهند. الحياة في قرى الهند شاقَّة جدًّا، إلا إنها نوعًا ما أفضل كثيرًا من الحياة في قرية بانبو. وإذا كان سكان بانبو على استعدادٍ للاستثمار في خندقٍ بمثل هذا الحجم، فهذا لأنهم كانوا يعيشون حياتهم في خوف دائم.

إن إلقاء نظرةٍ على ذلك الخندق في قرية بانبو يُوضِّح ما أنجزته البشرية لتعلُّم الثقة بالغرباء. نحن نُدرك أنَّ الثقة بالغرباء أتت بفوائد عظيمة، إلا أنَّنا ما زلنا بحاجةٍ إلى فَهم كيف أصبح ذلك مُمكنًا أكثر من أي وقتٍ مضى. وهو أمر في مُجمله غير معروف في بقية المملكة الحيوانية، بل ويَشتمِل على أخطارٍ كبيرة. ونادرًا ما يَتبادل فَردان بالتزامُن سلعًا وخدماتٍ ذات قيمة معروفة. الأكثر شيوعًا أن يُقدِّم أحدهم خدمة في مقابل خدمة تعويضية في وقتٍ لاحق. أنت تُعطيني قطعة لحمٍ من الماموث الذي اصطدتَهُ في مُقابل وعدٍ منِّي بأن أعطيك قطعة لحم في المستقبَل؛ أي أن تَمنحني قرضًا في مقابل وعدٍ بردِّ المبلغ على دفعاتٍ ذات فوائد. كيف لك أن تتأكَّد من أنَّني سأفي بوعدي؟ حتى وإن حدث التبادُل بالتزامُن فهو يَنطوي غالبًا على مخاطرة؛ ففي مقابل حبَّات البطاطس خاصَّتك، أُعطيك أنا فودكا، ولكن ربما تكون الفودكا مغشوشة بكحول ميثيلي؛ أو قد تتعطَّل الدراجة النارية التي منحتُك إيَّاها بمجرَّد أن تقودها أنت، وفي الوقت نفسه أجاهد أنا لإصلاح الغسالة التي منحتَني إيَّاها. (أو كما تقول النكتة الشيوعية القديمة: «نحن نتظاهر بالعمل، وهم يتظاهرون بدفع رواتبنا.»)

وعندما يكون الأفراد أقارب مباشرين، فهذا العنصر الخاص بالمخاطرة لا يمنع بالضرورة حدوث التبادُل المُثمر. فالانتقاء الطبيعي يُحابي الطفرات الجينية التي تُشجِّع مساعدة الأقارب، ولهذا ميزتان واضحتان. أولًا: من المُرجَّح أن يَفيَ الأقارب بوعودهم أكثر من غير الأقارب. وثانيًا: لا يُهمُّ إن لم يَفعلُوا ذلك. وعمومًا، الطفرة التي تجعل احتمال مساعدة حاملها للأقارب أعلى سوف تُفَضِّل انتشار نُسَخ منها في الأجيال القادمة بشرط إمكانية توفير مزايا كافية للأقارب في مقابل أيِّ تكلفةٍ مُحدَّدة للمانح. وعلى الرغم من أن الأشقاء، في المتوسِّط، يتشاركون نصف جينات الفرد فقط، فإن هذا لا يزال يجعل العلاقة الجينية وثيقةً بقدْر علاقة الفرد الجينية بابنه. وهذا لا ينهي المنافَسة بين الأقارب — فالأمر بعيد عن ذلك تمامًا — ولكنَّه يؤدي إلى استحسان أنظمةٍ قيِّمة وأحيانًا معقدة للتبادل بين الأقارب، على مستوى المملكة الحيوانية.

على النقيض، مساعدة غير الأقارب هي أمر ذو قيمة كبيرة فيما يتعلق بالتطور، فقط حين يُرِد المعروف. إلا أن البواعث المُحرِّضة على الخداع كثيرة؛ وللأسف، يمارس البشر الخداع بطرُقٍ مكلفة وخطيرة أكثر من أي نوع آخر. ومن بين الإنجازات السوداوية «للإنسان العاقل» ليس فقط كونه أذكى من أي نوعٍ آخر، ولكن أيضًا كونه ذبح أفرادًا من نوعِهِ على نحوٍ عنيف ومُمنهَج ووحشي أكثر من أي نوع آخر في الطبيعة. في رواية «الجريمة والعقاب»، وصف دوستويفسكي بطل روايته راسكولينكوف بأنه مُثقَل بشناعة جريمة القتل التي ارتكبها،1 والكثير من القراء يَعتبرون الرواية تُناصِر الرأي القائل بأن البشر يكرهون القتل كرهًا غريزيًّا ومُطلقًا، وهو كُره غير موجود لأسبابٍ غامضة في أقليةٍ ضئيلة من المُضطرِبين عقليًّا. إنها رؤية مؤثِّرة، ولكنها مع الأسف غير مُتوافِقة مع ما نعرفه عن الضغوط التي شكَّلت تطوُّرنا (وكذلك قدْر كبير من التاريخ المعاصر). إذ إنه ثمَّة أسباب وجيهة تجعلنا نظنُّ أن الانتقاء الطبيعي وحدَه لم يُفضِّل نزعة قتل أفراد آخرين من النوع نفسه؛ وإنما أيضًا تجعلُنا نظنُّ أن اقتران الإجرام بالذكاء ليس عرضيًّا. على العكس، كلٌّ من الانتقاء الخاص بطابع الإجرام والانتقاء الخاص بسِمة الذكاء يُعزِّز أحدهما الآخر. فكُلَّما كان النوع أكثر إجرامًا، زادت المنفعة الانتقائية لسِمة الذكاء لدى الأفراد، وكلما زاد ذكاء النوع، زادت المنفعة الانتقائية لطابع الإجرام لدى الأفراد.

النقطة الأولى يسهل فهمها إلى حدٍّ معقول. فالذكاء يمنح ميزة انتقائية حين تكون الأخطار الرئيسية التي تُواجهها هي أخطار الطبيعة. لكن الميزة الانتقائية تكون أقوى حين تَشمَل الأخطار عدوانًا من جانب أفرادٍ آخرين يتمتَّعون بنفس مستوى ذكائك في المتوسط. لذا كان من شأن أي تطوُّر نحو الإجرام بين أسلافنا أن يزيد السرعة التي تطوَّر بها مستوى الذكاء.

النقطة الثانية هي نقطة أكثر غموضًا بعض الشيء. ما هي الضغوط الانتقائية التي في صالح طابع الإجرام؟ ولماذا هي أقوى في نوعٍ ذكي؟ تَنبثِق الضغوط التي في صالح طابع الإجرام من حقيقةٍ بسيطة: شخصان لا تَربطهما صِلة قرابة، مُتنافسان على الموارد وكذلك — إن كانا ذكرَين — على العلاقات الجنسية مع الإناث. (الإناث لا يتنافَسْن على العلاقة الجنسية على نفس منوال الذكور؛ حيث إنَّ تخصيب الذَّكَر لأُنثى لا يَمنعه عن تخصيب أخرى بعد فترةٍ وجيزة جدًّا، مع أنهما قد تَصيران مُتنافستَين على الموارد التي يتحكَّم فيها الذكر.) وحقيقة أنه من الشائع أكثر بكثيرٍ أن يرتكب الرجال جرائم القتل مُقارنة بالنساء، حتى مع أخذ عوامل مثل الاختلافات في القوى الجسدية وإمكانية حيازة الأسلحة في الاعتبار، تُشير إلى أن المنافسة الجنسية كانت أقوى عاملَي تطوُّر العنف لدى البشر.2 وقتل أفرادٍ غير أقارب من نفس الجنس والنوع يَستبعِد أحد هؤلاء المنافسين.3 وبالمناسبة، يبدو هذا تفسيرًا مُحتملًا لارتباط نزعة العنف المُزعجة بالإثارة الجنسية؛ وللأسف هذه ليست استجابة مَرَضية لأقلية مريضة وإنما استباق مُتطور لزيادة الفرَص الجنسية التي تأتي نتيجة الاستبعاد الناجح للمنافسين. وقد تعزَّز على مرِّ العصور عبر نزعةٍ من جانب الإناث — أبعد ما تكون عن العالمية، ولكن تكفي لإحداث فارق — للانجذاب الجنسي نحو من كانوا يستعرضون البراعة في مسابقات القوة، مثلما عرَف شكسبير ذلك جيدًا حين جعل الملك هنري الخامس يحشد قواته قبل معركة أجينكور بصيحته قائلًا:
… أما السادة الراقدون اليوم في فراشهم بإنجلترا
فسيعدُّون أنفسهم من الملعونين لأنهم لم يكونوا هنا،
وسيشعرون أن رجولتهم تافهة حين يتكلَّم أي واحد
ممَّن حاربوا معنا في يوم القديس كريسبين.4
ومن المعروف جيدًّا أنه بمجرد أن تصير سِمة مُعينة أساسًا للتفضيل الجنسي، يمكن لذلك التفضيل أن يُعزَّز ذاتيًّا. وهذه النزعة قدَّمت دليلًا يفسر ظاهرة تطورية جامحة مثل ذيل الطاووس والقرون الضخمة لبعض أنواع الأيل. حقيقة أنَّ الإناث في الأجيال القادمة ستنجذِب إلى سمةٍ مُعينة، حتى وإن كانت عشوائية تمامًا، تزيد المنفعة التكيفية لدي أي أنثى في الجيل الحالي الباحث عن زوج لدَيه تلك السِّمة. ومن قبيل الصدفة، ثمة بعض الأدلة، المُستقاة من مُجتمعات ما قبل الثورة الصناعية، على أنَّ الذكور الذين يقتلون ذكورًا آخرين يميلون إلى إنجاب عددٍ أكبر من الأطفال مقارنةً بالذكور الذين لا يفعلون — رغم أنَّ هذه الأدلة غير مُكتمِلة ومُثيرة للجدَل.5 ولكن حتى ولو لم يكن لنزعة الإناث للانجذاب الجنسي نحو المقاتلين منفعة تكيفية مباشرة (مثلًا، لو كانت القدرة المتزايدة للذكور العنيفين على الحصول على طعامٍ من الآخرين يُقابلها زيادة احتمال الموت المبكر)، فبمجرد أن ترسَّخت هذه النزعة، كان من المُمكن أن تصير تكيفية على نحوٍ غير مباشر عبر تزايد احتمال أن يجد المقاتلون زوجات. وحتى إذا لم يأتِ الرجال اللطفاء في المركز الأخير فيما يتعلق بالحصول على الطعام، فربما يأتون في المركز الأخير فيما يتعلق بالعثور على زوجات. وربما يتمتَّع الرجال اللطفاء بنقاط جذْبٍ أخرى (قد يكونون أكثر مشاركة مع إناثهم، على سبيل المثال لا الحصر)، ولكن إذا كان لديهم أبناء لا يُبلون بلاءً حسنًا في التنافُس على الإناث، فهذا يُؤخَذ عليهم أصلًا كأزواج.6
fig2
شكل ٣-١: غنائم الحرب: يوم الانتصار على اليابان، ميدان التايمز. صورة ألفريد آيزنشتات الشهيرة لمجلة لايف. (صور جيتي/مجموعة صور تايم آند لايف.)

إذن، لماذا زاد الذكاء المُتزايد لأسلاف «الإنسان العاقل» هذه الضغوط الانتقائية لصالح طابع الإجرام؟ فيما يتعلق بنوع تتحدَّد مسابقاته بالأساس بناءً على القوة الغاشمة، يستطيع الذكر أن يقضي على منافسه الجنسي من خلال إرغامه بدنيًّا على الخضوع. ولكن كلما كان هذا المنافس ذكيًّا، رغم خضوعه في الوقت الراهن، زاد احتمال اكتشافه طريقةً بارعة لمواصلة سعيه الجنسي فيما بعد. ومن ثمَّ فالقضاء، بصفةٍ دائمة، على المنافس الذي هُزِم مؤقتًا هو استراتيجية تجلب المزيد من المنافع الانتقائية في نوعٍ يتَّسم بالذكاء.

تدعم ثلاثة مصادر للأدلَّة هذه الحجَّة الانتقائية القائلة بأن البشر، لا سيما الذكور، من المُرجَّح أن يَميلوا بقوةٍ إلى قتل غيرهم ممَّن لا تربطهم بهم صِلة في ظلِّ الظروف المناسبة. المصدر الأول هو السلوك الخاص بالرئيسيَّات الأخرى، خصوصًا القِرَدة العُليا.7 وهذا الدليل يجب تفسيره بحذَر، نظرًا لوجود تنوُّع هائل في سلوك الرئيسيات، حتى بين الأنواع وثيقةَ الصِّلة بنا مثل قرود الشمبانزي والبونوبو، وهذا التنوُّع يُشير إلى أن العوامل الاجتماعية والبيئية يُمكن أن يكون لها تأثير قوي على حوادث العنف. ولا ينبغي أن تكون هذه المرونة البيئية في حدِّ ذاتها مُستغرَبة. في الواقع، هذه إحدى الأفكار الرئيسية التي يُناقشها هذا الكتاب والتي مفادها أن الترتيبات المؤسسية قد زادت زيادة مهولة من قدرة البشر على العيش بدون عنف وسط أولئك الذين قد يَميلون نحو قتالهم. لكن أسفرت الملاحظة الدقيقة في البرية عن اكتشافاتٍ مُثيرة للانتباه. عند التحرُّر من الخوف من الانتقام، تستغل رئيسيات أخرى كثيرة الفرصةَ على نحوٍ منهجي لقتل الأفراد الذين لا تَربطهم بهم صِلة. فعلى سبيل المثال، لُوحِظ بانتظامٍ قتل الأطفال على أيدي ذكور لا تربطهم صِلة قرابة بين قرود الشمبانزي والغوريلا واللنجور (وكذلك بين أفراد بعض الثدييات الأخرى، مثل الأُسُود). وهذا أقل انتشارًا بين قرود البونوبو، حيث لا تُوجَد حالات موثَّقة معروفة؛ ولكن يبدو أن هذا يرجع إلى أن الإناث تتعاوَن لضمان حماية صغارها من الذكور المُغِيرة، وليس لأنَّ الذكور بطبيعتِهم جديرون بالثقة. وبين قرود الشمبانزي، يتعاون بانتظامٍ الذكور الذين تَربطُهم صِلة قرابة على شنِّ هَجماتٍ عدوانية وعنيفة على أفرادٍ معزولين ومُستضعَفين من القطعان الأخرى، حتى وإن لم تُسفر هذه الهجمات عن الاستحواذ على طعامٍ أو أيِّ موارد أخرى. لم تكن مثل هذه الحوادث معروفةً قبل أبحاث جين جودال ومساعديها (في الواقع، كانت كتابات كونراد لورينز8 قد نشرت فكرة أنَّ العنف داخل الأنواع قد تحوَّل بقدْر كبير إلى طقس، وهو رأي بات معروفًا الآن من الدراسات الميدانية أنه خاطئ). ويتجلَّى العنف بين قرود الشمبانزي بصفةٍ خاصة؛ حيث إنه يحدُث بدرجةٍ كبيرة بين مجموعاتٍ من الذكور غير المتكافئة في الحجم، وبدون أي استفزازٍ خاص. وهذا النوع من السلوك يَعكِس المواجهات العشوائية للجماعات الناهبة للطعام ويُشبه على نحوٍ مُزعج أنماط العنف بين جماعات ذكور البشر. باختصار، العنف مُتأصِّل بين الأنواع الأقرب صِلةً بالإنسان. وفي الأنواع التي يحدُث العنف بينها بدرجةٍ أقل عادةً، يُرجع هذا إلى الأنماط السلوكية التي تطوَّرت لتحُول دون ذلك، لا إلى الغرائز التي من شأنها أن تكون سِلميةً خالصة دون خوف من الانتقام. بصرْف النظر عن الأسباب الأساسية لذلك، فلا يُمكن وصف العنف في الرئيسيات، وبالأخصِّ في القِرَدة العُليا الكبيرة، بأنه مَرَضي.
المصدر الثاني للأدلَّة على طابع الإجرام الغريزي لدى «الإنسان العاقل» يتمثَّل في التقارير الإثنوجرافية عن المجتمَعات غير الصناعية المُعاصرة، والتي يتَّسم الكثير منها بالعنف الشديد (بعكس الاعتقاد الشائع).9 ولا يزال قدْر كبير من الخلاف يُحيط بهذه التقارير، ولا شكَّ أن مُستويات العنف الملحوظ تتفاوَت عبر المجتمعات غير الصناعية لأسبابٍ لا تزال غير مفهومة بشكلٍ كامل. قد يكون صحيحًا، مثلًا، أنَّ المجتمعات الزراعية البسيطة مُولَعة بالحروب أكثر من مجتمعات الصيد وجمع الثمار (وهو افتراضٌ معقول، نظرًا لأنَّ لديهم المزيد من الموارد التي يتقاتلون عليها). بدلًا من ذلك، قد تعكس هذه النزعة الظاهرية حقيقة أنَّ المُجتمعات الزراعية تترك ببساطة المزيد من الآثار الدالة على القتال الذي تخُوضُه (على هيئة أكواخٍ مُحترِقة أو مَخازن مسروقة)، أو أنه يسهل على علماء الأنثروبولوجيا زيارتها في فترات الاضطراب أكثر من مجتمَعات الصيد والجمع. وبوجهٍ عام، تُشير الأدلة بالفعل إلى أنَّ المجتمعات المُستقرَّة لديها أنماطٌ أوسع للقتال10 ونزعة أكبر للتصنيف الطبقي والتسلسُل الهرَمي11 مقارنة بأجدادهم الرُّحَّل المباشِرين، إلا أنه لا يزال لدى أغلب أفراد مجتمع الصيد والجمع مستويات عنفٍ أعلى من جميع المجتمعات المُعاصرة تقريبًا.
وأيًّا كان التفسير لهذه الاختلافات الملحوظة، فإنَّ الفكرة القائلة بأن مجتمعات ما قبل الثورة الصناعية كانت سلميةً بوجهٍ عام — وهي فكرة مُغرية استحوذت على الفكر البشري منذ أن كتب جان جاك روسُّو عن الهمجي النبيل في القرن الثامن عشر — قد ثبَت الآن عدَم صحَّتها على نحوٍ مُقنِع.12 إذ كتبَتْ عالِمة الأنثروبولوجيا كارول أمبر مقالًا رائدًا عام ١٩٧٨، بعنوان «خُرافات عن الصيادين وجامعي الثمار»، أظهر أنَّ ثُلثَي جماعات الصيد وجمع الثمار تقريبًا، التي يُوجَد لها سجلَّات، كانت تشنُّ حربًا واحدةً كل عامَين على الأقل.13 وتُوجد تقارير إثنوجرافية عن ارتفاع مستويات العنف، بين الأفراد والجماعات، في المجتمَعات غير الصناعية على اختلافها مثل الأكوا والبوشمن والتسمانيا واليانومامو. وُثِّقَت بين مُزارعي فترة ما قبل الثورة الصناعية، حروب مُنتظِمة ومُهلكة لمجتمعاتٍ كان يُعتقد أنها مُسالِمة، مثل هنود بويبلو في جنوب غرب أمريكا.14 ويُمكِن الاستِشهاد بالكثير من المصادر الإثنوجرافية: ومن الأمثلة البارزة كتاب «الدم حجَّتهم»، الذي فيه يُشير عالم الأنثروبولوجيا ميرفن ميجيت إلى حلقات العنف الدامية جدًّا بين شعب ماي إنجا في المُرتفَعات الوسطى ببابوا غينيا الجديدة.15 ويستهل آزار جات كتابه التاريخي بعنوان «الحروب عبر الحضارة الإنسانية» بتقارير مُخيفة عن العنف بين السكان الأصليين لأستراليا قبل الاختلاط بالغرب، ويُقدِّم باقي الكتاب نظرةً عامة على أدلة من مجموعةٍ متنوعة من مجتمعات ما قبل التاريخ وما بعدَه على حدٍّ سواء. وأُكرِّر هنا الرسالة اللافتة للنظر: حيثما تغيب القيود المؤسسية، يصير القتل المُمنهج للأفراد الذين لا تربطهم صِلة قرابة شائعًا جدًّا بين البشر لدرجة أنه — رغم بشاعة الفكرة — لا يمكن وصفُه حتى بأنه أمرٌ استثنائي أو مرَضي أو مُزعج.
المصدر الثالث للأدلة على ارتفاع مُستويات العنف بين أسلافنا وأبناء عمومتنا يأتي من عِلم الآثار. جزء منها مباشر، يستنِد إلى العثور على هياكل عظمية. حيث أظهرت إعادة تجميع هيكل عظمي لإنسانٍ بدائي من سانت سيزير، فرنسا، علامات حدوث كسْر إثر ضربةٍ بسكين حاد أو سيف.16 يأتي المزيد من الأدلة الواضحة من رءوس الأسهم المغروسة في بقايا الهياكل العظمية للإنسان المعاصر، على سبيل المثال من مقبرة شيلد بولاية إلينوي. يُقدِّم لورانس كيلي ملخصًا للأدلة، بالإضافة إلى تقديرات لمختلف المجتمعات تتبايَن بين أقل من ٥٪ وحتى أكثر من ٤٠٪ من الوفيات التي تعود إلى أعمال عنف.17 أجرى صامويل باولز استعراضًا أحدَثَ للأدلة ويُقدِّر متوسط احتمال الوفاة بسبب العنف بين المُرتحِلين الباحثين عن الطعام بنسبة ١٤٪.18 من الصعب تقدير نسبة الأشخاص الذين تُوفُّوا بسبب العنف لأنَّ الكثير من أعمال العنف لا تترُك أثرًا على الهياكل العظمية. ومن المُحتمَل أيضًا أن يكون الأشخاص الذين توفُّوا بسبب العنف قد دُفِنوا باكتراثٍ أقلَّ من غيرهم، لذا قد يُعثَر على هياكلهم العظمية بسهولةٍ أكبر. باختصار، ثمَّة جدل كثير حول هذه التقديرات، وهو ما ينعكس أيضًا على تفاوتها الكبير. ولكن رغم التفاوت الكبير، فإن مُتوسِّطَها كبير للغاية أيضًا.

وبعض الأدلة الأثرية، من القِطَع الأثرية (مثل السيوف والرماح) والتحصينات (مثل الخندق حول قرية بانبو)، تكون غير مباشرة. وصحيح أنه يُمكن تفسير الأدلَّة المأخوذة من القِطَع الأثرية بطرُق مختلفة. فبعض الأسلحة ربما كانت تُؤدي غرَض الحُلِيِّ أو تساعد الرجال على إثارة إعجاب النساء بهم أكثر من كونها وسيلة دفاع عن النفس، مثلما يشتري بعض الرجال السيارات السريعة اليوم فقط من أجل التسكُّع والتفاخُر بها في الحي. إلا أنه يصعُب الجدال بشأن الأدلَّة المأخوذة من التحصينات؛ فالرجال لا يبنون الأسوار ويحفرون الخنادق لإثارة إعجاب النساء إلا إذا كانت هذه الجدران والخنادق هي ما ترغَب فيه نساؤهم فعلًا. أول قرية مُستوطنة في أريحا، مثلًا، يعود تاريخها إلى ما قبل عام ٩٠٠٠ قبل الميلاد، وفي غضون ألف عامٍ تحوَّلت إلى مستوطنةٍ ضخمة تمتدُّ لعدة هكتارات من بيوتٍ مبنية بطوب اللبن ذات جُدران سميكة. والدليل الأول لجدران المدينة الشهيرة يعود إلى مطلع القرن الثامن قبل الميلاد، ويعود تاريخ وجود صهاريج مياه كبيرة، من أجل الري على الأرجح، إلى القرن السابع. وقد حُفر خندق ضخم، بعُمق ثلاثين قدمًا وعرض عشرة أقدام، في الصخر بدون استخدام معدَّات معدنية. تعجز أُسرة واحدة عن تنفيذ وسيلة حماية بهذا الحجم؛ إذ في قرية بانبو، كان هذا مشروعًا مشتركًا، يفي باحتياجاتٍ مشتركة.

وهذه الأنواع الثلاثة من الأدلَّة — المأخوذة من سلوك الرئيسيات، ومن التقارير الإثنوجرافية عن العنف في مُجتمعات ما قبل الثورة الصناعية، ومن عِلم الآثار — لا تُؤدِّي إلَّا إلى تعميق الغموض الذي يكتنِف كيفية تحقيق التعاون الإنساني على نطاقٍ واسع للنجاح. باختصار، كانت التكاليف المُحتمَلة للتعرُّض إلى الخيانة باهظةً على نحوٍ خطير على البشر الذين كانوا يتعاملون مع غير الأقارب، بصرْف النظر عن الأصول التطورية الدقيقة لمثل هذا السلوك. فربما لم يُكافأ جدُّك على لحمِ الظبي الذي أعطاه لجدِّي، بل وربما يكون قد قُتل في المقابل أيضًا. ولقد لاقى الكثير من التجَّار المُتجوِّلين، الذين كانوا يتعاملون بصفةٍ مؤقتة لأول مرة مع قبيلةٍ غريبة، مثل هذا المصير. وفي ظلِّ هذه الظروف، من المُذهل أن يتطوَّر التبادُل المنهجي بين الغرباء، ناهيك عن أنه قد صار أساس الحياة الاجتماعية والاقتصادية المُعقَّدة جدًّا التي نعرفها اليوم.

ورغم ذلك، صار العنف أقل شيوعًا في الحياة المعاصِرة عما كان عليه مع أسلافنا طوال فترة تطورنا بأكملها. فلنتناول تقديرات صامويل باولز بأن الفرد العادي من مجتمع الصيد وجمع الثمار واجه احتمالًا بلغ ١٤٪ أن يموت نتيجة العنف. وبالمقارنة، نجد أنَّ معدل الوفيات في عالَم اليوم ضئيل جدًّا. اليوم معدلات الوفيات الناتجة عن العنف تبلغ ١٫٣٪ تقريبًا من مجموع الوفيات؛ أقل من عُشْر الرقم الذي ذكره بولز. وذلك يشمل الحروب والعنف في المناطق الحضرية وكلَّ شيء؛ واللافت للنظر أنه أقل حتى من معدَّل الانتحار. وهو فقط أعلى قليلًا من نصف معدل الوفيات بسبب حوادث الطرُق. وكشخصٍ طبيعي يعيش في عالَمنا اليوم، من الأرجح أن تموت مُنتحِرًا عن أن تُقتَل على يدَي شخصٍ آخر، ما لم يكن هذا الشخص قائد سيارة.19
لقد حدَث شيء استثنائي إلى حدٍّ كبير إذن. لقد تراجعت معدلات الوفيات المرتفعة بسبب المنافسة العنيفة بين الجماعات في مجتمعات الصيد وجمع الثمار التي تطوَّرنا فيها — وهي معدلات لا تزال مرتفعةً جدًّا بين قرود الشمبانزي وفي مجتمعات الرئيسيات الأخرى — تراجُعًا هائلًا منذ الفترة التي أقمْنا فيها الدول وغيرها من المؤسَّسات السياسية المركزية. تُساعدنا الأدلَّة من العصور الأحدث على أن نرى هذه العملية موضع تطبيق. جمعَ إخصائي عِلم الإجرام مانويل إيزنر أدلةً حول التغير الذي حدث في معدَّلات جرائم القتل بإنجلترا من القرن الثالث عشر حتى القرن العشرين، استنادًا إلى عددٍ كبير من سجلَّات القُرى.20 يُوجَد اتجاه ثابت جدًّا نحو تراجُع معدلات جرائم القتل خلال تلك الفترة الزمنية، مع عدَم وجود لحظةٍ واحدة حاسمة أو فترة تُحدِّد نقطة التحوُّل. وبرغم أنَّ الأدلة من دولٍ أخرى أقل كثيرًا، فإنها تُظهر نمطًا مشابهًا. في الواقع، كانت إيطاليا أكثر عنفًا من إنجلترا في العصور الوسطى (لم يكن هذا محض خيال شكسبير)؛ ففي القرن الرابع عشر، مثلًا، وصلتْ معدلات جرائم القتل لأكثر من الضِّعف في إنجلترا. ولكن إيطاليا، مثل هولندا وإسكندنافيا وألمانيا وسويسرا، شهدت تراجُعًا ثابتًا في معدلات جرائم القتل خلال تلك الفترة. في الفصل القادم، سنستعرِض التفسيرات المُحتمَلة لهذا. إلا أنَّ الأدلة لا تُشير إلى أي حدَثٍ محدد أو أي سببٍ بسيط.
ينعكس الاتجاه التنازُلي لمعدَّلات جرائم القتل في تطوُّرٍ آخر؛ ألا وهو تراجُع وتيرة الحروب بين الدول. وقياسًا بعدد السنوات، من كل قرن، التي خاضت فيها قوةٌ عُظمى حربًا، أو التي اندلعت فيها حربٌ بين قوى عُظمى، قدَّر المؤرخ جاك ليفي أنه بعد القرنين السادس عشر والسابع عشر، اللذَين كانا مُتساويَين تقريبًا في عدد الحروب، حدث تراجُع حاد في القرن الثامن عشر ثم في القرن التاسع عشر، وفي القرن العشرين كان عدد الحروب مُساويًا لعددِها في القرن التاسع عشر، ولكنه على أيِّ حالٍ أقل كثيرًا ممَّا كان عليه في القرون السابقة.21
وحتى مع مراعاة حدوث تحوُّل حديث بالابتعاد عن الحروب بين الدول القومية والاتجاه نحو الحروب الأهلية، قد يبدو ما يُنبئنا به هذا عن القرن العشرين غريبًا. هل كان القرن العشرين بالتأكيد أعنف قرنٍ عرفته البشرية على الإطلاق؟ قياسًا بإجمالي عدد الوفَيَات الناجمة عن العنف، فذلك الرأي لا جدال عليه، ولكن السبب هو أنَّ إجمالي عدد السكان في القرن العشرين كان أكبر بكثيرٍ من عدد السكان في أي قرنٍ سابق. وتقدير معقول «لنسبة» الوفيات الناجمة عن العنف في القرن العشرين يجعل النسبة تَتراوح بين ٤٪ و٥٪ من إجمالي الوفيات في القرن العشرين.22 وذلك أكبر بمقدار ثلاث مرات على الأقل مما هي عليه حاليًّا في مطلع القرن الحادي والعشرين، إلا أنها مُجرَّد ثلث النسبة التي قدَّرها باولز لعامٍ عادي من حياة جماعة صيد وجمع للثمار.

يُذكرنا تفشِّي الأعمال الوحشية التي نُفذت على نطاقٍ واسع في القرن العشرين أن الإنجاز الذي حَققَته المجتمعات المعاصرة بتقليل خطر العنف إلى مستوًى أقل بكثير مما كانت عليه في عصور ما قبل التاريخ، لا يزال إنجازًا هشًّا وضعيفًا، لكنه ليس إنجازًا ضئيلًا على أيِّ حال. اللافت للنظر أنَّ الثقة في الغرباء صارت حقيقةً راسخة في الحياة الاجتماعية المعاصرة. فحين أذهب إلى متجر، يَمنحُني شخص لم ألتقِ به من قبل بضائع قيمة مقابل شخبطةٍ على ورقة. ونحن — الذين نفعل ذلك بغير اكتراث — أحفاد أولئك الذين استنكروا حتى محاولة القيام بذلك. وعندما يُطرَق الباب، أكون على استعدادٍ لإدخال رجل لم أُقابله في حياتي قط إلى بيتي، رجل يرتدي زيَّ متجر الأجهزة المنزلية. لماذا أستنتِج أن هدفه هو صيانة الغسالة الكهربائية، وليس قتلي واغتصاب نساء المنزل؟ كيف صارت هذه الدرجة من الثقة مُمكنة؟ فأحيانًا يُمرِّر الباعة شيكات بدون رصيد؛ وأحيانًا يتظاهر المُغتصِب السفَّاح بأنه عامل صيانة؛ إلا أنَّ هذا نادر الحدوث لدرجة أنه لا يُهدِّد الثقة في هذه التعامُلات الاجتماعية بوجهٍ عام. ما التفسير إذن؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠