المطلب الثاني

١٢

قام على رأيي كثيرٌ من الاعتراضات وصل إلى عِلمي منها اثنان وعشرون سأذكُرها لك فيما يلي، مُردفًا كلًّا منها بردِّي عليه. وقد صُغْتُ هذه الاعتراضات صياغةً عربية تحرَّيتُ فيها دقة التعبير عن مراد بعض المُعترضين الذين قصر لسانهم أو قلمهم عن الإبانة بوضوح. وإذا لاحظتَ في ردودي شيئًا من التكرار، فعلَّته أولًا: أنَّ كل اعتراض كنت أدوِّن ردي عليه بمجرَّد وصوله إلى علمي. وثانيًا: أن هذه الاعتراضات مُتداخل بعضها في البعض، وقد حرصتُ على أن يكون كل ردٍّ مواجهًا لكل اعتراض، وأن يكون مستقلًّا برأسه، حتى يَسهُل على كلٍّ معرفة جوابي عليه.

الأول: قيل إني أُريد نبذ العربية ذاتها، أو أن أستبدل لهجةً عامية بالفصحى.

قال هذا من القوم كبار وصغار، وهو كما ترى اختلاق صبياني سخيف.

الثاني: قيل إنَّ الحروف اللاتينية لا تؤدِّي كل ما في العربية من النغمات، فهي تُحيل الحاء هاءً، والصاد سينًا، والضاد دالًا … إلخ.

وموردو هذا الاعتراض إما أنهم لم يقرءوا بياني ولم يَعرفوا كيف لاحظتُ هذا الذي يعترضون به، وكيف عالجته، فهم معذورون. وما عليهم سوى أن يقرءوا البيان، فإنهم يجدون (في الفقرات من ٢٨ إلى ٣٩) ما يُسقط اعتراضهم ويردُّهم من هذه الناحية مطمئنين. وإما أنهم قرءوا ولكنهم مُتعنِّتون، والمتعنِّت مرَّاء شغَّاب لا يستأهل الخطاب.

الثالث: يقولون إنَّ اتخاذ الحروف اللاتينية يقطع بين الخلف والسلف، ويَحرم الخلف من الانتفاع بآثار السلف في العلوم والفنون والآداب.

وهذا الاعتراض قد استثرتُه أنا نفسي في فقرة ٢٥ من البيان، وهو اعتراض جدِّيٌّ وجيه، لكنه كالطبل يطن وجوفه خلاء. إن علاجه ماليٌّ بحْت، وكل ما كانت ديته المال فهو من الهنات الهيِّنات، مليون من الجنيهات أو مليونان على الأكثر أو ثلاثة ملايين مع شدة الإسراف في التقدير، تَصرفها الحكومة لا دفعة واحدة في سنة واحدة، بل على التوالي في بضع سنين، فتَطبع لك كل أمهات معاجم اللغة، وكل المُهمِّ من كتب الآداب منظومها ومنثورها، وكل المهم من كتب العلوم والفنون إن كان عندنا منها مُهم. والإغضاء عن هذا العلاج المالي الميسور، ثم اللجوء إلى تصعيب الأمر والتخويف من عواقبه، لا يراه العاقل إلَّا ضربًا من التعاجُز والتباكي لمجرد الإيهام واستبقاء اللغة المسكينة تتكمَّش في ثوبها الخَلق الذي كلُّه تنكير وتبهيم وإضلال.

واجه الحقائق، ولا تصدِّق الخالين الذين يخيِّلون إليك الحبَّة قبَّة. ارجع إلى كليات العلوم والطب والصيدلة والهندسة والزراعة والحقوق، وهي عندنا معاهد العلم الصحيح الذي عليه الاعتماد في إنهاض البلاد، ثم ارجع إلى مدارس الصنائع والفنون، وإلى معاهد الفنون الجميلة من موسيقى ونقش وتصوير. ارجع إليها وسَلْ أساتذتها المصريين، فإنهم جميعًا يُنبئونك أن الدراسة في كلياتهم ومعاهدهم قائمة على علم الأوروبيين وفن الأوروبيين وكتب الأوروبيين، وأن خيارهم إنما هم أولئك الذين بعثتهم الحكومة لأوروبا وأمريكا فدرسوا هناك صنوف العلوم والفنون، ثم عادوا يعلِّمونها المصريين. كما يقولون لك إننا — نحن العرب — إذا كنا في زمن حضارتنا عالجنا شيئًا مِن المسائل العلمية، مما فضلُنا فيه معترف به من العدوِّ قبل الصديق، فإن ذلك إنما كان قدرًا جزئيًّا ضئيلًا لا يُسمن الآن ولا يُغني بالإضافة إلى ما وصل إليه الأوروبيون، وإن أيَّ كتاب عربي علمي قديم إذا اقتَناه أحدنا الآن، وقلَّما يقتنيه أحد؛ فإن ذلك لا يكون إلا لمجرَّد الموازنة بين العلم في طفولته وبينه في دور الاكتمال. هذا ما تسمعه من أولئك الأساتذة العلماء، منه تعرف أننا الآن في العلم والفن عيال على الأوروبيِّين لا على أسلافنا الأولين. كما تدرك أن بعضهم إذا كان يلذُّ جمع المشرقيات العربية من قديم الكتب وقِطَع الفنون، فإن سواد الأمة لا حاجة بهم إلى مثل هذه اللذاذات، بل يكفيهم أن تُحفظ لهم في دور الكتب والآثار الحكومية العامة يُراجعها منهم من قد تصبوا أنفسهم للاشتغال بتاريخ مسألة من مسائل العلوم والفنون. وإنْ وجد بينهم من يريدون أن يجهدوا في هذا السبيل كما يجهد الأجانب من المستشرقين، فليجهدوا؛ فالبيئة بيئتهم، واللغة العربية لغتهم، ودور الكتب والآثار أقرب إليهم منها إلى أولئك المستشرقين.

إذن لا تسمع لمن يَفتنك بقالة الانقطاع عن آثار السلف في العلوم والفنون؛ فإن تلك الآثار أصبحت — بالقياس إلى ما عند الأوروبيِّين — سرابًا موهمًا إذا جئته لم تجده شيئًا، ووجدت الحقيقة المرة تصدمك وتردُّك خائرًا إلى الصواب.

إن لم يُعجبك قولي ولم تُرِد الرجوع إلى أساتذة الكليات ومعاهد الصنائع والفنون كيما تَثق بأننا حقًّا في العلم والفن عيال على الأجانب، فارجع ولو إلى الصحيفة الأخيرة من ذلك التقرير الجامع الذي وضَعه الهلالي باشا وزير المعارف وقدمه للبرلمان. وإن لم تُرد فارجع إلى ما قالتْه اللجنة المالية بمجلس النواب في تقريرها الخاص بميزانية هذا العام، ترَها تُشير على الحكومة بمواصلة إرسال البعثات إلى أوروبا لتحصيل العلوم التي تنقصنا، وعلى الأخصِّ لتعلُّم الصنائع والفنون. ولو أن الأمر كان كقالة القائلين لنصحتْ بإرسال البعوث إلى دور الكتب والآثار بمصر لتلقِّي العلم والفن فيها عن مؤلَّفات السلف وما ترَكوا من مصنوعات، ولكان ذلك أخصر الطرُق وأيسرها نفقةً، وأكثرها سالكين. فاسمع كلامي أو لا تسمعه، وأعفِ نفسك أو لا تُعفها، لكن أَعفني أنا من كلام غير المسئولين.

الرابع: يقولون كيف لا تَحترم رسم القرآن؟

أنا أحترم القرآن لأنَّه كتاب الله وأساس الدين ومفخَرة العربية.

ولكني لستُ مأمورًا ديانةً باحترام رسم القرآن: (١) لأنَّ الله لم يُنزل به من سلطان، ولم يَفرض علينا التعبُّد له برسم القرآن. و(٢) لأنَّه إذا كان بعض الحمقى تورطوا فادَّعوا أن رسم كتابة اللغات جميعها — لا رسم العربية فقط ولا رسم القرآن فقط — هو توقيفيٌّ علمه الله آدم، فسوَّى آدمُ أحرفَ كلِّ لغة وطبخها كالآجرِّ، ولما هبط إلى الأرض وأتى الطوفان فبعد انحسار مائه وجَد أهلُ كل جهة حروف لغتهم حاضرةً لديهم فاستعملوها، إذا كان ذلك البعض تورَّط في هذا الزعم؛ فإنه — كما ترى — زعم كله بلاهة وتخريف واختلاق، ما كان لعاقل أن يُعيره أدنى التفات. و(٣) لأنه إذا كان بعض متهوِّسي الصوفية وبعض المبتدعة قد زعموا أن الحروف والأصوات قديمة، وأنها إذا رُسم بها كلام الله أصبحت هي قديمة كقِدَم كلام الله، فإنَّ عقلاء السنيِّين قاوَموا هذه الفرية ونعوا على أصحابها جهلهم المُطبق، وقرَّروا الحق مِن أن رسم القرآن، كرسم كلِّ كتابة أخرى، إنما هو من اختراع الإنسان؛ أي إنه حادث لا قديم، ومهما يُكتب به القرآن فلن يَزال حادثًا لا قديمًا. و(٤) لأنَّ صورة هذا الرسم كانت في عهد عثمان بن عفان وكتَب مصاحفه بها إنما كانت صورةً بدائيةً سقيمة قاصرة١ خيف من سخافتها وقُصورها أن تُضلِّل المسلمين في قراءة القرآن، فسارع الخليفة عبد الملك بن مروان إلى كشف هذه الغمَّة، وتولى الحجاج بن يوسف عامله في العراق تنقيط القرآن؛ منعًا لالتباس بعض حروف كلماته ببعض، وباشَر له التنقيط جماعة من خيرة الحفاظ. ولما لوحظ مع الزمن أن النقط إذا كان يضبط الحروف ويمنع تبديل حرف منها بحرف يماثله في الهيكل، فإنه — كما أسلفت — لا يَضبط صورة أداء الحرف من ناحية الحركات والسكون، ولا يمنع التصحيف من هذا الباب، فقد فكَّر المسلمون في أنَّ كشف هذه الغمة يكون بشكْل حروف كلمات القرآن، فشكَّلوه أولًا بالنقط بمداد مُخالف، ثم عدلوا إلى شكله بالطريقة الجارية الآن. ولو أنَّ رسم القرآن الذي كُتبت به صحف النبي والذي نُقل بذاته في مصاحف عثمان بن عفان كانت له أدنى قدسية، لما جَرُأ ابن مروان ولا الحجاج ولا أحد ممن بعدهما — كَبُر أو صغر — على أن يمس هذا الرسم أدنى مساس. و(٥) لأن الكتابة العربية التي اتخذها عثمان بن عفان لرسم القرآن كان جمهور المسلمين يقولون إنها مُستمَدَّة من خط الجزم الكوفي، ويظنُّون أن الكوفي مُستمَدٌّ من المسند الحميري خط أهل اليمن.٢ وما زالوا على هذا الفهم حتى جاء المستشرقون الأوروبيون في القرن التاسع عشر — أي بعد زيادة عن ألف ومائتي سنة من الهجرة — وبحثوا ونقَّبوا بحثًا لا عاطفيًّا خياليًّا، بل علميًّا واقعيًّا، استنطقوا فيه الجوامد وهي لا تكذب؛ لأنها ليست لها لسان كلسان الإنسان تُذبذبه بالإفك والبهتان، استنطقوها ثم بينوا لنا، نحن أهل العربية الساهين، أنَّ النقوش دلتهم على أن كتابتنا أصلها نبطي. كما علَّمونا — بفضل بحوثهم التاريخية — أن النبط كانوا قومًا أشداء من العرب العاربة، منازلهم القسم الشمالي من الجزيرة جنوبي الشام وفلسطين، وأنه كان لهم مملكة قامت من سنة ١٦٩ قبل المسيح إلى سنة ١٠٦ من بعده، ثم استولى عليها الرومان وأزالوها، وأن عاصمة ملكهم جهة الشمال «سلع» وكان اسمها عند قدماء المؤرِّخين من الفرنجة «بطرا Petra»؛ أي الصخرة، وعاصمتهم الجنوبية كانت تسمى «الحِجْر»، وهي المعروفة الآن باسم مَدائن صالح على خط سكة حديد الحجاز، وأن هؤلاء النبطيِّين كانوا يَعبدون اللات والعزى ومناة وهُبل، وأنه للاتصال المستمر بينهم وبين أهل الحجاز نقل الحجازيُّون عنهم رسم كتابتهم، بل وعبادة آلهتهم. هذا هو الثابت للآن والمأخوذ به في جامعة فؤاد الأول.٣

وسواء كان رسم العربية الذي رسم به القرآن منقولًا عن النبطيين من شمال الجزيرة؛ كما قال المستشرقون المتأخِّرون، أو عن اليمنيين من جنوبها؛ كما قال المتقدمون، فإنه في الحالتين رسم وثنيٌّ بلا نزاع. بل اللغة العربية نفسها التي نزل بها القرآن لم ينشئها القرآن، بل هي كانت لسان قريش وغيرهم من قبائل العرب، وقد كانوا جميعًا وثنيِّين، إلا عددًا نزرًا من أهل الكتاب. فهي لغة هؤلاء الوثنيِّين، وقد نزل بها القرآن، وما كان يمكن أن يَنزل إلا بها؛ فإن الله تعالى يقول: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ.

إذا كان هذا هو الحق، وكان الله يقول: وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، ويقول: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى، ثم يُردف هذا بالنَّعي على المُنصرِفين عن حكم العقل فيقول: فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، يقول هذا إيذانًا لنا بأن الحق وحده هو الواجب الاحترام، وأنه وحده الذي لا يُستحى من الجهر به، وبأنَّ الباطل مَمقوت وعباده مأفونون سيئو الحكم والتقدير. إذا كان هذا هو الحق فإني، احترامًا للحق، واحترامًا للقرآن، وعملًا بوصايا القرآن، أقرِّر بأني لستُ مكلَّفًا باحترام رسم القرآن، ولستُ أُلغي عقلي لمجرَّد أن بعض الناس أو كلهم يريدون إلغاء عقولهم، ولا يُميِّزون بين القرآن العظيم، كلام الله القديم، وبين رسمه السخيف الذي هو من وضع الوثنيِّين القاصرين.

افهم عني هذا. وما يُهمُّني أن ترى رأيي أو لا تراه؛ فإن الله يقول: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.

fig1
شكل ١: صورة النقْش الذي عثر عليه المرحوم حسن أفندي الهواري [منقولة عن كتاب أصل الخط العربي للأستاذ خليل يحيى نامق].
وهذه قراءته مفصولًا بين كل سطر وما بعده بخط:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا القبر ─── لعبد الرحمن بن جبير (أو جبر، أو جبار، أو خير) الحجازي (أو الحجري) اللهمَّ اغفر له ─── وأدخله في رحمة منك وآتنا معه ─── استغفر له إذا قرأ(ت) هذا الكتب (الكتاب) ─── وقل آمين وكتب هذا ─── الكتب (الكتاب) في حمدى (جمادى) الأ ─── خر من سنت (سنة) إحدى و─── ثلثين (ثلاثين).
الخامس: يقولون كيف تُريد أن ترسم القرآن؟ وكيف تخالف الدين بمخالفتِكَ إجماع المسلمين؟ بل إنَّ أحدهم أرسل لي صورة برقية بعث بها لجلالة الملك يَطلب إليه حماية الدين من هذا الشر المبين.

أما كيف أريد أن أرسم القرآن، فإنَّك لا شكَّ علمت أن أسعد يوم في حياتي هو اليوم الذي أرى فيه كتاب الله مرسومًا رسمًا يَضبط بذاته كيفية أداء كلماته بلسان العالم والجاهل والمسلم وغير المسلم والعربي والأعجمي، أداءً صحيحًا لا يحتمل لحنًا ولا تصحيفًا. علمتَ هذا وعلمتَ أن الحروف اللاتينية بما فيها من حروف الحركات وما يُضاف إليها من حروفنا العربية ذات النغمات التي لا تؤدِّيها الحروف اللاتينية هي وحدها إلى الآن — في رأيي — التي توصِّل إلى تحقيق هذه الأمنية. وإذ كان أول ما يُهمُّني هو المُحافظة على سلامة أداء القرآن فرأيي بالبداهة إنما هو رسم القرآن بهذه الحروف اللاتينية وما أُضيف إليها من العربية، وإني أعالنك بهذا مطمئن الضمير، مُراقبًا الله وحده فيما أقول وما أُعالن به.

يهبُّ الهبَّابون صائحين قائلين إنَّ هذا حرام؛ لمخالفته إجماع المسلمين الذين تواضَعوا مِن عهد النبي الكريم على رسم القرآن بالحروف العربية. وأقل ما يجاب به هؤلاء الهبَّابون أنَّ المسلمين في عهد عبد الملك قد خرقوا إجماع مَن قبلهم إلى عهد النبي؛ فوضَعوا النقطات التي لم تكن في صحُف النبي ولا في مَصاحف عثمان بن عفان. ثم خرَقوه بعد عبد الملك بن مروان؛ فوضَعوا الشكل بطريقة ثم بأخرى. ولستُ أَعترض عليهم في خرْق الإجماع ثلاث مرات؛ فإنَّهم إنما أرادوا الإصلاح ما استطاعوا. والإجماع الفاسد لا حجَّة فيه على أحد من المسلمين، وأنا أيضًا أريد الإصلاح ما أستَطيع، فأبدل الحروف اللاتينية من الحروف العربية وأَكفي المسلمين سوء رسم العربية الذي يشكو منه الناس أجمعون، والذي قال عنه الجارم بك، ما موجزه: «إن هذا الرسم أصبح فنًّا من الفنون، بل لغزًا من الألغاز، وإنك إن لم تكن لُغويًّا نحويًّا صرفيًّا معًا لما كنتَ قارئًا ولا شبه قارئ، وإنَّ الشكْل لا يقي من اللحن والخطأ، وإنه جرَّب في المدارس أن الطالب المثقَّف لا يستطيع قراءة القرآن مع أنه مشكول على أدق ما يكون.»

وإذا كانت الحروف العربية وثنيةً منقولة مباشرة عن الوثنيين فإنَّ اللاتينية إنما أنقلها الآن عن النصارى وهم أهل كتاب أقرَبُ مِن الوثنيِّين إلينا نحن المسلمين. بل إن المتفق عليه أن حروف الكتابة عند جميع أمم أوروبا مأخوذة عن اليونانيِّين الذين أخذوا حروفهم عن الفنيقيين، وأن جميع الكتابات السامية والآرامية وفروعها التي منها العربي النبطي أصلها أيضًا مأخوذة من الفنيقيين، فاتخاذ الحروف اللاتينية لرسم العربية ليس فيه إلا مجرد استِرداد لعاريتنا نحن الشرقيين بعد أن هذَّبها العقل اليوناني وأشاعها في بلاد أوروبا.

على أنَّ الاعتراض بمسألة «الإجماع» هو تُكَأة العاجزين، وهم أناس مقلِّدون غلْف العقول، إذا صرَعهم الحق لملَموا أشلاءهم وهروَلوا لاجئين إلى قدس الدين، بل إلى لفظ الدين، يرمون عن قوسه، ويتَّخذونه مِجَنًّا يتَّقون به ما للحق من طعنات مصميات. والدين في قداسته — كما يعرف رجاله المحترمون — لا شأن له برسم كتابة العربية، وحروف لفظ الدين (ألف، لام، دال، ياء، نون) أوهى من أن يكون لها أي أثر في هذا السبيل، لكنهم في كل حركة وسكنة هكذا يفعلون، ترهيبًا للبُسَطاء وإيهامًا وخداعًا باسم الدين، والله يشهد إنهم لكاذبون.

اعلم أنَّ الدليلَين؛ أي المصدرَين الأساسيين الوحيدين في الشرع الإسلامي، هما كتاب الله والصحيح من سنة نبيه الكريم لا غير. وأنَّ هذين المصدرين لما لم يكونا شاملين بالتفصيل لكل أحكام العبادات ولكل الأحكام الأخرى التي تُطبَّق عند طروء ما يطرأ على المسلمين من الأحداث، وما يقوم بينهم من أقضية المعاملات؛ فقد اضطر المسلمون أن يرجعوا إلى الكتاب وصحيح السنة كيما يستنبطوا منهما تفصيل الأحكام في تلك الشئون. ولما كانت الحوادث دائمة التقلُّب والتجدُّد، وكان معظم تقريرات ذينك المصدرين واردًا في حوادث وأقضية بخصوصها، اضطرَّ المسلمون أن يقيسوا الحوادث والأقضية بأشباهها ونظائرها مما تناوله الكتاب والسنَّة، وأن يُطبِّقوا عليها ما قرراه من الأحكام في تلك النظائر والأشباه؛ ومن أجل هذا جعلوا القياس من المصادر المعتبَرة في الشريعة. وهذا أمر تدعو إليه الضرورة وتأمُر به البداهة العقلية تحقيقًا لمصلحة الاجتماع. ثم نظروا فوجدوا أنَّ أحوالًا قائمة أو تقوم في الناس — وعلى الأخصِّ فيما فتحَه المسلمون من الأمصار — من عادات في آداب السلوك، وفي كيفية تناول وسائل الحياة والاستمتاع بها، ومن اصطلاحات ومواضَعات وعُرْف في المعاملات، لم يأمر بها كتاب ولا سنَّة، ولم يَمنع منها كتاب ولا سنَّة، فأوجبوا بقاء تلك الأحوال — ما هو قائم منها وما يقوم — على ما هي عليه، واعتبارها أصلًا يُصار إليه إذا حدَث بسبب حال منها نزاع. وسموا علَّة هذا الاعتبار «الإجماع»، وجعلوه من أدلة التشريع الإسلامي ومصادره. وكان هذا الجعل أمرًا لازمًا تدعو إليه أيضًا ضرورات الاجتماع، لكنَّ هذا «الإجماع» الذي عبَّر العلماء عن قوته بكليات من القول المحكم الوجيز؛ كقاعدة «العادة مُحَكِّمة»، وقاعدة «المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا»، وقاعدة «القديم على قدمه»، هذا الإجماع لا يجوز ألبتة أن يعطِّل مصلحةً من مصالح المسلمين، بل إنه إذا كشفت ظروف الأحوال عن ضرره بالمجموع، وكان في اطِّراحه والاستبدال به خير للمسلمين، فإنَّ واجب الحاكم الشرعي أن يأمر باطراحه والاستعاضة عنه من الأنظمة والأحكام بما يحقِّق مصلحة الاجتماع. وإلى هذا الواجب أشاروا أيضًا بقواعد منها «الضروريات تبيح المحظورات»، و«درء المفاسد أولى من جلب المصالح»، و«الضرر يُزال».

هذا هو مركز «الإجماع» الذي يقولون عنه عند المسلمين. وإذ كانت طريقتي في رسم العربية ورسم القرآن الكريم تُزيل الضرر وتحقِّق مصلحة المسلمين تمام التحقيق، فأعفني من زيادة الكلام في وهانة هذا الاعتراض.

على أنَّ العربية ستبقى بفضل الله دائمًا هي العربية، فإذا كان بعض رجال الدِّين المُحترمين يجدون — كما قد يَلوح لي — على أنفسهم غضاضةً ما أو مشقة ما من ترك القديم، فليبقَ لهم رسم القرآن وصحيح الحديث على ما هو عليه الآن — كما قلتُ في بعض المواقف — وليُكتَبا لجماهير الناس بالرسم الجديد. بهذه المثابة يَبقى القرآن وصحيح الحديث مقروءين قراءةً صحيحة من جميع الناس، محفوظَين عند جميع الناس. وإنَّ لدينا الآن بالمعاهد الدينية كثيرًا من العلماء وآلافًا من الطلبة، وهؤلاء إذا بقيَ لهم رسمُ العربية كما هو، واستمرُّوا في قراءة كتبهم برسمها الحاضر، فإنهم سيكونون أيضًا في طليعة قراء العربية بالرسم الجديد؛ إذ يَكفيهم معرفة حروف الهجاء الجديدة وحروف الحركات الثلاث حتى يستطيعوا القراءة بلا أدنى عناء. وإذا قدِّر لمشروعي النجاح، وهو ما أعتقد أن سيكون عاجلًا أو آجلًا، فلعلَّ لنا فائدةً في بقاء حضراتهم على استعمال الرسم الحاضر، هي أن يؤدُّوا لنا في المستقبل عمل المستشرقين، ويحلُّوا لنا رموز ما لم يُطبَع بالرسم الجديد من قديم الكتب والمؤلَّفات. بل لعل ما نحن فيه يكون فرصةً ساقها الله لحضرات علمائنا الأجلاء وهو ينظر إليهم هل يَهتبلونها فيُشمِّروا عن ساعد الجد لتنقية كتب الحديث الشريف مما وضعه ودسه علينا الزنادقة والخوارج والقصاصون والسذَّج من الصالحين وهواة الإسرائيليات والمُتزلِّفون لذوي السلطان؛ وذلك حتى لا يُكتب بالرسم الجديد ويُنشر للجماهير من الأحاديث إلا ما صِحَّتُه لا شكَّ فيها ولا ارتياب؟ لعلَّها تكون فرصةً هيَّأتها يد القدر، فهل هم مُنتهزوها ففاعلون، كيما يَنالوا ثواب الدنيا وحُسن ثواب الآخرة، وهو ثوابٌ ضَمِنه الله للعاملين المُحسنين؟

السادس: كتب بعضُهم يقول: إذا اتُّخذت الحروف اللاتينية لكتابة العربية وبقيَ القرآن والحديث بالحروف العربية فمَن يقرؤهما في المستقبل؟ ألا تكون الكتابة العربية حينئذ بمنزلة الكتابات التي اندرَست كالقبطية القديمة (هو يَعني كتابة قدماء المصريين) وغيرها؟

كلا يا سيدي، ها أنتَ ذا ترى فيما أسلفت ما يُطمئنك على بقاء القرآن والحديث مكتوبَين بالرسم الحالي، فلن يندرس هذا الرسم، بل سيكون له دائمًا من رجال الدين وطلبة المعاهد الدينية من يقرءونه ويُحافظون عليه.

على أنه لا يغيب عن سيِّدي أنَّ اختراع الطباعة والفوتوغرافيا والفونوجراف كدَّس في عددٍ عظيمٍ من دور الكتب بمشارق الأرض ومغاربها أكداسًا من الكتب العربية، قديمها وحديثها، مَطبوعها ومُصوَّرها، كما كدَّس أقراصًا تُشخِّص جرس ما للحروف العربية من النغمات. وليس تكديس ذلك في البلاد الأجنبية لهوًا من أهلها ولعبًا، بل إنَّ هناك من العلماء مَن يعكفون على قراءتها للوقوف على ما بها، لا لاستفادة فلسفة أو علم أو فنٍّ أو أدب هم في حاجة إليه، بل للوقوف على تاريخ الفلسفة والعلوم والفنون والآداب ومَراحلها التي تكون قطعتها من قبل في بلاد العربية، ثم للوقوف على كيفية النُّطق بالعربية الفصيحة، بل وعلى كيفية النطق بلهجاتها العامية في مختلف البيئات. فإذا كان هؤلاء العلماء المستشرقون يقرءون هذا الرسم ويُحدِّدون جرس العربية وهي غير لغتهم، كما قرءوا من قبل لغة قدماء المصريين البائدة وإن لم يصلوا لتَحديد جرسها لانقراض الناطِقين بها، أفتظنُّ أننا نعدم، واللغة لغتنا، أن يقوم مِن بيننا الكثيرون يعملون عمل المُستشرِقين، حتى لو فرضْنا أنَّ المَعاهد الدينية عندنا لا تحافظ على الرسم القديم؟ إنك يا سيدي جِدُّ مُتشائم، ولكنك تخلق لنفسك هذا التشاؤم بالصناعة لتَخلق الاستِشكال. أما أنا فجدُّ متفائل. وكلٌّ يعمل على شاكلته، وربك أعلم بأينا هو الأقرب للعربية رُحْمًا، وأينا هو الأهدى إليها سبيلًا. ولو كان في علم الله تعالى أن تشاؤمَك حقٌّ، وأن تفاؤلي وحسْنَ ظني بقومنا باطل، لوجب أن أواري أنا وكل قومنا انحطاطنا عن أعين الناس، وأن نَدفن رءوسنا في الطين.

السابع: يقولون إنَّ رسم الحروف من مشخصات القومية، فكيف نعدم هذا المشخِّص؟

وهذا اعتراضٌ غريب. الحقُّ الذي لا ريب فيه أن مُشخِّصات كل أمة في يوم الناس هذا، اثنان لا ثالثَ لهما: وحدة الوطن الإقليمية والسياسية ووحدة اللغة. أما وحدة رسم الكتابة فلا يقول أحدٌ إنَّها مِن مشخِّصات الأمم، لا هي ولا وحدة الزيِّ، كلا ولا وحدة الدين. إنَّ الفرنسيين والإنجليز والأمريكان والطليان والأسبان والبلج وغيرهم، كلهم يتَّخذون حروفًا واحدةً لرسم كتابتِهم، وكلهم يتَّخذون زيًّا واحدًا للباسهم من الرءوس إلى الأقدام، وكلُّهم نصارى على دين المسيح، ولم يقل أحد إنهم جميعًا أولو قومية واحدة، أو إنهم جميعًا أمة واحدة يشخِّصها الزي أو رسم الكتابة أو تُشخِّصها وحدة الدين. وكذلك الإيرانيون والجاويون لا يقول أحدٌ الآن إنهم هم والعرب أمة واحدة لمجرَّد أنهم يشتركون معهم في رسم الكتابة، وأنهم كسواد العرب يدينون بالإسلام. بل إن كلًّا من تلك الأمم إنما يشخصها استقلالها سياسيًّا بأرض وطنها ثم وحدة لغتها فحسب. وها أنت ذا ترى الحرب قائمة على قدم وساق بين أمم كلهم مسيحيُّون ومتشابهون في رسم الكتابة وفي الأزياء. فلا تسمع لكلام المهوِّشين الذين يوهمونك بالباطل لمصلحة مَزاعمهم التي يُناقضها الواقع المحسوس في كل بلاد الله.

الثامن: من أطرف الاعتراضات أن أحدهم أرسل لي بالبريد تذكرةً مفتوحة يقول فيها ما حاصله، بما يَقرب من لغته ويُبرز فكرته: «أما كفانا أن الساعة بعد ما كانت بالعربي عملوها بالإفرنجي، وأن الأشهر بعد ما كانت بالعربي عملوها بالإفرنجي، ولم يبق لنا إلا الكتابة بالعربي، فحتى هذه البقية الباقية تُريد أن تُفرنجها؟ يا شيخ فُضَّك من التخريف.»

قد تسخر من هذا الرجل وتقول إنه عاميٌّ ساذج، أو إنه من قبيل أولاد النُّكتة من المصريين الذين قال أحدهم تنادُرًا باقتراحي: «بقى خرجنا من الفرعونية وقعنا في اللاتينية؟» وقال آخر عند ما بلغه قولي إنَّ اقتراحي من مزاياه أن يعمِّم العربية: «هو لا يُعمِّمها بل يبرنطها.» لا تسخر من مرسل تلك التذكرة المفتوحة؛ فإني أراه خيرًا من جميع المعترضين؛ ذلك بأن الساعات إذ اتُّخِذت ابتداءً من الزوال وساعته كانت تبتدئ من الغروب، فقد اختلط عليه حساب أذان المغرب، ثم معرفة باقي أوقات الصلاة، ومدفع الزوال لا يفيده علمًا بها. وإذ كان هو فرَّاشًا أو ساعيًا أو كاتبًا صغيرًا في مصلحةٍ يُصرف له راتبه بحساب الشهر الإفرنجي، فكثيرًا ما يفاجئه أهل منزله بطلعة رجب، وليلة نصف شعبان، وليلة عاشوراء، مما يقتضي نفقات يَسهو المسكين عن الاحتياط لها أول الشهر يوم «القبضيَّة»، وفي ذلك حرج عليه. وإذا تغيرت الحروف العربية كان تغيرها عليه مصيبةً ثالثةً؛ لأنه لا يستطيع أن يقرأ حساب الخباز والخضري والجزار. أقل ما في اعتراض الرجل أنَّ له أسبابًا يُبيِّنها ليدفع عن نفسه بلوى الحروف اللاتينية. ولكن ما ظنك بمن يعترضون لوجه الشيطان، ويخيِّلون إليك مع هذا أنهم باعتراضهم إنما يبتغون وجه الله والمحافَظة على دين الإسلام؟

التاسع: يقولون إن رسم الكتابة العربية مُستعمَل لكتابة لغات إيران والهند والملايو «جاوه وسومطره وغيرهما»، فكلها تابعة للعرب في هذا الشأن، وإنَّ المسلمين هناك، وعددهم لا يُحصى، يكتبون ويقرءون القرآن والحديث بهذا الرسم العربي، فكيف تُريد حرمانهم من هذه المزية وحرمان العرب من هذا الشرف الكبير؟

سبحان الله! لئن كانت لغات تلك البلاد مُبتلاة بمثل ما العربية مبتلاة به في حركات كلماتها، فالأخلق بالمُعترض أن يقلب سؤاله فيقول: كيف أنَّ العرب — وهم إخوان أهل تلك البلاد في الدين — قد رزَءوهم بمصيبة الرسم العربي السَّخيف، ووضعوا غُلَّه في عنق لغاتهم، وجعلوهم عليهم بلسان الحال من الساخطين؟

حقًّا إنَّ أهل تلك البلاد يكتبون لغتهم بالرسم العربي، ويَكتبون به القرآن، ولكن هل تظنُّ أن عامتهم أو خاصتهم يفهمون شيئًا من القرآن؟ كلا، بل يلوح لي أنه إذا وجد فيهم مَن يتعلَّم العربية ويكتبها ويقرؤها، فكما يوجد من المستشرقين من يتعلمها لا أكثر، وإذا طُبعت هناك كتب عربية فكما تُطبع في أكسفورد وليدن وليبزج لا أكثر.

قدَّم لي أحد من عادوا من حج هذا العام كتيبًا مطبوعًا سنة ١٩٣٣ في مدينة لاهور بالبنغال، به بعض سور من القرآن وبعض أدعية مكتوبة بالرسم العربي، ولكن كلُّ سطر منها تحته ترجمته بلغة تلك البلاد. مما يدلُّ أولًا: على أن القرآن مترجَم من العربية إلى لغة هؤلاء المسلمين من عهدٍ بعيد. وثانيًا: على أنهم إنما ينطقون بكلمات القرآن كما تَنطق الببغاء بدون أن يُدركوا لها معنى إلا ما تؤديه لهم الترجمة المكتوبة تحتها. ومن ناحية أخرى إذا تأملتَ في مقدمة هذا الكتيب، وفي طريقة إشارته إلى بعض سور القرآن، ثم في طريقة كتابته للقرآن نفسه، لعلمتَ أولًا: أنهم في لغتهم يُحرِّفون أسماء السور؛ فيقولون: «سورة فتح. رحمان. واقعة. مُلك. مزمل. نبأ. إخلاص» بحذف أل التعريفية. وثانيًا: أنهم يكتبون هيكل كلمات القرآن على أصله النبطيِّ القديم، فيكتبون الكلمات الآتية من سورة الرحمن هكذا: «ينتصرن. يكذبن. جنتن. عينن. تجرين. زوجن. قاصرت. مدهامتن. عينن. نضاختن. ذي الجلل» بحذف حرف الألف من موضعها في كل من هذه الكلمات، والاكتفاء بألف صغيرة فوق الحرف الممدود. وفي هذا دلالة حسِّية على أنَّ واضعي رسم المصاحف المتداولة بيننا الآن، إذا وضعوا الألفات مواضعها في كل تلك الكلمات فقد خالفوا رسم الهنود المُطابق هيكله للرسم العربي الأصليِّ، وأنهم هم والهنود كانوا من قبل خرقوا الإجماع أيضًا بوضع الألف الصَّغيرة فوق الحرف الممدود، مما لم يكن له سابقة في مصاحف عثمان بن عفان. ومن هذه الناحية ترى أن الإجماع على أصل الرسم الذي لم تكن فيه ألف ولا إشارة لألف قد خرَقه المسلمون، مرة أولى بإشارة الألف؛ أي تلك الألف الصغيرة التي بقي الهنود ملازمين لها. ومرةً ثانية في بلاد العربية التي وضعت في مَصاحفها حرف الألف داخل هيكل الكلمات، مُستبقية أيضًا تلك الألف الصغيرة فوق الحرف الممدود، في بعض الكلمات، وغير مستبقية لها في البعض الآخر. مما يَزيدك علمًا بأن رسم المصحف لا قدسية له، ولا يُحتجُّ فيه بأي إجماع.

أما كون اتخاذ الحروف اللاتينية يَحرم العرب هذا الشرف العظيم فقلبُ حال كذلك؛ لأن من يرمي الناس بداهية لا يَحوز لنفسه بفعلته شرفًا بحال.

العاشر: يقولون إنَّ تحسين حال العربية لا يكون مِن طريق تيسير رسم كتابتها، وإنما يكون من طريق تقريب أصولها وقواعدها؛ لأنَّ الاتجاه لتيسير الرسم معناه نقل العبء من القارئ إلى الكاتب. وبيان هذا: أنَّ القارئ إذا تيسَّر الرسم فهو يَنطق بما يقع عليه بصرُه نطقًا مضبوطًا في ذاته مطابقًا للرسم. وقد تكون العبارة التي يَقرؤها غير مضبوطة في ذاتها بحسب أصول اللغة وقواعدها، فيَعتاد القارئ قراءة ما هو غير مضبوط عربيةً من العبارات التي قد تسجَّل بالطباعة فيستديم ضررها. وأن هذا الضرر لا يمتنع إلا إذا أوجبْنا على الكاتب أن يتعلَّم أصول اللغة وقواعدها، حتى لا يكتب إلا صحيحًا، وحتى لا يقرأ الناس إلا الصحيح. وبهذا يئول تيسير الكتابة إلى نقل العبء من القارئ إلى الكاتب.

مهما يكن بياني لهذا الاعتراض مُعقَّدًا فإنه على كل حالٍ اعتراض خارج عن الموضوع. وما أشبهنا — إزاءه — بالباحثين عن طرفَي الحلقة المُفرغة، تقوم الساعة علينا قبل أن نهتدي إلى المطلوب! إن مسألة البحث في أصول اللغة وتيسير قواعد نحوها وصرفها، تلك التي يقول المعترضون إنها هي العلاج الشافي لأدواء العربية، هي مسألة أخرى قائمة بذاتها، وهي مطروحة فعلًا على المَجمع اللغوي، يَرود مداخلها ومخارجها، ويُحاول ما وسعت قدرته تمهيد ما يقبل منها التمهيد. أما ما نحن بسبيله الآن فهو مسألة تيسير رسم الكتابة العربية، وعلَّة البحث فيها استقلالًا هي ما لاحظه الناضل مِن مُحبي العربية والمنضول، والفاضل والمفضول، والرائحون والغادون، والقدماء والمُحدَثون، وطوب الأرض ونجوم السماء، من أن خليل مطران والجارم والعقاد والأسمر وهيكل وطه حسين وأحمد أمين وأحمد حسن الزيات والمازني ونظراءهم من الشعراء والأدباء، وإلى جانبهم أساتذة العربية بالمدارس، وأنطون الجميل وفكري أباظه وزكي عبد القادر والشناوي والسوادي ورصفاؤهم من رجال الصحف والمجلات، أولاء جميعًا يَجهدون ويَكدُّون ويُخرِجون لنا من قصائد الشعر وكتب الأدب وكتب التعليم والمقالات المختلفة في السياسة والاجتماع، ما كلُّه محرَّر على أدق ما يكون من المطابقة لأصول العربية وقواعد نحوها وصرفها، وما كله مرسوم على خير ما يكون رسم الكتابة العربي الحالي. ومع هذا فإن قراء تلك الأشعار والكتب والمقالات لا يستطيعون قراءتها على الوجه الذي أراده واضعوها المُتمكِّنون في اللغة وقواعدها، بل هم يُخطئون في قراءتها خطأً شنيعًا يَخرُج بالعبارات عن أصل معناها المراد؛ وذلك لأنَّ رسم الكتابة في ذاته قابل — بسبب عدم وجود حروف الحركات أو «الشكل» الذي أفلس — لأن يُنطَق به، رغم أنف أولئك الكاتبين الفحول، على جملة وجوهٍ، منها الصحيح وأكثرها خاطئ معيب. ومن أجل هذا مسَّت الضرورة — قديمًا وحديثًا — لبحث هذا الرسم ذاته. وكل الكلام الآن دائر عليه دون سواه، بقصد معالجته وجعله مُتمحِّضًا لوجه واحد من الأداء؛ بحيث إذا رسمه الشعراء والأدباء والكتاب المذكورون وغير المذكورين من أساطين العربية، المعصومة أقلامهم من الأغلاط، على صورة يتعمَّدونها ولا يريدون سواها، قرأه القارئ حتمًا جزمًا كما أرادوا. وإذن فما محلُّ هذا الاعتراض؟ وما معنى تسجيل الأغلاط واستدامة الأغلاط؟

لنفرض — هُنَيهة — أننا جارينا حضرات المُعارضين، فأخرسنا ألسنتَنا عن الجهر بالشكوى من سوء رسم العربية، وأمسَكنا عن البحث في أمر إصلاحه، وصرفنا كل همِّنا في مسألة تسهيل أصول اللغة وتبسيط قواعد نحوها وصَرفها، ثم لنفرض أيضًا المستحيل؛ نفرض أن هذا الاتجاه لم يُبْق أحدًا من الناس إلا وقد رفعه إلى صفِّ من ذكرنا من كبار الشعراء والكُتَّاب، أفلا يرى المعارضون أن سوء الأداء وكثرة التصحيفات وشنيع الأغلاط لن تنقطع ما دام رسم الكتابة باقيًا كما هو، وأنَّ الضرورة ستُلجئنا إلى ما نحن فيه من الصراخ والمطالبة بالبحث فيما نبحث فيه الآن من إصلاحه؟ أفلا يرون حقًّا أننا بمثل هذا الاعتراض نُضيِّع الوقت في اللف والدوران والبحث عن طرفي الحلقة، واغلين في البُعد عن محجَّة السداد؟

تعمَّدتُ الإسهاب في الرد مجاملةً لحضرات المعترضين، وإلا فإنهم لو كانوا من أعضاء المجمع اللُّغويِّ لعرفوا أنَّ اعتراضهم وردِّي هذا المُسهب كلاهما عبث لا خير فيه. إنَّ لائحة المجمع تجبُّهما؛ نصُّها صريح في أنَّ عليه البحث في تيسير رسم الكتابة العربية. ووزير المعارف عهد إليه بهذه المهمة بقرار منه خاص، وهو مكلَّف نظاميًّا بتنفيذ قرارات الوزير. ومَورد النصِّ لا مساغَ للاجتهاد فيه.

الحادي عشر: يقولون كيف تَستعمل حروف الحركات، وهي في اللغات الأجنبية متعدِّدة ومُتعدِّدة الاتجاهات في النُّطق، وبعضها — مع أنه هو هو — قد يحرِّك الحرف حركتَين مختلفتين؟

ومن يقرأ في اقتراحي مسألة الحركات العربية والحروف الثلاثة المختارة لها (فقرة ٤١ إلى ٤٣)، يجد أن هذا الاعتراض مُستحيل وروده عليه.

الثاني عشر: يقولون إنَّ في اللغات الأجنبية أفعالًا شاذَّة، وفي رسمها حروفًا صامتة لا ينطق بها. فالإنجليزية — مثلًا — فيها جملة من تلك الأفعال الشاذة، وفي كثير من كلماتها حروفٌ مثل gh لا يُنطَق بها، ولم يتأذَّ الإنجليز برسم لغتهم ولا بما فيها من الشذوذ في تصريف الأفعال.
وهذا كلام لا يصحُّ بحال أن يُقال، فإنَّ الأفعال الشاذة في الإنجليزية والكلمات التي فيها حروف لا يُنطَق بها مثل gh في كلمة night وما أشبهها، أو ينطق بها كنغمة f كما في كلمة rough وغيرها، إذا أحصيتَها جميعًا وجدتها قد لا تتَجاوز أربعمائة فعل وكلمة، أو خمسمائة مع المُبالغة في التقدير. وكل الطلبة المصريِّين — دع أهلها الإنجليز — يَعرفونها ولا يُخطئون في نطق رسمها. لكن تعالى إلى العربية، إنَّ فيها كما يقولون نحو (٨٠٠٠٠) ثمانين ألف أصل، بخلاف المُشتق مما يُمكن منه الاشتقاق، فإذا جعلنا لكلٍّ من هذه الأصول خمسة مُشتقات في المتوسِّطة أو أربعة أو حتى ثلاثة فقط، لحصل عندنا (٢٤٠٠٠٠) مائتان وأربعون ألف كلمة، كلها مركَّبة من أصوات جوهرية لا تُعرف حركات حروفها بذات رسمها. ولشَتان ما بين خمسمائة كلمة في الإنجليزية وبين هذه الآلاف المؤلَّفة في العربية! فأيَّة قيمة إذن لمثل هذا الاعتراض؟
الثالث عشر: يقولون إنَّ الكتابة العربية اختزالية فهي اقتصادية؛ إذ الصحيفة الواحدة منها إذا كتبت بالحروف اللاتينية ملأت كلماتها صفحتين أو ثلاثًا، بل قد سمعتُ نقلًا عن أحد كبار الأذكياء أنه قال: إنَّ بعض الفرنسيين حاول الانتفاع بمثل هذه الميزة الاختزالية، فوجد أن عبارة Hélène a eu des bébés (هيلانة رزقت أطفالًا) يمكن كتابتها هكذا: hlnaudbb.

فأما فكرة الاختزال والاقتصاد فمردود عليها في بياني (فقرة ٢٣). وأما عبارة «هيلانة» فمِن الأحاجي التي كثيرًا ما ينشر مثلها في الصحف الإفرنجية لتسلية الناس. ولا شكَّ عندي أن حاكيها أراد بها الإشارة إلى أن رسم لغتنا كرسم تلك الأحاجي المعمَّيات، وهو في إشارته من الصادقين. ويخيل إليَّ أنه من الحذَّاق المتصوِّنين الذين يَربئون بأنفسهم عن زيادة التصريح وما تَسحبه زيادة التصريح على صاحبِها من ألسنة حداد. لكنا نحن عن إشارته ساهون.

الرابع عشر: يقولون إنَّ الفتحة كثيرة في الألفاظ العربية، وإنَّ حروف المد، الواو والألف والياء، يجذب الحرف منها ما قبله فيُحرِّكه بحركة تُناسبه، فلا يبقى من بعد في الكلمات سوى الضم والكسر والتشديد والتنوين والسكون، وإن أقلَّ الأقدار من الشكلات يكفي للدلالة على هذا متى خيف اللبس. بل إنَّ للعربية في تصاريفها صيغًا قياسية معروفة اعتادها الناس، فهم يَنطقون بها نُطقًا صحيحًا مشكولة كانت أو غير مشكولة. ثم يقولون بناءً على هذا كله إنه لا لزوم لا لإيصال الشَّكلات بالحروف، ولا لتغيير الحروف ذاتها بحروف لاتينية تُوضَع في غُضونها حروف الحركات.

لكن القائلين بهذا يَسهون سهوًا تامًّا عن أن هذه الطريقة لا تُفيد البادئين في التعليم ولا أنصاف المتعلِّمين ولا الأجانب عن العربية، بل ولا المتعلِّمين تمام التعليم من أهل العربية أنفسهم. إنها تَقتضي أن يكون القارئ عارفًا من قبل بمُفردات اللغة وبعلمَي الصرف والنحو. ألم يقل الجارم بك: «إنك إن لم تكن لغويًّا نحويًّا صرفيًّا معًا لعجزتَ عن أن تكون قارئًا أو شبه قارئ»؟ أولم يقل: «إنَّ الشاب المثقَّف يُخطئ في قراءة المشكول خطأه في غير المشكول، وإنه يُخطئ في قراءة القرآن مع كونه مشكولًا على أدقِّ ما يكون الشكل»؟ وإذن فهذا الاعتراض — أو بالأحرى هذا المذهب — غير مَوصل للغرض الذي نسعى إليه.

الخامس عشر: وردَني بالبريد عدد من جريدة لم أتشرَّف من قبل بمَعرفتها، لسبب بسيط خاصٍّ بي، هو أني غير مُغرم بقراءة الجرائد، وبحسبي جريدة واحدة أقرأ فيها، لا كل الأخبار، بل بعض المُفيد من الأخبار. ولسببَين آخرَين خاصَّين بها هي، أولهما أني لما فضضتُ غلافها قرأتُ أنها جريدة أسبوعية، ولكنِّي وجدتُ تاريخها ربيع الآخر سنة ١٣٦٣ بلا تعيين يوم من الشهر ولا أسبوع، فأدركت أنها من الجرائد التي تظهر مرة وتَختفي أخرى بحسب التساهيل، وثانيهما ما قرأتُ فيها من أنها جريدة دينية إسلامية، وأنا مُكتفٍ بما يسَّر الله لي من ديني، وموقن بأن لا مزيد عليه عند كائن من كان من المسلمين. وهو سبب يَصرفني عن إضاعة درهم واحد في شراء مثلها حتى لو كانت غير مغمورة بل كانت ذائعة بين المصريين وغير المصريِّين.

قرأت في تلك الجريدة مقالًا أشار إليه مُرسلها، فسُررت سرورًا بالغًا لعثوري على إنسان يكتب العربية نقية سليمة من كل عيب، مهما يكن الاسم المجهول الموضوع في ذيل المقال دالًّا على الذات الكاتبة، أو يكن لفظًا مستعارًا من أحد المسخَّرين. وليس يَرين على سروري ما رأيتُ في المقال من بعض العبارات النابية؛ لأني أعرف أن لكل كاتب نبوات قد يَندم على فروطها. كما لا يقلل من سروري أن صاحب الجريدة — مع تفضُّله بإيصالها إلى منزلي — توهم أني لن أقرأ ذلك المقال، فكتب في الفهرس الذي على الغلاف ما يُفيد أنَّ المقال هو بحث في فوائد اقتراحي؛ إغراءً لي بقراءته، كأنه في سهوه وتكليف نفسه مشقَّة الاحتيال يُريد أن يعلمني ما أعلمه من أن الحِيَل الشرعية جائزة في عرف بعض المسلمين، وأنه لا مانع من أن يستعملها المسلم، وعلى الأخص متى كان صاحب صحيفة دينية تائهًا في حبِّ الله، غارقًا في بحر الحقيقة مع أهل الباطن من الأقطاب الموكَّلين بتدبير أمور الكون! أليس مثله يوحى إليه في غيبوبته أن مِن واجبه ديانة أن يحتال على الناس حتى يُبلِّغهم أن الأخلاق الدينية شيء، وأنه وهو القطب الربانيُّ المكلَّف بالتبليغ شيء آخر بعيد عنها بُعد أهل النار من أهل الجنة؟ أوَليس أنه يُقذف في قلبه أن يقول للناس إنَّ آية صدقه في هذه الرسالة واضحة للصَّغير والكبير، والأكمه والبصير، هي أنَّ الأخلاق معنًى والقطب الرسول مادَّة، وأنه شتَّان ما بين المعاني الذهنية وكتل الماديات المرئيات؟ ولا يقلِّل أيضًا من سروري أنه يَطعن في اقتراحي بكل ما وسعه، فيقول إنه سِقْط مستحيل التنفيذ؛ لأنه يُضيِّع على الموجودين والمستقبلين الانتفاع بثقافة الماضين، ويَزيد أعباء الطابِعين، ويُكلِّف من النفقات ما يخطئه عدُّ العادِّين وحساب الحاسِبين. ولا يُقلِّل منه أنه يُشيد بالرسم الحالي ويَخلق من سخافته جلالًا، بل يذهب إلى حد الدعوى بأنه سيتحقَّق فيه تنَبؤُ بعض المتكهِّنين من أنه سيكون خط كتابة كل العالمين، إلى ما يزعم وما يوهم به من هذا القبيل. بل ولا ينقص سروري أن تديُّنه نفخه فزيَّن إليه أن يقول إني استلهمتُ بعض اقتراحي من فيض مكارمه النورانية، كأن للمَغمور الذي يَتجر بالدين فضلة علم أو أثارة فهم تَسقُط من بين أسنانه إلى أيدي اللاقطين. كل هذا لا يذهب بسروري من بلاغة المقال؛ لأني — من ناحية — فاهم أنه لو لم يطعن ولم يسهب ورسالته دينية، لأوهمتْه نفسه أو لتوهَّم قارئوه — إن كان له قارئ — أنه لم يؤدِّها على ما يرام. ولأني — من ناحية أخرى — رأيتُ أن له غرضًا أساسيًّا يسعى إليه، هو تسويء كل القوانين الوضعية القائمة الآن في البلاد، والرجوع إلى ما بناه الفُقهاء الأكرمون من صرح الشريعة الغراء. وهو غرضٌ مُهمٌّ في ذاته، ومِن شأنه أن يدفع إلى الإشادة بما ترك الإمام الليث بن سعد وباقي السلف الصالح من الآثار، كما يَدفع إلى النَّعي على كل حادث يتوهم منه المساس بتلك المخلَّفات.

وأؤكد أيضًا للقطب الرباني طابع المقال أن ما كتبوه له فدوَّنه من أن «مَثَلي في قصور الأسباب التي علَّلتُ بها بعض نقط اقتراحي كمَثَل الزنجيِّ يخرج من مجاهل إفريقية فيُبدي رأيه فيما لا علم له به من شئون المتحضِّرين.»٤ ثم ما دوَّنه أيضًا من أن «النتيجة النهائية للأخذ باقتراحي هي إضعاف الإسلام.» أؤكِّد للقطب أن كل هذا التورط في التجريح لا يمنع سروري بأسلوب مقاله الرشيق، بل إنه يَزيد فيه بما يجعلني أبتسم لسهوه عن أنَّ الوعول لا تئوب مِن نَطح الصخرة إلا بكسر قرونها، وأن جرْح العجماء — إن جرَحت — جُبار. ومن أجل هذا فإني أحلله من كل إثم يجول في خاطره أنه ارتكبه بوصْف أنه قُطْب مسلم يحرِّر أو يطبع صحيفةً تَدفع عن دين الإسلام وأخلاق الإسلام، بل أستغفر له الله، بل أقول له استمرَّ أنت ومَن يكتب لك هنيئًا مريئًا غير داء مُخامر.

ولكني مع تحليله من إثم ما قال وما قد يقول مما يتعلَّق بي، لا أملك التجاوز له عما تعدى فيه إلى غيري مِن كرام الناس تعديًا كله صغار واستفال. من هم يا حضرة الطابع أولئك المُشايعون الذين يَعبثون بمحاضر الجلسات؟ وإلام ترمي بموازنتك بين المتقدِّمين من أعضاء المجمع وبين المتأخِّرين؟ وهل أتاك عن المتأخِّرين أنهم يَغمطون فضل المتقدِّمين الأولين؟ وماذا يقذي بصرك ويرمده من رجال القانون ومن الأطباء والمهندسين؟ اربَعْ على ظلعك، واشتغل ببضاعةٍ أخرى في تجارتك بالدين. واعلم أن كل هذا من جانبك تورُّط من أشنع التورُّطات، وأن اسمه بالعربية الدس والفتنة والإيقاع. وهنا فقط أُعلمك أن مقالك لا يستأهل إلا الإحراق. وما يهم أحدًا أعربيٌّ هو أم أعجمي، فاحفظه في مخلاتك إن شئت وكله هنيئًا أو غير هنيء، فقد زهَّدت فيه الناس، كُلْه أنت وحدك، فإن خضراء الدمن لا تُخطَب، والعسل في محجمة الحجام يُعاف.

على أنَّ آثام هذا الطابع لا تَصرفني عن واجبي، بل هي تُحفِّزني إلى المضيِّ قُدُمًا فيه، إني أريد أن أَهمس في أذنه، أو بالأحرى في أذن مَن كتب له المقال، بملاحظتَين بسيطتين خاصَّتين بالغرض الأساسي الذي يَسعى إليه، وإن لم يُلق باله إليهما كان عمله عبثًا في عبث، وتجارته بالدِّين خسارًا في خسار.

  • الأولى: أن الدين لله. أما سياسة الإنسان فللإنسان، وما لله ثابت لا يتغير؛ لأن الله حي قيوم أبدي يستحيل عليه التغير. أما ما للإنسان فكالإنسان، يتغيَّر ويتبدَّل ويَحول ويزول بفعل الزمان والمكان والأحداث. وإذا كان أحد لا يستطيع في الإسلام أن يمسَّ العقائد وفرائض العبادات، فإنَّ الحاكم في الإسلام عليه — بهذا القيد — أن يسوس الناس عاملًا على ما يحقِّق مصالحهم بحسب الزمان والمكان ومقتضيات الظروف والأحوال، مؤسِّسًا عمله على الحق، حائطًا له بسياج من العدل الذي بدونه لا تَنتظم أمور العباد. فهل يرى حضرة الطابع أو الكاتب في القوانين الموجودة الآن، من مدنية وتجارية وجنائية ومالية وإدارية، ومن نُظمٍ للهيئات المكلَّفة بتطبيقها وللهيئات التشريعية العليا المختصَّة بسنِّها وإصدارها. هل يرى في تلك النُّظم والقوانين ما يخالف شيئًا من عقائد المسلمين أو يعطل فرضًا من فروض الدين؟ أوَلا ينظر ويسمع هو ومن لفَّ لفَّه، إن كان لهم أعيُن يُبصرون بها أو آذان يسمعون بها، أن في الدولة المصرية من تلك النُّظُم هيئة اسمها وزارة الأوقاف قائمة بتعمير مساجد الله وإقامة شعائر الدين في بيوت الله؟ وهل يحسب أن فقهاءنا الأكرمين، لو كان الله مدَّ في أجلهم إلى اليوم، كانوا يأخذون في سياستنا بغير الموجود الآن من القوانين التي تتطوَّر بالاستمرار تبعًا لأحوال الناس، بل وللظروف العالمية جمعاء، وهي في كل أدوار تطورها تحت ضمانة أهل الشورى والحل والعقد من نواب البلاد، ومِن فوق نواب البلاد؟ إني أقرأ ضميرك من بعيد، إنك لا تستطيع الجواب؛ لأنك إن أجبتَ سلبًا كذبت على السلف الصالح علنًا. وإن وافقتني فوَّت على نفسك غرَضَكَ من إصدار صحيفتك فأجهزت عليها وقبرتها وضاعت عليك تجارتك بالدين. غاية ما يَحملك الوهم على اللجوء إليه لتدَّعي لنفسك شُبهةً في مخالفتي، تلك المخبثة التي نبَّه إليها قبلك كثير من رجالنا المحترمين. أقصى ما عندك أن تُشير إلى بعض المسائل الأخلاقية، وأن تقول إنها مخالفة لآداب الدين. أنا معك إن كنت أنت منها بريًّا. ولكن لبِّثْ قليلًا! إنَّ قسيسي النصارى لما خرجوا عن حدود دينهم الذي هو في أصله دين الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لما خرجوا وبطشوا بالعباد وعذَّبوهم باسم الدين، وأحرَقوا بعض العلماء باسم الدين، لا لجريرة سوى أنهم شغَّلوا عقولهم فاهتدوا إلى بعض قوانين الله وسُننه في هذا الوجود، لما طغى القساوسة إلى هذا الحدِّ، ضجَّت منهم شعوبهم، وما زالت تُكافح حتى وصلت إلى الضرب على يدهم، واستصدرت دساتير تقرَّرت فيها حرية الرأي وحرية العقيدة وغيرهما من الحريات؛ وذلك كيلا يكون للقَساوسة ولا لغيرهم عليهم من سبيل. ولقد جاء الدستور المصري مقرِّرًا تلك المبادئ الديموقراطية السليمة فيما قرَّر من الأحكام. لبِّث قليلًا لأُعلمك أن الحكومة المصرية تعمل ما في وسعها للقضاء على كل ما يدور بخلدك من مسائل البغاء والمَيسر والخمور والإغراق في نزوات السفور، مما تعتدُّه أنت مروِّجًا لتجارتك، وتتمنى على الله في سرِّك أن يُديمه حتى لا تنهار حيطان متجرك فيَخرس لسانك. ولكن ما وسيلة الحكومة لاجتثاث تلك المنكَرات، وعلى الأخص ما يُرتكب منها في الخفاء مما يعلم الله من هم المرتكبوها أأنا أم أنت أم غيرنا من محترفي الدين وغير المُحترفين؟ ما وسيلتها وفي البلد كثير من غير المسلمين من أجانب ومصريين؟ أنت تُدرك العوائق كما أُدركها، وفيها تلك الحريات التي قرَّرها الدستور، ولكنك تريد تأدية رسالتك ولو بالقول العقيم.

    لا معدى لك يا سيدي في كل ما همستُ به في أذنك الآن عن إحدى اثنتين: إما أن تطلب أنت وأضرابك إلغاء الدستور وما قرَّره من الحريات، وما وكله من أمور التشريع إلى نواب البلاد، الذين إذا كانوا عارفين بأحوالها وما يلزم لها من القوانين، فإنَّ أغلبهم لم يَدرسوا الشريعة الإسلامية لا كالسلف ولا كالخلف من الفقهاء، بل فيهم كثير ممن لا يدينون بالإسلام. إما أن تَطلب هذا فأقوم في وجهك أنا وغيري من المصريين المسلمين وغير المسلمين، وإما أن تسكت وتقول ليس في الإمكان خير من الكائن الآن. وأنصحك بأن هذا هو الأجدر بك وبأمثالك في هذا القرن العشرين.

    نسيتُ أن في نفسك تُكَأة لك أخرى غير تلك المُنكَرات؛ مسألة التعامل بالفوائد. ولكني أرى صوتك فيها خافتًا، إما لأنك تتعامَل بها فعلًا وأنك إذا استعطَيت فمُعطيك مسلم تقيٌّ ورعُه من دَنِّ ورعك، لا يُعطيك إلا سرًّا. ثم هو يُشفِق دائمًا عليك؛ لأنَّكما أخَوان في الدين، فلا يَزيد عن خمس عشرة لكل مائة مما يُناولك من القروض، وكلاكما من آخذ ومُعطٍ يتَّقي غضب الله بما يتقن من طرق الاحتيال عليه. إما لهذا خفوت صوتك، وإما لأنك — وأنت سيد الفُهماء — قد أدركت أنَّ للمُعاملات العالمية تيارًا يموج بهذه المسألة وأضرابها، وأنك إن لم تَقصر ما تراه حكم الإسلام فيها على خاصة نفسك — إن شئت أن تتوب وأن تكون من المتحرجين — فإن أحدًا لن يستمع إليك. ولو أن مصر لم تعمل بقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» بل طاشت فأخذت بما قد تأتي به أنتَ ومَن يكتب لك من هذا القبيل، لقاطَعَها العالم، ولما استطاعت الاقتراض لشراء محاصيل أهاليها ولتَحويل ديون الأجانب التي عليها، ولأغلقت البنوكُ أبوابها، ولانحطَّت الزراعة ووقفَت الصناعة وتعطَّلت التجارة، وانهدمت مصلحة الجمارك على رأس مَن فيها مِن الموظَّفين، وكنت أنت ومصر معًا من الهالكين. ولعلك تحفظ قوله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وتخاف هذا المآل. لكن من يدري؟ لعلَّ رسالتك تضطرُّك إلى نبْذ قول الله وراء ظَهرك، والمخاطرة بمصر وحكومة مصر وبرلمان مصر، وأن تنعق بهذا المُحال لمجرَّد الإيهام بأنك تخدم الدين.
  • الثانية: حُطَّ من غُلوائك، وتعلم مني أنَّنا الآن عيال على الأوروبيِّين، لا في خصوص العلوم والفنون فحسب، بل كذلك في أمور التشريعات والقوانين. وإن ثَقُلَ عليك قولي، فسل رجال كلية الحقوق وكلية التجارة، وأقلام قضايا الحكومة التي تُجهِّز مشروعات القوانين، وسل كل مَن بالمَحاكم الأهلية والمختلطة من القضاة المصريِّين، ومَن يَشتغل لديها من المحامين المصريين. سلهم يأتوك جميعًا بالخبر اليقين. ومن أجل هذا، مضافًا إليه طريقتك العوجاء في خدمة الدين، يؤسفني أني — حتى لو كنتُ قويًّا في صحتي — لن أجيب رغبتك في الرجوع لسلفنا الصالح في أمر القوانين.

إنك يا سيدي كما وقفتَ على أبواب المجمع اللغوي لاستراق السمع، لا بد أنك إذ أقصاك أهلُ العلم عن محلَّتهم قد وقفت لهم أيضًا على الأبواب ومن وراء الحجرات فالتقطت ذات مرة قولهم: «إنَّ الحكم على الشيء فرع عن تصوُّره.» وإذا كنتَ — على ما أظن — لم تتَّصل، أنت ولا من يكتب لك، بقوانين الأوروبيين، ولم تدرس شيئًا من قوانين الأوروبيين، فهل ترى لنفسك حقًّا في الموازَنة بين عمل سلفنا الصالح وعمل الأوروبيِّين؟ لو سمحتَ لي بأن أدلَّك على الحق الواقع لما أحجمتُ عن إفادتك، بل سماحك ليس في العير عندي ولا في النفير. اعلم مُعَلَّمًا، أن العقول التي كشفَتْ لك عن عجائب الكهرباء، وفجَّرت لجارك يَنابيع النور في كل زاوية من أركان بيته العامر، وأغنتْه عن المسارج والقناديل وهمِّ المسارج والقناديل، وهيَّأت للناس التلغراف السلكي واللاسلكي، وكشفتْ لك عن خواصِّ الراديو فجعلَت سمعك الضَّعيف يُدرك ما يحدث بأقصى بقعة في الكرة الأرضية من الأصوات، كما كشفتْ لك عن معجزات الطيران الذي طبق عليك وعليَّ وعلى جميع الناس أرجاء السماء؛ هذه العقول الجبارة لها أخٌ مِن أبويها يشتغل إلى جانبها بمسائل القانون، ويسمو في بيئته إلى ما يسمو إليه إخوته الآخرون، ولكنَّك لا تراه؛ لأنَّ نظرك قصير، وكلما حاول أن يشخَص ليراه ردعتَه عن التطفل على الناس وعن الاشتغال بما لا يعنيه؛ لأنَّك متديِّن غيْبوبي، باطني، إذا خرجتَ من قشرتك وتجسَّست في غير حَيِّك كشفتَ عن عجزك وسقطت إلى الحضيض. أرجو أن تحفظ هذا الدرس الذي لن تجد غيري مِن الصُّرَحاء يُقدِّمه لك مجانًا لوجه الله. أرجو أن تحفظه وأن تقول لنفسك: كُفِّي عن التهويل.

ثم لتعلم يا سيدي أنَّ ما أقول لك لا يمس أدنى مساس بقدر سلفنا الصالحين. إني أعرف لهم فضلهم العظيم أكثَرَ مما تَعرف أنت وأضرابك، وأعرف أن العقل الإنساني لم يرقَ في أيَّة بيئة إلا على سنَّة التدرج، وباستفادة اللاحقين من عمل السابقين.

ارجع إلى عمل الصالحين السابقين يُفدْك في العبادات والمعتقدات؛ لأنها لا تتغير بمر السنين. أما أحوال الاجتماع وسياسة الاجتماع وقوانين الاجتماع، فاتركنا أنت وغيرك نُساير فيها أمم الأرض، ما دام قُوَّامنا فيها — على كُرْه منك — يحترمون الدِّين ولا يُخلُّون بشيء من أمور الدين.

أنا وأنت مقتنعان بأنَّ عملك وعمل كثير من أضرابك دُنيويٌّ واهٍ لا شأن له بالدين؛ لأني أفهم الدين، ولأنَّك أنت ترى بعيني رأسك أن جهات التشريع عندنا تَشتغل في دائرة غير دائرة الدين.

لا تَبتئِس من الحق المرِّ! وإذا هاجك الحق فأصررتَ على الادِّعاء بأن لعملك قيمة أخرى غير الارتزاق من تجارة الدين، واستمررتَ تَزعم أن فيه خدمة للدين، وأن لك به قصرًا في الجنة بجوار الصالحين، فابتئس ما شئتَ، وخادع أنت والكاتب لك ما مدَّ الله لكما في الغيِّ، وحسابي وحسابكما سنُلاقيه يوم تبيضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوه … ويومئذ سأَسمعكما مُصطرخَين تُردِّدان: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فأَعرف أي المخلوقات أنتما. وعليكَ وعلى هذا الكاتب لك السلام، إن اتبعتما الهُدى وسلكتُما سبيل المؤمنين.

السادس عشر: يقولون: إنَّ رسم العربية الحالي له فائدة عُظمى؛ فإن إيجازه وتعقُّده يَقتضيان إعمال الفكر في استبانة الوجه الصحيح من أوجه أدائه. وفي إعمال الفكر ما يشحذ القريحة ويُدرِّبها على حلِّ المشكلات.

أرأيتَ غفلة أشد من هذه؟

إن اللغة وسيلة للتفاهُم بين الناس، والتفاهم وسيلة لإدارك المعلومات، وإدراك المعلومات وسيلة لتكييف سلوك المرء في الحياة أو للسير في طريق كشْف المجهول من حقائق هذا الوجود، وكشْف هذه الحقائق وسيلة لتسخيرها لمصلحة الإنسان. إذا علمتَ هذا أدركت أن اللغة أولى درجات سلَّم الوسائل والغايات، وأنها دون ما فوقها وسيلة بحتة لا يَقصدها عاقل لذاتها. ولو أنك تعلمتَ العربية أو الصينية وحبستَها في مخِّك لا تُخاطب بها أحدًا ولا يخاطبك بها أحد، ولا تكتب بها لأحد ولا يكتب لك بها أحد، لكنتَ في تعلُّمها عابثًا مُسرفًا على نفسك بل مختلَّ الشعور. إذا فهمت هذا أيضًا فاعلم أن للغة خادمَين رابضَين تحت رجلَي السلَّم بدون مسعاتهما لا يظهر لها أثر في الوجود، هما اللسان ورسْم الكتابة، فإذا انعقد اللسان كان أخرس، وإذا تعقَّدت الكتابة كانت كمثله خرساء. وخرَسُ اللسان طبيعيٌّ أو مرَضيٌّ، وخرس الرسم صناعي جهلي. فاعتراض حضرتك الذي وقفتُكَ الآن على ما في مطاويه معناه أنَّ مخاطبة الخُرس من أجلِّ وسائل التربية والتثقيف، وإضاعة العمر فيها تشحَذ القرائح وتمرِّن على حلِّ المشكلات! أنتَ يا سيدي في السنة الأولى من الإلزامي، وستَستمرُّ راسبًا فيها حتى تموت، على حين غيرُك جازَ المراحل وأصبح أستاذًا في كلية العلوم، فاستر وجهَكَ، وصُنْ لسانك عن مثل هذا الهراء.

السابع عشر: قلتُ في بيان اقتراحي إنَّ مشقَّات العربية «تحملني على الاعتقاد بأنها من أسباب تأخُّر الشرقيِّين.» فهبَّ المتحمِّسون صائحين: كيف تقوله والحال أنَّ تأخُّر الشرقيين له أسباب أخرى ليس منها صعوبات العربية ومشقَّاتها؟ كيف تقوله واللغة تابعة لقوة أهلها تَزدهر إبَّان قوتهم وتضعف إبان اضمحلالهم؟ كانت العربية مُزدهرة في صدر الإسلام ثم انحطَّت حين اضمحَّلت بلاد العربية بما انتابها من الأحداث وبانحراف أهلها من مقرَّرات الدين.
هذا اعتراض «دون كيشوت Don Quichotte» يضرب بسيفه الخشبي في أطباق الهواء ليمزِّق الهواء. إني أتكلم عن حال العربية الآن، بعد نيف وألف سنة من صدر الإسلام، وهم يتحدُّونني بصدر الإسلام! إني أتكلم عن حالها في عصر الناس الحاضر وما تغلغل في بلاد العربية من الأجانب ومن لغات الأجانب، وما قام في مصر وفلسطين ولبنان والشام والعراق وتونس والجزائر وطنجة ومراكش وباقي بلاد العربية من معاهد تُنشر فيها الفرنسية والإنجليزية وغيرهما من لغات أمم الحضارة السَّهلة المأخذ، البعيد رسمها عن التعقُّد والارتباك. إني أنظر إلى الطبيب والصيدليِّ والكيمائيِّ وخرِّيج كلية العلوم الذي لا يستطيع أن يتقن الفصحى، وعربيته هو لا تُؤاتيه في تعليم الناس ما يجول بخاطره من الأفكار، فيُميت فكرته ويَحرِم منها مواطنيه، وإن نشرها فبلغة أجنبية لا يَفهمها سواد المُواطنين. وإذا كانت جماهير الأمم إنما تتقدَّم الآن أو تتأخَّر بمقدار ما يُنشر فيهم وما يفهمونه من مسائل العلوم، فلا شكَّ أن مشقَّات العربية من أسباب تأخُّر الشرقيِّين، بل إني إزاء هذا الاعتراض التهريجيِّ لا أُحجم عن القول بأنها أهمُّ أسباب تأخُّر الشرقيين. تتناحر ألمانيا والروسيا وإنجلترا وأمريكا لتنفذ في العالم إرادة أيتها تستقل بالغلبة، وكل واحدة منها تَعتمد في قوتها على العلم دون سواه. وسفير العلم اللغةُ منطوقةً أو مكتوبةً، وليس له سواها من سفير، فإذا تعقَّدت وارتبكَت اضمحلَّ العلم في أهلها فاضمحلُّوا وتأخَّروا بلا نزاع.
على أني قد أُمسك عن مناقشة هؤلاء المتحمِّسين، فلا أقول لهم إنَّ ازدهار العربية في صدر الإسلام إنما كان لقُرب أبنائها من آبائهم الأولين.٥ ولا أقولُ لهم إنَّ المجمع اللُّغوي أمامه كثير من الاصطلاحات العلمية يُحاول ترجمتها إلى العربية فلا يَستطيع؛ لأنَّ مدلولاتها حديثة الوجود، غريبة عن العرب قبل الإسلام وبعد الإسلام، فيضطرُّ إلى تعريبها بلفظِها الأجنبيِّ وإخراجها في ثوب من الرسم العربي، فتجيء مُتنكِّرة المعالم لا يفهم أصلها ولا فصلها أحد من سواد الجماهير. ولا أقول لهم كفُّوا عن الاحتجاج بمقرَّرات الدين؛ فإن حالنا اليوم في الدين خير من حال أغلبية مَن أتى بعد الخلفاء الراشدين من المسلمين الأولين. قد أُمسك عن مثل هذا، وآخُذُ قولهم قضية مسلمة، ثم أسألهم: متى يا ترى تفيء القوة من غيبتها وتتبوأ بلاد العربية حتى يرجع إلى العربية ما كان لها في الصدر الأول من الازدهار؟ أنبئوني عما قرأتموه في النجوم عن هذا المَوعد المرقوب. ألعلَّ لكم من الخليج الفارسي إلى مراكش، ومن حضرموت إلى حلب، جيوشًا جرارة، ومدافع هدَّارة، ومراكب بر سيارة، وسفنًا مخَّارة، تُقرِّب لكم يوم القوة ويوم ازدهار اللغة الموعود، ولكنَّكم تُخبِّئونها تحت جناح القدر، فلا أرى لها أثرًا، ولا أحسُّ لها ركزًا، ولا أسمع عنها خبرًا من الأخبار؟!

واجهوا الحقائق، سهِّلوا صعاب الفصحى فإنه ليس لنا عنها محيص، سهِّلوا قبل كل شيء رسْم كتابتها المعقَّد السخيف، حرِّروها منه، تَفهمْكُم وتَفهموها، ووفِّروا وقتكم لتفتيش مخابئها؛ فلعلَّ فيها ما قد ينفعكم في الحال والمآل. واحتَفِظوا بقرائحكم تَشحذوها في علمٍ نافع وغرض مفيد. واعلموا أن الغيب لله إن شاء استجاب لنا فرَفَعنا مما نحن فيه، وإن شاء لم يستجب. فاعملوا ليومكم الذي أنتم فيه كما يعمل العقلاء. ادَّخروا منه لغدكم، فإن قوَّاكم الله — كما هو رجاؤنا — كنتم على استعداد للاستمتاع بقوتكم، وإن كانت الأخرى — لا قَدَّر الله — رُحتم مؤدِّين واجبكم كرامًا مأجورين. لا تتحكَّكوا كذبًا ورياءً بمقرَّرات الدين؛ فوقتُ هذا قد فات. ولا تتطوَّحوا في الحماسيات الصبيانية باسم الآباء؛ فزمنُها قد مات، وشرُّ البرية من تمحَّك باطلًا بالدين، وأكل خبزه خداعًا باسم الدين، وأعجَزُ الناس من استنام على ذكرى الآباء ومجادة الأجداد.

الثامن عشر: يقولون ما حاصله: عَدِّ عما تذكر من صعوبات العربية وسوء رسمها، واعلم أن العربية اليوم في دَور النهوض، وأن العامية تَقترب من الفصحى؛ وذلك بفضل الجرائد ومؤلَّفات الأدباء، وبفضل الخُطَباء في المَجامع وفي المذياع، وفضل المحامين في دور القضاء، وأنه لن يَمضيَ إلا قليل حتى تزول الأمية ويُصبح الناس جميعًا يقرءون ويَفهمون الكتب والجرائد والمجلات، وحتى لا يكون بين العامية والفُصحى إلا قاب قوسين أو أدنى.

هذا الاعتراض خارج أيضًا عن الموضوع، ومِن الأسف أن أراني مضطرًّا للتَّكرير. الموضوع الذي نحن بصدده هو تيسير رسم الكتابة العربية «بحيث يؤدِّي كل حرف من كل كلمة صورته الصوتية أداءً صادقًا واقيًا من الغلط واللحن الشنيع وغير الشنيع.» فهل زوال الأمية وفهم الكتب والجرائد واقتراب العامية من الفصحى يؤدِّي هذا المقصود؟ ألم أقل لك إنَّ خرِّيجي الجامعة ومَن فوقهم لا يستطيع الواحد منهم أن يقرأ صحيفةً من كتاب أو نهرًا من جريدة دون أن يُخطئ في العربية خطأً فاحشًا. وإنَّ رسم الكتابة العربية أصبح — كما قال الجارم بك — لغزًا من الألغاز. وهل زوال الأمية وما عطف عليه، فيه قوة سحرية تفكُّ هذا اللغز وتضَع على الحروف ما تستحقُّه من الحركات؟ دعنا إذن من هذا الاعتراض المُفارق للموضوع.

التاسع عشر: يقولون: إذا فرضْنا أن ما تَنشره الطباعة من كتب الأدب ومن الجرائد والمجلات يستطيع ناشروه إخراجه وَفْق أصول العربية وقواعدها، فما الرأي في الكتابة بالوزارات والمصالح والمحاكم وبمحاضر الجلسات؟ إنَّ ضبطَها يَستلزم أن يكون محرِّروها من الموظفين ملمِّين بتلك القواعد والأصول، وأن يَرجعوا إلى المعاجم كلما أشكل عليهم وزنُ اسمٍ أو وزن فعل من الأفعال، وإلا فإنَّ كتابتهم بالأحرف اللاتينية التي تَضبط النطق ولا تَحتمل إلا وجهًا واحدًا من الأداء، تَخرُج كلها خاطئةً في العربية مضلِّلة للقارئين. ثم يقولون إنَّ الأولى إذن الاحتفاظ بالرسم الحالي الذي يحتمل الصحيح من الأداء وغير الصحيح؛ تخفيفًا على هؤلاء الموظَّفين.

اعلم يا حضرة المُعترض: أولًا: أن كُتَّاب الوزارات والمصالح هم الآن ممَّن قطعوا مراحل التعليم إلى التوجيهي أو إلى الثقافة على الأقل. وكثير مِن رؤسائهم هم فوقهم في المؤهِّلات، فغالبًا ما تكون الفصحى سهلةً عليهم لا يحتاجون فيها لمُراجعات. على أنك تعلم أن الكِتاب لا يَخرج من وزارة أو مصلحة إلا بعد تسويد وتبْييضٍ وتدخينِ لفافة من التَّبغ وتناول قدح من القهوة، وتقديم واجبات المُجاملة أو المداوَرة أو التجبيه للزائرين، مما يُؤذي العمل وقد يؤذيك. فإذا فرض أنَّ الرئيس أو المرءوس كان غير عارفٍ وزن كلمة من الكلمات، فأيُّ تعطيل يَضيرك أو يضيرُه في تعرُّف وزنها من المعجم، وهو إن عرفه مرةً أغناه إلى آخر الحياة؟ أوَليس صرفه دقيقتَين في هذا الأمر المفيد أجدى عليه وعليك وعلى العمل من صرفه معظم الوقت في تلك الملهيات والمعوِّقات؟ ثانيًا: إن أقصى ما تلاحظه على كتاب المحاكم أنهم يَكتبون محاضرهم بفصحى مشوَّشة أو بالعامية. ومَن الذي قال لك إنَّ واجب كاتب الجلسة أن يصحِّح ما يسمعه من المرافَعات، وأن يُفسد عامية المحامي أو الخصْم أو الشاهد بردِّها إلى الفصحى؟ ليستمرَّ كتاب الجلسات وكتاب محاضر البوليس على تدوين ما يَسمعون من الفصيحة أو نصْف الفصيحة أو العامية الصرفة بلا أدنى تعديل، فإنَّ هذا واجبهم لما فيه من ضبطٍ للمعاني التي أرادها المحامون والخصوم والشهود، والتعديل في ألفاظ هؤلاء غالبًا ما يكون إفسادًا وتشويشًا للمعاني التي يقصدون. ها أنت ذا قد رأيتَ أنَّ كل تلك الأوراق التي تشير إليها لا يَضيق بها كاتبوها ولا يَرجعون لمعاجم ولا لاستفتاءات. ثم لتعلم أن جميعها أوراق خاصة لا يقرؤها إلا ذَوُو الشأن فيها، ولا يُطبع منها شيء ولا يُنشر في الناس. وإذن فسواء أكانت عباراتها عربية فصيحة أم كانت عامية بحتة، فإنَّ أحدًا لا يتعلم منها شيئًا ولا يضرُّه من أخطائها العربية شيء. فاعتراضُك يا سيدي ضرب في غير مضرب، ونفخٌ في غير نار.

العشرون: أخبرني يومًا أحد محرِّري «المصور» أن هناك طعونًا يوجِّهها بعضُهم على اقتراحي قائلين: «بمخالفته لدين الإسلام.» وسألني رأيي فقلت له: «إني لا أُعير مثل هذا الهراء أدنى الْتفات، فإنه أهون عليَّ من الغبار الذي يُصيب ردائي أو حذائي، فما بالك أنت تهتم به؟» ألحَّ المحرِّر كيما أبين له وجه عدم اكتراثي لمثل هذه الأباطيل، ولكونه إنسانًا أديبًا ظريفًا فقد بينتُه له في شيء من التفصيل، ووصفتُ له هؤلاء الفارغين بما يستحقون.

علمتُ من بعد أن فلانًا ابن فلان نشَر في بعض المجلات المُحترمة اعتراضًا على اقتراحي. ولكون الأب كان في بيئته من الرجال المَعدودين، فقد استحضرتُ المجلة واطلعت على الاعتراض، فرأيتُ الكاتب عمد إلى تلك العبارة من حديثي فرَواها وحدها، ثم بنى عليها من التجريح ما شاء، وأهونُ التجريح أنه يقول لي ما حاصله: «إنا عرفناك قاضيًا تسمع كل قول تقصيًا للحق وتثبيتًا للعدل، فماذا أصابك؟ وما هذه الكبرياء وذلك العُجب الذي جعلك اليوم لا تستمع لمن يوجه إليك الكلام؟»

هذا المُعترض أحسَّ أن المقام الذي أفضيتُ فيه بتلك العبارة هو مما يجب على كل مسلم يَحترم نفسه ويحترم دينه أن يُظهر فيه أقصى ما يُمكن من الكبرياء. أحس فهرب من توضيح المقام، كما أغمَضَ بصره عما بيَّنته للمحرر في صلب الحديث من تعليل موقفي إزاء الجاهلين. وكل ما أورده هو قوله إن تلك العبارة نُشرت «بالمصور» في حديث لي خاص «بالإسلام والحروف العربية» ولم يزد. إنه اختزل عمدًا للتبهيم وليستحلَّ أمام الناس الإسهاب في التجريح؛ لأنه لو اصطنع الأمانة في النقل وذكر موضوع سؤال المحرِّر على حقيقته، كما هو مذكور أمام حدقتيه في ديباجة الحديث لاستحيا من نفسه؛ لأنه رجل مسلم، ولو أنه لم يَكنْه بل كان نصرانيًّا أو يهوديًّا أو مجوسيًّا لما أطاق أن يطعَن عليه أحد في دينه، ولكان أقل جزاء عنده للطاعنين الأخذ بالتلابيب، فإذا تَضاءل هذا الجزء، ونزل إلى مجرد تشبيه وقَع الطعن بوقع الغبار على الحذاء، فهذا أقصى درجات التسامُح في الاثِّئَار، وهذا التسامُح كان هو الأحرى بأن يُعاب. على أنَّ حضرة المعترض إذا كان لم يستحِ مِن نفسه فهلا استحى من طيف أبيه أو من عقلاء المسلمين الذين يَرون من الواجب على المسلم أن يكون كبير النفس مُترفِّعًا عن خطاب كل جاهل يزعم أن في تغيير حروف الكتابة على أيَّة صورة مَسًّا بالدين؟ إذ حتى بقطع النظر عما بينتُه في صلب الحديث، فإنَّ المعترض — وكل مسلم — يعلم علمًا ضروريًّا أن رسم الكتابة لو كان له أيَّة علاقة بالدين لكان النبي أول الكاتبين القارئين، ولما وصفه الله بالأُمِّيِّ في القرآن الكريم، ولما لبث هو في مكة سنين عدة بعد الرسالة يتحدَّى المشركين بقوله تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ.

تلك شردة من المُعترض الذي يلوح لي أنه ككثير من الشباب يَشتهي تجريح من هو أكبر منه سنًّا، حاسبًا أن ذاتيته تعلو بهذا التجريح. وقد وجد الباب للتجريح مفتوحًا على مصراعيه فولج، وليس له ولشردته عندي إلَّا تلقِّيهما بتلك الكبرياء وذلك الترفُّع والعُجب اللذَين إليهما أشار. لكني أُطمئنه أنها ليست كبرياء حقد، بل كبرياء رثاء، فزمن جواز الاضطغان ولَّى ولم يبق في الأجل غير ذماء، خير ما ينفق فيه التبسُّم لما في الناس من شذَّات وشردات وشطَّات.

ترك المعترض هذه الناحية وتكلم في الموضوع ولكن:
  • (١)
    ليس صحيحًا أني في اقتراحي استبقَيتُ كل الحروف العربية المنقوطة كما تُوهم عبارة حضرته، بل الصَّحيح أن تلك الحروف خمسة عشر لم أستبقِ منها إلَّا خمسةً فقط لا نظير لنغماتها في الحروف اللاتينية، وهي «ج، خ، ض، ظ، غ»، والإفرنج يؤدُّون نغماتها بتراكيبَ كل منها مكون من حرفين (dj, ch, dh, dz, gh) فكنت متردِّدًا بين أمرَين: اتخاذ تلك التراكيب مع ما فيها من ضرر مضاعفة الحروف وضرر عدم أداء النغمات العربية بالدقة، أو استبقاء تلك الحروف العربية التي تؤدى نغماتها بكل دقة ولا ضرر فيها سوى كونها منقوطة كلٌّ بنقطة واحدة فقط لا بثلاث ولا باثنتين. رجَّحتُ فوجدت استبقاء الحروف العربية حرصًا على الاختصار ودقَّة أداء النغمات.
  • (٢)

    يقول حضرة المُعترض ما حاصله: أننا لو عمدنا إلى مادة عربية كفعْل ثلاثي مجرَّد وأردنا تصريفه هو ومزيداته في صور التصريف المُختلفة من ماضٍ ومُضارع وأمر، واستخرجْنا مُشتقاته المتعدِّدة وألحقْنا به وبمشتقاته في الصور المختلفة ما يضاف إلى الزَّوائد والضَّمائر بحسب ضروب الاستعمالات، أو لو عمدنا إلى اسم من الأسماء وقلَّبناه في أحواله المتعدَّدة من إفرادٍ وتثنية وجمع وإضافة لبعض الضَّمائر، وأعطيناه في صوره المختلفة ما يستحقُّه من حركات الإعراب أو ما ينوب منابها، يقول إذا عمَدنا إلى ذلك، ثم رسمنا الكلمات بالحروف اللاتينية لتنكَّرت مادة الفعل ومادة الاسم، ولما عُرف لأيتهما أصل. وإنه هو جرَّب هذا فعلًا فاستغلقتْ عليه أصول الكلمات، بخلاف رسمها العربي؛ فإنه يَكشف دائمًا عن هذا الأصل فلا يضلُّ عن معرفته أحد، ويقول إنَّ هذا ضرر جسيم لا تُوازنه تلك المنفعة الضئيلة التي قد تُستفاد من صحة الأداء بسبب حروف الحركات، وإن الشكل عندنا حاضر لم يفلس، كما هو مزعوم، وإنه يؤدِّي لنا ما تؤدِّيه حروف الحركات.

كنت أنتظر أن يقول حضرة المُعترض إن الحروف اللاتينية، وفيها حُروف الحركات، تزيد في رسم الكلمة فتُضاعفه، فأقول له هذا حقٌّ صحيح، ولكن أحقُّ منه وأصحُّ أن «الشكل» الذي أفلس فعلًا بإجماع العارفين المؤيد رأيهم بالواقع المَحسوس؛ هذا «الشكل» يُضاعف أيضًا عملية الرسم العربي ويُشوِّشها، ويوقع فيها الارتباك. كنتُ أنتظر هذا فأجيبه بما أقول الآن. ولكن الذي ما كنتُ أَنتظرُه ولا أَستطيع أن أفهمه مُطلقًا ما يدَّعيه من أن الحروف اللاتينية تُعمِّي أصل الكلمة وتجعله مُستغلقًا. إنَّ الأمر على عكس ما يقول؛ فإن الكلمة لن يكون فيها شيء زائد على أصل مادتها وما تتصرَّف إليه أو يلحق بها سوى حروف الحركات الثلاثة، وهي ظاهرة مُتميِّزة برسمها الخاص، لا تشتبه بحروف أصل المادة ولا بحروف صيغها التي تتقلَّب فيها؛ لأنها عبارة عن «الشكل» مُدرجًا بطريقة منتظمة مأمونة في تجاويف هيكل الكلمات، فمتى أسقطتها من الحساب٦ كانت كل الحروف الباقية في المجرَّدات والمزيدات والمشتقَّات — على اختلاف صورها — هي نفس الحروف العربية مرسومةً بشكل آخر، بلا زيادة في عددها ولا نقصان، ولا تغيير في نغماتها ولا تبديل. وهذا أمر بديهي واضح لا يَليق أن يكون موضع جدال؛ لأنَّ الواحد والواحد لا يكونان ثلاثةً بحال.

أضف إلى هذا أن الحروف الباقية هي — كمثل حروف الحركات — لا يُمكن مطلقًا في الرسم اللاتيني أن تُضلِّل القارئ في المطبوعات، ويَبعد أن تضلله في غير الرديء جدًّا من المخطوطات؛ وذلك لأنها — في كل ما عدا هذا الرديء — تلازم هيكلًا واحدًا لا يتغير، بخلاف الحروف العربية، فإنَّ هياكلها تتغير في جميع المطبوعات والمخطوطات؛ إذ هي في جميعها تكون على عدة أشكال بحسب مواضعها في الكلمات. ففكرة الضلال عن معرفة أصل الكلمة موردُها الرسم السرطاني العربي، وفيما عدا ما ذكرت لا ترد على الرسم اللاتيني، وعلى الأخص المطبوع منه، بحال.

وفوق هذا فإني أشرتُ في اقتراحي إلى وجوب كتابة الأسماء والضَّمائر والأفعال والحروف منفصلًا بعضها عن بعض بقدر الإمكان. وبهذه المثابة متى تخلَّصت الكلمات من التصاق جملة منها في هيكل واحد، كان ذلك أنفى لفكرة الضلال في معرفة أصولها.

إذن فالاعتراض من هذه الناحية أيضًا واهٍ، وأساس وهيهِ تحكُّم العادة على ما هو ظاهر. وكل نظر أُمُّه العادة فهو أبدًا خدَّاع.

من أعجب ما يكون أن حضرة المُعترض يُغمض عن أن حروف الحركات اللاتينية لا شأن لها بباقي الحروف في الكلمة من أصل وزوائد صرفية، وعن أنَّ الشكل أفلس إفلاسًا ذريعًا صرخ منه المختصُّون وهم أساتذة العربية بالمدارس، وأولهم الجارم بك الذي كان من كبار مفتشي العربية بالمدارس ثم وكيلًا لدار العلوم، ويُغمض عن أن سوء رسم العربية صرخ منه وزيران للمعارف كاتبان أديبان؛ هما بهي الدين بركات باشا ومحمد حسين هيكل باشا، وعن أنه تقرَّر رسميًّا في لائحة المجمع اللغوي أنَّ من مهمته النظر في أمر تيسير الكتابة العربية؛ بحيث يستطيع الناس قراءتها بلا لحْن ولا غلط، وعن أنَّ هذا التقرير لم يكن ليقع لو أنَّ «الشكل» أدى وظيفته ولم يُفلس، يغمض عن كل هذا ويقصِّر تشبُّثه على أمر كان غيره من رجال العربية أخلق منه بالاقتصار عليه. إنه يقول ما حاصله:

العيب لا يَرجع إلى رسم الكتابة، بل إلى جهل القارئ بأصول العربية وقواعدها، ولو أنه كان عارفًا بهذه الأصول والقواعد لما أخطأ في قراءة الرسم العربي بل لأدَّاه أداءً صحيحًا.

حضرته بهذا الاعتراض — الذي سبَقه به غيره — يُذكِّرنا بما كنا نسمعه من أن أعرابيًّا من الأقحاح في الزمن الأول أراد مسلم تلقينه سورة تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ فلما قال الملقن: تَبَّتْ يَدَا مقطعًا الجملة حتى يسهل على الأعرابي تلقُّنها، أبى الأعرابيُّ إلا أن يقول: «تبت يدان.» فلما وصَل الملقِّن المضاف بالمضاف إليه تابعه الأعرابي قائلًا: نعم هكذا يكون الكلام.

حضرة المعترض لم يبلغه أن بيننا وبين أمثال ذلك الأعرابي أكثر من ألف سنة. ولم يبلغه أن الحال تغير لدرجة اضطرَّت وزارة المعارف وكل رجال التعليم ومُنشئ المجمَع اللغوي إلى أن يجعلوا من أهمِّ أغراضهم تيسير رسم الكتابة العربية. ليت أهلنا جميعًا كانوا كذلك الأعرابي! أو ليت في الاستطاعة تعليمهم أصول العربية وقواعدها حتى يَبلغوا درجته، أو على الأقل درجة حضرة المُعترض! نذْرٌ علي يا سيدي أني في ذلك اليوم أقدم شمعة للسيد البدوي، ومثلها للست الباتعة، وأخرى لسيدنا الحسين! ولكن يظهر أني لن أغرم شيئًا لهؤلاء الأولياء؛ فإنهم — رضي الله عنهم وعنك — لا يملكون لي في هذا السبيل نفعًا ولا ضرًّا، ولا تقديمًا ولا تأخيرًا. أنت يا سيدي تحلم، الموضوع الجاري فيه الكلام هذه الأيام، هو موضوع تيسير رسم الكتابة العربية، لا تيسير أصول اللغة وقواعدها، فكلُّ كلامك الذي أجهدت نفسك فيه، وتوهَّمت أنه مفيد، هو خارج عن الموضوع وذاهبة به الريح.

في غضون الاعتراض شردات ثانوية من لواحق ما لخَّصتُه لك قبلُ ورددت عليه، وإني أسامح حضرة المعترض في تجاوزه الحدَّ فيها، وأرجو له من الله الغفران والتوفيق.

الحادي والعشرون: أهمُّ ما شغل مؤتمر المجمع في دورة هذا العام النظرُ في علاجٍ لنقْص الرسم العربي، ولقد تزاحم لديه مذاهب ثلاثة تَستبق جميعًا لهذه الغاية. أحدها يرى أربابه، وهم كثيرون، سد هذا النقص الطبيعي برداءٍ من جلد القنفد الشائك أو من سلخ الأخطبوط، يُلصق بالغِراء على بشرة المريض فتبرأ علَّته بإذن الله. والعقل والحس يَقضيان بألا شيء من جلود القنافد ولا سلوخ الأخطبوطات بناجع؛ لأنَّ المرض راجع إلى أصل الخلقة الحسيَّة، فكل لزقة تتَّصل بها لا تكون إلا من قبيل زيادة التشويه ومعالجة الداء بشرٍّ من الداء. والثاني يرى أن العلاج حاضر وهو «الشكل» المعروف الآن، ويقول أربابه إنَّ هذا الشكل إذا كان مشوِّشًا للكلمات عند استيفائه على كل الحروف، فإن القليل منه، الضروريُّ لإزالة اللبس، كافٍ لشفاء العليل. والثالث مذهب هائج ثائرٌ يُغيِّر الخلقة ذاتها، ويتَّخذ للرسم مثلًا أجنبيًّا بعيدًا عن المثال العربي بُعدًا تامًّا؛ وذلك في صورة اليأس المُطلق من العثور على علاج له من جنسه.

امتعض الناس من المذهب الأول، وسكنوا شيئًا من السكون للمذهب الثاني، وثاروا على المذهب الثالث. أما المؤتمر فقد ارفضَّ بدون أن يبتَّ برأي في الموضوع، وفي غضون ذلك حدَث ما أوجب اضطراب المُتسابقين في الميدان فاختلط الحابل بالنابل.

وعقب ارفضاض المؤتمر تفضَّلت كلية الآداب بجامعة فؤاد فاحتفلتْ بأعضائه غير المصريين تقديرًا لمساعيهم في خدمة العربية. وبعد الاحتفال بزمن وجيز علمتُ أن أحد حضرات الأساتذة بالكلية سيُلقي محاضرة في الخط العربي وعيوبه ومزاياه. فشاقني الاستماع إليه؛ إيقانًا بأن الكلية وأساتذتها خير من يشخِّصون الداء ويصفون الدواء. وإذ أقعدتْني رقة الصحة عن الاستماع للمحاضرة فلقد ألححتُ على إدارة المجمع في الحصول على صورة منها فلم تظفَر، وقيل إنها ستُنشر في مجلة الثقافة، فاستبشرتُ وقلت في نفسي كأنَّ المُحاضر لا يريد إخراجها للناس بعبلها وغبارها، بل يريد أن يُكمل منها الناقص ويُصلح المائل. وإنها ستَخرُج تُحفةً من تُحَف الفنِّ، وآية من آيات التشخيص والعلاج، تحقُّ الحق وتُبطل الباطل، وتكون فيصلًا يقطع قول كل لدود.

انتظرت بفارغ الصبر إتمام نشر تلك المُحاضرة التي استغرق نشرُها شهرًا كاملًا. بيد أني كلما قرأتُ جزءًا قلت لعل فيما بعده ما يُغني ويُقْنِي. فلما تمت الأجزاء نشرًا أردتُ تحصيل ما فيها فصفرتْ يدي؛ إذ كل الذي وجدته كلام طويل عريض متصيَّد من هنا ومن هناك، على غرار ما أقوله أنا وغيري من الاختصاصيِّين، بل كأني خرجت من التلاوة وفي ذهني أنها تقوم على أساسَين راجع كلاهما إلى التقديرات الشخصية التي مبعثها شغف المرء بنفسه وبصناعته وبعادته، وعلى الأخص حبَّه الإخلاد إلى الراحة ونيل حسن الأحدوثة بمُتابعة ميول الجماهير؛ إذ النقط الأساسية ينحرف التعبير فيها يمنةً ويسرةً بلا مقتض ظاهر سوى ما يحسُّه القارئ من تلك الدوافع الشخصية. وإليك البيان:

الأجزاء الثلاثة الأولى خاصةٌ:
  • أولًا: ببيان ما قام منذ القدم من الضرورات الماسة لوضْع رسْم خارجي لما يقوم بالخواطر من المعاني المختلفة، ثم لتقييد ألفاظ اللغات. آمَنَّا وصدَّقنا، لا لأنَّ الجاحظ أو غير الجاحظ قاله، بل لأنَّ هذه ضرورة ماسة واقعة يُدركها كل إنسان، سواء أرادها الجاحظ وغيره أو لم يُريدوها، لاحظوها فدوَّنوها أم لم يُلاحظوها ولم يدوِّنوها. وليس هؤلاء المُفكِّرون إلا مجرَّد مسجِّلين للواقع المَقضي بالضرورة. وهذا التسجيل أستطيعه أنا وأنت وكل عالم مُتمكِّن وكل ناقص التعليم. غاية الأمر أن الجاحظ وقليلًا غيره من رجال العربية كانوا أدق منا ملاحظة، وأشمل إحصاءً، وأكمل استقصاءً، وأنور فكرًا، وأسلَس قلمًا.
  • ثانيًا: بتقرير أنَّ الرسم العربي أصله نبطي، وهو تقريرٌ يستطيعه كل إنسان يعرف أية لغة أجنبية فيطَّلع على معجم من معاجمها المطولة أو على موسوعة من موسوعاتها، ويستطيعه أي قارئ للعربية فقط إذا اطَّلع على رسالة «أصل الخط العربي» للأستاذ خليل يحيى نامق، من علماء الكلية؛ فقد أورد فيها أن الخط العربي من وضع النبطيين، وبيَّن من هم أولئك النبطيون وما تاريخهم، وذكر بالتفصيل أدلة نسبة الخط العربي إليهم. ولكنه في رسالته هذه التي نشرت في سنة ١٩٣٥ كان حكيمًا منصفًا، أعطى كل ذي حق حقه، ولم يترك الأمر غُفلًا سبهللًا يُضلِّل القارئ، فيجعله يظن أنه هو أو غيره من أساتذة كلية الآداب بجامعة فؤاد هم الذين كشفوا هذه الحقيقة. كلَّا بل إنه عزاها لكاشفيها، وهم المستشرقون من الفرنسيين والإنجليز والألمان، وسماهم بأسمائهم.
  • ثالثًا: بتقرير أن الرسم العربي مُنتشر في بلاد واسعة من قارتي أفريقية وآسية، وأن العرب والفرس والترك حسَّنوه وزيَّنوه حتى صار فنًّا من أروع الفنون الجميلة. وهذا التقرير معروف الموضوع عند الجميع، وقد ردَّده كثيرون من قبل، فهو هنا مجرد حشو وتزيُّد لا غناء فيه.

انتقل المُحاضر بعد هذا إلى فكرة أخرى قريبة من وادي ما نحن فيه، فقال ما حاصله: «إن الكتابة المُثلى هي التي لا تدلُّ بالحرف منها على أكثر من صوت، ولا تضع للصوت الواحد أكثر من حرف.» ثم نقل عن دوائر المعارف البريطانية أن أستاذًا كتب فيها يقول: «إنَّ الكتابة المثلى هي التي يكون فيها الحرف الواحد مؤديًا صوتًا واحدًا، والصوت الواحد متأديًا بحرف واحد، وإنه لا كتابة تبلغ المثل الذي نطمح إليه، وإن كانت فلا تستمرُّ طويلًا؛ لأن أصوات معظم اللغات في تغيُّر مستمر، ولا سيما الحركات، وإنه لهذا لم يستطع ضبط ألفاظ اللغات الميتة ولا الصيغ المهجورة من اللغات الحية.»

ينقل المحاضر تلك العبارة ثم يقول إنها إذا صدقتْ فيما يتعلق باللغات الأوروبية ونحوها، فإنها تُقابَل بالريبة فيما يتعلق بالعربية. ثم يترك استدراكه هذا المتعلق بالعربية مجملًا صامتًا، مع أنَّ هذه النقطة هي لبُّ لباب الموضوع الدائر فيه الكلام.

إنَّ حضرة المُحاضر إن كان يعني الكتابة العربية مشكولةً بالدقة بالشكل المعروف كتشكيل القرآن، فكلامه حقٌّ لا جدال فيه. أما إن كان يعني الكتابة العربية مُرسلة من غير شكل أو بشكل ناقص، فكلامه هو الذي يُقابَل بكل ارتياب؛ ذلك بأن تلك العبارة المروية عن دائرة المعارف البريطانية قد قيَّدها واضعها بقوله: «ولا سيما الحركات»، فمراده — إذا صدق ظنِّي — أن كل نغمة صوتية يجب أن تكون محرَّكة في الاتجاهات المختلفة من ضم وفتح وكسر وإمالات متنوعة؛ أي إنَّ الكتابة المُثلى ما تكون رسومها دالة في آنٍ واحد على نغماتها وعلى اتجاهات نغماتها؛ أي على حركاتها.

والظاهر أن المُحاضر إذ وجد استدراكه لا يتمشى على إطلاقه، بل هو استدراك غير صحيح فيما يتعلق بالرسم العربي الخالي عن الشكل أو المشكول شكلًا ناقصًا؛ لفقدان دليل الحركات فقدانًا كليًّا في الحالة الأولى، ولقصوره في الثانية؛ إذ وجد استدراكه مختلًّا هذا الاختلال؛ فقد أتى به دعوى مُجملة ممسكًا عن البيان في هذا الموقف المقتضي للبيان، ومكتفيًا في معرض الاعتذار عن التهرُّب من البيان، بقوله عقب ذلك الاستدراك: «وليس هذا من صميم موضوعنا»! كأنَّ للموضوع صميمًا آخر غير هذا الصميم. أخشى أن يُقال إنَّ حضرته إذ أمسك عن الكلام في هذا الموضوع وطفر إلى الكلام عن اللغات الأجنبية، فإنما يكون أراد الاعتماد في تسويغ عباراته لا على التأثير المنطقيِّ، بل على التأثير الخطابي ليس غير. والأدلة الخطابية ليست هي التي تُنتظر من العلماء.

ترك المُحاضر البيان — كما ترى، مع شدة الحاجة إلى البيان — ثم طفر في أقل من لمح البصر — كالذي عنده علم من الكتاب — طفر من مصر إلى أوروبة فأخذ يذكر — تهوينًا لسوء رسم العربية — أنَّ اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية فيها كثير من حروف جوهرية تُترك غير منطوق بها، وفيها حروف حركات كثيرة توجه الكلمات توجيهات مختلفة، بل فيها حروف جوهرية يُنطق بالحرف منها على نغمتين مختلفتين، وضرب لهذا بعض الأمثال. ثم قال إن أولادنا الذين يتعلمون الإنجليزية مُضطرُّون لحفظ الكلمات الشاذة التي لا يجري فيها النُّطق على أصل القياس.

وكل هذا الذي يقوله حضرة المحاضر قد سبقه غيره من الفضلاء به وبأمثاله من قبل، وقد بيَّنت وجه الخطأ فيه.٧ وهنا أوضِّح أنا بالإجمال ما لم يُردْ حضرة المحاضر الإقرار به وإيضاحه لا بالتفصيل ولا بالإجمال. أَلفتُ نظره ونظر غيره:
  • أولًا: إلى أنَّ الكلام هو في رسم لغتنا العربية الذي ضِقنا به وأحسَسْنا بضرورة إصلاحه، فإذا كان في رسم الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما عيوب يَصبر أهلها عليها ولا يتَّجهون لإصلاحها، فليس لأحد حق في أن يقول لنا كفُّوا عن إصلاح شأنكم؛ لأنَّ لكم أسوة بأهل تلك اللغات. وهل سمعتَ أن أناسًا تبلغ بهم الجرأة لِأَنْ يقولوا للمريض لا تطلب العلاج ومت بدائك ما دام كثير ممن هم مرضى مثلك يموتون بدائهم ولا يطلبون له العلاج؟ لكنَّ حضرة المحاضر يعطي نفسه هذا الحق الجريء الذي لم يمنحه له الله، ولم تخوِّله إياه بيئة العلم التي يعمل فيها، بل ولا ورقة الدكتوراه التي بيده، بل ولا يُسيغه العقل الإنساني الساذج البسيط.
  • وثانيًا: إلى أنَّ أولادنا إذا استطاعوا حفظ شواذ الإنجليزية أو الفرنسية، فمن المستحيل عليهم حفظ شواذ العربية؛ لأنَّ كل كلماتها طلاسم شواذ؛ لعدم وجود حروف الحركات التي يشير حضرته في صدر عبارته إلى أن الكتابة المثلى هي ما تدلُّ عليها فيما تدل. فكلام حضرة المحاضر مُتخاذل ينقض أوله آخره.

إن الذي كنتُ أنا وغيري ننتظره من العلماء، إنما هو دقة العلماء، وألَّا يلجئوا إلى الأدلة الخطابية التي لا قيمة لها، بل يتركونها لي أنا وغيري من غير العلماء.

ومن أطرف ما رأيتُه من الأدلة الخطابية أن حضرة المُحاضر بعد ما تقدم مما لا فائدة فيه، قال ما حاصله: «ولكن العربية إذا أَملَيتَ شيئًا منها على إنسان كاتب فإن هذا الإنسان يكتبها تمامًا بدون أن يخطئ، اللهم إلَّا فيما يتعلق بالمختلف عليه من رسم الهمزة ووضع الألف بعد واو الجماعة ونحو هذا. بل إذا أمليتَ هذا الإنسان شيئًا من الفارسية أو التركية — المرسومتين بالرسم العربي — فإنه يكاد يكتبه كتابة مضبوطة وإن لم يفهم معنى كلمات تينك اللغتين.» ثم أتبع هذا بقوله: «إننا إذا كنا سمعنا استنكارًا للألف بعد واو الجماعة، أو نزاعًا في واو عمرو، فإن الرسم الأوروبي بقيَ مصونًا من استنكارنا بالدول والأساطيل والطائرات والهيبة والفتنة اللتين تأخذاننا من كل جانب.»

مرحى! مرحى! هنا خلع العلم ثوبه وارتدى ثوبًا سداه الوطنية اللفظية، ولحمته أناشيد أرباب الحناجر.

إن حضرة المُحاضر في هذه القطعة ينسى نفسه تمامًا، إنه لا يكتفي بالمرور مرَّ الكرام، أو مرَّ السحاب الجهام على الموضوع المنتظَر منه الكلام فيه، بل هو يَقلب هذا الموضوع رأسًا على عقب، بل يَطرُده من الميدان طردًا. إن أحدًا لم يشكُ لحضرة المحاضر ولا لغير حضرة المُحاضر من أن الكاتب بالعربية لا يستطيع أن يكتب ما يسمعه، ما شكا أحد هذا إليه قط؛ لأنَّ أحدًا — حتى ولا «عطية» كاتب الزراعة الجهول — لا يكاد يخطئ في رصِّ حروف النَّغمات بعضها تلو بعض على الترتيب الذي يسمعه، ما دام هو عارفًا من قبل أن نغمات الباء والجيم والحاء والعين مثلًا تُرسم هكذا «ب، ج، ح، ع»، وأنها في هيكل الكلمات ترسم هكذا ، فمتى سمع بالعربية أو بغير العربية كلمة فيها جملة نغمات مُتعاقبة كتبها حتمًا بهذه الحروف متتالية؟ ويستحيل أن يخطئ في رصِّ الحروف بعضها تلو بعض إلا إذا كان في أذنه وقر، أو كان ساهيًا أو معتوهًا. لكن هذا ليس مورد المسألة، بل موردها أن هذا السامع الذي يَستحيل أن يخطئ في كتابة ما يسمع، هذا السامع متى كتب كان رسم كتابتِه رسمًا مشتركًا يؤدِّي غرض المُمْلي فلا يلاحظ عليه شيئًا، ويؤدِّي في الوقت نفسه أغراضًا أخرى بعيدةً عن غرض المُملي؛ بحيث إذا أتى قارئ من بعدُ فتناول الكتابة وهو يجهل أصل غرض المملي، ألفى هذه الكتابة مجرد حروف مشخِّصة لنغمات جوهرية مُتلاصقة، وألفى كل حرف منها قابلًا لثلاث حركات مختلفة وقابلًا فوقها للسكون، فلا يدري أيَّة الحركات يعطيها للحرف منها ولا إن كان الواجب هو التسكين، بل إنه يتعثر في هذا ويخلِّط ويُصحِّف بقدر ما تحتمله الحروف من التصحيف. هذا هو مورد المسألة، وهو المحظور الواقع فيه كل الناس، وهو المشكو منه، وهو الذي تسعى الحكومة ومجمع اللغة ورجال العربية في كل الأصقاع للعثور على دواءٍ له غير «الشكل» الذي اتَّفق على إفلاسه كل المختصِّين.

أرأيتَ إذن كيف أنَّ حضرة المُحاضر عمد إلى الموضوع فجرجرَه وقذف به من حالق، وتصيَّد موضوعًا آخر ما شكا منه أحد إليه وما انتظر أحد منه الكلام فيه؟

أخشى أن يُقال إنَّ حضرته إذ نبذ الموضوع الذي عليه الكلام، وأضاع وقته ووقت الناس سدًى في موضوع آخر لا يَختلف فيه اثنان، فإنه إنما فعل لغرض واحد؛ هو أن يرشح لكلمات: «الدول والأساطيل والطائرات والهيبة والفتنة اللتَين تأخذاننا من كل جانب». وهنا ليَسمح لي حضرته أن أقول له إن تلك الكلمات الدالة على التحسُّر القومي هي — كما أسلفتُ — من أناشيد الوطنية اللفظية، ولها مُنشدون كثيرون من غير رجال العلم، كما أن لها مواضع أخرى غير هذا المَوضع تُقال فيه.

بل لعلي واهمٌ فيما أخشاه على الأستاذ من إمكان حمل عباراته على معنى تعمُّدِه مسابقة أرباب الحناجر في حلبة الوطنية اللفظية. ولعل كثيرًا من الناس لا يرون — فيما أخشى التأول فيه — إلا مجرد عرَض عام مشترك بين أقواله وأقوال الجماهير. والعرض العام شُعاع منتشر، أو ظلٌّ شائع لا دلالة فيه على حقائق الأشياء، ولا قِيَم القائلين الفاعلين. وهل كل بيضاء من الأشياء شحمة، وكل أبيض من الآدميين عالم؟ وهل كل سوداء من الأشياء فحمة، وكل أسود من الآدميِّين جاهل؟ إذن فلعلِّي واهمٌ حقًّا. ولعلَّ الصحيح أن الأستاذ قد رأى بنافذ بصيرته أن «التوقُّر» من أظهر شِيَم القساوسة وغيرهم من خَدَمة الدين، وأنه أنفس حلية للعلماء المعلِّمين، فاستشعَره وارتداه وتقَنَّع به. وما رآه وما فعله من هذا كلُّه حقٌّ وحسَنٌ بلا مراء، غير أنَّ لي في هذا المقام كلمة أعوذ بالله من أن يظن الأستاذ الجليل أني أُوجهها إليه، إنها كلمة سنَحتْ، ومن المفيد لي — وأنا نسَّاء — أن أقيِّدها حتى لا يفرَّ معناها من ذاكرتي. على أنَّ القلم والمداد والقرطاس، كل أولئك ملك يدي، وانتفاع المرء بما يملك حلال في الشرع والقانون، فلْأُقيد تلك السانحة، وما عليَّ أن يتظنى الأستاذ أنه المعنيُّ بها، مُغفِلًا تصريحي بأنها غير موجَّهة إليه.

إن «التوقُّر» لفظ مقول بالتشكيك، يتسع مدى اصطناعه، ويضيق بالإرادة. والأستاذ — على ما يبدو — قد عمل على أن يَبلغ من اصطناعه الغاية، وقد بلغها فعلًا ومرن عليها، فهو عندي وعند غيري رجل متوقِّر مُتصوِّن، له في القلوب — على رياضة نفسه في هذه السبيل الوعرة — كلُّ تبجيل واحترام، لكن غير الأستاذ — لا الأستاذ نفسه، أستغفر الله العظيم — يسهو عن أن الإفراط في التوقُّر يحور إلى ما يسمى «التزمُّت» في عرف أمثالي من البسطاء، والتزمُّت — أجارك الله — متى أخذ بخناق الرجل نكَّر خَلقه. إنه يورثه الاقعنساس فيبدو مقعَّر الظهر، محدَّب الصدر، منتفخ الأوداج، مُحتقن الوجه، بارز الحدقتين، في الأوج هامته وفي الحضيض همَّته. إن لم يكن كالمعلَّق بحبل المشنقة، فهو على الأقل «ضابط صف معلِّمٌ بأورطة الأساس»، يمشي مُتشامخًا مدلًّا بكفايته بين أنفار القرعة المستجدِّين.

هكذا يفعل التزمُّت بصاحبه، ثم هو يُخرجه في تصرُّفاته عن المعايير المألوفة بين الناس، يجعله متى أراد إخراج الكلمة من فيه رطلًا خرجت على الرغم منه قنطارًا، وإذا أرسل صوته يمينًا الْتَوى فذهب شمالًا، وإذا بصَق أمامه على استواءٍ نكَص البصاق إلى الوراء، هو يخرجه من فيه فيرتدُّ لمآقيه فيُعميه. وفي هذه الآثار المتعاكسات حكمة لله بالغة لا نُدرك نحن الآدميِّين كنهها.

ليس هذا فحسب، إن الله إذا ابتلى العبد بالتزمُّت كان بلوى لها ما وراءها.

إنه محنة يسلِّطها الله عليه فتَلِد الوسوسة، فتئوف عباداته فتُعطلها، فيُدخله النار. لا تدهش، وارقب قولي ترهُ منطقيًّا عليه ميسم شركة «أرستطاليس إخوان» لا زيف فيه ولا تزوير.

أليس أن هذا «المتزمت» إذا أراد الوضوء أسرَف فاستنشق عشرًا، وغسل اليدين إلى الإبطين — لا المرفقين — عشرًا، ومسح برأسه عشرًا، فنفِدَ الماء قبل أن يتمَّ التطهُّر، فتعكر دمه فاحتدَّ وسبَّ، ثم طفقَ يَصيح طالبًا فضلة ماء، ولكن البئر انكسرت محالتها، أو الدلو انقطع رشاؤها، والنهر بعيد، وفي هرولته نحوه أصابته شوكة في رجله، فاشتغل بإخراجها، ففات وقت الصلاة، فعاد إلى داره عرجان أَسِفًا، ولازمها أسبوعًا مُستعينًا عجائز الحارة على إخراج ما انكسر من الشوكة وسكن في اللحم، وعلى تضميد الجرح الناغر الأليم؟ وفي هذا الأسبوع لا توضَّأ ولا صلَّى ولا حيي؟!

على أنه إذا سهَّل الله عليه فاستعدَّ بالوضوء قبل دخول الوقت، وحضر الجماعة وأهَلَّ الإمام بتكبيرة الإحرام، وتبعه الناس في يُسر وبساطة، فإنك تراه قد خيَّل إليه «التزمُّت» أن كلَّ تكبيرات المصلِّين ليست كما ينبغي؛ لقصورهم عن درجة الكمال في استشعار النية، وتقصيرهم عن مشاهير الحفَّاظ في تجويد مخارج حروف التكبير. خيَّل إليه التزمت هذا النقص، فطفق هو يعالج التكبير كما يراه ينبغي، فعذب نفسه في استشعار النية وفي التجويد، وشوَّش على المصلِّين، واستمر في إيذائهم حتى سلَّم الإمام، وفاتت صلاة الجماعة قبل أن يَفرغ مما ينبغي. ثم هو إذ أتعب نفسه وأضناها فيما يَنبغي للتكبيرة الأولى، فإن ما أتى بعدها من أوضاع الصلاة يؤديه لا كما ينبغي ولا كما لا ينبغي، بل كما يتَّفق أن يكون؛ لأنَّ المُتعَب القلب والعقل لا يُطمع منه في تحقيق ولا تدقيق.

ثم إذا دخل رمضان قدَّم هذا «المتزمِّت» ساعةَ جيبه ساعةً قبل الإمساك، من باب الاحتياط، ثم أخَّرها ساعة قبل الغروب، من باب الاحتياط والتمكين. فعذَّب نفسه في كل يوم من رمضان ساعتَين لم يَكتب الله الحرمان فيهما عليه.

ثم إذا أراد الزكاة أطفَّ قدح البُرِّ استيفاءً واحتياطًا، واتَّقى بكفيه سقوط حبة القمَّة وما وليها، لكن حبة القمَّة وأخواتها تعصي أمره وتطيع قانون الجذب فتسقط، فيَلتقطها ويعيدها للقمة، فيسقط غيرها، فيلتقطها في عجلة ولهفة، فيختل الوضع فتسقط حبات كثيرة، فيزيد في لهفة الالتقاط ويزيد سقوط الحبات. ولا يزال في هذه المشغلة حتى تتألَّب عليه عصافير الدار وحمامها ودجاجها، فيَطردها، فتعاند، فيجري وراءها، فينكفئ القدح ويتبعثر الحب، ولا يَلبث حتى يكون كله في حوصلات الطيور والدجاج. فيسب ويلعن الزمان والمكان، وربما شرَّد الغضبُ بعقله فلعَن الزكاة ويوم الزكاة فكفَر بالله عَدْوًا فاستحق النار. وربما حمله الغيظ على خنق بعض الدجاج فمات فطيسًا لا يأكله إلا الكلاب والهررة، فكلَّف زوجته رمْيَ الميتة على الكومة، فتأبَّت لغيظها منه، فاعتَرَكا، فطلَّقها، وخرب البيت، فخسر الدنيا كما خسر الآخرة.

ثم هو إذا قدره الله فحجَّ ركبَه التزمُّت عند رمْي الجمار، لا يُريد أن يرميها إلَّا إذا رأى الشيطان بعيني رأسه حتى يَستَيقِن أنه مُصيبُه. لكنه لا يرى الشيطان، فيغضب، وربما اتهم عينَيه بأنهما هما اللتان لا تُطاوعانه في رؤية الشيطان، فرجم نفسه فانشجَّ رأسه فمات. ولعلَّ موته هناك خير له؛ لأنه نال الاندفان في الأماكن الطاهرة. ولعله خير لأهله؛ لأنه كفاهم مؤنة تلقِّيه عند القدوم بالطبل والمزمار وهو متزمِّت لا يفك كشارتَه لا طبل ولا مزمار.

أرأيتَ إذن أنَّ المتقعِّرين المُتزمتين يستحقُّون النار أحياءً وهم من أهلها أمواتًا؟!

بعد ذلك يورد المُحاضر أنه سمع أنَّ عالمًا اسمه القزويني كان بباريس، وكان عمال البريد يَختلفون معه على ما يَرد إليه من الرسائل، أله هي أم لغيره؟ (وذلك — كما يبدو — لأنَّ الحروف اللاتينية كانت تتخالَف في تعيين اسمه والدَّلالة عليه). ثم يُذكر أنه وردت إلى أحد عمداء كلية الآداب السابقين دعوة من بعض الجماعات لتوحيد الكتابة بين أمم الأرض، فاتَّفق هو والعميد على إبلاغ الداعين أن يبدءوا هم أنفسهم بتوحيد كتابة لغاتهم، ومِن بعد يُنظر في الأمر.

فأما حكاية القزويني، فحضرة المحاضر يَعلم أن مثل هذا الاسم إذا تخالَفت الحروف اللاتينية في ضبط لفظه ولم تدلَّ عليه بحروف بعينها ثابتة لا تتغير من كاتب لكاتب، فإن هذا ليس آتيًا من عدم دَلالة حروف اللغة الأجنبية على الأصيل من كلماتها، بل مصدرُه لوكة اللسان التي تختلف من أهل لغة لأهل لغة أخرى. ألم يقل العرب في «ألفونس: الأذفونش» وفي «جريناد: غرناطة» وفي «مدريد: مجريط»؟ وبقطع النظر عن هذا التحريف الآتي من تخالف لوكات اللسان، فإن كلمة «القزويني» هي — عند قراءة العربي لها مكتوبة بالحروف العربية — محلٌّ لتَخالُف أكثر من تخالف أوضاعها إذا كُتبت بالحروف اللاتينية. أليس العربي الذي يَجهل من قبل أن هناك شيئًا اسمه «قزوين»، وأنَّ هذا الاسم منسوب إليه، أليس أنه إذا أراد قراءته صحَّف القاف فثلث حركتها، ثم فتح الزاي أو سكَّنها أو شددها، فنتج من هذه التصحيفات عدد عظيم من الأوضاع لا أريد أن أعنِّي نفسي بإحصائها، بل أترك هذا الإحصاء لحضرة المحاضر؟ ومع هذا فإني لا أفهم ما رواه المحاضر من أن هذا الأستاذ القزويني قد اضطر لتسجيل اسمه حتى لا يخطئ عمال البريد في إيصال مراسلاته إليه، لا أفهم على أي وجه كان هذا التسجيل، والكلام في رجل مقيم في باريس لا تأتيه رسائله معنونة بالعربية بل بالأحرف اللاتينية؟ أي شيء يكون هذا القزويني سجله؟ أنا طبعًا أصدِّق حضرة المُحاضر. وعدم فهمي لا يَقتضي عدم تصديقي، فكم من أمور هي حقيقية في ذاتها وعدم إدراكنا لها لا يمنعنا من أن نُصدِّقها اعتمادًا على ما نعرف من صدق المبلِّغين، فأنا أصدِّق أن القزويني سجل شيئًا وإن كنتُ لا أدري ما هو.

وأما مسألة الدعوة لتوحيد الكتابة، فإني لو كنتُ مكانه ومكان حضرة العميد السابق لما فعلتُ غير ما فعلا؛ لأن الرأي في مثل هذه الجماعات يكون للأغلبية، فلا أدري إلى أي طريق أنا أساق. وعلى فرْض استِصحاب الحرية مع مثل هذه الجماعات فإني واثق من قبل أن زمني ضائع؛ لأنَّ في لغتي العربية نغمات لا مثيل لها عند غيرنا من الأمم.

وعلى كل حالٍ فالكلام عن القزويني وعن تلك الدعوة كله حَشوٌ لا فائدة فيه.

بعد هذا قال إنَّ الخليل بن أحمد هو الذي وضع «الشكل»، وقد اختار له حروفًا من حروف الهجاء العربية.

وهذا خبر يجعلنا نترحَّم على الخليل بن أحمد لغيرته على العربية واجتهاده وُسعَه في كشْفِ غمَّة رسمها القاصر. أما فوق هذا فلا أهمية له فيما نحن فيه؛ لأن الكل مجمعون على إفلاس الشكل سواء أكان واضعه الخليل بن أحمد أم كان عفريتًا من جن سليمان.

يَذكر حضرته من بعد أن الكلمات العربية ثلاثية الأصول تتفجَّر أصولها بالمشتقات، بخلاف اللغات الأخرى كالفرنسية والتركية، فإنَّ أصولها ثابتة لا تتغيَّر بالاشتقاق منها. ثم يَروي عن بعض المستشرقين إعجابهم بهذه الثلاثية وأنها تشبه مُثُل أفلاطون. ولست أدري ما أهمية هذا فيما نحن فيه؟ بل لستُ أدرك كيف يَجعل حضرته المُقتضيَ مانعًا على خلاف المَقبول عند الناس! إنَّ الفرنسية والتركية وغيرهما إذا كانت أصولها ثابتةً باقية على حالها مهما أخذ منها من المشتقَّات، فهذا الثبات أقرب إلى أن يكون من الدواعي لعدم تحميلها بحروف الحركات أو بعلامات الحركات. لكنَّ الفرنسيِّين — على الرغم من هذا الثَّبات — يَستعملون في غضون أصولهم حروف الحركات، والأتراك — كما يقول حضرته — كانوا أيضًا من قبل اتخاذهم الحروف اللاتينية قد استعملوا الحروف الليِّنة في غضون أصول كلماتهم المرسومة بالعربية لضبط ما لحُروف هذه الأصول من الحرَكات. أفما كانت العربية — وأصولها تتفجَّر بالاشتقاق وتتغيَّر به أوضاعها — هي الأَولى والأحقُّ بحروف الحركات لضبط أوضاعها المختلفة؟ وعلى كل حالٍ فإنَّ الكلام في هذا الصدد هو — كما ترى — من قبيل الأدلة الخطابية المُتخاذلة التي إذا عصرتها لم تجدْها شيئًا ولم تُدرك لها أية فائدةً فيما نحن فيه.

على أنَّ حضرة المُحاضر في هذا المقام قد خرَج أيضًا — فيما يختصُّ بالأتراك — عن الموضوع الاجتماعي إلى الميدان السياسي، فشكَّك في الدافع لهم على اتخاذ الحروف اللاتينية ما داموا هم — من قبل ذلك بسنين — كانوا قد استعملوا الحروف العربية الليِّنة وغيرها في بِنية كلماتهم — حتى المُستعارة من العربية — للدَّلالة على ما لها من الحركات. إنَّ أقل ما كانت تجب مُراعاته في هذا الصدد أنَّ التُّرك أعلم بمصلحتهم من المُحاضر ومنِّي ومن غيرنا من الناس، وأنه ليس لأحد من غير رجال السياسة أن يتدخل في البواعث التي حملتهم على تغيير حروف كتابتهم، وأنَّ قصارى مهمَّة رجال العلم إنما هي مجرَّد تسجيل الواقع وعدم التورُّط — تصريحًا أو تلميحًا — فيما قد يكون من البواعث السياسية الدافعة إلى التغيير.

أما القطعة الأخيرة من المُحاضَرة فهي في الموضوع حقيقة، ولكن واضعها لم يَخترع فيها جديدًا، بل هو يرى الأخذ بالمذهب الثاني؛ وهو استِبقاء الحروف العربية كما هي، واستعمال الشكْل على الطريقة الجارية الآن، ولكن لا كله، بل بالقدر اللازم منه لإزالة اللبس وتمكين القارئ من ضبْط النُّطق الصحيح للكلمات. ومهما يكن هذا ترديدًا لرأي سبق عرضُه على المؤتمر، فإنه على كل حالٍ كلامٌ داخل في الموضوع وصالح كل الصلاحية لِأَنْ يكون محلًّا للتقدير. على أنه كان في وسع حضرة المُحاضر أن يَقتصر على التنويه بهذه الفكرة، وأن لا يُتعب نفسه في حواشٍ كثيرة خارجة عن الموضوع، وأن لا يُعنِّيها بالاستشهاد بالمُستشرقين وغير المستشرقين؛ فإن المسألة مسألة بحث مادي واقعيٍّ لا تفيد فيها الشهادات اللفظية ولا التخيُّلات الذهنية، بل كلامه هو وحده يغنيه ويغنينا عن مثل تلك الشهادات.

ومن أبلغ ما رأيتُه انطباقًا على آداب البحث والمُناظَرة قول الأستاذ العظيم في الصفحة الأخيرة من بيانه الراقي: «إن كان مِنا مَن يرى تاريخنا عارًا، وماضينا سبَّةً، ويرى الخير في أن نَقطع كل ما يصلنا بهذا التاريخ، ونستعير تاريخًا أو نعيش بغير تاريخ، فله أن يدعو إلى نبْذ خطِّنا فيما نَنبذ من تراث الأعصار والأجيال.» الله حي!! نحن في جامعة فؤاد، وفي كلية الآداب، وفي معهد اللغات الشرقية، وفي غرفة رئيس المعهد، وأمام كرسيِّه العالي المنيف. أعلَينا قوائمَه ليُفيض علينا نورًا للعقول وتهذيبًا للأخلاق. فهل هذا كل ما أقدَره الله عليه؟! لعلها فلتة بدرت، ولعله مُراجع نفسه فمُحاسبها على ما كان. أما أنا فلا أحاسبه؛ لأنها فلتة تجلُّ في نظري عن كل حساب، فلأَفرض أني لم أقرأها ولأغطِّ وجهَها الدميم بالزفت والقطران، ثم لأستغفر له الله.

ومن أطرف ما يكون أنَّ حضرة الأستاذ المُحاضر اختتم مقاله الطويل بعبارة ينقلها مذعورًا عن أديبٍ شرقيٍّ يصفه بأنه مغرم بحب مصر، هي: «إن مصر لو همَّت باتخاذ الحروف اللاتينية لقاطعناها.» بخٍ بخٍ!

يا سيدي المُحاضر، إني لا زلت — ولن أزال — أراك رجلَ علم، ورجلُ العلم لا يَنظر إلَّا إلى الحق في ذاته، ولا يُعير التفاتًا إلى الفلتات الحماسيات الإيهاميات الكاذبات. إن الدونكيشوتية معنًى قائم في الوجود، وسيستمرُّ له عبَّاد يتراءون عاكفين على محرابه حتى تقوم الساعة، فخفِّض عليك ولا تنذعر، ومصَّ ليمونةً من البنزهير، أو حطَّ في بطنك بطيخةً صيفية، والبطيخ كثير الآن في الأسواق! وإذا هالك غلاء الأسعار فإني مُستعدٌّ أن أقدِّم لك البنزهير والبطيخ، وأنا ومصر المستفيدان؛ لأنها رشوة أقدِّمها لك حتى لا تَنشُر من عالي كرسيِّك بين شبابنا المثقَّفين مثل ما فهتَ به من تلك العبارات التهريجيات النابيات المُحزِنات.

الثاني والعشرون: لاحَظَ المُفكِّرون أن العربية الفصحى أصبحتْ بالنسبة للأجيال الحاضرة حِملًا ثقيلًا، لتشعُّب مُفرداتها وتعقُّد قواعد نحوها وصَرفِها، ولسوء رسْم كتابتها، وأجمَعوا — في مصر على الأقل — على ضرورة تسهيل تلك القواعد وتيسير ذلك الرسم المُضلِّل. ومن أهمِّ ما اشتغل به المجمَع اللُّغويُّ في دورته التي انتهت في فبراير الماضي مسألة الرسم. والمطلوب فيها أن يكون كل حرف في الكلمة مؤديًا بذاته صورته الصوتية أداءً صادقًا؛ أي يكون التلفُّظ به المدلولُ عليه بذات رسمه مُبرزًا في آنٍ واحد لنغمته، من جهة، ولاتِّجاه حركته من ضمٍّ وفتْحٍ وكسرٍ، أو لسُكونه أو تشديده أو تنوينه، من جهة أخرى؛ وذلك لتوحيد كيفية القراءة ولعِصمة ألسُن القارئين كبارًا وصغارًا، مُتعلِّمين أو أنصاف مُتعلِّمين، عربًا أو عجمًا، من اللحن والأغلاط.

وإذ كان كبار الاختصاصيِّين المُشرفين على تعليم العربية بمدارس الحكومة المصرية قد نعوا مُرَّ النَّعي على طريقة «الشكل»، وأكَّدوا عدم فائدتها في هذا الغرض؛ مُستندين إلى مشاهداتهم واختباراتهم للطلبة بمراتب التعليم المختلفة، وإلى الواقع المحسوس الذي يُدركه كل إنسان من كُلفة هذا «الشكل» ومِن سوء أثره، ومن إهماله فعلًا في المَخطوطات جميعًا، وفي شتى المطبوعات — إلا ما ندَر — إذ كان هذا فقد تشخَّصَ حرَجُ الحال للعيان، وأصبح من الضروري للنُّطق باللغة على وجهها المقصود، أن يُنظر في طريقة أُخرى غير الشكل لتعيين حركات الحروف في الكلمات.

اقترح غيري ما اقترح، واقترحتُ أنا اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم العربية. واعترض عليَّ مُعترضون كثيرون، أهم ما في اعتراضاتهم أمران يَستوقفان النظر حقيقة هما: الخصوصية الاختزالية في الرسم العربي العاري عن الشكْل، وآفة القطع بين حديثنا والقديم في الرسم اللاتيني. وهما أمران أثرتُهما — أو على التحقيق استثرتهما — في اقتراحي، وقلتُ فيهما ما قلتُ، صحيحًا مُقنعًا كان قولي أو غير صحيح ولا مقنع.

وإذ كان كِلا الأمرين ماديًّا يُدركه بحاسة البصر كلُّ مطَّلع بلا حاجة في تصور ماهيته لشيء من الأقوال الشارحة ولا مِن الأقيسة المنطقية؛ إذ كان هذا فقد امتلأت بهما الاعتراضات. لكن ماذا عسى أن يقول المُعترضون؟ إن اقتصروا على إثارة ذينك الأمرَين من دون أن يُقدِّموا بين أيدي اعتراضاتهم أسبابًا طريفة تَدعمها دعمًا ينصاع له العقل، كانت اعتراضاتُهم كابيةً أو بائخةً، ما داموا هم لا يُردِّدون إلا اعتراضي على نفسي، وما دام موضوع الاعتراض ماديًّا يستوي في إدراكه والإدلاء به العالم والجاهل، وهم لا يحبُّون أن يَظهروا في الناس مظهر البائخين، أيسكتون إذن؟ كلا، إنها فرصة للكلام إذا فاتت فقد لا تعود. إذن فليُطيعوا أمر أحلامهم وليتكلَّموا، ولكن لا بما يهوى الجدُّ والرجولة، بل بما تهوى أنفسهم، وأنفسهم صغيرة تطمح لا للإفادة والاستفادة، بل للتعالي الرخيص. وهم لا مادة عندهم حتى ولا للتعالي الرخيص، فليَمضوا إذن في التعالي الخسيس؛ التطاول من قِصَر. وهكذا مضى كل المعترضين إلا قليلًا ممَّن عصم الله. عمد بعضهم إلى الدِّين فتكلموا باسمه، كأنما وكَل الله إليهم أمر عباده. ورأى بعضُهم خير طريق يرفعهم إلى ذروة المجد هو اصطناع الكلام الغليظ، مُعتمِدين على أن العوام كثيرًا ما يُفيضون على الشغَّابين صفة الفتوة المبيحة للافتخار، والحقيقة في نظرهم بالتجلَّة والإكبار. وفات المساكين أنَّ هذه المرقاة لا ترفع ذواتهم إلا لتَنقلِب فتهوي بهم في مكان سحيق.

وبينا أنا أفكِّر فيما انتاب بعض الناس من التحلُّل الخلقيِّ إذا بأحد موظَّفي المجمع يُناولني عددًا صادرًا في ٧ آيار سنة ١٩٤٤ من صحيفة اسمها «المجلة» تَصدُر في بغداد. قرأتُ فيها أن صاحبها استفتى قومه في شأن ما يَنبغي اتخاذه من أنواع الحروف لرسم العربية. ثم دوَّن ردًّا أتى إليه من «معالي السيد كامل الجادرجي». قرأتُ هذا الردَّ فألفَيتُ واضعه يَعترض اعتراضًا شديدًا على ما اقترحتُه من اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم العربية. وعلى الرغم مِن هذا قد وقع في نفسي لهذا المُعترض من التقدير والاحترام ما لم يقع قبلُ لمُعترض ولا لمُوافِق؛ ذلك أني لمستُ في كل سطر من أسطُر اعتراضه دليل الفطنة وسعة الاطلاع، وعلى الأخصِّ سِيما الكيَس وكمال الرجولة.

هذا الرجل المتَّزن يقوم مقاله على الفكرات الآتية:
  • (١)

    إنَّ خصوصية الرسم العربي أنه اختزالي، ومن مصلحة أهل العربية الاحتفاظ به؛ لأنَّ العالم الذي يَسير في أموره الآن بما يُشبه سرعة الكهرباء محتاج في تثبيت أفكاره إلى أخصر رسمٍ وأوجَزِه؛ ولذلك اخترع الكتابة الاختزالية، ولكن رسومها مُبهمَة معقَّدة صعبة التعليم والتحصيل والتفسير، في حين أنَّ رسمنا العربي الاختزاليَّ بوضعه، والقابل لزيادة اختزاله عما هو عليه، هو رسمٌ واضحُ المعالم، يَستطيع ممارِس العربية قراءة ما هو مكتوب به من زيادة عن ألف سنة إلى اليوم.

  • (٢)

    إنَّ رسمنا العربيَّ إذا كان لا يقبل وضع حروف أو إشارات للحرَكات مُلتصقة بهيكل الكلمات، فإنَّ ضرر ذلك مُنحصِر في خفاء حركة الحروف وحركة الإعراب على القارئ. وهذا ضرر يُساويه — بل يُربي عليه — ضررُ ضبط الحركات بإشاراتها أو بأحرُفها، وخصوصًا بالرسم اللاتيني؛ لأنَّ هذا الضبط يَستدعي أن يكون الكاتب ملمًّا إلمامًا تامًّا بالفُصحى حتى لا يخطئ في الكتابة فيشوِّش أوضاع اللغة، ويَسري هذا الخطأ والتشويش من بعد إلى القارئين.

  • (٣)
    إن الأولى في العلاج — والحال ما ذكر — إنما هو النظر في تيسير قواعد نحو اللغة وصرفها لتهوين أمرها على الناس. وهو يقرِّر في وضوح وجلاء أن تلك القواعد أصبحت وزرًا وحملًا ثقيلًا على الأجيال الحاضرة، بل على ممارسيها الاختصاصيِّين أنفسهم. ثم هو لا يقف عند مجرَّد القول، بل يذكر أمثلةً مما يرى إمكان ورود الإصلاح عليه؛ يذكر أن لا لزوم للتذكير والتأنيث في ألفاظ العدد، ولا لزوم لجر الممنوع من الصرف بالفتحة، ولا لنصب جمع المؤنث السالم بالكسرة، ولا لعدم إعمال حرف الجر في المبني من الظروف، وأن توحَّد حركة عين المضارع في جميع الأحوال.٨

    ويرى أن لا محلَّ، عندما يكون الفعل مؤخَّرًا عن الفاعل؛ لأن تكون الجملة مركَّبةً من مبتدأ وجملة هي الخبر، بل يكون التركيب جملة واحدة مركبة من فعل وفاعل أو مسنَد إليه ومُسند. وهو لا يستبدُّ برأيه، بل يَكِل الأمر في ذلك جميعه للمُختصِّين، على أنه غير متردِّد في الاعتراف بأن مثل هذا التيسير يفقد الناس سجية حاصلة لهم الآن في التلفُّظ بالكلام العربي. ولكنه يقول إن السجية عادة وإلْف، وإن الزمن كفيل بطبْع الناس على مثل ما يرى من هذه الوجوه الإصلاحية التي يقول إنها تسهِّل اللغة من غير مسٍّ بجوهرها.

  • (٤)

    لا نغيِّر رسم كتابتنا إلا إذا أجمعت أمم العالم على رسم واحد لكتابة كل اللغات، فعندها يكون لا محيص لنا عن متابعتها.

كل ذلك يورده صاحب المقال في عبارات مفصَّلة سهلة متَّزنة يأخذ بعضها في الاتساق بيد البعض، لا تشمُّ فيها رائحة الشغب ولا نية الاستعلاء الكاذب ولا الاتجاه لتطاول القِصار، بل تتنسَّم منها إرادة الإصلاح ليس غير، وتتحقَّق فيها الرجولة التي تدفعك إلى إكبار الواضع.

والآن هل يَسمح لي هذا الرجل النزيه التفكير أن أُفضي بملاحظاتي على ما خط من قيِّم البيان؟ إن سمح قلتُ له في إخلاص يمازجه الاحترام:

يا سيدي العزيز! إنَّ فكرة اختزال الرسم العربي وضرورة عدم مسِّه، وفكرة السعي لعلاج العربية من طريق واحدة هي طريق تبسيط قواعدها، هاتَين الفكرتين اللتين يقوم عليهما بيانُك الشائق قد سبَق أن أثارهما قومنا — كما أسلفتُ — ورددتُ عليهما بالمقدار الذي يستأهله كلام مثيريهما. وصببتُ ردي — في الأغلب — على مسألة الرسم وحدها دون مسألة تبسيط القواعد؛ لأنَّ مسألة الرسم هي الجاري فيها الكلام الآن، وهي التي قدمت بشأنها اقتراحي الخاص بالحروف اللاتينية. أما مسألة تبسيط القواعد فأنا وغيري متَّفقون عليها، ولم يقم في أصل مبدئها أي خلاف، بل الخلاف هو في كيفية هذا التبسيط، وعلى أي وجه يكون.

وإنه مهما يكن الدليل الأقوى الذي تمسكتُ به في ردودي بشأن تيسير الرسم العربي هو إجماع رجالنا الرسميِّين وغير الرسميِّين على وجوب تيسيره، وتكليف مجمعنا اللغوي به في اللائحة التي يجري عليها في أعماله، مهما يكن من قيام هذا الدليل على وجوب تيسير رسم الكتابة، ومهما يكن له من قوة، فإني — تلقاء بيانك المتَّزن — أصرف النظر عنه، وأفرض عدم قيامه فعلًا، وأنظر للمسألة على اعتبار أنها وليدة اليوم. فماذا أرى في بيانك؟

أراكَ تقرِّر أنَّ رسمنا اختزاليٌّ لا يحتمل وضع حروف الحركات ولا إشارات الحركات في غضون هياكله. ثم تَنصح باستبقائه كما هو، وعدم محاولة وضع شيء من تلك الحروف والإشارات في غضونه، لا تاليًا للحروف متَّصلًا بها ولا خارجًا مُنفصلًا عنها؛ لأن هذا يُخلُّ بخاصَّته الاختزالية، ومنفعة هذه الخاصة — في نظرك — أكثر من إثم التصحيف، بل تذهب إلى أنَّ الحرَج يزداد باتخاذ تلك الحروف والحركات.

الظاهر يا سيدي أننا غير متَّفقين اتفاقًا واضحًا على الغرض الذي نسعى إليه، فلنتَّفق عليه ابتداءً، ثم ليتكلَّم كلانا بعد بما شاء. أنا أريد المحافظة على العربية الفصحى، وأنت تريدها كذلك، فلنحدِّد بالنص الصريح ما هي تلك الفصحى التي نريدها جميعًا. أما أنا فلا أرى مثالًا للفصحى غير القرآن الثابت نصُّه بالتواتر؛ فلغته هي وحدها المعْنِيَّة لي عندما أذكر الفصحى. وأحدِّد أكثر فأقول: إن لغته المعْنِيَّة لي هي ما تكون الأقيَس والأسهل من وجوه قراءاته؛ فقراءة «إنَّ هذين لساحران» هي المعنية لي دون إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ مثلًا. وإني لمُقتنع كلَّ الاقتناع بأنَّ لغة القرآن هذه التي أعنيها هي أوضح وأسمح وأيسر من كل النصوص العربية التي ترامت لنا من أقوال الجاهليِّين وشبه الجاهليين. بل إنها؛ من حيث جمال اتساقها وسهولة فهمها ويُسر جريانها على الألسن، هي المثال المُعجز للسهل المُمتنع، وإذا كان فيها شيء من الغريب فقدر ضئيل. ومع هذا فقد أصبح — لكثرة التكرار في المناسبات المختلفة — مألوفًا عند الناس يفهمونه في الجملة، وقليل من العناية يكفي كيما يَفهموه على وجه التأصيل والتعيين. هذا هو رأيي محدَّدًا، فهل لسيِّدي خلاف في هذا؟ إن كان له خلاف أمسكتُ عن الاسترسال في القول. ولكني ما أظن أن له خلافًا؛ فإنَّ تلك الفطنة وذلك الكيَسَ لا أتصوَّر من جانب صاحبهما أي خلاف في هذا التنصيص والتحديد. وإذن فلنَعتبر أن هذا هو وحده الغرض المتَّفق عليه.

تُفهم عبارات السيد أنه يرى أنَّ رسم كتابة اللغات إطلاقًا — في يوم الناس هذا — يجب أن يكون اختزاليًّا، وأنَّ العربية سبقتْها جميعًا بالفوز بنعمة الاختزال. وواضحٌ أن الذي حدا بالسيد لهذا التقرير ما يراه من لجوء أهل اللغات الأخرى إلى اختراع الاختزال Sténographie. لكني أنا يا سيدي أرى في هذا الخصوص غير رأيك. أرى أن الرسم صورة حسية منظورة للألفاظ المنطوقة أو للتراكيب اللغوية المعبرة عن المعاني الجائلة بالخاطر. أو هو ترجمان يعبر عن تلك الألفاظ والخواطر في صمت وسكون، ومن صفاته أنه لا يتعب سمعك، بل يتَّجه مباشرة من بصرك إلى عقلك فيُصب فيه ما هو مكلَّف بترجمته من الألفاظ والمعاني، وإذا استنطقته واستلفظته أبى أن يتقدَّم عليك، بل وكل إلى لسانك أنت أمر اللفظ والبيان.

أنت إذن بالخيار، إن وقفتَ عند اعتبار الرسم صورةً، فالعقل لا يسكن إلَّا إلى الصورة المطابقة لمصوَّرِها. هبك نظرت صورة إنسان لم يخرجها المصوِّر على ما خلقها الله، بل جعلها بعين واحدة أو أذن واحدة، أو جعل فمها في قفاها، وأنفها في قمة رأسها، أفتسكن نفسك إليها؟ من المؤكد لا. كذلك صورة اللغة، إن لم تَستوفِ لوحَتُها بيان الفاعل وبيان المفعول وبيان المتضايفَيْن مُعلَّمًا كلٌّ منها بعلامته التي تخيَّرها له واضع اللغة، أو لم تَستوفِ في صيغ الأفعال علاماتِ البناء للمعلوم والبناء للمجهول وما إلى هذا من العلامات المقرَّرة في أصل الوضع للمعاني المختلفة، كانت لوحةً بتراء مشوَّهة تُنكر العين رؤيتَها وتَرفُض النفس السكون إليها في الدلالات اللغوية.

أما إن اعتبرت الرسم ترجمانًا فإني أرجوك أن تسمع لي: هبك مُنِيتَ بترجمان يرصُّ لك نغمات من نغمات أحرُف الهجاء مُتتابعةً بدون حركات، ويُتمتم لك مَلْفظها تَمتمة أنفية، ويَكِل إليك تقليده في الملفظ، فهل تفهم منه شيئًا أو تَستطيع محاكاة تَمتمتِه؟ لا شكَّ أنك إن ملكتَ شعورك ولم تخنقْه فإنك على الأقل تَصفعه على قفاه وتطردُه من خدمتك. وهنا أبادر إلى القول بأنَّ هذا الترجمان الأبكم مستحيل الوجود؛ لأنَّ بين النغمات والحركات تلازُمًا وتضامنًا في مُكْنة الانبعاث. فالنغمات لا تظهر بدون الحركات، والحركات لا تظهر إلا مُعتمدةً على النَّغمات. فُكَّ الآن عروة من عصام كنانتك يخرجْ لك منها ترجمان من صنف أرقى نوعًا ما، هو الصنف الجارية عادتنا الآن باستخدامه. رُقِيُّ هذا الترجمان الثاني يَنحصِر في شيء واحد، سلامتِه من العِيِّ والحصر. إنه يُبصِّرك مقدَّمًا بمبلغ مَساعيه في خدمتك حتى لا تتأذَّى في العاقبة وتَحنق وترجع عليه باللائمة. إنه يقول لك: أنا رسام ماهر أرسم نغمات كل ما تَنطق به أنت والناس من الألفاظ، وكل ما يَدور بخاطرك من المعاني، مما هو مُعدٌّ لأن تَنطِق به فعلًا أنت وغيرك من الناس، ولكنَّ قرطاسي ضيِّق الرقعة، ووقتي أثمن من أن أضيعه في وضع علامات الحركة لحروف الألفاظ، تلك العلامات المعدَّة للتفريق بين المعاني المختلفة المستعمَلة فيها الألفاظ، فأنا لا أُسرف في القرطاس، ولا أبذِّر في الوقت، ولا أضع لك تلك العلامات، بل أكتفي بأن أَنطق بتلك الألفاظ مرةً واحدة أثناء الرسم على وجهها الذي تريده، مُستعيرًا لسانك أنت أثناء النطق. وما عليَّ من بعدُ أن تنسى أنت أو أولادك أو غيركم وتُخلِّطوا وتَقلبوا الأوضاع المقصودة لي رأسًا على عقب بنُطقكم المخالف لنُطقي عند الرسم، اعتمادًا منكم على أن ما تأتون به من التخليط لا يخلو في غالب الأحوال من أن يكون له معنًى بحسب قوانين العربية، وإن كان معنى يَبعُد عن أصل المراد عند الرسم بعد ما بين القطبين. هذا التبصير يشوِّقك ويُعجبك، بل يملِّقك بادئ الرأي؛ لأنه يُصادِف هوًى في فؤادك. إذ القرطاس في واقع الأمر قرطاسك، والوقت وقتُك، والنفْس الإنسانية مجبولة على الضنِّ بما تملك، وعلى الاستنامة لكواذب الأحلام التي تهيِّئ لها القدرة على حياطة ما تبني من قصور الماديات والمعنويات، وعلى صيانتها من عوادي الدهر. أنت إذن تقبَل التبصير وتشكُر للترجمان صراحته. ويتمُّ الرسم على هذا الوجه، والارتياح مالئ جوانب نفسك. ولكن! … لكن الواقع في كثير من الأحوال أنَّ هذا الترجمان الراقي لا يمتاز عن ذلك الأبكم الذي غضبتَ عليه، إنَّ رسمه الذي سرَّك إذا ما صار في غيبتك إلى أولادك أو عشيرتك الأقربين فربما نطقوه بخلاف ما أردتَ وأراد لك الترجمان، وربما وقعت بينهم العداوة والشحناء، وأصبحوا أحلاسًا لمَكاتب المُحامين ولدور القضاء؛ لأن لكتابك وجهَين محتملين، أحدهما يُعطي والآخر يَمنع. ومن يرى الإعطاء يُلحُّ، ومن يرى المنع يُمْسك، فيقوم العراك. أما إذا وقع مثل هذا الكتاب لغير هؤلاء ممَّن لا يُهمهم الاحتفاظ بسمعة الكاتب، فإنهم — فوق هلهلتهم إياه في القراءة وتقويلهم صاحبَه ما لم يقل — لا يتورَّعون عن تشريح عقله وعن البحث في شرائحه عن نيات يَزعمونها له تتَّفق وما صدق عليه تصحيفهم. وقد يَنتهي بهم البحث إلى تكفيره والحكم بأنه من أهل النار؛ لأنهم لما تناولوا بعض جُمله المكتوبة نصَبوا لفظ الجلالة فجعلوه مفعولًا، ورفعوا لفظ إبليس فجعلوه فاعلًا، وسياق العبارة قاضٍ بشرف مكانة الفاعل وحقارة مكانة المفعول. ومن هنا يأتي التكفير، والناس إلى الشر أسرع. ومهما يحاول هذا الكاتب الإدلاء للناس بالنطق الصحيح، والاستعاذة بالله من الترجمان الذي اشترط عليه عدم تقييد الحروف بحركاتها، ومهما يقل لهم إنَّ جلَّة المسلمين في كل بقاع الأرض يطيعون هذا الترجمان ويقبلون شروطه، مهما يقل أو يفعل للتخلُّص من استحقاق النار، فما هو بناجٍ عند الناس في هذه الحياة الدنيا من حكم النار.

أرأيت إذن أي شر جلَبَه سوء الرسم على المرء في ولده وفي دينه؟ وإنه في نظري ليستأهل؛ لأنه قصَّر في حق اللغة فجعلها أُلعوبة في أيدي المصحِّفين.

كأنك تقول ما لنا وللصورة والترجمان وزيادة الفيهقة في بيان الآثار اللازمة عن تعوير الصورة وتحريف عبارة الترجمان؟ تقول هذا وتلومني على الإسهاب في معنى واضح، وبسيط لدرجة التفاهة. لا تقل ولا تلم؛ فإنَّ البديهيات العقلية أشد التصوُّرات بساطة ووضوحًا، والتعبير عنها يقع موقعًا أتفه من التفاهة. ومع هذا فإنها أساس سلوك الناس في الحياة، وعليها عمارة الكون. إنَّ بداهة ضوء الطريق ووضوح معالمه إذا كانت الشمس طالعةً، هي التي تدفع بالإنسان إلى السير فيه سعيًا وراء الرزق، وبداهة الإظلام إذا كانت الشمس غائبة، هي التي تحجبه في بيته وتمنعه عن المسير خشية الارتطام في حفرة، أو تُلجئه إلى اتخاذ مصباح كيما يَستطيع الكتابة والقراءة أو تناول ما يُريده من الأشياء.

على أني أُعفيك من هذه البسائط التي تحسبها تافهة. أتُنكر أن الأحداث التاريخية من أدلِّ الدلائل على اتجاه عقول بني الإنسان في هذه الحياة؟ انظر أحداث التاريخ في الشأن الذي نحن فيه بخصوصه، شأن رسم الكتابة. إن المصريِّين بدءوه تصويريًّا يعبِّر عن الفكرة بالصورة، لكنهم ما لبثوا أن ضاقوا ذرعًا؛ لأن مفردات اللغة ليست مقصورة على أسماء الذوات التي لها صور تُدرك بالحس، بل فيها أيضًا كثير من أسماء المعاني؛ كالعلم والجهل والعدل والرحمة والشفقة والطيش والشجاعة والجبن وما ماثل ذلك. وبعض هذه المعاني إذا أمكن الاحتيال عليه بالتصوير التقريبي، فإنَّ بعضها الآخر يَستعصي على التصوير. وهم في معاملاتهم وأحوال مدنيتهم يريدون الإبانة والإفصاح، فضرورة الإبانة حفَّزتهم إلى الكتابة المقطعية، وهي تشخيص الألفاظ اللغوية نفسها بصور ذواتٍ، أوائلُ أسمائها من مقاطع اللفظ المراد تصويره. فكان اللفظ تُرسم له عدة صور بمقدار تعدُّد مقاطعه، فيَنطِقون المقاطع الأولى من مُسمَّيات الصور، فيكون مجموعها هو اللفظ المروم. أو ليس أنهم ضاقوا أيضًا بهذه الطريقة؛ لأنها لا تُسعفهم بالبيان والإيضاح، ولأنَّ السواد الأعظم لا يَستطيعها، فأعملوا فكرهم، فتوصَّلوا لوضع رموزٍ خاصة، كل منها يُعبِّر عن نغمة من النغمات الدائرة في الألفاظ، فكان هذا مبدأ الهجاء المعروف؟ أوَليس أن الفنيقيين أتوا من بعد فاستفادوا من عمل المصريِّين، فوضعوا أحرُفًا للهجاء مستوفاة، وعنهم أخذ اليونان وأهل آسية؟ أوَليست كل تلك التطورات تدلُّك على اتجاه العقل الإنساني في رسم الكتابة إلى البيان والإفصاح وإلى التيسير في البيان والإفصاح؟ فمِن صور لا يستطيعها إلا بعض المتخصِّصين، وهي في ذاتها يتعذر أن تؤدي كل المعاني اللغوية، إلى هجاء مقطعيٍّ يَستلزم التصوير الذي لا يقدر عليه إلا المتخصِّصون أيضًا، إلى حروف نغمات تؤدِّي نغمات الكلمة، وهي إن قصرت عن بيان حركتها فإنها — على كل حالٍ — أوسع في البيان مدًى، وأقلُّ مؤنة على سواد الجماهير؟ ثم انظر ماذا دَوَّنه التاريخ من بعد؛ إنه يذكر لنا أن الحروف الفنيقية كانت لا تؤدِّي إلا نغمات متراصَّة خالية من الحركات، وأن اليونان لما أخذوها ضاقوا بها فأدخلوا في الكلمات حروف الحركات، فاستطاع الناس أن يقرءوا اللغة قراءة صحيحة مطابقة للملفوظ به من الكلام. أوَليس التاريخ يروي لنا أيضًا أنَّ إدخال حروف الحركات كان فتحًا جديدًا وفخرًا خالدًا للعقل اليوناني؟ أوَلَيس أنَّ أهل أوروبا إطلاقًا نقلوا عن اليونان حروف الكتابة، وفيها حروفُ الحركات؟ حتى الأمم الآتية إليها من آسية ولم يكن في رسم لغتهم حروفُ حركات. وإذن فاتجاه العقل الإنساني في أطواره التاريخية المعروفة دالٌّ على أنه متطلِّع بالاستمرار في أمر الكتابة إلى الإيضاح والتبيين والمطابقة بين ملفوظ اللغة ومكتوبها. ولم يَثبُت قط في التاريخ ميله في الكتابة إلى التعمية والتجهيل.

لنترك هذا الكلام العام، ولنَحصُر القول في الرسم العربي بوجهٍ خاص. فهل يرى السيد أن اتجاه الأقدمين فيه كان إلى الاختزال؟ كلا، ثم كلا. إنَّ العرب ضاقوا أشد الضِّيق برسمِهم الاختزالي السخيف، وهذا معنى متَّسِع يجيش بالصدر، وليس في الناس أحق منك ومن أهل العراق بسماعه، ولا أقدر منكم على فهم ظاهره وخافيه، والاقتناع بأنه حقٌّ لا ريب فيه.

أليسَت دِجلتُكم تتحدَّر من جبال أرمينية؟ أوَلستم أعلم الناس بأنه وقت فتح ذلكم الإقليم تخالَف جنود المسلمين في قراءة القرآن وكاد بعضهم يُكفِّر البعض، وأن عثمان بن عفان لما بلغه الخبر خشيَ سوء العاقبة فسارع إلى جمع القرآن وإرسال نُسَخه للأمصار؛ لتكون هي الثَّبَتَ الذي يُرجع إليه، وقد جعلها في كل جهة تحت مراقبة الحفَّاظ المتديِّنين المأمونين، الذين عليهم المعوَّل في رواية هذا المصدر الأساسي للدين؟ تلك حادثة أُولى يدوِّنها التاريخ. فقل لي ما مبعَث هذا التخالُف؟ هل النُّعَرة فيمن حضر الفتح من قبائل العرب حملت كل قبيلٍ على أن يَخترع قرآنًا، وتعصَّب كل قبيل لقرآنهم، فكان التخالف وكانت المشادَّة ووشك التكفير؟ قطعًا لا، أَنَزَلَ القرآنُ نفسه مُتغاير الآيات بعينها، في السورة الواحدة بعينها، متخاذل المعاني في تلك الآيات؟ قطعًا لا أيضًا. إذن لم يبقَ من مبعث للشر إلا سبب واحد؛ هو سوء رسم العربية. لقد كان القراء قليلين، والكتاب أقلَّ من القليل، والرِّقاع أندر من الندرة. فأيُّما قبيلة ظفرتْ بصحيفة مكتوب فيها سورة أو بضع آيات من سورة، حرَصت عليها، وتعبَّدت بتلاوتها على الوجه الذي استطاعت أن تقرأها عليه. وإذ كان رسم الكتابة إذ ذاك أشدَّ اختزالًا مما هو الآن؛ لتجرُّده من النقط والألفات الممدودة، وكان الكتابُ بدائيِّين لا يَستطيعون ضبط الكتابة — حتى برسمها القاصر السخيف — إذ كان هذا فإن باب الخطأ والتصحيف كان مفتوحًا على مصراعَيه. ويكفي أن يكون للألفاظ — بعد تصحيفها — معانٍ تتلاءم قليلًا أو كثيرًا، حتى يمضي القارئ في قراءته ويتعصَّب لها.

أرأيتَ إذن يا سيدي مبلغ الضرر الذي نشأ في أول الإسلام عن سوء الرسم ووجازته وقابليته للتصحيف؟ فهل لا زلتَ مصرًّا على رأيك من مزيَّة اختزال رَسمِنا العربي وكونه قابلًا لزيادة الاختزال؟ إن كنتَ لا زلتَ على هذا فالأمر — في حماية الفصحى — لله.

على أن عثمان إذا كان له عند الله وعلى المسلمين يدٌ بجمعه القرآن، فإنَّ عمله لم يَنحسم به الشر من أساسه، كل ما كان أنه كفى المسلمين شر جهل الكاتبين الذين لم يحسنوا كتابة ما لديهم من الصحُف حتى على قاعدة الرسم العربي السخيف، ثم شر من كانت لديهم صحُف كتبوها في أوقات مُتباعدة وفُرَص متفرقة، فأتت بطبيعة الحال غير وافية أو غير مراعًى فيها ما للقرآن من ترتيب في السور والآيات. أما منبع الشر الحقيقيُّ، وهو رسم العربية القابل لكلِّ تصحيف، فبقي على ما كان عليه، ولم يُعالَجْ بشيء أكثر من إيكال الأمر في كل مصرٍ إلى الحفَّاظ المتديِّنين الصالحين. وهو في ذاته علاج واهن ضئيل، ألا ترى أنَّ المسلمين استمرُّوا ضائقين خائفين من التصحيف، وأنه لم يمضِ إلا قليل حتى قام الحجَّاج بن يوسف — وكان عندكم بالعراق عاملًا لعبد الملك بن مروان — فعمل على تنقيط الحروف في كلمات القرآن؟ وهذه حادثة ثانية يَرويها التاريخ. ولم يبعث عليها مزيَّة اختزاليةِ رسم القرآن، بل الباعث هو ضرر هذه الاختزالية المُوقِعة للناس في الضلال، وضرورةُ الإيضاح والتبْيين.

لم يمضِ بعدُ إلا قليل حتى كانت التجاريب المتَّعبة التي قام بها السلف، ومنهم الخليل بن أحمد، قد انتهت بوضع الشكْل توضيحًا لرسم حركات الحروف في كلمات القرآن وغير القرآن. وهذه حادثة ثالثة يَرويها التاريخ، وليس لها من مبعَث سوى ضيق الناس بانبهام طريقة النُّطق بكلمات القرآن وغير القرآن، ووجوب توضيح هذه الطريقة منعًا من الوقوع في خطر التَّصحيف.

يدلُّنا الواقع في كتب السلف من العلماء على شدة تغيُّظهم من رسم الكتابة، وعدم اعتمادهم، لا على التنقيط الذي أتى به الحجَّاج، ولا على الشكل الذي اخترعه مَنْ بَعدَه، مهما يكن هذا الشكل قد حسَّنه من أتوا بعد مخترعيه. نجد أولئك السلف يَضبطون الألفاظ في كتبهم بألفاظ مثلها. فيقولون: بالثاء المثلثة الفوقية، بالجيم الموحدة التحتية، بالضم، بالكسر، وزان قمر، وزان سحاب … إلخ. وهو مِن جانبهم عمل زائد يأتون به حتى لا تَجني سخافة الرسم ووجازته على ما يكتبون. وهذه حادثة رابعة كلية شائعة في كتُب الأقدمين.

فالتاريخ يدلُّنا على أن الاتجاه في العربية بخصوصها إنما كان نحو التخلُّص من اختزال رسمها وقصوره.

إنك يا سيدي إذا استطعتَ أن تعدَّني متزيِّدًا بما تبسطتُ في الكلام على الصورة والترجمان، فإنك لا تستطيع بحال أن تَخرج من ربقة التاريخ ودلالة حوادثه؛ فإني لستُ أنا الخالق للتاريخ، وليس لي ولا لك سيطرة على حوادثه، بل كلانا مُنفعل بها مُساير لتيَّارها، ومَن لا يعترف منا بقوة هذا التيار جرَفه وأقصاه. فأرجوكَ أنت وقومك أن تتدبَّروا ما أقول، ولعلَّ زيادة التأمل تُوفِّقكم إلى الإقرار بوجوب تعديل رسم كتابتنا العربية على الوجه المُفصح المبيِّن. وما يُهمني أن يكون الإفصاح باللاتينية أو الوقواقية، كل ما أريده الإفصاحَ لا شيئًا غير الإفصاح. غاية الأمر أن نظري الضعيف استقرَّ بعد التأمُّل الطويل على أن الحروف اللاتينية هي وحدها وسيلة النجاح، ولا زلت مُنتظرًا من يدلني — بحق — على وجه خطئي في هذا النظر الغريب.

على أني لا بد لي هنا من تقرير حقيقة يُثبتها الاستقراء؛ وهي أنَّ أهل اللغة كلما كانوا عليها أحنى وأحرص وإلى الاضطلاع بها أنشط، كانت صيحتُهم لتقويم رسم كتابتها أعظم. هكذا كان الحال أيام عثمان بن عفان، وأيام عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، وأيام الخليل بن أحمد، وأيام مَن بعدهم من العلماء الذين اشتدَّ حرصُهم على العربية فكانوا يَضبطون ألفاظها بالألفاظ. وهكذا الحال الآن ودبيب النهضة اللغوية العربية يدبُّ في بيئتنا المصرية وفي بيئتكم وسائر البيئات العربية الأخرى. والعلَّة في هذا — وما أظنُّها تخفى عليك — هي أن أهل اللغة متى تنبَّهوا لخدمة لغتهم وإعزازها، وأخذت ملَكتُها تُسيطر على ألسنتهم، أرهفت هذه الملكة حسَّهم وجعلتهم لا يُطيقون عبث من يُهدر قواعدها ولا يراعي حقوقها عند قراءة شيء من نصوصها، بل هم يتأذون ويتألَّبون صارخين طالبين توضيح معالم رسمها حتى يَسقُط عذْرُ القارئ، ويزول مصدر اللحن الذي يؤذي لغتهم العزيزة عليهم كما يؤذي أسماعهم. وهذه العلَّة النفسانية تدور مع معلولها وجودًا وعدمًا؛ ألا ترى أنه إبان الركود اللغوي، التابع للركود العقلي، قلَّ أن يفكِّر أحد في اللغة، ولا في صَونها أو عدم صونها من اللحن والأخطاء؟

إذا تقرَّرت هذه الحقيقة، واعتقدتَها وانفعلت بما تَعتقِد، سقط حتمًا ما ارتأيتَه في مقالك الجميل من أن رسمنا الحالي يَنبغي أن لا يُمسَّ مهما يكن مُضلِّلًا، ومن أن العلاج الوحيد للعربية لا يخرج عن تبسيط قواعدها؛ سقط لأنك ترمي بتبسيط القواعد إلى تقريب الفصحى للناس وتحبيبها إليهم، وحملهم على التمرُّس بها. وها أنت ذا ترى — مما أسلفت — أنهم كلما كانوا بها أعلم كانوا على سلامتها في الألسُن أحرص، وإلى التأذِّي من العابث بها أوحى وأسرع، وإلى الصِّياح بطلب إفصاح رسمها أثور وأقوم.

على أنك يا سيدي في رأيك هذا الثنائي الطبيعة؛ بقاء الرسم لاختزاليته وتبسيطِ القواعد لنشر راية الفصحى؛ كمَن يبْني بيد ويَكسر بالأخرى آلة البناء. إنه لا يغيب عن سيدي أن محبِّي العربية مهما عملوا فلن يستطيعوا مغالبة قانون التطور إلا إلى حدٍّ محدود. إنهم لا يَستطيعون القضاء على اللهجات العامية في كل بلاد العربية، بل كل الذي أطمع فيه أنا وأنت وغيرنا إنما هو بقاء لغة القرآن حية يمارسها من الناس أكبر عدد مُستطاع. لكن هذا العدد مهما يكبر، فإنه قد لا يبلغ خمسةً أو عشرةً في المئة من مجموع أهل العربية، أما تسعة أعشار الناس فسيُقيمون على لهجاتهم العامية على الرغم من مساعيك ومساعيَّ ومساعي غيرنا. وأنت يا سيدي لا يفوتك أن الشأن في اللغات كالشأن في سِلَع التجارة، رخيصها يطرد غاليها؛ فالعوامُّ بلهجاتهم الرخيصة سيَبقون سابقين للخواصِّ بفُصحاهم النفيسة، وسيُعينهم دائمًا أنهم أكثر عددًا. وسيُضطرُّ الخواص دائمًا إلى مخاطبة العوام بلهجات العوام. أما العوام فلن يستطيعوا مخاطبة الخواص بلغة الخواص. ونتيجة هذا أن سيكون دائمًا بين رخيص اللغة وثمينها عموم وخصوص مطلَق، كل رجل من الخاصة يتكلَّم العامية، أما رجل العامة فلا يتكلَّم إلا العامية، وهذا وضع له أثره وله قوته في مناهضة جهود مَن يعملون على إحياء الفصحى. هذه القوة المُعاكسة لا بد من الاستعانة عليها بشيء ذي أثر. أنت تقول القواعد، ولكن القواعد نظرية، والنظريُّ وحده لا يفيد. هبْك طبعتَ للناس كل كتب النحويين من عهد سيبويه إلى الآن، وهبك بسَّطتها وسهَّلتَ مواردها ثم عرضتَها عليهم، فهل تظنُّ أن أحدًا يقرؤها؟ لا تظن. إنما هي تبور في أيدي الورَّاقين؛ ذلك أن السواد الأعظم من الجماهير لا يهتم بالأمور النظرية ولا بما تُمثِّل لقواعدك من: ضرب زيدٌ عمرًا، أو أكلت السمكة حتى رأسها. لأنها أمثلة تجريدية كاذبة لا حقيقة لها ولا غناء فيها، إنما هذا السواد يهتمُّ للأخبار الطارئة والحوادث الجديدة والأقاصيص المسلية؛ فهو يتمنى أن لو استطاع قراءة الجرائد والمجلات والقصص الروائية حتى يعرف أخبار بلده وأخبار العالم الخارجي، ويُرطِّب مزاج نفسه المكدودة. هذه العاطفة هي التي عليك أن تستغلَّها، وهي وحدها مناط الاستغلال. اجعل الصحُف والمجلات وكتب الروايات والأقاصيص مكتوبة كتابة سهلة الانفهام مُستوفاة الحركات والسكنات الأصولية، لا يتعثَّر فردٌ في قراءتها، ولا يشذُّ فرد في هذه القراءة عن فرد، اجعلها كذلك تكن هي أداتك العملية في البناء؛ يَقرؤها المثقفون والعوام مدفوعين جميعًا بغريزة حب الاستطلاع والاستجمام، مُتخيرًا كلٌّ منهم ما يوافق هواه ودرجة عقليته. ومتى طال بهم الزمن وقراءتهم صحيحة الأداء، تمكَّنتْ عند المثقفين نظريات القواعد، وأصبحت الفصحى قريبة من أن تكون لهم سجية، وتحسَّنت حال العوامِّ واقتربوا من أن يفهموا الخواص إذا خاطبوهم بالفصحى، وربما نشط بعضهم فعالج مِن أمر الفصحى وقواعدها النظرية ما يُعالجه المثقفون. وهذا الوضع هو أقصى ما يصحُّ لمثلك ومثلي أن نطمع فيه، فإن اتَّسع وارتفع بالزمن فبها، وإلا فالطفرة عليك وعليَّ — اعتمادًا على مجرد القواعد النظرية — هي من المحالات وكواذب الآمال.

أنت في هذا المقام تخشى زيادة الضرر لو استكمل الرسم آلات الحركات، لكن اسمح لي أن أقول لعلَّك واهم. إنَّ مؤلفي الكتب الأدبية ومديري الجرائد والمجلات في يومنا الحاضر هم في الصف الأول من مُجيدي العربية. وكلما طال الزمن كانوا فيها أرقى وأكمل. هؤلاء الكمَلة هم الذين يَطبعون للناس ما يقرؤه الناس، وهم لا يَطبعون — كما نشاهد — إلا الصحيح عربيةً كل الصحيح. فأنت يا سيدي تخاف بلا موجب. إنَّ من القواعد الحكيمة أنَّ اليقين لا يزول بالشك. ومِن اليقين أنَّ وضع حروفٍ أو علامات للحركات مفيد من وجهين؛ إبراز معاني الألفاظ في العبارات، وتعويد الناس صحة الأداء. هذا اليقين المُفيد تريد أنت إزالته بما يحتمل وقوعه من الفساد اللغوي لو أنَّ الكاتب كان غير ملمٍّ إلمامًا تامًّا باللغة وقواعدها. إنَّ هذا من جانبك مجرَّد افتراض، وهو افتراض لا أُسلِّم لك به تسليمًا مطلقًا؛ لأنه إذا كان صحيحًا في الذهن فهو لا يُمكن — في الواقع — أن يصحَّ على إطلاقه، ولا أن يَدوم على إطلاقه. إنه إذا خرَج من الذهن إلى ميدان الواقع أكل بعضُه بعضًا فتهافَت. إنَّ الجريدة إذا كَثُرت فيها الأغلاط لأي سبب كان، سقطت في نظر الناس وكسَدت، فاضمحلَّت وماتت، ومثلها الكِتَاب. ويتأكَّد تهافتُهما وموتهما إذا تيقَّن القراء أنَّ أصحابهما هم من الدرجة الواطئة في علم العربية، على أنَّ الحق في هذا الداء الذي تبني عليه افتراضك أنه داء لا شأن له بالكُتَّاب. وعلاجه لا يصحُّ أن يكون بإزالة اليقين الجوهريَّ المفيد، بل يكون بالبحث عن علَّته والقضاء عليها. وأنتَ إذا بحثتَ تأكَّدَ لك أن واضعي الكتب ومحرِّري الجرائد ليسوا هم الذين يُخطئون في الأوضاع العربية كما تَفترض، إنما المُخطئون هم عمال المطابع صفافو الحروف. سل صاحب المجلَّة التي نشَرت ردَّك يقل لك إنه يُصحِّح التجربة (البروفة) الأولى، ثم يعود فيُصحِّح الثانية، ثم يعود فيُصحِّح الثالثة، حتى ينفد صبره ويحلَّ ميعاد إخراج الصحيفة فيخرجها آسفًا على ما أبقاه الصفَّافون فيها من الأغلاط.

على أني يعزُّ عليَّ أن تمرَّ المسألة من غير أن أقول كلمةً لإنصاف الصفَّافين، وهي كلمة سبَق لي الجهر مرارًا بها، إنهم عمال مَعذورون، يجهد العامل منهم أضعاف أضعاف ما يجهد زميله في البيئات الأجنبية. ولا يَنال من الرزق إلا دون الدُّون. للحرف الواحد عنده هياكل أربعة، وله هيكل واحد عند ذلك الزميل، فرأسُه تَدوخ من كثرة التلفُّت لصناديق الحروف، والدائخ عرضةٌ للأخطاء حتى ولو كان بالغًا في فقه اللغة درجة المحرِّرين. فما تراه في الصحف أو الكتب من الأغلاط، وما تراه في كتبنا جميعها من الصَّحائف المتعدِّدة التي توضع بعد الطبع لتصحيح ما سرى فيها من الأخطاء، كل ذلك سببه لا المحرِّرون بل الصفَّافون المعذورون. والعلة الأولى لخطأ الصفَّافين هي تلك العاهة المُستديمة الملازمة للرسم العربي، والتي تشتد عقابيلها إذا أضيف إليها شيء من «الشكلات»؛ لأنَّ صناديق الرموز تزداد، والدُّوار يزداد، والأخطاء تزداد. وهذه الحقيقة هي من جملة الدوافع التي دفعتْني لاقتراح الحروف اللاتينية لرسم العربية. وأنا يا سيدي إذا كنتُ أعيد تقريرها الآن فلمجرَّد إنصاف الصفافين، بعد أن برَّأتُ المحرِّرين، ثم للتبصير بحرج المركز الذي نحن فيه، لعل لكم بالعراق رأيًا يُخرجنا جميعًا من هذا السوء.

إلى هنا أظنني بيَّنتُ:
  • أولًا: أن طبائع الأشياء ذاتها قاضية في رسم اللغة أن تكون صورتُه كاملةً مستوفية كل ما يدلُّ على نغمات الألفاظ وعلى حركات هذه النَّغمات، وإلا كانت صورةً بتراء تؤدِّي إلى كثير من الشرور.
  • ثانيًا: أن ميول الإنسان متَّجهة في رسم اللغات إلى الإفصاح والبيان، كما تدلُّ على هذا حوادث التاريخ.
  • ثالثًا: أنَّ جميع أمم الحضارة تَعدُّ اختراع اليونان لحروف الحركات تقدمًا عظيمًا، وكلها تستعملها إلى الآن بعد أن نقلتْها فيما نقلتها عنهم من الحروف.
  • رابعًا: أن ميل أهل العربية بخصوصهم اتجه دائمًا نحو تكميل رسمهم الاختزالي بما تتمايَز به الحروف، وبما يُفصح عن حركاتها في الكلمات.
  • خامسًا: أن تكميل الرسم بما يضبط عبارات اللغة ويمكِّن من قراءتها على الوجه الصحيح المطابق لأوضاعها المقرَّرة، يزيد التطلُّع إليه والمطالبة به كلما رقيَت اللغة واعتزَّ بها الناس في بيئة من البيئات. وأن هذه من الظواهر الاجتماعية التي لا تتخلف.
  • سادسًا: أن مِن أثر هذا التكميل توفيرُ وقت القارئين، وإعانة المثقَّفين على أن يُثبِّتوا بالعمل ما يتلقَّون من نظريات القواعد، وعلى حصولهم بالمرانة مع الزمن على سجيَّة الفصحى، ثم تقريب العوام بقدر الإمكان من لهجة الخواص. وهذا أقصى ما نطمَع جميعًا فيه.

والنتيجة من كل هذا أنَّ إصلاح رسمنا العربي القاصر وجعله وافيًا ببيان حركات الحروف في الكلمات ليس في عصرنا الحاضر — عصر تنبُّهنا للعربية واعتزازنا بها — زخرفًا ولا تقليدًا اعتباطيًّا، بل هي ضرورة من الضرورات نحن مَدفوعون إليها دفعًا نفسانيًّا لا يُقاوَم ولا يُصادر، ولا تستطيع أن تقف في سبيله أية عقبة من العقبات، ما دُمنا جادِّين في حماية الفُصحى لا هازلين.

يزيد في قوة هذه الضَّرورة، بل يجلِّيها ويُبرزها للعيان، أن العربية — على ما أعلم — وعلى ما أشرت إليه في مقالك القيِّم، هي بين لغات العالم أقوم لغة مُعربة. وأُضيفُ إلى هذا أنها لغة دقيقة التصريف محكمته. ولازمُ هاتَين الخصوصيتَين ما تراه فيها من المرونة. قدِّم الفعل على الفاعل، أو الفاعل على الفعل، وأخِّر المفعول عنهما، أو قدِّمه عليهما. كل هذا تستطيعه في العربية ولا تستطيعه في غيرها؛ لأنَّ المعوَّل في العربية، لا على مكان اللفظ ومرتبته في الجملة، بل على حركات الإعراب، فهي وحدها التي تدلُّك على وظائف الألفاظ في الجُمل. إنك في العربية تقول: «قام زيد – زيد قام – ضربتُ زيدًا – زيدًا ضربت.» وقلَّ أن تقول مثله في لغة أخرى. كما أن حركات الحروف هي التي تبيِّن لك صيغة اللفظ ومعناه، بل إن مجرد اختلاف حركة الحرف بعينه تَقلب الفعل من متعدٍّ محتاج لمفعول إلى لازم مُكتفٍ بفاعله. إنك تقول: «ضَرَبَ – ضُرِبَ – مضرَب – مضرِب – ضارَبَ – ضارِبٌ – ضَرْبة – ضِرْبة – دَهَش – دَهِش … وهكذا.» ولكلٍّ من هذه الألفاظ المُتماثلة الهياكل معناه الخاص، لا يميِّزه إلَّا الحركة. وأنت لو تصفَّحتَ أي كتاب من كتب نحو العربية لألفَيت معظم ما به كلامًا على المرفوعات والمنصوبات، وعلى نواصب المضارع وجوازمه، وعلى الجر وعوامله، وباقيَ ما به كلامًا على المبنيات المحرومة من الحركة أو من تعدُّدها. فالحركات قوام اللغة العربية وعماد أبنيتِها، أو هي على التحقيق روح العربية، على حين أن نغمات الحروف ليست إلا جسمها، وكل جسم بلا روح فهو ميِّت. إن مِن الأوضاع المنكرة أن يُعنى ناس بالجسم الميت الصامت دون الروح النابضة الناطقة، لكنا نحن نفعل هذا في لغتنا، نرسم جسمها الميِّت ونترك الحركات التي هي روحها مع قدرتنا على رسمها، نرسم جسمَها وحده ونتركه جثة هامدة على قوارع الطرُق يَستنطقه المارة كيما يعرفوا هُوِيَّته ويردوه إلى أهله، فلا ينطق؛ لأنَّ الميت لا ينطق، فيَحارون ويفرضون الفروض ويَحزرون الأحازير حول مسقط رأسه. وإذ كان لا بدَّ لهم أن يَنتهوا حتى يخلُوَ الطريق، فإنهم يقفون عند احتمال من الاحتمالات. هو نصراني فليُسلَّم لقسُس النصارى، أو هو مسلم فليُدفن في مقابر المسلمين، أو لا مسلم ولا نصراني ولا يهودي، بل هو من أولاد الجان، وعندئذ يتركونه خائفين من إبليس ومن أولاده الشياطين. هكذا الشأن في لغتنا ورسمها، لا تقرأ كتابًا من كتبها الأدبية إلا يُصادفك فيه مراتٍ قولُ مؤلفه أو شارحه: «إن كان هذا اللفظ بالكسرة، كان المعنى كذا، وإن كان بالفتحة كان المعنى كذا.» وإذا وجد المؤلف أن المعنى ركيك على كلا الفرضَين، فرَّ من الموضوع قائلًا: «والله أعلم.» كما فر أولئك السابلة من جثث الشياطين.

إن حسبتَ أن هذا التمثيل مُبالغ فيه، مع أني أسوقه مدعومًا بالدليل الذي لا يستطيع أحدٌ له إنكارًا، فإني — ابتغاء مرضاتك — أضع بين يدَيك تمثيلًا آخر. إن الذهب والحديد والنُّحاس إذا كان لها وزن عند خروجها من مَناجمها فليس لها جسم معيَّن، والوزن وحده والجسم المُبهم الأقطار لا يأبه لهما الإنسان؛ لأنَّ الحجر والطين، من أي محجر أو مرقد، لهما أيضًا وزنهما، ولهما أجسامهما المُبهمة الأقطار. لكن تلك المعادن يكون منها، من الذهب الدينار والدملج والسوار والخاتم والخلخال، ومن النُّحاس أدوات الطهي ودقيق الأنابيب، ومن الحديد آلات الزراعة والمصانع والسيوفُ وأسنَّة الرماح. وأنت إذا أردتَ الحصول على شيء منها فإنك لا تقول للصائغ: أعطني رطلَ ذهب، ولا للنحَّاس: أعطني رطل نحاس، ولا للحدَّاد: أعطني رطل حديد؛ لأنه يهزأ بما تقول. لكنَّك تحدِّد فتقول: دُمْلجًا ذهبًا، أو إبريق نحاس، أو سيفًا من الحديد الصلب، فأنت مضطرٌّ بطبيعة الأشياء إلى تحديد صورة المعدن الذي تريد. ولكنَّك في رسم العربية لا تحدِّد شيئًا، إنك تعمد إلى منجمها، وهو الأبجدية، فتقتَطِع منها الوزنة التي تريد، وتتركها على القرطاس جسمًا هامدًا منكَّر الأبعاد، هَيُوليٌّ بلا صورة. والصورة، كما رأيتُ في تلك المعادن، هي وحدها المميِّزة بين الأجسام، بل إنَّ فعلك في العربية أشنع؛ لأنَّ السيف إذا انْفلَّ فلن يزال له شبًّا يقطع الضريبة ويؤدي الغرض. أما رسم اللغة إذا اختلَّ فقد يَنْقُل المرء من العراق إلى اليابان، وهو يريد بلاد الأمريكان، بل قد ينقله من حضرموت إلى جهنم الحمراء من حيث لا يحتسب. أرأيتَ إذن أنَّا نسير في رسم لغتنا على نهج يَرفضه العقل وترفضه طبيعة الأشياء، وكله مخاطر في مخاطر؟ إذن لا بدَّ لنا من أن نستوفيَ صورته استيفاءً مفصحًا مبينًا بأية طريقة من الطرق، على شرط ألا نزيد في وطأة عاهته المستديمة التي وضعته أمه مُصابًا بها، بل نخفِّف من شدتها إن لم نَستطع أن نشفيه منها تمام الشفاء، وإن لم يُعجبْك قولي فأؤكِّد لك أنه يُعجبني أنا، ولا حجة عليَّ في نفارك، لك دينُك ولي دين.

لستُ أُنكر أن المتعلِّمين — بل أنصاف المتعلمين، بل أرباع المتعلمين — يقرءون الآن الجرائد والروايات، ويفهمون ما فيها. ولكني أُنكر أنهم يقرءونها باللسان الذي خلقه الله للنُّطق والإفصاح. إنهم إنما يقرءون بحاسَّة البصر دون اللسان، إنهم تعوَّدوا أنَّ الصورة الفلانية تدلُّ على المعنى الفلاني، فهم يَنظرون في الصحيفة فيفهمون دلالات الصور التي اعتادوها، لكن إذا اضطرُّوا لسبب من الأسباب إلى أن يُعْمِلوا اللسان، نطقوا بهذه الصور كما يَنطقون بها في لهجتِهم العامية المفسدة لحركات حروف الكلمات والخالية عن حركات الإعراب؛ لأنَّ تلك الصور مجرَّدة عما يُرشد إلى شيء من تلك الحركات. وهذا الوضع الناشئ عن قصور رسم الكتابة لا يقدِّم الفصحى قيدَ شَعرة، بل هو يؤخِّرها درجات. ومن لوازمه أن تبقى الفصحى أبد الأبيد منكَّرة المعالم، مختلة الأوضاع في لفظ اللسان. وهو شذوذ لا نظير له عند أكثر من عدانا من خلق الله.

أفْهَمُ أن ترتأي جعل رَسمنا الحاضر لقراءة العوام، وأن تُعدِّله لقراءة الخواص، فيكون قولك منطقيًّا يدعمه أن نقل لغة العوام إلى لغة الخواص جدُّ عسير. ولكن الذي لا أفهمُه أن تَرتأي تعميم الفصحى مع استبقاء الرسم الحالي الذي لا يتَّفق إلا مع لهجة العوام.

أما ما أشرتَ إليه من أنَّ الإفرنج اخترعوا الكتابة الاختزالية توفيرًا لوقتهم الثمين، وانتزاعك من هذا الإجراء دليلًا لاستبقاء رسمنا العربي على ما هو عليه، فإن هذا من جانبك إقحام لموضوع على موضوع.

إن العقل الإنساني اليوم في طَور من أطوار التنبُّه والاستيقاظ، تكثر فيه دور العلم ومخترعات العلم والمُحاضَرات التي تنشر العلم، كما تكثر فيه الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من مستلزمات الحضارة. وهذا من لوازمه تطلُّع الناس إلى أخبار كل تلك البيئات، فهم يتلهَّفون على معرفة ما يُقال في المجالس النيابية أو في المحاضَرات العلمية وغير العلمية. وبريد الأخبار الصحُف، فهي تَتبارى في هذا المِضمار، كل صحيفة تُحاول سبق غيرها في نشْرِ مهمِّ الأخبار، وفي أن يكون النشر كاملًا، يَحْفِزها إلى المحاولة أن حظها من ميل القراء ومن مالهم إنما يكون بمقدار سبقها إلى النشر وإلى توخِّي الكمال فيه. فإذا شهد محرِّرو الصحف جلسة من مجلس العموم البريطاني أو مِن مجلس النواب الفرنسي مثلًا، كان أسرعهم يدًا في الكتابة هو الذي تفوز صحيفته بالسبق إلى النشر المستتبع للربح المادي وذيوع الصيت. لكن المحرِّر مهما يكن سريع حركات الأصابع فإنه لا يستطيع أن يكتب كل ما يقول الخطيب. وإذا كانت المَجالس لا تُخرج مضابطَ جلساتها إلا مستوفاةً أو قريبة من الاستيفاء، فليس موظَّف واحد هو الذي يكتب، بل ثلَّة من الموظفين يتضافَرون على كتابة كل خطبة أثناء إلقائها، وما يَفوت البعض يكون في الأغلب لم يفُتِ البعض الآخر. ثم هم مِن بعد يُراجعون ويضاهئون فتتكامل لهم الخُطب كما قيلت أو تكاد. وهذا هو الجاري عندنا الآن بمصر، لكنَّ الصحُف لا تستطيع أن تُرسل عدة من المحرِّرين لحضور كل مجلس أو لشهود كل محاضرة هامة في أحد النوادي أو في إحدى الجمعيات. فمسَّت الضرورة إلى إيجاد وسيلة يُختصر بها رسم الكتابة، حتى يستطيع المحرِّر الواحد متابعة الخطيب وضبط عباراته، فبحث الباحثون فاخترعوا الكتابة الاختزالية، فاستعملها محرِّرو الصحف، بل موظَّفو المجالس النيابية أيضًا، هي مجرد إشارات بسيطة تدل على كلمات أو مقاطع كلمات. والظاهر — كما تقول — أنه لا يمكن إتقانها ولا الركون إليها. والواقع المعلوم أيضًا أنها لا تُعرض على الجماهير، ويستحيل أن يلزم بها الجماهير. إنها شبه مُفكِّرة وقتية، حياتها ساعة من نهار أو من ليل. لا تعيش إلا ريثما يَنقُلها المحرِّر لصحيفته أو الموظَّف إلى مضبطته بالرسم المعتاد ثم تُطوى أو تمزَّق. والرسم المعتاد عندهم هو رسم لغتهم مستوفيًا أصوله المقرَّرة لديهم. ولم يَحدث إلى الآن أنَّ أمة من تلك الأمم المتحضِّرة عدلت عن رسمها المعتاد واتخذت رموز الاختزال لرسم كتابتها، بل كل صحُفها وكتُبها ومخطوطاتها هي برسمها ذلك المعتاد. فأنت يا سيدي إذ ترى لنا الاحتفاظ برسمنا الاختزالي لمجرَّد أن الإفرنج اخترعوا الاختزال، لا تُراعي في رأيك هذا تماثُل الأوضاع، إنك تُسقط من حسابك أن لهم رسمًا مُعتادًا مستوفيًا مُفْهِمًا، وأنهم لا زالوا ثابِتين عليه. أما نحن فمَحرومون من هذا الرسم المُفْهِم. وتَحذف من حسابك أنَّ اختزالهم وضْعٌ استثنائي لا يَتناوله إلا نزر يسير من مخبري الصحف وأمثالهم، وأنه وضْع مؤقَّت قصير العمر يموت بطبعه بمجرد نقله إلى الرسم المفهوم المُعتاد، ولا شأن له ألبتة بالجماهير؛ فاستدلالك في مقالك القيِّم بحكاية الاختزال Sténographie هو — كما قدمتُ — إقحام لموضوعٍ على موضوع ولا استِدلال لك فيه. أفهم أن تَقول إنَّ علينا أن نعدِّل رسمنا الحاضر ليكون مُفْهِمًا محقَّقًا لصحة الأداء كما هو الواجب، ومتى كان لنا بعدَ هذا التعديل رسم مُستوفٍ، اتخذناه في مخطوطاتنا ومطبوعاتنا العادية، ثم عمدنا إلى الرسم الحاضر فاختزلناه أكثر مما هو واتخذناه هو لاختزالنا السريع. أفهم هذا، وقد أوافقك عليه إن استطعتَ أن تُحقِّقه، أما أن تَستبقي رسمنا الحاضر المضلِّل وتحتج بما اخترع الإفرنج من الاختزال، فاسمح لي أن أقول إنه مجرَّد كلام عائم لا يُخرجنا من الضيق الذي نحن فيه. وإذ أقول لك: «قد أُوافقك عليه إن استطعت أن تحقِّقه» فإني لستُ عليك ولا على الحق بمُفتاتٍ. إنَّ المجمع قد تواردت إليه اقتراحات كثيرة لتيسير الرسم العربي، أمْثَلُها أحد عشر ترى صور نماذجها من بعد، وكلها رفضتْها اللجنة المختصة، وغير باقٍ تحت النظر سوى مشروع حضرة الجارم بك.

أما ما تراه من ضرورة تبسيط قواعد العربية فهذا موضوعٌ قائم برأسه اشتغلت به وزارة المعارف المصرية وعيَّنت له لجنة من كبار أساتذة العربية بمدارسها وبكلية الآداب بجامعة فؤاد. واشتغل به بعض أساتذة هذه الكلية وبعض المعلِّمين بمدارس الحكومة شغلًا انفراديًّا. ولا زال موضوع عملهم قيد الفحص لدى اللجنة المختصة بالمجمع. ومن المأمول أن يتقرَّر فيه بعض الشيء ويُعرَض على المؤتمر في دورته المُقبلة ليتصرَّف بما يراه. ولا أستطيع أن أُبدي لك رأيي في الطريقة التي تُريدها لتبسيط القَواعد، فإنَّ مسألة القواعد ليست كرسم الكتابة خارجة عن جوهر اللغة، بل هي مسألة دقيقة جدًّا لرجوعها إلى ما يتعلَّق بلبِّ اللغة وجَوهرها. وكل ما أستطيعه هو أن أَعدُك أني بعد انتهاء أشهُر الصيف وعودة مجلس المجمع إلى الانعقاد، سأعمل على عرض فكرتك عليه منقولةً بالحرف الواحد عن «المجلَّة». ومن الجائز كثيرًا أن يُحيلها المجلس على اللجنة المختصَّة المذكورة لبحثها مع غيرها مما هو مُحالٌ عليها في هذا الشأن من الاقتراحات.

وإني يا سيدي لأشكر لك جزيل الشكر ما أظهرت من الغيرة على لغتنا العربية، وما حاججْتَ بكل فطنة ورجولة ونزاهة واتزان.

الثالث والعشرون: إلى حضرة الأستاذ يوسف العش:

شدَّ الله في ميدان الأدب أزرك، وأكثر من أمثالك الغُيرُ على العربية، المنقِّبين في مراقدها لإيقاظها من غفوتها، ووقاك في عملك الزَّلل، وجنَّبك فيه العثار. تحية يُعجلني إليها ما استفتحتَ به مقالك المنشور في مجلة «الثقافة» من تلك العبارة المُنصفة التي تُقنع مخالفيك باستقامة ضميرك، وتُشعرهم الأمَنَة وعدمَ التثريب عليهم في مُحاجتك، مهما يفيضوا في التقرير والإيضاح.

أما بعد، فإنك في المشكلة القائم فيها الخلاف، قد استصرخت عليَّ «العلم» و«الفن»، وأشرتَ إلى أنك لن تَستنصِر إلا بهما، ولن تعوِّل في محاجَّتك إلا عليهما، حتى إذا ما قضَيا عليَّ كان قضاؤهما حاسمًا لا تعقيب لي ولا لغيري عليه.

إنك بهذا التحكيم قد أزعجتَني حقًّا؛ فإني متى ذُكر «العلم» ضممتُ إليَّ ما اتسع من ثيابي، وتكمَّشتُ وتراجعت أمام هذا اللفظ الرهيب، مُحسًّا كأني حصاة ملح تذوب؛ ذلك أني عالجت شيئًا من العلم في منحي ليس هو مراد العلم الصحيح، بل هو شيء قريب من واديه. وكلما أوغلتُ ازددت يقينًا بعجزي وإيمانًا بقوله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فأنا يا سيِّدي لا أخشى أحدًا في هذا الوجود إلا العلم والعلماء، ولا أدين بعد عزة واجب الوجود إلَّا بعزَّة العلم والعلماء، ولا أنصاع وأُلقي سلاحي إلا أمام كلمة العلم والعلماء. إذا علمتَ هذه الحقيقة أدركتَ أني — عقب تلاوة عبارتك تلك — هلَعْتُ وظللتُ خائفًا أترقَّب، وكدتُ أقضم الجزء الأول من مقالك قضمًا، وألتهمه التهامًا. ثم انتظرتُ أسبوعًا مُشفقًا قلقًا حتى ظهر الثاني، وأسبوعًا آخر على مثل الشوك حتى ظهر الثالث. بحثتُ ثلاثتها وفحصتها وفَلَيتها، وأكلتُها وشربتها؛ لعلي أشعر في شيء منها بأثر للعلم الذي أشرتَ إليه، في المشكلة القائم فيها الخلاف، فأستكين وأخضع صاغرًا، ولكني مع الدهشة الشديدة، أو الاستفاقة الباسمة، لم أجد لهذا العلم في أيها أثرًا، لا مُرهَفًا قاطعًا ولا مثلومًا غير قاطع، فخرجتُ موقنًا بأن حبَّك للعربية، وامتلاء عواطفك بجمال رسمها الحالي، وخوفك انقطاع الصِّلة بين حديثنا والقديم، كل تلك الطبائع المحمودة في ذاتها قد استجمعتْ لك على أشد ما تكون، فحرَفتْ نظرك، فخِلْت قيام علمٍ حيث لا علم. وأنا وغيري يصدق علينا دائمًا قولهم: «حبُّك الشيء …»

إي وربي، إنه ليلوح لي أنك لولا تحكُّم تلك الطبائع الجميلة فيك لقرَّرتَ بكل بساطة أن الكلام ما دام في رسم الكتابة وضرورة تصوير نغمات الألفاظ واتجاهاتها — على ما يَنطق به أهلها — تصويرًا دقيقًا، يُستعان فيه إما بإشارات «الشكل» المعروفة أو غيرها، وإما بحروف للحركات، لاتينية أو غير لاتينية، فإن العلم لا دخل له في شيء من هذا، بل إن جرجرتَه إلى مثل هذا الميدان تُنزله من عرشه وتُسقط هيبته.

أنت وأنا نذهب إلى السوق لنَشتري سريرًا لطفلٍ، أو كرسيًّا لمريض كسيح، أو ثوبًا لرجل أو لسيدة، فلو أنَّا — في أيِّ ما أردنا من هذا — توقفنا حتى يقول العلم والعلماء، لضاقت علينا الأرض بما رحبت، ولكفرنا بالعلم والعلماء. إنما نحن في كل هذا نعتمد على البديهيات الحاصلة لنا بغريزتنا الإنسانية، وبما تكيفت وتربت به ملَكة الحكم عندنا من المُشاهَدات والمقارنات. فنحن لا نتخير للطفل إلا سريرًا صغيرًا يكون على قدر مَدَّته، ويستحيل علينا — عادةً — أن نختار له شيئًا من أسرَّة الكبار. والكرسيُّ ما دام لكسيح فإننا لا نَختاره إلا مما يجري على عجلات، ويكون مناسبًا لقد المريض وقعدته وضِجعته، موفيًا براحة جسمه. والثوب لا نتخيره إلا مما اعتاد الرجال لُبسه إن كان لرجل، وإلا فمما اعتادته النساء. وكل هذه أمور لا شأن للعلم بها، بل هي من الضروريات المسلَّمات.

لستُ أعارضك ألبتَّة في أن «للفن» دخلًا في هذه الأشياء؛ فإنها جميعًا تتفاضَل بجودة صنعها وعدم جودته، وجودة الصُّنع ورداءته من متعلِّقات «الفن»، وعلى حسبهما تغلو تلك الأشياء أو تَرخُص عند التقويم. أما «العلم» فميدانه ميدان آخر، إنه ينقِّب عن المجهول من الحقائق فيكشفه ويضع له ما يصل إليه من القوانين الكلية المجرَّدة. ومشكلتُنا إن رجعت إلى شيء فلا ترجع إلا لمجرَّد الفن التنفيذي. والفن إن لم يُرضِ السمع والبصر وباقي الجوارح، وميول النفس وفضيلة الإتقان ويلائمها، كان فنًّا رديئًا.

على أني، مع احترامي لشَخصك وتقديري لعملك ولكمال إخلاصك فيه، مُناقشٌ عباراتك في ذلك الجزء الأول، كما سأُناقش أقوالك فيما بعده.

إنك بعد أن استرهبتني بتحكيم دلائل العلم، بدأتَ الكلام في الموضوع، فحصرته إجمالًا في أربع مسائل؛ الأولى: النظر في الحروف اللاتينية هل هي صالحة كل الصلاح؟ والثانية: إن لم تكن كذلك، فهل هي أصلح من الحروف العربية؟ والثالثة: إنه لا بدَّ من النظر فيها (أي العربية) هل تَصلُح بطرائقها لتأدية الحركات؟ والرابعة: هل في الإمكان درء نقص الحركات دون الالتجاء إلى الحروف اللاتينية؟

فعن المسألة الأولى تفضَّلتَ فقلتَ:
  • أولًا: إننا، نحن الشرقيِّين المفرطين في الإعجاب بوسائل الغرب، إذا نظرنا في صلاح الحروف اللاتينية بذاتها وبأصلها، فقد يخيَّل إلينا أن هذا الصلاح أمر لا يقبل الجدل.
  • وثانيًا: لكن الحروف اللاتيني يأبى إلَّا أن يقرَّ بضعفه. وهنا أوردتُ تأييدًا لنظرك أقوالًا لبعض الاختصاصيِّين من الأوروبيِّين ينعون فيها عُوار حروفهم لتعقد أشكالها وعدم وضوحها وصعوبة قراءتها، ويقولون: «إنَّ الساعة أزفت لقطع الصلة فيها مع الماضي.» ثم استدركت على هذا بقول لأحد هؤلاء الاختصاصيِّين يهيب بقومه «أن لا يُغرقوا في الاعتراض على خطِّهم اللاتيني، وفي طلب الابتعاد عنه.»
  • وثالثًا: إنَّ تلك الحروف لو كانت — مع تعقُّد شكلها وإتعابها النظر — تؤدي الأصوات كما يجب أن تُؤدَّى، فتعوِّض بحسن التأدية ما تضيِّعه برداءة شكلها، لهان. ولكنه ليس من الصحيح أنها تقوم بهذا الغرض كما يُظن، بل إن أهلها عابوا قصورها في هذا الصدد أيضًا، وحاولوا أن يستبدلوا بها حروفًا أخرى، فتشعَّبت بهم المسالك، ولم يستقرَّ رأيهم على شيء.
ذلك حاصل ما أوردتُ في المسألة الأولى. وإليك ردِّي أجريته على ترتيب قولك فقرة فقرة:
  • أولًا: (١) ما أظنُّك جادًّا حقَّ الجدِّ في حكمك على الشرقيِّين بإفراطهم في الإعجاب بوسائل الغرب، ذلك الحكم العام المطلَق الذي لا مَثنَوِيَّة فيه. ولعلَّ هذه الفكرة نتيجة استقراء لأحوال أُناس تعرفهم أنت يا سيدي، ولكنه استقراء ناقص. وأنت — كما توسمتُه فيك — من خير من يعرفون أن التعميم لا يجوز إلا بعد الاستقراء التام. أما الناقص فحرامٌ على فاعله التعميم، إنك لو قرأتَ للأستاذ محمد أديب العامري العماني مقاله «تطور الأساليب الفكرية»، المنشورة في «الثقافة» بالصحائف السابقة مباشرةً للجزء الأول من اعتراضك المجوَّد، لكنتُ من سابق تحصيلك وواسع إحاطتك على ذكر، ولوافقتَني فيما أقول.

    (٢) على أني لستُ أتعرَّض لحُكمك هذا إلَّا تذكيرًا بمقرَّرات العلم الذي تجهد أنت — بحقٍّ — في إكباره واللجوء في الشدة إليه. أما فيما يتعلَّق بشخصي فإنه حكمٌ لا يمسُّني في كثير ولا قليل؛ لأن خطئي وحده — لا خطأ الناس — هو الذي يَحيق بي أثره وتلزمني مغبَّته، وفوق هذا فقد جاملتَني بما أوردتَ في صدر بيانك من أنَّ المساجلة فيما نحن فيه إنما «هي نضال شريف» يسعى فيه كل فريق لتحقيق الخير لأهل العربية. فهذه المجاملة — التي لا أشكُّ في أنك تَقصد معنى عبارتها على وجه الحقيقة التي لا مجاز فيها ولا منفَذ للتأويل، والتي شكرتُك وأكرِّر لك الشكرَ عليها — تُخرجني من هذا الحكم الذي تسرعتَ فيه بالتعميم المسوَّر بأمتن الأسوار، وتُبيح لي الاقتناع بأنه ليس سوى «سبقةٍ» من سبقات القلم الذي كثيرًا ما يفجأ القلب بالشرود؛ لأنه شظيَّة من حديد لا عقل لها.

    (٣) على أنه إذا راقك أن تَعرف دخيلة أمري كيما تستعين بها مستقبلًا في استقراءاتك، فاعلم — وفَّقك الله وإياي — أني داخل في تعميمك، ولكن بقَيد له مِن حديد، كريشتِكَ الحديد، قيدٍ مبهَم أصمَّ أكمَه، لا يَسمع ولا يُبصر، ولا تَستطيع أنت ولا غيرك له فكًّا، ولا لي من أزْمته فكاكًا. أو أني — على الأصحِّ — خارجٌ عن التعميم بهذا القيد المُصمَت المِكباح، ذلك هو قيد العقل. فما يَراه عقلي من مناحي الغرب حسنًا فإني صائر إليه جهدي، ما دام لا يمسُّ كرامتي وكرامة قومي. وما يراه منها قبيحًا فإني أخسؤه عني ما وسعت طاقتي.

  • ثانيًا: (١) ليكن الحرف اللاتيني معيبًا في شَكله وعدم وضوحه وصعوبة قراءته، ولتكن أقوال الأوروبيِّين مُتضاربة في هذا الصدد — كما رويتَ — أو غير متضاربة، فأين هو العلم أو دلائل العلم الموصِّلة لإدراك ما به من هذه العيوب؟ إنَّ الحرف رسم اصطلاحي يُدرَك بالنظر، فإن كان مُرتبكَ الصورة غير واضِحها، فنظر مستعمليه كافٍ وحده للفصل في هذا الخصوص. والنظر حاسَّة مشتركة بين جميع القارئين، علماء مبرَّزين أو أناسًا عاديِّين غير مثقَّفين. وإذن فلتستبعد من هذه المناقشة عبارة «دلائل العلم» ولتمحُها بالقلم العريض؛ فإنَّ إقحامها هنا تجاوُز وظلم عظيم.

    أليس كل ما في الأمر أن المشتغلين من الفرنجة بهذا الموضوع راقبوا الواقع فدوَّنوه وشكوا منه وسعَوا في إزالة ضرره، ولكن — كما تقول — لم يَصلوا للآن إلى وضع مُرضٍ يقع عليه الإجماع؟ ومن ذا الذي يَزعم أن تقرير الواقع والشكوى منه يُسمَّى «علمًا» أو «دلائل علم»؟ إننا في مصر نشكو من زمن طويل من قصور رسم العربية، ونسعى في إزالة ضرره. فأيٌّ هو العلم أو دلائل العلم في تقرير هذا الواقع عندنا وفي الشكوى منه؟ لو ادَّعينا في مصر شيئًا من هذا لكان إيهامًا باطلًا، ومجازفةً كبرى تُعمِّي معنى العلم وتضلِّل فيه الناس. لو ادَّعينا لكانت مَكاتب الضابطة (البوليس) والنيابة العامة، وأقلام كتاب المحاكم، مملوءة بالعلم ودلائل العلم؛ لأنها غاصة ببلاغات وعرائض دعاوى تقرِّر الواقع — أو ما هو مزعوم أنه الواقع — وتَشكو منه لذوي السلطان!

    (٢) إنَّ استدلالك مع خروج كل عناصره عن وادي العلم، ورجوعه إلى استطاعة كل القارئين من الأوروبيِّين، قد جعلتْك أمانتك في النقل تأتي فيه بالرأي وبضدِّه — تلك الأمانة التي أوقن بها، ولا أجد أقل داع أو ثمرة للمراجعة فيها — وأنت عليم بأن لقارئيك الحق في أن يأخذوا بظاهر قولك فيردوه عليك، وليس لك أن تُكلِّفهم الترجيح. وكيف يستطيعونه، وأولئك العلماء الأوروبيون أنفسهم — مع علمهم طبعًا بالدليل التفصيلي لمن يدَّعي ولمن يمنع — لم يستطيعوا للآن — كما تقول — الاتفاق على ترجيح شيء بعينه من جهة حسنِ شكل حروفهم ووضوحها، أو قُبحه وتعقُّدها؟

    (٣) وأرجو سيدي أن يلاحظ أني هنا لا أُبدي رأيي الشخصي، بل كل الذي أريد توضيحَه هو أنك في هذه النقطة لم تُثبت شيئًا، لا بدلائل العلم التي تَستنصِرها وتسترهبني بها، ولا بغير دلائل العلم. كل الذي أثبتُّه يَنحصِر في رواية عن بعض الأوروبيِّين أنهم ضجُّوا بالشكوى من تعقُّد شكل حروفهم وصعوبة قراءتها، وأنَّ البعض امتعَض من هذه الشكوى.

    (٤) على أني أترك هذه النقطة مؤقتًا وسأعود إليها بعد حين، إنما أرجو أن تسمح لي هنا بإبداء فكرةٍ، إذا كانت ليست في الموضوع تمامًا، فإنها متصلة به شديد الاتصال:

    إن العلة لتلك الشكوى — على ما أفهمه أنا، ولا أظنه لا يَخفى عليك — هي أنهم في علمهم وفنهم — لا في كثير من عاداتهم وأخلاقهم وأكاذيبهم في مناحي سياستهم وتغريراتهم فيها بالناس — قد بلغوا درجة عالية من الشعور بكل دقيق وجليل من الشئون التي تيسِّر لهم سبُل الحياة والاستمتاع بها، مما أحسدُهم أنا وأنت عليه، ولا أستطيع أنا ولا أنت ادعاءَه لأنفسنا في الوقت الحاضر. فإحساسهم اليوم بتعقُّد حروفهم من جهة شكلها، إنما هو وليد ذلك الرقيِّ في الشعور. والفكر الإنساني حُوَّلٌ ولَّاد، لا يقف عند حدٍّ في الطِّماح، بل يحكم على نفسه بنقص وسائله كلما رقِيَ وتقدمت به الأحوال. ألسنا نحن العرب — عقب ظهور الإسلام وإبان ازدهار حضارته — ضججْنا من رسم كتابتنا فأصلحناه بطرُق مُختلفة من الشكل، ومن قبل الشكل بالتنقيط؟ وهذا المعنى، معنى طموح الإنسان أو تنقله من وضع في وسائله إلى وضع آخر أكثر ملاءمةً له وصلاحية، هو العلة لكلِّ ضجيج وتغيير أو جنوح للتغيير. ولازم هذا المعنى الراجِع إلى الطبيعة البشرية، أن الكمال في الأعمال الإنسانية مستحيل، أو كما قال المهديُّ العباسيُّ:

    لا شيء في هذه الدنيا يُحاط به
    إلا إحاطة منقوصٍ بمنقوص

    وليلاحَظ أن كل ما سبق راجع إلى شكل الحروف اللاتينية لا إلى نغماتها الآتي عنها الكلام.

  • ثالثًا: (١) تقول إنَّ تلك الحروف اللاتينية مع عُوار شكلها فإنها لا تؤدِّي لمن يستعملونها ما لألفاظ لغاتهم من الأصوات؛ أي من النغمات واتجاهاتها. وقولُك هذا في جملته حقٌّ لا ريب فيه ولا جدال. ولا حاجة في تعرف صوابه لشيء من العلم ولا دلائله؛ إذ كل ملمٍّ بمبادئ لغتين أو أكثر من اللغات الأوروبية يُدركه تمام الإدراك.
    (٢) والعلَّة في عدم وفاء حروفهم بذلك الغرض الهامِّ أنها — كما لا يغيب عن سيدي — بحسب أصلها القديم كانت متَّخذةً لرسم لغة واحدة بعينها، لكنها صارت بالزمان متَّخذَةً لرسم لغات متعدِّدة، حتى من اللغات البعيدة الأصل عن اللاتينية أو اليونانية.٩ فهذه اللغات إذا اشتركت في النغمات السهلة المخرج كنغمة الألف الممدودة والباء والتاء والدال والراء والزاي الخفيفة والسِّين والشين المفشوشة والفاء والكاف والميم والنون والهاء والواو والياء والهمزة العارضة عند الابتداء بمتحرِّك، فإن كلًّا منها — فيما عدا مثل هذا السهل المشترك — لها نغمات خاصة بها، كنغمتَي الذال والثاء في الإنجليزية، والخاء في الألمانية، والشين المكزوزة التي يُنطق بها كمزيج من تاء وشين في الإنجليزية والطليانية، وكنغمة «نيه gn» في الفرنسية. وهذه النغمات الخاصة وأمثالها تؤدَّى بمُرَكَّبات اصطلاحية يختلف النُّطق بها بين لغة وأخرى، ولا يستطيع أداءَها إلا ابن اللغة أو مُتعلمها. بل إنَّ نغمة الشين المفشوشة السهلة تؤدَّى هي أيضًا في الفرنسية والطليانية والألمانية بمركبات اصطلاحية مختلفة. ونغمة الواو تؤدَّى في الإنجليزية بحرف وفي الفرنسية بمركَّب. والحرف الواحد بعينه قد تختلف نغمته من لغة لأخرى؛ كحرف j الذي يؤدي في الفرنسية نغمة جيم غير معطَّشة، وفي الألمانية والطليانية نغمة ياء. وبعض الحروف لا يُنطَق به أو قد ينطق به على خلاف أصل القياس؛ فحرفا gh في الإنجليزية مثلًا قد يُهمَلان في النُّطق، وقد يؤديان نغمة الفاء.

    هذا القصور في تأدية النغمات بحروف مفردة، وهذا التخالف فيها، واضح في رسم تلك اللغات. ثم هو واضحٌ وضوحًا تامًّا في أحرف الحركات التي توجِّه النغمات التوجيه الذي تَقتضيه ألفاظ كل لغة. فهناك الضمُّ والفتح والكسر، مع المدِّ في كلٍّ، ثم الإمالات بدرجات مُختلفة، مع تخالف الحروف بعينها في الحركة الواحدة بين بعض اللغات وبعض، بل في اللغة الواحدة بعينها.

    تلك حقائق لا شكَّ فيها، ولكني أُدركها أنا وأنت وغيرنا بلا حاجة لدلائل العلم التي تقحمها هنا. ثم هي راجعة، لا إلى الأشكال والصور من حيث حسن تخطيطها ووضوحه أو قبحه وخفاؤه، بل إلى صميم الدلالة على نغمات اللغات وجوهر جَرْسها، واتجاهاته المختلفة.

    (٣) ولعلَّ هذه الحقائق هي التي تُقلق بال الاختصاصيِّين الأوروبيين، بل قد لا أرتاب في أنها — دون الصور والأشكال — هي الدافع الأول لمن يَنعون منهم رسم كتابتهم ويطلبون تحسينه. أما الصور فهي دافع ثانوي قليل الأهمية؛ لأنها ليست في الصميم. وأهمُّ ما فيها تلك المركَّبات الحرفية التي يُدرك النظر المجرَّد الإسراف فيها، بلا حاجة للعلم ولا لدلائله.

    وهذا الدافع الأول الذي أقول عنه لا يحتاج في إدراك صدقه وأوَّلِيَّته لشيء من العلم، بل يكفي فيه أن نتذكر أنَّ الحضارة في العصر الحاضر، وفي القرون الثلاثة الماضية، تركزَتْ في الأمم التي تَكتُب بالأحرف اللاتينية، واستقر العلم في ربوعها. والعلم نور يَعشو إلى ضوئه كل سار، بل إنَّ سناه ثقَّابٌ نفَّاذ، يدرك الساريَ والمضحيَ أينما كانا، ويتحبَّب إليهما ويبهرهما بجماله. وتلك الأمم١٠ تعيش كلها مُتجاورة الديار في صعيد واحد، أو هي مخلَّقة أصلًا في صعيد واحد؛ فالتواصُل العلمي بينها على أشُدِّه، ولغاتها هي الوسيلة، فإن تخالفت رموز كتاباتها، أو ارتبكت بتركُّبها أو بتعدُّدها للنغمة الواحدة أو بأداء الرمز الواحد منها عدة نغمات، كان ذلك قذًى في أعيُن طالبيها من مستفيدي العلم ومفيديه، وشوكًا في الطريق يَزيد مشقَّتهم في تحصيلها ويعوقهم عن التقارُض والاستكمال.١١
    (٤) على أني مع تقريري — بشيء من التفصيل — لهذه الحقيقة التي أشرتُ إليها، وتقريري لعلَّتها بحسب ما أفهم، فإني أُسارع إلى لفت نظر سيدي إلى أن أهل كل لغة من تلك اللغات الأوروبية هم — بفضل حروف الحركة — لا يُخطئون — عند القراءة — النطق بالمكتوب من عبارات لغتهم وفقًا لما يلفظونه في الكلام غير المكتوب. فالألمان والطِّليان — مثلًا — لا يمكن أن يخطئوا؛ لأنَّ النغمات عندهم مقرَّرة وجارية دائمًا على قياس معلوم. وليس عندهم — على ما أعلم — حروف نَغمات، أو مركبات نغمية لا يَنطبق بها. والفرنسيون — مثلًا — إذا كان عندهم حروف نغمات لا يُنطَق بها، أو مركَّبات حرفية تؤدي نغمات خاصة، فإن لها أيضًا قواعد كلية معينة، متى عرفها الطفل — أو غير الطفل — استحال عليه أن ينطق على خلاف موجَبها. والإنجليزية إذا كان فيها مركَّبات للنغمات، فمعظمها داخل تحت قاعدة كلية مثل sh, ch. والمركَّبات التي لا يُنطق بها، أو يُنطق بها أحيانًا بنغمة بعيدة عن جزءَي المركب — مثل gh التي قد تُهمل وقد يُنطَق بها فاء، ومثل th التي تؤدِّي حينًا نغمة الثاء وحينًا نغمة الذال — هي في الأغلب محصورة، سهلٌ على ابن اللغة أو متعلِّمها حفظُها وتذكُّرها. ومثلها حروف الحركات، وما تُوجِّهه حروف النغمة الجوهرية من التوجيهات المختلفة.١٢

    (٥) إذا كان هذا هو الواقع — وأنت يا سيدي تعرفه بلا ريب — فأظن أن من لوازمه أن تسلِّم معي بأننا في رسم لغتنا مظلومون ظلمًا مبينًا؛ لأن في العربية (٨٠٠٠٠) ثمانين ألف أصل — كما يقولون — كلها حروف نغمات جوهرية خالية عما يوجهها من حروف للحركات. وقابلة — هي وما قد يُشتقُّ منها — لمختلف التصحيفات. ومستحيل على أي متعلم منا — كما كررت هذا مرارًا، وكما تعرفه أنت وغيرك — أن يَنطق بها لأول وهلة على الوجه المراد أصلًا لكاتبها الفصيح، مهما تكن رسوم حروفها مكتوبة بقلم الثلث العريض وواضحة كل الوضوح. بل كثيرًا ما يَستغلِق عليه النُّطق بها على الوجه الصحيح، استغلاقًا مُيْئِسًا لا رجاء فيه.

عن المسألة الثانية تقول:
  • أولًا: «إنَّ شكل الحروف العربية أبسط من شكل اللاتينية.» وتأتي بأشكال حروف النغمات المشتركة بين العربية واللاتينية فتُجْرى بينها مقارنة تريد الاستدلال بها على أنَّ شكل العربية أبسط.
  • ثانيًا: تقول: «ولا تعجب من هذا؛ فليس مجرد اتفاق، إنما بساطة الصورة في الخط العربي أمر مقصود.» وتُورد أن أهل الصناعة قالوا: «إنَّ أصل جميع هذه الحروف الخط المستقيم الذي هو قُطْر الدائرة، والخط المقوَّس الذي هو بعض الدائرة …» وتوضِّح أنت عبارتهم فتقول: «إنهم ابتدءوا بأبسط الأشكال الذي هو الخط المستقيم، ثم نوَّعوه بنسبة مُتناسبة مُتقاربة، فاستخرجوا منه ومن القوس كل الحروف بمقادير وصور قليلة.» ثم تروي عن القلقشندي أنه قال: «وفرَّقوا بين بعض الحروف بالنقطات وقصدوا بذلك تقليل الصور للاختصار؛ لأنَّ ذلك أخفُّ من أن يجعل لكل حرف صورة فتكثر الصور.» وأنه قال: «ترجع صور الحروف إلى خمس صورة؛ وهي: الألف والجيم والراء والنون والميم.»
  • ثالثًا: تقول: «إنه يظهر أنهم عُنوا ببساطة الحروف فعمدوا إلى تخفيف الصور؛ لأن كثرة الصور داعية لتداخل الحروف، مما يؤدي إلى التعقيد، وهو ما وقع بالحروف اللاتينية التي تعقَّدت أشكالها وصورها، فاختلف بعضها عن بعض اختلافًا بيِّنًا.»
  • رابعًا: تقول ما حاصله أن الإنسان عند القراءة يميِّز الألفاظ بصورها الكلية لا بأجزائها وحروفها، وتستدلُّ لهذا بقول أحد العلماء الأوروبيِّين: «لقد علمنا من تحليل القراءة في آلة «التَّاشِيسْتوسْقُوب» أننا في الواقع نَعتمد في القراءة السريعة على إدراك صورة الكلمة في مجموعها.» ثم بقول عالمَين آخرَين يَذكران هذا ويقولان: «إنَّ عرض الحروف وارتفاعها لهما أهمية عُظمى في معرفتها حين القراءة.» ثم ترتَّب على هذا ما حاصله أن صور الألفاظ المكتوبة بالعربية أوضح وأسهل في الإدراك؛ وذلك لكثرة ما يَعلو من حروفها عن السطر وما يَسفُل، وأنها — بتعبيرٍ علميٍّ (كذا) — تُعطي لكل كلمة شخصية خاصة حتى تبدو شكلًا لا شبيه له. ثم تُضيف أن التجربة بين كتابتَين من مقياس واحد في صحيفة واحدة، إحداهما باللاتينية والأخرى بالعربية، دالَّة على أن القارئ إذا ابتعد عنهما خفيت اللاتينية أولًا، وبقيت العربية واضحةً مُشرقةً.
  • خامسًا: تقول من بعدُ ما حاصله أن خمسة وثلاثين في المائة من طلبة المدارس العالية في فرنسا قصيرو النظر؛ بسبب انكبابهم على قراءة الحروف اللاتينية، وأن تعقُّد الحروف وعدم وضوحها يصدُّ النفس عن القراءة، وأنه من أجل هذا يحاول الإفرنج إصلاحها.
  • سادسًا: تنتهي من كل ذلك إلى أن أصلح ما يؤدِّي النغمات العربية إنما هو الحروف العربية.

وإلى سيدي ردِّي على ما أثاره في هذه المسألة الثانية، جاريًا أيضًا على ترتيب أجزائها.

  • أولًا: (١) إنَّ السيد قارن بين ستة عشر حرفًا مُفردًا من اللاتينية، وبين ما يقول إنه مقابلها في العربية، وهاكها:
    b t g h z s f k q i n
    ب ت ج ح ز س ف ق ك ل ن
    ولقد يرى غير السيد بكل إخلاص، أن الأحد عشر حرفًا اللاتينية إن لم تكن أبسط مِن التي جعلها السيد مقابلةً لها في العربية، فليست أقل منها بساطة، متى لوحظت المستقيمات والمنحنيات في كلٍّ، ووجود النقط في العربية دون اللاتينية. ثم إن مما لم يذكره من حروف النغمات المشتركة حرف y اللاتيني ومقابله في العربية «ي»، وقد لا يشكُّ الرائي أن اللاتيني أبسط. ومما لا مقابل له في العربية حروف: v, p, i, c، وهي أيضًا في غاية البساطة. وهذه المقارنات يَستطيعها كل قارئ عربي يَعرف لغة أوروبية، غير محتاج في حكمه لشيء من العلم ولا دلائله.

    (٢) ولقد يخيَّل إليَّ أن السيد سَها إذ اتخذ حروف الطباعة المُفرَدة أساسًا للمقارنة، ولو أنه اعتمد على الحروف العربية، حالَّة في بنية الكلمات وقارنها باللاتينية، حالَّة في بِنْيتها، لما خالفه أحد في أنَّ العربية أوجز وأبسط. لكن لا أيسَر ولا أوضح، لا في المطبوعات ولا في المخطوطات؛ لأنَّ الشكل المفرد لغالبها يأخذ ثلاثة أشكال أخرى، بخلاف اللاتينية التي تبقى هي هي على الدوام والاستمرار. والعقل يَقضي بأن الحرف الباقي أبدًا على حال واحدة أوضح من المتقلِّب بين أربعة أشكال. ومن أراد التحقُّق بالتجربة فلا حاجة به إلى العلم ولا إلى العلماء، بل ليذهب إلى صفَّافي الحروف بالمطابع العربية، ليعلم أنهم من هذه الناحية كثيرو الأخطاء، بل ليسأل أي أوروبي يتعلَّم العربية، حتى يعلم أن من الصعوبات التي يُكابدها تعرُّف أشكال الحروف حالَّة في بنية الكلمات؛ وذلك لتعدُّد صور الواحد منها — دع خفاء حركاتها مما هو عليه مصيبة أشقُّ وأفظع — بخلاف العربي الذي يتعلَّم لغة أوروبية، فإنه لا يُخطئ مطلقًا في معرفة أي حرف في كلماتها لتوحُّد شكلها وبقائه على حال واحدة على الدوام. بل ليسأل أيُّ معلِّم من معلمي الأطفال ليستيقن أن مِن أشقِّ ما يكون على الطفل انتقاله بعد تعلُّمه الحروف المفرَدة، إلى طور تعلم الحروف متصلًا بعضها ببعض في الكلمات.

  • ثانيًا: تقول: إنَّ بساطة صور الحروف في الخط العربي ليست مجرَّد اتفاق، بل هي أمر مقصود.

    وهذه قضية إن كان السيد يُريد بها أنَّ البساطة مقصودة عند وضع الأولين للخطِّ العربي (كما هو ظاهرُ عبارته)، فإني أرجوه المَعذرة إذا قلت له: كيف تسمَح لنفسك أن تُقرِّرها؟ هل كنتَ حاضر النبطيين حوالي ميلاد المسيح فأخذتَ عنهم أن من نيتهم وضع رسم للغتهم العربية، ومن مقصودهم أن يكون بسيطًا؟ وإن كانت أقوال القلقشندي وغير القلقشندي من كتَّاب العربية قد ورد فيها ما يفيد هذا، فاعتمدتَ في تلك القضية عليه، فإني أرجوك أن تُعفي نفسك من أقوال المتقدِّمين والمتأخِّرين من كتَّاب العربية في هذا الخصوص. إنهم ما كانوا يعرفون مَن هو واضع الخط العربي، بل تخبَّطوا في الافتراضات والاستنتاجات تخبُّطًا شديدًا؛ فمِن قائل إنه توقيفي من عهد آدم، ومن قائل إن واضعه نبيُّ الله إدريس، وقائل إنه متلقَّى عن كاتب الوحي لنبي الله هود. ومن قائل إن أصله مُقتطَع من المسند الحمْيَري. وما هم إلا المستشرقون من الإفرنج، بحثوا ونقبوا في القرن التاسع عشر الماضي فقط، ثم دلُّونا على أن الخط العربي من وضع النبطيين، اشتقوه من الآرامية، وسرى منهم إلى أهل الحجاز وغيرهم من عرب الجاهلية. وهذا — كما قلتُ في موضع آخر — هو المعتمد الآن في جامعة فؤاد الأول.

    وإذا اطَّلعت على كتاب أصل الخط العربي للأستاذ خليل يحيى نامق (من علماء كلية الآداب بهذه الجامعة)، لعلمتَ أن ما نقلتَه عن القلقشندي وهو: «إنهم فرَّقوا بين بعض الحروف بالنقط، وقصدوا بذلك تقليل الصور للاختصار؛ لأنَّ ذلك أخف من أن يُجعل لكل حرف صورة فتَكثر الصور». ذلك القول الموهم أن الواضعين الأوَّلين للخط العربي هم الذين فعلوا هذا، إنما هو قول بعيد عن الصواب — إن كان مرادًا به هذا المعنى المتوهَّم من لفظه — لأنَّ الذي أثبته أولئك المُستشرقون، اعتمادًا على النقوش الحسية، ودوَّنه الأستاذ نامق، هو أن النبطيِّين لم يضعوا شيئًا من النقط في حروف الكتابة، لا هم ولا من سرى إليهم خطهم من عرب الجاهلية. وكيف تَعتبره صوابًا وتبني عليه قضيتك تلك، مع استفاضة العلم عند المسلمين كافة، بأنَّ صحُف النبيِّ التي دُوِّنت بها آيات القرآن، لم يكن في شيء منها أي نقط للحروف، ومثلها في عدم النقط مصاحفُ عثمان بن عفان التي نسخها من تلك الصحف وبعث بها للأقطار الإسلامية، وأن تنقيط القرآن لم يحدث إلا على يد الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك بن مروان؟ فالعرب الأولون — من نبطيِّين وجاهليِّين — لم يكن عندهم إلا حرف واحد للباء والتاء والثاء والنون، وحرف واحد للجيم والحاء والخاء، وواحد للدال والذال، وواحد للراء والزاي، وواحد للسين والشين، وواحد للصاد والضاد، وواحد للطاء والظاء، وواحد للعين والغين. وإذا سألتني كيف كانوا يفرِّقون بين الحروف المشتركة عند القراءة؟ فالجواب ميسور عتيد: إنهم كانوا يفرِّقون بينها كما كان أصحاب النبي وكل المسلمين مِن بعده يُفرِّقون بينها في القرآن مدة ثمانين سنة من تاريخ الهجرة إلى خلافة عبد الملك بن مروان.

    على أن وجه الاعتراض بكيف كان يَحصل التفريق بين الحروف هو — بالإضافة إلى مدة الإسلام — أشد وأقوى أضعافًا منه بالإضافة إلى ما قبل الإسلام؛ لأنه شتان ما بين الزمنين وبين الحضارتين وبين ضرورتي التفريق. مهما كان النبطيون قومًا أشداء، ومهما كانت لهم مملكة قامت من سنة ١٦٩ قبل المسيح في الجزء الشمالي من جزيرة العرب جنوبي فلسطين والشام، واستمرت إلى أن أزالها الرومان في سنة ١٠٦ بعد المسيح، ومهما كانوا — كما يقول مؤرِّخو الفرنجة — قد أغاروا على الشام واستولوا على دمشق عاصمتها، مهما يكن من حالهم هذا، فإنهم لم يكونوا كاليونان أو الرومان أو الفرس أو المصريِّين، أهل علم أو صناعة راقية حتى يُغْرَوْا بالكتابة فيُتقنوها ويتخذوا لها أدواتها. ومهما يكونوا قد تحضَّروا بعد التبدِّي، فإن تحضُّرهم لا بدَّ كان كتحضر قريش في مكة، والأوس والخزرج في المدينة. وهم ومن سرى إليهم خطُّهم من أهل الحجاز هؤلاء وغيرهم من الجاهليِّين مهما كانوا في جملتهم أشداء أباة ضيم، فإنهم كانوا في جملتهم أيضًا نقَلة تجارة أو أصحاب إبل وشاء، رُحَّلًا نُزَّلًا، يَجذبهم الغيث ويُشرِّدهم الجدب. وكان أدبهم يَنحصِر في المفاخَرة بالأنساب، والتغنِّي بما قام بينهم قديمًا وحديثًا من وقائع القتال وصنوف الغارات، وبفضائل الشجاعة والكرم وإجارة اللائذين المُستجيرين، وفي وصف الظواهر الطبيعية من سحاب وبرق ورعد وأمطار، وما نزلوه أو غادروه من منازل وديار، وفي التشبيب والنسيب، وفي وصف أسفارهم ومطاياهم، وما شاكل هذا. وخير هذا الأدب جوامع الكلم الخوالد التي تَحمل الحِكَمَ والأمثال، مما هو نتاج التجاريب وزبدة فلسفة الحياة. وإذ كانت كتابتُهم بدائية صرفةً، وكانت الرقاع الصالحة لا وجود لها، بل كانت صحُفهم — على ما يلوح — هي الحجارة الرقيقة وعظام أكتاف الحيوان وسعف النخل وقطع الخزف أو الجلد (كما كانت في مبدأ الإسلام)، وهي جميعًا من شر الرقاع؛ إذ كان ذلك فقد أُهملت تلك الكتابة طبعًا وقل اهتمامهم بتكميل نواقصها وتحسينها، واضطروا لتخليد آثارهم وعواطفهم في تلك المناحي إلى اتخاذ أيسر طريق لهذا الغرض: الشعر. والشعر غناء مَوزون، عذب مألوف، يَحلو تكرارُه فيسهل وعيه واستذكاره. كان شعرُهم يَفي لهم بتلك الأغراض، ويُغنيهم عن الكتابة والتدوين، وعن تعنية أنفسهم بتكميل صور حروف النغمات التي سرتْ إليهم من النبطيين أبناء جنسهم، وإزالة اشتراك كثير منها بين جملة من هذه النغمات. ولقد استمرُّوا هكذا حتى أتى الإسلام فجرى على خطَّتهم شوطًا طويلًا، مع اختلاف العهدَين والحضارتين — كما أسلفتُ — ومع فتح فارس والشام ومصر وغيرها، واتِّساع رقعة ما دخل تحت حكمه من البلاد.

    وإذا سألتني: كيف كان النبطيون يدوِّنون أعمالهم وقت قيام مملكتهم واستيلائهم على دمشق؟ فالجواب أيضًا ميسور عتيد؛ كانوا يدوِّنونها حتمًا بالرومية (اليونانية أو الرومانية) كما كانت دواوين المسلمين إلى عهد عبد الملك بن مروان يُكتب فيها بالفارسية والرومية والقبطية.

    وإذن فإني أرجوك يا سيدي أن تَعدل عن قضيتك تلك، سواء أكانت من عندياتك أم كنت انتزعتها مما رويتَه عن القلقشنديِّ، أو من أقوالٍ اطَّلعت أنت عليها لغيره من العلماء.

    (٣) أما إن كانت تلك القضية هي — على الرغم من ظاهر عبارتك وظاهر العبارة التي نقلتَها عن القلقشنديِّ — مجرَّد تقرير انتزعتَه من الواقع الآن في الخط العربي، أو انتزعه القلقشندي من الواقع فيه في عهده، فأنتَ وكلُّ كاتب يَقِظ، بل حتى مثلي في قلة يقظته، كلنا نَستطيع بمجرد مُشاهَدة الخط العربي الراهن، أن نقول إنَّ حروفَه المُفرَدة مكوَّنة من خطوط مستقيمات طويلات أو قصيرات، ومن أقواس منحنيات، تتناسب مع المستقيمات، وإن كثيرًا من حروفه مُتشابهات، تميِّزها النقطات، ومواضع النقطات، وأعداد النقطات. فإدخال القلقشندي وأهل الصناعة لا يَزيد في وزن هذا التقدير ولا ينقص منه. بل قد يُظن أن الغرض منه إيهام أن الرأي تؤيده «دلائل العلم» وليس في المسألة للعلم أي أثر كما ترى.

    على أنك يا سيدي لو أَلقيت مثل هذه النظرة على الحروف اللاتينية التي قارنتَ بينها وبين العربية، لما وجدتها أيضًا إلا مكوَّنة من مستقيمات طويلات أو قصيرات، ومن أقواس منحنيات تتناسب كل التناسب مع المستقيمات؛ فهي والعربية في الحال الراهنة سائرتان على نظام واحد في التكوين. والفرق بينها وبين العربية عدم وجود المتشابهات المُحتاجات للنقطات المميزات.

  • ثالثًا: (١) وإذا كنتَ أنت يا سيدي، اعتمادًا على القلقشندي أو غيره، تَعتبر أن التشابه مزية، وأن التفريق بالنقط مزية، ثم تُرسل عبارتك في هذا الصدد مُوهمةً أنهما مزيتان مقصودتان لواضعي الخط الأوَّلين، لتبسيط الأشكال والتخفيف منها، وتعتبر كما قد أفهمه من عبارتك بطريق التخمين، أن الحروف اللاتينية أتت معقدة الأشكال لفقدها هاتين المزيتين، إذا كان هذا هو رأيك واعتبارك، حتى ولو كان قولك راجعًا لا للواضِعين الأولين من النبطيين والجاهليِّين، بل إلى مركز الخط العربي في عهد القلقشندي أو في يوم الناس هذا، أقول إذا كان هذا رأيك واعتبارك، فيفتح الله بيني وبينك.

    (٢) واسمح لي يا سيدي أن أقدم لك اعتذاري عما أقوله مِن أني لم أفهم إلا بطريق التخمين أنك تَعتبر أن الحروف اللاتينية أتت معقَّدة لفقدِها هاتين المزيتَين. عذري الذي أُقدمه لك هو نصُّ عبارتك في هذا الصدد؛ فأنا أضعه أمام نظرك لتُعيد أنت قراءته: «إنه يُظهر أنهم عُنوا ببساطة الحروف فعمَدوا إلى تخفيف الصور؛ لأن كثرة الصور داعية لتداخُل الحروف، مما يؤدي إلى التعقيد، وهو ما وقع بالحروف اللاتينية التي تعقَّدت أشكالها وصورها، فاختلف بعضها عن بعض اختلافًا بيِّنًا.»

    إنه بقطع النظر عن أنك، في قولك أنت وفيما ترويه عن القلقشندي، لا تُريح القارئ ببيان الاسم الظاهر، بل تَستعمل ضمير جمع الغائبين، الذي إذا كان ظاهر عبارتكما مفهمًا أنه راجع إلى واضعي الخط العربي من أهل الجاهلية الأولى، فإنه قد يُفهِم — ولو من بعيد — أنه راجع إلى مركز الخط العربي في الوقت الحاضر أو في وقت القلقشندي. وهذا ضرب من التبهيم لا يجوز إتيانه ممن يحتج بالعلم ودلائله؛ لأنَّ العلم لا يحتمل التبهيم، لا من قريب ولا من بعيد، بقطع النظر عن هذا، فهل تستطيع يا سيدي أن تُفهمني معنى قولك: «إن كثرة الصور داعية لتداخل الحروف مما يؤدي إلى التعقيد؟» أنتَ يا سيدي في صدد الكلام على صور الحروف المفردة وأشكالها، وصدرُ جملتك الذي تقول فيه إنه يُظهر أنهم عُنوا ببساطة الحروف دالٌّ حتمًا على أنك تَعْني بلفظ «الحروف»، صور الحروف، ولا تعني بها النغمات؛ لأنَّ النغمات يَستحيل تبسيطها. والصور هي هي الأشكال، وهي هي الحروف على هذا المعنى الذي تَحدَّد في صدر عبارتك تلك. وإذن يكون قولك: «إنَّ كثرة الصور داعية لتداخل الحروف مما يؤدِّي إلى التعقيد.» يساوي بالضبط «إنَّ كثرة الحروف داعية إلى تداخل الحروف.» فاحكم أنت هل لهذا القول معنًى؟ وكيف يصحُّ في العقل أن كثرة أشكال الحروف تدعو إلى تداخلها؟ وما معنى هذا التداخُل؟ إن كان أحد يفهم هذا فما أغباني! وأخرى، هل يُدرك أحد معنى لقولك: «وهو ما وقع بالحروف اللاتينية التي تعقَّدت صورها وأشكالها فاختلَف بعضها عن بعض اختلافًا بيِّنًا؟» إلامَ ترمي بأن الحروف اللاتينية اختلف بعضها عن بعض اختلافًا بيِّنًا؟ وهل اختلاف أشكال الحروف الدالة على النغمات المُختلفة أو على حركاتها، هو في نظرك أو نظر أي إنسان عيب ونقص؟ وكيف يصحُّ هذا في العقل؟ إذا صحَّ فما أغباني أيضًا! ثم، كيف تسمِّي اختلاف صور الحروف تعقُّدًا في أشكالها؟ كيف والعقل يَقضي بأن الأشكال والصور إنما هي رسوم وتخطيطات، إن لم يتميَّز بعضها عن بعض بالمغايرة بينها، اشتبهت واشتركت ولم يتمحَّض كل منها للغرض المراد تخصيصه به؟ وإذا كانت المُغايرة بين صور الحروف واجبة، فلماذا تسمِّيها «تعقُّدًا» وتعدل عن اسمها وهو «المغايرة»؟ وما مرادك هنا بكلمة «التعقُّد»؟ هل تعني معناها جادًّا؟ وهل سيدي، وهو يُتقن الفرنسية — كما يؤخذ من استشهاداته في مقاله المُحتَرم — لم يحفظ حروف هجائها اللاتينية، وهي ستة وعشرون لا غير، بما فيها من حروف الحركات، بل وجد اختلافها قد عقَّدها فعز عليه حفظها؟ إني أفهم أن كلمة التعقُّد تُستعمل لو كنا في معرض استبدال الحروف الصينية أو اليابانية أو المصرية القديمة بالحروف العربية. إذن لجاز أن يقال إنها جميعًا معقَّدة؛ لكثرة الذنبات فيها والتعرُّجات والتلافيف وصور الحيوانات والجمادات، وإنَّ الذهن لا يُحيط بتثنياتها وتعرُّجاتها إلا بعد المرانة وطول الإجهاد. أما في اللاتينية فلا، ثم لا، ثم لا. وفوق ما أسلفتُ، أفلا ترى يا سيدي أن بين جزءَيْ عبارتك تناقُضًا واضحًا؟ في جزئها الأول جعلتَ كثرة الصور داعية إلى تداخلها. وليس للتداخل معنى — كما قد أفهَم — إلا الامتزاج والاختلاط. وفي جزئها الثاني جعلتَ التداخل داعيًا إلى التعقُّد، والتعقُّد داعيًا إلى اختلاف الحروف اختلافًا بيِّنًا، والاختلاف البين ضدٌّ بيِّن للتداخل والاختلاط.

    وإذا كانت عبارة السيد كلها اضطرابًا وتناقُضًا واستغلاقًا — كما يرى — فلماذا يَرزَؤُني بها؟ أيكون سيدي وهو يعلم أن لا جدَّ فيها قد استضعَفني فهجم عليَّ بالقول المشوِّش إيهامًا لي بأنه من «العلم» «ودلائل العلم» التي يقصر عقلي عن التطاول إليها؟ لكني أقول له إني سمعتُ في زماني أن واجب العلماء أن يُعلِّموا الضعاف أمثالي، لا أن يَستغلُّوا ضعفَهم فيخرسوهم بسلاح الإيهام، وإلا فقد حبط عمل هؤلاء العلماء عند الناس، وضاع أجرهم عند الله.

    (٣) إن العقل ليقضي — كما أقول — بوجوب اختصاص كل نغمة بحرف ذي هيكل معين يدل عليه. أما الاعتماد في التمييز على مجرد النقطات فإنه من أشد الآفات. خذ أي كتاب عربي مطبوع ودقِّق النظر قليلًا تجد أن شكْل النقطة الواحدة وشكل النقطتين، أو شكل النقطتين وشكل الثلاث، كثيرًا ما تختلط وتتشابه، إمَّا لخطأ العامل، وإما لميوعة المداد أو سخافة الورق. فتَختلط في غضون الكلمات، النون بالتاء، والتاء بالثاء، والفاء بالقاف، والباء بالياء. ولولا تعوُّد القرَّاء من أبناء اللغة لتعثَّروا في القراءة والفهم غالب الأحيان. أما المخطوطات فأنت عليم بأن العمدة فيها على فطنة أبناء اللغة من القرَّاء؛ إذ النقطات كثيرًا ما يقع الإهمال في إثباتها أو في أعدادها أو مواضعها، وهي آفة يضجُّ منها كثير من الناس.١٣ فاللاتينية تَفضُل العربية من هذه الناحية بلا نزاع. وأرجو سيدي أن لا يَحتجَّ بالإيجاز والاختصار؛ فإنَّ الرسم ثوب للنغمة يُقصد منه الإعلام بها. وكل إعلام تعرِّضُه للتغيير والتشويه فهو في نظر العقل من الآفات.

    (٤) ولقد حرتُ يا سيدي بين من يَعترضون عليَّ مُستنصرين بالعلم ودلائله، ولا أدري أيهم أشايع وأيًّا منهم أباعد. أنت يا سيدي تقول بتَينِك المزيتَين، وبحيازة الرسم العربي لهما، لكنَّ أستاذًا بكلية الآداب عندنا — استشهدتَ أنت — على بعض نقط اعتراضك بقول له ضمن اعتراضٍ من جانبه نشرتْه «الثقافة» أيضًا، قد فرط منه ما يدلُّ على أنه لا يوافقك في هذا الصدد. إنك لو أعدتَ النظر على مقاله لوجدته يقول — ما مفهومه — إن الكتابة المثلى هي ما يكون فيها لكل صوتٍ حرف خاصٌّ يدلُّ عليه دلالة واضحة، ويروي عن دائرة المعارف البريطانية ما يؤيد قوله. فإلى أيكما أنحاز؟ أإليك أم إلى أستاذنا الجامعي؟ إني لا أنحاز إلا لما يَقضي به العقل. والعقل — كما أسلفتُ — يهدي إلى وجوب الانحياز في هذه النقطة — لا إلى سيدي؛ لأنَّ رأيه في غاية الخطر — بل إلى أستاذ جامعتِنا، ولكن في هذه النقطة وحدها وبخصوصها من جملة ما قال.

  • رابعًا: (١) لست أنازع سيدي في أن من يقرأ بالسرعة كتابة أية لغة من اللغات؛ فإنَّ معوَّله الأول هو على ما ارتسَمَ من قبل في ذهنه من الصورة الكلية لكلِّ كلمة يقرؤها، لا على كل حرفٍ حرفٍ من الكلمة. ولسْنا محتاجين في إدراك هذا لا إلى آلة التاشيستوسقوب ولا غيرها، ما دام دليل ذلك يتكرَّر عمليًّا أمامنا كل يوم. إنك تقرأ خطابًا من أحد الإخوان قراءة سريعة، فتفهمه ولا تُلاحظ في لغته شيئًا من العيوب، فإذا قرأه غيرك، أو أعدتَ أنت قراءته بشيء من البُطء، وجدتما فيه كثيرًا من الأغلاط. بل أكثر ما يُلاحَظ هذا في تصحيح المطبوعات، يقرأ المصحِّح التجربة (البروفة) مرة فلا تقع عينه إلا على بعض ما فيها مِن التحريفات، مع أن المصحِّحين لا يُسرعون إلا قليلًا. فإن صُحِّحت التحريفات ثم قرأها ثانية عثر فيها على أغلاط أخرى لم يَرها في التصحيح الأول. وما ذلك إلا لأنَّ المُسرع في القراءة لا يقرأ الكلمة حرفًا حرفًا، بل يَقرؤها كصورة كلية اعتاد فهم مدلول رسمها، فالمسألة في هذا لا تحتاج لا للعلم ولا لتجاريب العلماء.

    (٢) مع تقريري لهذا ألفتُ نظرَ سيدي إلى أن ما يقوله في وادٍ ونحن في واد؛ إنَّ تلك القراءة المجموعيَّة التي يشير إليها، هي قراءة السرِّ في سرعة قليلة أو كثيرة، لا قراءة الجهر في سرعة أو بُطْء. ونحن لسنا بسبيل قراءة السر، بل بسبيل قراءة العلانية. موضوعنا رجل يلفظ بالعربية لفظًا ذا صوت وجرس، نُريد أن يكون لفظه المُسْمِع جاريًا وَفق أصول العربية وقواعدها؛ يَرفع المرفوع، ويَنصب المنصوب، ويجرُّ المَجرور ويجزم المجزوم ولا يَلحن في شيء من هذا. أما القراءة السرِّية فلا شأن لنا بها، وليست من موضوعنا. إنَّ القارئين من مثقَّفين وغير مثقَّفين، جميعهم يقرءون ويفهمون ما يقرءون إلا ما كان فوق طاقتِهم من مسائل العلم والفن والأدب، ولكن إذا كلَّفتهم النُّطق والإسماع سكَّنوا أواخر الكلمات وحرَّكوا حروفها وفقًا للهجتِهم العامية، وهي لهجة مُفهمة، بل أشدُّ في الإفهام بين الجميع من الفصيحة التي لا يستطيعونها ولا تلوكها ألسنة المثقفين منهم إلا في النادر القليل.

    أرأيت إذن يا سيدي أنك هنا تَخرج من الموضوع مُعتمدًا على بلاغة عبارتك وما تَستنصره من التاشيستوسقوب ومن أقوال العلماء؟

    إن التاشيستوسقوب (أو التاكيستوسكوب) لفظ أجنبي مديد البناء، لا يُدرك معناه مَن لا يَعرف إلا العربية، بل لا يُدركه من يعرف الفرنسية وغيرها ولا يكون من الاختصاصيِّين. إن قارئه من هؤلاء وهؤلاء لا يَناله منه إلا الانذعار والاستهوال، ولا سيما من لا يعرف غير العربية؛ لأنهم علَّموه أن زيادة المبنى تدلُّ على زيادة المعنى، فالشقنداف عنده أوسع معنى من الشقدف ومن الشقداف. والتاشيستوسقوب أزيد من الشقنداف حروفًا، فهو لا يراه إلا غولًا من أضخم الغيلان. أفلم يكن في وسع سيدي أن يتجاوز عن ذكره حتى لا يُرعب الناس؟

    (٣) أما ما تفيض فيه يا سيدي من أن الكتابة العربية، بما فيها من كثرة الأعمدة المُرتفعات عن أصل كتلة السطر، تبقى — عند الابتعاد عنها — ظاهرة يتبيَّنها النظر، بعد اختفاء الكتابة اللاتينية التي من مقاسها، فإنه — مهما يكن صحيحًا — لا فائدة فيه. اللهمَّ إلا إذا أثبتَّ لي أنَّ دقة الحروف اللاتينية واستخفاءها على النظر قد منَعا أهلها من مُزاولة العلم والفن والأدب، ومِن بلوغهم في جميعها أرقى الدرجات. وأنت لا تَستطيع إثبات ذلك، فقولُك إذن لا طائل من ورائه.

  • خامسًا: تقول: كلا إنَّ فائدة ذلك حفظ النظر من الضعف؛ فإنَّ خمسة وثلاثين في المائة من طلبة المدارس العالية بفرنسا مُصابون بقصر النظر؛ لانكبابهم على مطالعة كتبهم غير الواضحة الحروف. كما أنَّ العلماء قالوا: إنَّ عدم وضوح الحروف يصدُّ عن القراءة. هذا حاصل كلامك. فاسمع — غير مأمور — كلامي:

    لئن كان الطلبة الفرنسيُّون أصيبوا بقصر النظر، فلا بدَّ أن يكون أمثالهم في جميع البلاد التي تكتب باللاتينية قد أصيبوا به كذلك. وأنا يا سيدي لا أرى — أنا ولا غيري من المصريين — أثرًا لهذا عندنا.

    في مصر بنوك متعدِّدة، وشركات كُبرى كثيرة، ومدارس للأجانب، تُزاول أعمالها باللغات الأوروبية، وفيها كليات العلوم والهندسة والطب بفروعه جارية فيها الدراسة بالإنجليزية المكتوبة بالحروف اللاتينية. ولم نحسَّ أنَّ عمال تلك البنوك والشركات وتلاميذ تلك المدارس وطلبة تلك الكليات مُصابون في نظرهم، دون غيرهم من الناس، أو أكثر مِن غيرهم من الناس، بالقِصَر ولا بغيره من الآفات. كما أن الإفرنج من جميع الأمم التي تَكتب بالأحرف اللاتينية لم تصدَّ تلك الحروف أنفس علمائهم وأدبائهم عن الدأَب في التحصيل، ولم تمنع طلبتهم بعد أن يَخرُجوا من مدارسهم العالية، من أن ينقضُّوا هم وأبناء جلدتهم علينا كالبزاة والعقبان، حدادَ المخالب، أصحَّاءَ الأحداق، ولا من أن يَخوضوا غمار المعارك الدموية في البر والبحر والجو، أقوياء القلوب مسَلَّمة أعينُهم وأبدانهم مِن العلات. أفسحرٌ هذا؟ أم أنهم من غير طينتنا البشرية؟ أم أن هذا المَحذور الذي تُضخِّم من شأنه هو أمر واهٍ لا يؤخِّر الأمم العاملة في شيء؟ أظنُّك قد لا تمانع في أن الفرض الأخير هو الصحيح، وفي أنَّ حبَّك للرسم العربي وامتلاء مزاجك به، هو الذي يدفعك إلى التغالي في تسويء الرسم اللاتيني، وإلى القول بأنه يرمد الأعيُن ويصدُّ النفوس عن التحصيل، مخالفًا في هذا ما أشاهده من آثاره في أهله، أنا وأنت وغيرنا من الناس.

    ليت طلبتنا في الشرق يرمدون كطلبة الغرب، ونفوسَنا في الشرق تنصدُّ عن القراءة كأمم الغرب، إذا كان ذلك الرمد وهذا الانصداد يُحلَّاننا المحلَّ الذي يتبوءُه الأوروبيون من العلم والفن وصحة العيون وسلامة الأبدان!

  • سادسًا: أما ما تَنتهي إليه من القول بأنَّ الحروف العربية أصلح الحروف لتأدية ما للغتنا مِن النَّغمات، فإنَّ بعض مدلول قولك هذا يا سيدي حقٌّ لا ريب فيه. وهو ما رجع إلى النغمات الخصيصة بالعربية. وإني ما عارضتُ في هذا قطُّ.١٤ أما البعض الآخر الراجع إلى النغمات المشتركة بين العربية وبين غيرها كالباء والتاء والدال والسين وما أشبهها، فإنَّ الأحرُف اللاتينية لا تقل عن العربية صلاحية في تأديتها.

على أن كلامك هذا في وادٍ وما نحن بسبيله في آخر. إنَّ الكتابة سواء كانت بالحروف العربية أو بالحروف اللاتينية، داخلًا فيها من العربية ما يؤدِّي نغماتنا الخاصة، أو من غير العربية ما قد يُبتدع للدلالة على هذه النغمات الخاصة، فإن رصَّ حروف النغمات في كل هذه الأحوال غيرَ متبوعة بحروف الحركات، أو بعلامات الحركات، هو الضرر البليغ الذي نحن بسبيل الشكوى منه، ما دامت الحركات هي روح العربية وملاكها، وما دام أنه بدونها لا يمكن نطق معظم حروف النغمات ولا معرفة معاني الألفاظ.

عن المسألة الثالثة، بدأت بإيراد اعتراض من يقول إنَّ الأحرف اللاتينية بإدخالها صورًا مستقلَّة للحركات (الفتح والضم والكسر) تخدم العربية خدمة تتضاءل أمامها كل الانتقادات الفنية عليها؛ لأنها تجعلنا نقرأ كما نكتب ونكتب كما نقرأ، وتَقضي على الأمية المتفشية فينا. ثم قلت إنك لا تستخف بهذا الاعتراض، ولكنك تراه محاولة خاطئة سيئة النتيجة، وأنك تَستنصِر لقولك هذا بالتاريخ وعلم اللغات. ثم أتيتَ ببيان مُسهب حاصله:
  • أولًا: أنَّ العلماء قالوا إنَّ اللغات السامية أساسها المصدر، ومنه تخرج مشتقات للدلالة على الأفعال والأسماء. وإن هذا المصدر لا يتكون إلا من حروف نغمات جوهرية Consonnes تؤازرها حروف المد voyelles وحروف العلة semi-voyelles (وتعني بها — على ما أظن — الواو والياء).
  • ثانيًا: أنَّ الحركات لا يؤبه لها في هذا التكون؛ لأنها ليست حروفًا، بل هي وصف أو عَرضٌ للحروف. وهنا أوردتَ أقوال النحويين بخصوص الحركة، وتضاربَهم فيما إذا كانت عند النُّطق تَسبق الحرف أو تُقارنه أو تتلوه، ثم أخذتَ في بيان تُوجِّه به تضارب النحويين.
  • ثالثًا: ذكرتَ أن أحد علماء السريان اخترع سبعة حروف للحركات وحاول إدخالها في الكتابة السريانية وإذاعتها في قومه، ففشَلت هذه البدعة بعد موته، وأن المندعيين (الصابئين) وضعوا في رسم كتابتهم حروفًا للحركات، وأن عملهم هذا إذا كان لم يفشل — بل عدَّه علماء اللغات تقدُّمًا — فإنه نتج عنه عدم إمكان تمييز حروف المدِّ من حروف الحركات، فاختلطت المدات بالحركات، كما قاله العالم المستشرق نولدكه وأسف له.
  • رابعًا: ذكرت أنَّ إدخال حروف الحركات اللاتينية بالرسم العربي يؤدِّي — بالزمن — إلى اعتبارها حروف مدٍّ فتفسدَ أقيسةُ اللغة وتفسد أوزان الشِّعر. وأنَّ التلقين لا يغني في مثل هذا الموضوع؛ لفساد القاعدة في أساسها، وقابليتها لمثل هذا التشويه، وأن اللغتين السودانية والتركية قد كُتبتا بالأحرف اللاتينية فتشوه النطق بهما عن أصلهما، كما هو ثابت من أقوال من سمعوهما في القديم وفي الحديث، وأن كل هذه المحذورات لا بدَّ أنها صارفة للمُعارضين عن رأيهم.
  • خامسًا: تقول إنك ستُوافي المُعارضين بما يُرضي رغبتهم في جعل الكتابة العربية، تدلُّ على الحركات في أصل الكلمة، مما ينقطع به دابر الإشكال.
وإلى سيدي ردي:
  • أولًا: (١) إنَّ علماء اللغات السامية لم يقولوا عن العربية إنَّ أساسها المصدر — كما تَروي — فحسب، بل قد سمعتُ مِن معترض آخر قبل سيدي ما يُفيد أنها كباقي اللغات السامية ثلاثية الأصول، بل قد حَسِب ذلك المُعترض أننا في حَلْقة ذِكر صوفية فترقَّى إلى مقام شعري خيالي باطني، فروى أن بعض المُستشرقين قال إنَّ هذه الثلاثية تشبه مُثُلَ أفلاطون!

    ولو أن السيد اطَّلع على البحث الطريف الذي وضعه حضرة القس ا. س. مرمرجي الدومنكي بالقدس، وبعث به لمَجمعنا اللغوي من بضعة أشهر، لوجد أن حضرته وهو — كما يظهر — من خيرة المُشتغلين بالعربية، يقول إن أصل الكلمات العربية ثُنائي لا ثلاثي، وأنَّ الرجوع لهذا الأصل يهدينا إلى معاني كثيرٍ من الألفاظ التي نَعتبرها اليوم من الأضداد. كما أن معلِّمًا بمدارسنا قدَّم للمَجمع بحثًا يثبت فيه أن الفعل الماضي — لا المصدر — هو أساس الاشتقاق.

    على أنَّ العقل المجرَّد — يا سيدي — لا يمنع غلبة الظن بأن الإنسان الأول لم يَنطق أولًا بالمصادر ولا بالأفعال، بل إنه يكون شاهَد في الغابة أسدًا أو نمرًا أو ثعبانًا، فصرَخ ونطق بلفظ جعله اسمًا يدل عليه. والعربي الأول والأعجمي الأول كلاهما كالإنسان الأول في الطباع والأحاسيس. فتكون الأسماء إذن سابقة للمَصادر وما يشتقُّ منها من الأفعال والأسماء، على خلاف ما تروي.

    (٢) ولو أن اليونانيِّين عقب أخذهم حروف الهجاء من الفنيقيين لم يضعوا حروفًا للحركات، بل استمرَّت كتابتهم إلى اليوم لا تشمل إلا حروف نغمات بغير حروف حركات، فلربما رأيت غالب المُستشرقين يقولون إن اليونانية خلقها أهلها غير محتمل رسمُها لحروف الحركات.

    ولو أن النبطيين عند وضع رسم العربية أدرجوا هم أو الجاهليون الأولون في غضون الكلمات حروفًا أو زوائد خاصة للدَّلالة على الحركات، لأخذناها عنهم قضية مسلَّمة، ولما خطر في بالنا ولا في بال المستشرقين أن خلقتَها الأولى غير محتملة لحروف الحركات. لكنهم لم يضعوا، بل احتذوا حذو جيرانهم من السريانيين والصابئين الذين تذكرهم. وهذا من جميعهم نقص فاحش يُحاولون سدَّه في كل الأزمان، بما في الإمكان. غير أنَّ الأقدمية والآثار السالفة والعادات المتأصِّلة لها حكمها القوي الذي يدفع إلى الصبر على كل منقوص مع الاقتناع بأنه منقوص. فأرجو سيدي أن لا يتعلَّق كثيرًا بتقديرات المستشرفين فيما هو قابل عقلًا للأخذ والرد من الشئون. ولا تَلُمني فأنت نفسك قلت فيما بعدُ: إنَّ إدخال حروف للحركات في كتابة الصابئين عدَّه العلماء تقديمًا. ولا تعجل بالاعتراض فسترى كلامي على تلك النقطة وعلى ما قيل من أن المدَّات في تلك اللغة اختلطَت بالحركات القصيرات.

  • ثانيًا: (١) أما قولك في الحركة إنه لا يؤبه لها في رسم العربية، فلا شكَّ أنه من جانبك تقرير للموجود في الواقع. أما إذا كنتَ تريد به عدم أهمية رسمها، فإني أنكره عليك أشد الإنكار. ليكن الأصل في الكلمات العربية المصادر لا الأفعال الماضية، ولتكن ثلاثية الأصول كما يقولون، أو ثنائيتها كما يقول حضرة القسِّ مرمرجي، ليكن من هذا ما يكون، فإنَّ حروف النغمات الجوهرية الصامتة Consonnes مهما يكن لبعضها من جرس صفيري يُستثمَر بعض الزمن؛ كالزاي والسين والشين وغيرها، فإنها جميعًا يستحيل أن تُفْهِم شيئًا بدون الحركات. وليكن فيها حروف المد: الألف والواو والياء؛ فإنَّ هذه لا تؤدِّي لك سوى مقطع مفتوح ممدود أو مضموم ممدود أو مكسور ممدود. ومثل هذه المقاطع ليست هي كلمات العربية، بل قد تكون حكاية لأصوات بعض الحيوانات أو الجمادات؛ فالحركات — كما قدمت — هي روح العربية وملاكُها، وإذا حذفتها من الرسم كان ذَرِبُ اللسان عند النُّطق كالأخرس سواء بسواء.

    (٢) وليس في كل ما أوردتَه عن الحركة وسبَقِها للحرف أو مقارنتها أو تُلُوِّها له أقلُّ فائدة في موضوعنا، لتكن الحركة من ذلك ما تكون، فإنها هي هي ذلك الشيء الذي لا يجهله أحد من القارئين، بل كلهم يَعرفونه بالضرورة.

    كذلك لا يوصلنا لشيء ما تقوله قبل ذلك من أن الحركة صفة للحرف وليست حرفًا. لا يوصل؛ لأنَّ أحدًا لم يدَّعِ، ولا يُمكن أن يدَّعي أن الحركة حرف نغمة. وإذا كنتَ أجهدت نفسك بلا مقتضٍ في توجيه المتضارب من أقوال النحويين، كما أجهدتها أيضًا في الاستشهاد هنا بمَن قالوا إنها عرض، وبمن قالوا إنها صفة، استِنصارًا وترهيبًا بالعلماء وأقوال العلماء في غير ما موضع لهذا الاستِنصار والترهيب، فاعلم يا سيدي أني قد أعرف تكميل ما أوردته منقوصًا في هذا الصدد، أستطيع أن أقول: إنَّ الحركة عَرَضٍ ملازم للحرف بالقوة أو بالفعل. والعرض الملازم خاصة منطقية كالضَّحِك للإنسان، والخاصة المنطقية تدخل في التعريفات فيكون التعريف بها رسمًا لا حدًّا. فإذا قلتَ إنَّ الحرف الجوهريَّ في الألفاظ العربية (هو نغمة من نغماتها قابلة للحركات)، إذا قلت هذا، وهو صحيح كل الصحَّة، فقد عرَّفت الحرف الجوهري Consonnes، على أني قد أترقَّى في البيان فأدَّعي أن الحركة جزء من ماهية الحرف، وأعرِّف الحرف في العربية بأنه «نغمة خاصة يلفظ بها في الكلمات العربية على وجه خاص.» وهنا أصبحت الحركة فصلًا منطقيًّا وجزءًا من ماهية الحرف، فإذا أردتَ أن تدلَّ، في ألفاظ الكلام، على هذا الحرف العربي، بالخط، وجب عليك حتمًا أن تجعل الهيكل الدالَّ مُعيِّنًا عرضَه الملازم له الظاهر عليه بالفعل (على التعريف الأول)، أو الوَجْهَ الخاص المنطوق به (على التعريف الثاني). على أنَّ كل هذا الكلام من جانبي ومن جانبك — خطأً كان أو صوابًا — هو حشو وتزيُّد لا ضرورة له ولا بلاغ فيه. والحقيقة الوحيدة التي ينبغي أن تكون أساسًا لما نحن فيه، هي أن رسم اللغات من اختراع الإنسان؛ فهو يغيره وينوِّعه كما يشاء، لا فرق في هذا بين العربية وغيرها. وأنت إذا استبقَيت الحروف العربية كما هي، ووضعت لها حروفًا خاصة للحركات أو زوائد خاصة للحركات، أو اتخذت لها أي رسم من رسوم اللغات الأجنبية يبين نغماتها وحركاتها، فإنها لا تعصيك فيما تريد من هذا. وهل التركية والفارسية والجاوية والهندية عصتْ عندما أُلْزِمتْ رسم العربية؟ أو لغات أوروبا عصتْ عندما ألزمت رسم اليونانية؟ كل كلام في هذا الموضوع ميسور الإكثار منه لكل إنسان، ولكنه لا يُفيد. فأرجو أن لا تَسترهبني بما تُسمِّيه دلائل العلم، ولا بالإكثار من التقريرات الشبيهة بتقريرات العلماء مع خروجها عن الموضوع وعدم فائدتها فيه.
  • ثالثًا: (١) أما قول سيدي: «إنَّ أحد علماء السريان وضع سبع صور للحركات وأدخلها في هياكل الكلمات، ولكنَّ عمله فشل بعد موته.» فإني لا أدري كيف جعل هذا العالمُ شكلَ ما اخترعه من تلك الحروف. إنها إذا كانت، بالإضافة إلى السريانية (التي لا أَعرفها) من قبيل ما تقدم لمجمعنا اللغوي من الاقتراحات بشأن رسم العربية — مما ترى نماذج كثير منها مرسومة في آخر المطلب الثالث من هذا الكتيِّب — فإنه عمل كان خليقًا بالإخفاق والزوال. أما إن كان عمل هذا العالم جيدًا مُتقنًا مفيدًا، فمستحيل أن يكون سبب إخفاقه متانتَه وفائدتَه، بل يكون السبب صعوبة إرضاء عواطف الناس وشهوات الناس. وعلى إمكان صحة هذا التقدير فليس لسيدي أن يحتجَّ هنا بحبوط ما يكون أتاه هذا العالم من العمل المتين المفيد.

    (٢) تقول إنَّ الصابئين وإن كانوا أدخلوا حروف الحركات في رسم كتابتهم، وكان العلماء عدُّوا عملهم هذا تقدُّمًا، لكنَّ العالِم نولدكه قال إنه أدَّى إلى عدم تمييز المدَّات من خفيف الحركات. إني أيضًا لا أعرف لغة الصابئين (المندعيين). وكذلك لا أعرف كيف هيئوا لها حروف الحركات، لكني ألْفِتُ نظر سيدي إلى ما روَى مما يفيد أن عملهم أخذ قومهم به وأنهم مستمرون عليه، ومن أن العلماء اعتبروه تقدمًا. هؤلاء العلماء لا بدَّ أنك تعني بهم المستشرقين المشتغلين باللغات السامية. وإذا لاحظتَ هذا علمتَ أن أقوال أولئك العلماء الذين تَستنصر بهم لتقرير أنَّ ألفاظ اللغة العربية — وهي من اللغات السامية — تأبى — بأصل رسمها، أو بأصل تكوِّنها، أو بأصل خلقتها (كما تشاء) — وضع حروفٍ فيها للحركات، إنما هو تقرير للواقع في رسمها ليس غير. وأنه لا يَمنعك مانع من أن ترسم نغمات ألفاظها بأي رسم آخر تريد، ولا أن تضع لها من حروف الحركات التي تناسبها ما تختار. أما ما رواه السيد عن العالم نولدكه، فأغلب ظني أن نقدَه لا يكون آتيًا إلا من سوء رسم ما أدخلوه من حروف الحركات. وإنك إذا راجعتَ نماذج ما قدم لمجمعنا من الاقتراحات لوجدت من بينها ما لو اتخذ لوقع الخلط حتمًا بين الحركات القصيرة وبين المدَّات (انظر نموذج رقم ٢ في [المطلب الثالث، ١٣]).

  • رابعًا: أما قول سيدي إنَّ إدخال حروف الحركات اللاتينية في الرسم العربي يئول بالزمن إلى اعتبارها حروف مدٍّ فتفسد أقيسة اللغة وأوزان الشعر، وأنَّ التلقين لا يغني؛ لأنَّ القاعدة فاسدة الأساس … إلخ إلخ.
    قولك هذا يا سيدي من أغرب ما يكون. إنَّ اللغات المرسومة بالحروف اللاتينية متعدِّدة، وحروف الحركات فيها كثيرة جدًّا، وأغلبها شائع في جميعها، كما أن أغلبها يَختلِف توجيهه النغمةَ في لغة عنه في الأخريات. ونحن للآن لم نسمع إنجليزيًّا ينطق في لغته حرف u أو e كما يَنطق بهما الفرنسي أو الألماني أو الطلياني، كلٌّ في لغته. ولم نرَ أن تعدُّد تلك الحروف مع تجاور ديار تلك الأمم خلط لغاتها بعضها ببعض، فجعل ما يُنطَق به في بعضها كفتحة أو ضمة أو كسرة خفيفة قد غرَّر بأهله، أو أعدى الجيران فنطَقوا به ممدودًا، فأفسدوا لغتهم وما لِشعرِهم من الأوزان. أظنُّ أن قول سيدي في هذا الصدد هو الفاسد، وأنه مجرَّد تهويل. فأرجو إعفائي من مثله، ومما تقول من أنَّ اللاتينية قد كتبت بها السودانية والتركية فأفسدتهما.

    إذا كان أحد كبار السودانيِّين قد أخبرك بهذا — كما تقول — فلا بدَّ أنه وقفك على جليَّة الخبر. ولا بد أنه أعلمك ما وقَع وما هو واقع الآن في السودان القريب من خطِّ الاستواء في مناطق تسكُنها قبائل الدنكا، والشلوك، والنوير، والنيام نيام، وغيرها، وكلُّها قبائل همجية لا تتكلَّم العربية، بل لكلٍّ منها رَطانته الخاصة التي لا قيمة لها في الوجود. تلك القبائل قد تسلَّل بينها المبشِّرون — كما سمعتُ أخيرًا — وأرادوا ضبط رطانتهم بالكتابة ليتعلموها هم ويُعلموهم كتابتها، فضبطوها بالأحرف اللاتينية، فتشوه النطق بها طبعًا؛ لأنَّ هذه الأحرف وحدها لا يمكن أن تؤدِّيَ النغمات الخاصة بتلك الرطانات. والقسُس المبشرون أنفسهم لا يستطيعون تصريف ألسنتهم بها، فهم يَكتبونها بالاجتهاد. ولا يُهمهم أن تتشوَّه أو لا تتشوَّه؛ لأنها لا قيمة لها في ذاتها على أية حال. ولئن صحَّ ما سمعتُه أنا من هذا — وقد لا يبعد أن يكون صحيحًا — فأين ما نحن فيه مِن عمل المبشرين ذاك؟ وكيف يَسمح سيدي أن يُدخل هزل العمل في جدِّه، فيحتجَّ بتلك الرطانات؟

    أما التركية فأرجوك أن تسمع أهلها — لا الناقمين ولا المشرَّدين — لتعلم كيف أفادوا من تعديل رسم لغتهم أكبر الفوائد، وأن نُطقَ لغتهم لا زال هو هو على ما كان عليه. وهل كان الرجل التركيُّ في عهد الرسم العربي يَستطيع أن ينطق النغمات الخاصة بالعربية؟ ألم يكن يَنطق الثاء سينًا، والجيم المعطَّشة تارة مفشوشة وأخرى مكزوزة كأنها تاء وشين، ويَنطق الحاء هاءً، والذال والضاد زايًا، والطاء تاءً، والظاء زايًا مفخَّمة فقط، والعين أَلِفًا، والقاف كافًا؟ فنُطقهم لا زال هو هو. يتحكمون بلوكتهم القومية في الحروف اللاتينية كما كانوا يتحكَّمون بها في العربية. فدعنا من الكلام الغير المفيد.

  • خامسًا: إنك في صدر مقالك جعلتَ المسائل التي عوَّلت على الكلام فيها أربعًا، وقلت إنَّ رابعتها هي: «هل في الإمكان درك نقص الحركات دون التجاء إلى الحروف اللاتينية؟» فاستبشرتُ أنا خيرًا وقلت لنفسي: علَّ خروج الفصحى لبرِّ السلامة يكون وقته قد حان. لكنَّك لم تتناول في أقوالك التي نشرت في ثلاثة أعداد من «الثقافة» آخرها الصادر في أول أغسطس سنة ١٩٤٤ إلا المسائل الثلاث الأولى التي أوردتُ فيما تقدم كلامك فيها ورددتُ عليه. أما المسألة الرابعة، وهي ملاذ العائذين، وهدف الأهداف، وغاية الغايات، ومحطُّ الرحال، فإنك أنزلت رحلَكَ في الصحراء قبل أن تبلِّغنا محلَّها وتمتعنا بسَنا محيَّاها. إنك حين صرتَ منها على كثبٍ أمسكت عن الكلام، وعلَّلتنا بوعد مجرد لم تسمِّ لإنجازه أجلًا. قلت إنك «ستوافي المعارضين بما يرضي رغبتهم في جعل الكتابة العربية تدلُّ على الحركات في أصل الكلمة بما يقطع دابر الإشكال.» حرام عليك ما أقساك! إنك بهذا حسبتَنا كَمُّونًا إن فاته السقيُ أغنتْه المواعيد، بل تركتنا كمن يقف به المِصْعَد بين طبقتَين، لا إلى العُلْيا وصل، ولا إلى السفلى يعرف كيف النزول. فهو خافق القلب مضطرب الحشا، حتى يشاء الله فيقيِّض له مَن يُنقذه. أفيكون الأمر يا سيدي أنك أجهدت نفسك في كلام طويل مديد لمجرَّد استرهابي بالعلم والعلماء؛ حيث لا علم — كما بينته لك — ولا قيمة فيما نحن فيه لما تَنقُل من أقوال العلماء؟ ولماذا تَسترهبي بغير الحق، وأنا — مع احترامي الكلي لك ولغيرك — لم يَسبق لي التشرُّف بمعرفة شخصك الكريم، ولا جرت بيننا معاملة مما يُوغر الصدور ويَبعث على الترهيب؟ ألعلَّك لا تكون أنت مختارًا في نشر كلامك، بل تكون ملهمًا فيه من بعض الأجلاء، وتكون في ذلك كبعض المُعترضين عليَّ من المصريِّين؟! قل لمُلهميك إنهم مُخطئون، فإني أعرف فضلهم وسمو مكانتهم في أهلهم وعلوِّ كَعبهم في الآداب، ولا أكنُّ لهم إلا كل احترام وإجلال. ومهما يكن من الأمر، فإني يا سيدي باقٍ في انتظار إنجازك وعدَك. وفي اليوم الذي يَهديك الله إلى العثور على طريقة — غير الشكل وغير تلك الطرُق التي ترى نماذجها هنا — تجعل كتابة الفصحى مستوفيةً ما يُيسر لكل فرد من أية الطبقات أن ينطق بها على الوجه الصحيح، بلا لحن ولا خطأ ولا توقُّف أو إعمال فكر، بل كما ينطق الأجانب بالمكتوب من لغاتهم، في ذلك اليوم يا سيدي تراني على الفور ممزِّقًا اقتراحي، دافنًا أشلاءه في الأرض السابعة تهجينًا له واستقباحًا، ورافعًا عملك إلى السماء السابعة إكرامًا له وتمداحًا. وكل رجائي منك أن يكون إنجاز وعدك على هذا الوجه في يوم قريب.

    والسلام على السيد ورحمة الله وبركاته.

١  لم يعثر على أثر من مصاحف عثمان بن عفان. ولكنَّ المرحوم حسن أفندي الهواري — من رجال دار الآثار العربية — عثَر بين القبريات التي بالدار على حجر منقوش عليه اسم الميت وعبارة تتضمَّن الدعاء له وتاريخ جمادى الآخرة سنة ٣١؛ أي إن هذا النقش كان في خلافة عثمان بن عفان. وإليك بعد صورته الفتوجرافية تعرف منها كيف كان الرسم وقتها بدائيًّا سخيفًا يغمُّ النفوس ويَحسر العيون. (انظر شكل ١)
٢  بل زعم بعضهم أنه مُتلقَّى عن خط كاتب الوحي لنبيِّ الله هود عليه السلام.
٣  راجع رسالة «أصل الخط العربي» التي وضَعها حضرة الأستاذ خليل يحيى نامق، ونال عليها درجة الماجستير من كلية الآداب بجامعة فؤاد، وهي مطبوعة سنة ١٩٣٥.
٤  مشيرًا بذلك إلى ما قلته في مسألة «الشكل» وإفلاسه، جاهلًا قول الجارم بك فيه.
٥  إن الخليل بن أحمد صاحب كتاب «العين» وهو أول معجم لُغوي، تُوفي في سنة ١٨٠ هجرية. والأصمعي تُوفي بعده بنحو ٣٢ سنة أي حوالي سنة ٢١٢ﻫ. وأبا منصور الهرويَّ صاحب معجم «التهذيب» تُوفي حوالي سنة ٢٧٦ﻫ. وأبا نصر الجوهري صاحب معجم «الصِّحاح» تُوفي حوالي سنة ٤٠٠ﻫ. وكل هؤلاء العلماء اللغويين إنما وضعوا كتبهم أخذًا من أفواه الأعراب البادين في الصَّحراء. فاللغة العربية كانت حافظةً لكيانها بطبعها إلى آخر القرن الرابع الهجري، ولا شأن لقوة العرب ولا لضَعفهم في هذا الباب. إنما قوة العرب كان لها شأنٌ كبير لا في ذات اللغة بل في الصِّناعة العلمية اللغوية من نحوٍ وصرفٍ وبلاغة وما أشبه ذلك. وقد اضطرُّوا لهذه الصناعة؛ لأنَّ ما أصابوا من الفتوح أكثر بينهم الأعاجم، فأفسَدوا اللغة وساعَدوا قانون التطور على هذا الإفساد. اضطرُّوا لها كيما يحجزوا هذا التيار الجارف الذي قضى على كثير من السجية العربية السليمة الأولى.
٦  مع وضع همزة بدل ما يكون منها في صدر الكلمة كما نبَّهتُ إليه.
٧  [راجع المطلب الثاني: الاعتراض رقم ١٢ والرد عليه.]
٨  وإذن فتطبيقًا لرأيه يجوز أن يقال: أربع رجال وأربع نساء. في مساجد. رأيت نسوة مجتهداتًا. جاء من قبل. نضرب، نخرج، نأكل، بالفتح في الكل، أو الكسر في الكل، أو الضم في الكل.
٩  ووضعهم هذا يُشبه وضع الأتراك (قبل الآن) ووضع الإيرانيين والجاويين والهنود المسلمين، ممَّن اتخذوا الحروف العربية لرسم كتابتهم، فلما لم تُسعفهم اضطر الإيرانيون — مثلًا — لوضع حروفٍ أو إشارات خاصة للدلالة على بعض نغمات لغتهم التي لا مثيل لها في العربية وأخذها عنهم الأتراك، ولكنهم جميعًا — على خلاف الأوروبيِّين — لبثَّت عندهم تلك العاهة المستديمة الخاصة بحركات الحروف، وقد عالجها الأتراك ما استَطاعوا، فلما يئسوا اتخذوا الحروف اللاتينية باعتبارها الوسيلة المتعينة للعلاج.
١٠  إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والنمسا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا وغيرها، وكل قارة أميركا وأستراليا وجنوب أفريقية.
١١  هذا الدافع الأول الخاص بأداء النغمات هو الذي قد يَحمل الأوروبيِّين بسبب قوة أثرِه على شيء من تعديل كتابتهم بغير مسٍّ بأشكالها في الجملة؛ وذلك كالاستعاضة عن المركبات بحروف مُفردة، أو تحديد النغمات المختلفة للحرف الواحد ببعض المميزات التي لا تُخلُّ بشَكلِه الحالي، مع إشاعة هذا في كل الأمم التي تكتب بالحروف اللاتينية، مما يقتضي تضافُر رجال العلم والفن والأدب وتدخُّل الحكومات، وهو في ذاته غرضٌ بعيد. أما فوق هذا من تغيير أشكال الحروف في طورهم الحاضر الذي لا يعلم مداه وغايته إلا الله، فمن المحالات.
١٢  كل ما في الأمر أنَّ أهل كل لغة لهم — بحسب اختلاف الأقاليم — لوكات في النُّطق بالمكتوب من فصيح لغتهم، كلوكتَي الأمريكيِّين والإنجليز، ولَوكة أهل شمال فرنسا أو ألمانيا وأهل جنوبيهما. واختلاف لوكات اللسان طبيعي، وقد اختلفت لوكات عرب الجاهلية في لسانهم الذي كله فصيح.
١٣  ومنهم في مصر الدكتور سليمان عزمي باشا الذي ما عَلم — وهو عميد كلية الطب — أنَّ المجمَع اللغوي يشتغل بتيسير رسم الكتابة، حتى قام مُستغيثًا من النقطات، طالبًا جعلها جزءًا من بنية الحروف حتى لا تَختلط المتشابهات ويضلَّ القراء في التفريق.
١٤  أخذتني هنا بما رأيته في اقتراحي من استبقاء كثير من الحروف العربية لأداء نغماتنا الخاصة. وأصرِّح للسيد بأنَّ رأيي في هذا كان فطيرًا لضيق الوقت عن التمعُّن والدراسة حق الدراسة. ولقد أرى الآن التعديل فيه؛ فحروف الصاد والضاد والطاء والظاء التي استبقيتَها ورأيتَ كتابتها مقلوبة الوضع (كما ترى في النماذج التي في آخر هذا الكتيب) لتتمشَّى مع اللاتينية، قد أرى الاستعاضة عنها بأشكال أخرى تُستمدُّ مما يضعه الاختصاصيون لنغمات مختلف اللغات. وقد أعدل في الباقي عند الاقتضاء تعديلًا يكون خيرًا وأولى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤