مقدمة

(١) في ثمرة علم التاريخ وأقسامه

ذكر ابن خلدون رحمه الله تعالى في أول مقدمة تاريخه ما نصه:

اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا.

فالتاريخ هو مرآة الأزمان، ومنبع العلم والحِكَم، وناصر العدل والفضيلة، فهو يرشد الإنسان أن الفضل دون غيره يورث العظم والاحترام، ويشخص لنا الوقائع وقد سلفت، ويعيد لنا الممالك وقد ذهب رسومها وعَفَتْ، فيرى الإنسان دماء الأبرياء والشهداء قد جعله التاريخ أسواطًا للحق يضرب بها أهل الشر إلى يوم الميقات، ويلطخ بها صفحاتهم حتى تكون عبرة لمن اعتبر، وكذا يسمع عند تقليب مهارقه صياح الأمم وأنينهم تحت نير العبودية القديمة، فيخرج وقد آلى على نفسه أن يكون من أنصار الجنس البشري وأعوانه، يطلب الحرية أينما كانت، ويمدَّ يد المساعدة لمن يطلبها، وكذلك يطلعنا على أحوال من مضى من الرجال أولي المنازل الخطيرة، ويوقفنا على كافة أحوالهم وأفعالهم ومشروعاتهم ومقاصدهم وفضائلهم، فيعلي قدرهم ويلبسهم ثوب التجلة، فمن ذلك تعلم نفاسة علم التاريخ وفائدته العظمى.

وينقسم علم التاريخ إلى قسمين عظيمين؛ تاريخ طبيعي، وتاريخ مدني.
  • أما الأول: فليس من موضوع كتابنا هذا.
  • وأما الثاني: فهو علم بأصول يبحث فيه عن الإنسان من حيث التمدن والعمران، وينقسم إلى فرعين: تاريخ عام وتاريخ خاص.

فالتاريخ العام: هو عبارة عما يشمل تاريخ النوع الإنساني وحاله العمراني من عهد الخليقة إلى عصرنا هذا.

وقد جرت عادة مؤرخي الفرنج وغيرهم على تقسيم التاريخ العام إلى ثلاثة أقسام؛ الأول: التاريخ القديم أو العالم القديم، وذلك من ابتداء الخليقة إلى ظهور المسيح عيسى عليه السلام. الثاني: التاريخ المتوسط أو القرون الوسطى، وذلك منذ ظهور المسيح عليه السلام إلى استكشاف أمريكا سنة ١٤٩٢م. الثالث: التاريخ الحديث أو القرون المتأخرة وذلك من استكشاف أمريكا لغاية وقتنا هذا.

وقد ينقسم أيضًا إلى قسمين: قبل الطوفان، وبعده. أما قبل الطوفان فهو من ابتداء الخليقة إلى حادثة الطوفان.

وأما بعد الطوفان: فينقسم إلى فرعين؛ الأول: من ابتداء حادثة الطوفان لغاية فتوح القسطنطينية بالإسلام في عهد السلطان أبي الفتح محمد خان سنة ١٤٥٣. والثاني من ابتداء فتوح القسطنطينية بالإسلام لغاية وقتنا هذا.

وأما التاريخ الخاص فينقسم أيضًا في اصطلاح المؤرخين إلى قسمين؛ الأول: التاريخ الخصوصي، وهو عبارة عما يختص بغرض واحد معين كتاريخ مدينة أو عائلة ملوكية أو ذات مخصوصة، وهذه الصورة الأخيرة تعرف في اللغة الفرنساوية باسم بيوجرافيا «السيرة أي القصة» كسيرة سيدنا محمد وغيره.

الثاني: التاريخ الجزئي وهو ما يتعلق بخصوص مدة شهيرة أو حادثة كبيرة كتاريخ حروب الصليب وغيرها.

وينقسم علم التاريخ إلى ما يسمى في اللغة الفرنساوية باسم الكرونولوجيا؛ أي علم الأزمان، وهو ما يتبع ترتيب الإعصار على وجه الانتظام.

وإلى ما يسمى الإتنوجرافيا، وهو ما يتتبع تاريخ كل أمة على حدتها، فإن تتبع جميع الحوادث الواقعة من الأمم الشتى في عصر واحد سُمِّي باسم السنكرونيسم. ويسمى بالتاريخ النظري أو الفلسفي إذا كان المؤرخ قد اقتص الوقائع مع توضيح أسبابها ومسبباتها وغير ذلك.

(٢) تشعب الأمم

يظهر لمن درس لغات الأمم وسمع رواياتهم وكان على جانب من علم سِيمَا الوجوه أن الأمم القاطنين عند مصبات نهر التنك في آخر حدود المشرق، والأمم القاطنين على امتداد سواحل البحر الأبيض المتوسط هما من نسل عائلتين كبيرتين يخرجان من أصل واحد، غير أنهما انفصلا بفاصل عظيم ألا وهو اختلاف لغاتهم. وهاتان الأمَّتان قاطنةً إحداهما غربي نهر الدجلة سامية الأصل، والأخرى قاطنة في الشمال الغربي من بلاد الهندآرية الجنس وتسمى بالجنس الهندي الأوروبي، وهذا الجنس ينقسم إلى فرعين؛ الأول: الأمم التي تتكلم بالسنسكريتي (أي اللغة الأصلية القديمة)، وذهبوا إلى الشرق جهة الهندستان. والثاني: الأمم التي تتبع الكتاب المقدس المسمى «بالزند» قطنوا بالغرب جهة العجم، وقد مكثت البراهمة ومن تتبع مذهب زرادشت في الوحدة والعزلة خارجًا عن التمدن الأوروبي إلى عهد الإسكندر؛ حيث بث فيهم روح التمدن وأخذوا في التقدم والارتقاء، فمن هذا المَحْتِدِ الأصلي خرجت أمم لا عداد لها في زمن غير معلوم لدى التاريخ، ونزلوا بالأرجاء الغربية إلا أنه يوجد طريقان يظهران هؤلاء الأمم قد ولجوهما عند قيامهم من آسيا إلى أوروبا؛ الأول جهة الجنوب إما من بلاد العجم أو من بلاد آسيا الصغرى والآخر في شمال بحر الخزر بصحراء «سرماسيا».

ولقد أغلق الباب الأول مدة في سالف العصر ممالك آشور وميد على أمة البيلاج والليديين وأمة هيلانة الذين ذهبوا واندثرت أخبارهم وكانوا أصل الأمم القاطنة بآسيا الصغرى واليونان وإيطاليا. وأما الطريق الثاني فقد كان مفتوحًا من سالف العصر لأمة «السلت» والجرمانيين «والسلاف»، فظهر حينئذ أن أمتين من أهل آسيا سكنتا قارة أوروبا على يمين وشمال جبلي الهيموس والألب، وكان من سكن جهة الألب أقدم ممن سكن بالهيموس، والغالب على الظن أن اللغات التي كانت تتكلم بها الأمم القاطنة تحت هذين الجبلين مشتقة من السنسكريتي، وأن اللهجات الجرمانية للأمم الشمالية تقرب من لغة «الزند» وبعض لغات أمة «السلت» و«الجايليك» تقرب من لغة البراهمة، والبعض الآخر يقرب من لغة المجوس فالهند وبلاد فارس وآسيا الصغرى، وكافة أوروبا جميعها من الجنس الآري. وأما الجنس السامي فهو الجنوب الغربي من آسيا وشمال أفريقا وجنوب إسبانيا، وفي هذين الجنسين وجد الجنس الإنساني تمامه المادي والأدبي. وكلما تقدم الإنسان جهة الغرب وجد أن الجنس الآري والسامي قد صادما في طريقهما قدماء قارة أوروبا القديمة؛ فأمم السلت وجدوا أمامهم أقوام «الأيبر»، فدفعوهم إلى جبال البرينيه، ولم تزل ذريتهم باقية إلى الآن، ويعرفون باسم «اسكوبالدونا». وقابلت الأمم الجرمانيون وأمة السلاف وأمة «فينوا» و«لايون»، فطردوهم إلى الأقاليم الشمالية، وقد استأصلت أمة القوقاز في أقاليمها العالية الصعبة العبور أممًا لم يعلم لهم أصل لدى التاريخ.

وفي أعالي جبال الأطلس وطأت البرابرة بأرجلهم تأثير سلطة المور «المغاربة» وأهل نوميديا وقرطاجة وروما والعرب والترك، بحفظهم لغاتهم الأصلية، واستقلالهم. وفي الزمن الذي تأسست فيه مملكة شارلمان بأوروبا كانت هؤلاء الأمم منقسمة إلى: «أمة الأيبر الأصلية»، وكانت تسكن جبال البرينيه بين نهر الجارون والأيبر الأعلى، وقد خالطهم بعض الفنيقيين في جهة بيطيق بإسبانيا، وبعض أمة الغالة جهة نهر التاج «وسلتيبريا»، ولقد سكنت أمة «السلت» بريطانيا العظمى وبلاد الغالة وبعض بلاد أكيتين وجزء من بلاد «تربونيز» وأعالي إيطاليا وجبال الألب وعددًا عظيمًا من بلاد الشاطئ الأيمن لنهر الدانوب وبعض أيالات آسيا الصغرى «جالاتيا». وأما الجرمانيون وأمة السلاف أو السارمات فقد اقتسموا السهول الواسعة التي بين المحيط المتجمد الشمالي وبحر الخزر، وتزاحموا وراء نهري الرين والطونة. وأما أمم اليونان واللاتين فقد سكنوا أواسط مملكة شارلمان، والأُول قد توجهت أنظارهم إلى المشرق، وأطاعوا الإسكندر والأُخر إلى المغرب؛ حيث هناك كانوا ينشرون عوائدهم ولغاتهم.

وأما جهة الجنوب فقد سكنت الأمم السامية شواطئ أفريقا، جهة البحر الأبيض، تحت اسم المور وأمة نوميديا والفنيقيين، واختلطوا في مصر بأمة الزنج — أي أهل الأتيوبيا — وفي بلاد الأرمن بالجنس الآري، وكذا بشبه جزيرة العرب وفلسطين. وأما من سكن بلاد الشام فقد خالطهم أمة هيلانة، وكان وراءهم أمة الزند وأمة السنسكريت أو الهنود، وفي أواخر المشرق الأمم المسماة «سير».

(٣) في استمداد تاريخ مصر

يستمد تاريخ مصر من كلام المؤرخين القدماء والآثار.

(٣-١) المؤرخون الأقدميون

اعلم أن تاريخ مصر قبل معرفة اللغة البربائية (الهيروغليفية) كان يستوعر طريق استيفائه ووصفه، ومن المستحيل إدراك تحديده وتكييفه وكنهه. نعم، وإن كانت نصوص التوراة دلتنا على بعض معلومات من تاريخ مصر كعلاقة المصريين بالعبرانيين مثلًا؛ حيث دلتنا على أن موسى عليه السلام ولد في عهد رمسيس ميامون الثاني، وأن خليفته «منفطا» هو الذي في عصره كان خروج بني إسرائيل من مصر. شيشنق الأول أحد ملوك العائلة الثانية والعشرين حاصر مدينة أرشليم، إلا أن هذه النصوص لم تكن كافية لمعرفة الكرونولوجيا المصرية، ولم يكن إلا في القرن السابع قبل المسيح عليه السلام، أي في القرن الثالث عشر قبل الهجرة، على صاحبها أفضل التحية؛ حيث عثر على أرقام مضبوطة تنسب إلى الكرونولوجيا اليونانية. واعلم أن أقدم مؤرخ قد كتب لنا شيئًا من تاريخ مصر هو المؤرخ اليوناني «هيرودوت»، الذي راد سواحل النيل في سنة ٤٥٥ق.م، وقد جاء بعده المؤرخ «ديودور الصقلي» في سنة ٨ق.م، وكذا الجغرافي «استرابون» أحد معاصري المؤرخ السابق الذكر والبيان، وهو الذي جاب مصر إلى الشلالات، وكذا المؤرخ «بلو تاركه» الذي ألف رسالته التي موضوعها الكلام على الإلهين «إزيس» و«أوزيريس» في آخر القرن الأول من الميلاد. وهؤلاء المؤرخون قد وصفوا لنا مصر بما عهد فيهم من الصداقة وعوائد المصريين وأخلاقهم ودياناتهم ونظاماتهم وجميع الأعمال التي صادفت سياحتهم، غير أن مؤلفاتهم هذه لم تكن كافية لتشييد دعائم هذا العلم؛ نظرًا لجهلهم لغة البلد، فإنهم وصلوا إلى روايات غير قادرين على تحقيقها.

وفي القرن الثالث قبل المسيح ألَّف المصري «مانيتون السمنودي» والقسيس الأول لمعبد «هيليوبوليس» وأمين خزائنه تاريخًا لمصر، لكن لسوء الحظ فُقد هذا المؤلَّف العظيم، ولم نعثر على شيء منه إلا بعض ما نقله إلينا المؤرخ «يوسف» في تاريخ الأمة العبرانية، والمؤرخ «إيزيب» و«جيورج لوسنسل» اليوناني في القرن الثامن من المسيح، وجدول الملوك الذي اعتمده بعض علماء الفرنج، وهذا الجدول الذي اعتنى بجمعه القسيس المذكور مقسم إلى عائلات ملوكية تشمل جميع الفراعنة الذين حكموا مصر منذ تأسيس الهيئة الحكومية إلى ظهور الإسكندر المقدوني، وقد أودعه بعض التفاصيل البيوجرافية وتعيين بعض السنين، وبجمع هذه السنين نستدل على أن الهيئة الحكومية قد أسست بمصر قبل المسيح عيسى عليه السلام بمدة تزيد عن ٥٠٠٠ سنة.

إلا أنه لم تتفق كلمة المؤرخين على هذا التاريخ، والصعوبة التي أوقفت معرفة مدة حكم كل عائلة هي كون المصريين كانوا يجهلون أمر الكرونولوجيا، ومع كُلٍّ فإن الفاضل «ماسبيرو» استدل بصحيفة ترجمها أن سنة ١٤٠٠ قبل الميلاد تقابل إحدى سنى حكم رمسيس الثاني، ولكن هذه العبارة وغيرها لا يحققهما شيء من هذا القبيل، وإن حققهما شيء يتحقق عندنا كثير من التواريخ بدون أن تتعين نقطة تكون مبدأ للتاريخ، ولكن يمكن أن يقال على رأي العلامة ماريت باشا إن استعمال تاريخ خاص كان مجهولًا عند المصريين القدماء، بل كان من عادتهم أن يحسبوا الحوادث بسني حكم الملك الذي وقعت في مدته تلك الحادثة، فمن ذلك يتعسر الوقوف على شيء من أمر الكرونولوجيا بما أنهم كانوا تارة يحسبون من ابتداء السنة التي مات فيها الملك السابق وتارة من يوم مبايعة الملك الذي أخلفه، فمهما كانت المقادير الظاهرية لهذه الحسابات ومهما كان تقدم العلم الحالي سنقف عند تحديد زمن للكرونولوجيا المصرية لجميع السنين السابقة لحكم «بساميتيك الأول» سنة ٦٦٥ق.م.

ولا يمكننا أن نضبط هذه التواريخ إلا على وجه التقريب وإن «مانيتون» هو الواجب علينا اتباعه في مثل هذه الريوب، ولو أن ما نصه ضادَّه كثير من المترجمين الذين ترجموا كثيرًا من الصحف الهيروغليفية.

وجدول الملوك يعتبر فيه في الغالب أسماء الملوك، وأما التواريخ فهي فاسدة لا يعوَّل عليها.

وأما إذا اتبعنا طريقة البحث والتدقيق فإننا لا نرى الكرونولوجيا قد عملت لنا معرفة جيدة لا نقض فيها ولا إبرام إلا من القرن السابع قبل المسيح، ولكن الصعوبة تتزايد علينا كلما شرعنا في تعيين زمن حكم كل عائلة قبل هذا الوقت، ويلزم اعتبار تاريخ ما قبل «بساميتيك» ليس إلا ريبًا محضًا لا نهاية له، وأما من خصوص مجموع التواريخ وتعاقب العائلات والآثار التاريخية فاتحاد المؤرخين عليها كفاية.

وقد قال المعلم «فونتان» قد يمكن أن نتسع في المناقشة إذا نظرنا لمسألة وحيدة وهي هل منا أو مصرايم كان هو أول ملك لمصر وهو منظم البلد أو هو ليس إلا ملك من ملوكها قد سبقه غيره من الملوك، ولكن لا يمكننا أن نجحد حكمه أصلًا؛ لأن التاريخ القديم لمصر خلا بعض تفاصيل هو معلوم جيدًا من ابتداء «منا» لغاية دخول مصر تحت حكم الرومان.

ومن عهد الأزمان الغابرة كانت تعرف المصريون السنة الشمسية وتقسيمها إلى ٣٦٠ يومًا وإلى ١٢ شهرًا، وكل شهر ثلاثين يومًا و٥ أيام في آخر السنة وهي المعروفة بأيام النسيء. وبعد ذلك اخترعوا زمنًا فلكيًّا بديعًا؛ لأجل أن يتوصلوا به من زمن إلى آخر، لاتحاد هذه السنة بالسنة الحقيقية وهي ٣٦٥ وربع، ولكن لما كانوا لا يعرفون مثلنا الآلات البصرية المستعملة في الأرصادات فما كان عندهم من المعلومات ليس إلا نتيجة أرصادات عينية، فعوضًا عن أنهم كانوا يضيفون يومًا واحدًا في آخر كل أربع سنوات كانوا يضيفون سنة كاملة في كل ١٤٦٠ سنة؛ أعني ٣٦٥ في ٤، وأوائل هاتين السنتين تتحد مع زمن شروق كوكب الزهرة (المسمى سوتيس) أو سيريس (التي كان شروقها دليلًا على أول السنة وحصول فيضان النيل، وكان لهذا) الوقت أعياد ومواسم كبيرة في البلاد، وقد جرب كثير من العلماء صحة جدول «مانيتون» باشتغالهم بتحقيق بعض التواريخ المعاصرة لبعضها المتنازع فيها، فمثلًا لما اعتبر على وجه التجربة شروق الزهرة مناسبًا لسنة من سني حكم ذكره «مانيتون»، فكل من العلامة بيوت وروجيه الفلكيين أمكنهما بواسطة حسابات قمرية بطرق فلكية تعيين زمن هذه الظاهرة بالسنين الجليانية، وبذلك علم حكم الملك الذي حصلت في مدته هذه الظاهرة الفلكية ولكن هذه النتيجة الحسناء الصادرة عن فكرة وذكاء لم تسلم من نقد العلماء.

وقد ذكر لنا المؤرخ «فرنسيس لونورمان» أن الملك رمسيس الثالث نقش على جدران هيكل مدينة «أبو» تعديلًا عظيمًا للأعياد والمواسم الدينية، حينئذ على حسب هذا التعديل فيوم عيد شروق كوكب الزهرة يعين لنا أن نقش تذكاره يستفاد منه أن السنة الثانية عشرة من حكم الملك رمسيس الثالث كانت إحدى هذه السنين التي اعتبرت مبدأ للعصر الفلكي للمصريين. وفي هذه السنين تطابقت السنين الاعتيادية ٣٦٥ والسنة الشمسية، وبواسطة حسابات الفلكي الشهير «بيوت» عُلم أن هذا التطابق النادر كان قد حصل في سنة ١٣٠٠ قبل المسيح، ومنه يُعرف أن جلوس رمسيس الثالث على تخت الأريكة المصرية كان سنة ١٣١١ق.م.

وقد قرأ العلامة «شاباس» على ورقة من البردي عبارة يستدل منها على أنه في السنة التاسعة من حكم الملك «منقرع» حصل شروق الزهرة، وبما أنه عندنا جملة نقط مبدأ معينة لجملة شروقات للزهرة فبالحساب نجد أن السنة التاسعة من حكم هذا الملك هو محصور ما بين ٣٠٠٧ و٣٠١٠ق.م، ويُرى من هذه الحالة أن زمن العائلات الأولى كان زمنًا بعيدًا جدًّا، ولكن هذه الطريقة ليست مقبولة إلا احتياطًا فقط؛ لأنها تعين الكرونولوجيا المصرية بواسطة أرصادات فلكية هي من الضروري غير مضبوطة، ومع ذلك يمكننا أن نقول على رأي «مارييت» باشا إن فرق ٧٠٠ إلى ٨٠٠ سنة في مثل هذه الأحوال ليست إلا نتيجة خطأ من المحتمل صحته.

(٣-٢) الآثار

لا ريب أن قدماء المصريين هم أول أمة لها الفضل الأوفر على ما عداها من الأمم؛ إذ علمتهم مبادئ التمدن وأخرجتهم من مفاوز الجهالة وكهوف الهمجية إلى علم الظهور والارتقاء، وملوكهم هم الجبارون الذين لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب، وهم الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها، وبنوا المدائن وحصنوها، وجعلوا فيها القصور الشاهقة والمباني العالية والمسلات الشامخة، رفلوا في حلل المجد والفخار أكثر من سبعين قرنًا، يشهد لهم بذلك ما عثرنا عليه في القبور من موتاهم والآثار العديدة، وخصوصًا الجبانات العظيمة فهي الشاهد العدل والدلائل القاطعة؛ إذ هي الآن بمثابة الكتب الضخمة، وكذا الهياكل والمعابد كل ذلك يدلنا على فضل الأمة المصرية وتفاصيل عوائدهم وأخلاقهم في تلك الأزمان الغابرة.

والآثار العجيبة التي لا عداد لها تعرب عن فخر الفراعنة الذين شيدوها؛ فإننا نرى منقوشًا على جدران هياكل طيبة وغيرها باطنًا وظاهرًا، وعلى سطوح المسلات وداخل الدهاليز نصراتهم وفتوحاتهم وبها رسومات تدل على سطوتهم وعلى طاعتهم لآلهتهم، وكذا الموميات تدلنا على عيشتهم الخصوصية الإفرادية وإن كانت في بعض الأحيان لا تخلو من المبالغة والغلو، وكذا تعرب عن عيشتهم التي كانوا يرغبونها في دار الآخرة والبقاء، فأضحوا رفاتًا وأصبحوا لا تُرى إلا مساكنهم وآثارهم التي ازينت بها متاحف أوروبا عمومًا ودار التحف المصرية خصوصًا، التي أسسها الفاضل الفرنساوي المسيو «مارييت» باشا ببولاق، ونُقلت الآن بسراي الجيزة، وهي الآن مشحونة بما صنعته يد الحرف والصنائع القديمة.

ومن الآثار التي اعتبرت أساسًا للمعلومات التاريخية التي تحصلنا عليها هي:
  • أولًا: اللوح البردي الملوكي المحفوظ الآن بمدينة توران «بإيطاليا»، ولو كان هذا اللوح باقيًا على حالة تمامه الأولية لأصبح أنْفَس أثر يوجد لعلم الآثار القديمة المصرية المعروف عند الفرنج باسم «الأرشيولوجيا المصرية»، وهو يشتمل على رسومات حقيقية وخرافية لمن حكم مصر في سالف العصر منذ أقصى العصور الأولية لغاية مدة لا يمكن لنا الوقوف عليها لداعي أن ذيل هذا اللوح مشطور، وهو محرر في عهد الملك رمسيس الثاني؛ أعني في أبهى العصور وأبهجها فهو إذن متصف بجميع الشروط التي تجعله من المستندات الرسمية ليكون لعلم التاريخ إعانة قوية، حتى إنك ترى أمام كل ملك رقم مدة ولايته، وبعد كل عائلة رقم مدة حكمها بتمامه، إلا أنه لسوء الحظ ليس إلا قطعًا متفرقة تبلغ ١٦٥ قطعة لم يُتمكن من ترتيبها كما كانت عليه في الأصل.
  • ثانيًا: قاعة الأسلاف، وهو أثر وجد بهيكل الكرنك ومحفوظ الآن بدار التحف الملوكية بباريس، وهو عبارة عن قاعة صغيرة وجد مصورًا على جدرانها صورة الملك طوطميس الثالث على هيئة المتنسك أمام ستين ملكًا من أسلافه؛ ولذلك سميت قاعة الأسلاف، ومما يجب التنبيه عليه أن المصور الذي عُنِيَ برسم هؤلاء الملوك لم يلتفت إلا إلى حسن التصوير والتزويق لا إلى ترتيبهم وتعاقب أزمانهم، ومنه استفيد ضبط أسماء ملوك العائلة الثالثة عشرة المصرية ولو لم يَعْتَرِه التشويه لكان هذا الأثر أنفع من غيره لعلم التاريخ.
  • ثالثًا: جدول أبيدوس وجد هذا الأثر بأطلال مدينة العربة المدفونة، ونقل الآن إلى أنتيكخانة لوندرة، وهو تصوير حالة تنسُّكيَّة وهيئة تعبُّديَّة مركبة من جملة ملوك فراعنة غير مرتبين لأسباب مجهولة، ولداعي ما اعتراه من التشويه كاد أن يكون لا قيمة له في التاريخ، ولكن المسيو «مارييت» عثر على نسخة أخرى منه في إحدى هياكل المدينة المذكورة مؤرخًا من عهد الملك سيتوس الأوَّل أتم من الأولى، فجاء هذا اللوح محققًا لما رواه «مانيتون» من أسماء ملوك عائلات فرعونية من العائلات الستة الأُول.
  • رابعًا: أثر سقارة عثر عليه أيضًا «مارييت» باشا، وهو محفوظ الآن بدار الآثار بالجيزة، وبه تأكد ما وجد بجدول أبيدوس الجديد، ووجد في مقبرة أحد القسس الذين كانوا موجودين في عصر رمسيس الثاني واسمه «توناري»، وإلى غير ذلك من الآثار التي تحقق لنا فخر المصريين وتقادم عهدهم وتمدنهم وارتقاءهم في هذا العالم الدنيوي، وبذلك نعلم أيضًا أن لا يوجد تاريخ أمة من الأمم محرر على مستندات حقيقية أثرية وأقوال مؤرخين محققين ورواة مدققين أكثر من تاريخ الأمة المصرية، ومما ساعد كثيرًا على كشف أسرار هذه الآثار الكفرية فك رموز اللغة الهيروغليفية الآتي ذكرها.

اللغة الهيروغليفية

اعلم أن اليونان والرومان لم يشتغلوا بشيء من أمر اللغة البربائية التي كانت تتكلم بها سكان مصر لغاية مدة حكمهم، فلذلك طرحها الكتاب من أفكارهم، فأصبحت سرًّا مكنونًا وحجابًا مستورًا مصونًا، حتى وفد على مصر علماء فرنساويون صحبة التجريدة الفرنساوية التي غزى بها بونابارت الديار المصرية سنة ١٧٩٨ ميلادية، ففي سنة ١٨٠٠ ميلادية بينما كان الضابط الطوبجي المسيو بوسارد مشتغلًا بالحفر جهة رشيد لإنشاء المتاريس والاستحكامات للتحصن هناك عثر على حجر منقسمًا إلى ثلاثة أقسام؛ «القسم الأول» مكتوب بالقلم الهيروغليفي الذي كانت تستعمله الكهنة في الكتب المقدسة. «والقسم الثاني» مكتوب بالقلم الديموطيقي الخط المعتاد. «والقسم الثالث» الأسفل بالخط اليوناني، ومكتوب في آخره أنه ترجمة ما سبق بالخط البربائي، فأخطر هذا الضابط جمعية تقدم المعارف الفرنساوية بهذا الحجر المشتمل على أمر عالٍ صادر من بطليموس الخامس فتلاعبت أفكار العلماء بحل ما يكنُّه هذا الحجر وسموه «حجر رشيد».

وما زال جملة من علماء أوروبا يتعاقبون الواحد بعد الآخر فذهبت أعمالهم سدى ولم تأتِ بأدنى فائدة، غير أن العلامة «زويجا» اقترح أن أسماء الملوك عند قدماء المصريين كانت توضع في نوع مستطيل ضلعاه الصغيران قوسان سماه «خرطوشًا»، واستمر ما اشتمل عليه هذا الحجر مكنونًا زمنًا طويلًا، غير أن المعلم الإنكليزي يونج استخرج بعض الحروف الهجائية، وظهر بعده الشاب ذو القريحة الوقادة الذكي الفطنة الفرنساوي «حنا فرنسيس شمبوليون» فاشتغل منذ شبيبته بتعلم اللغات الشرقية وخصوصًا القبطية، ومارس كثيرًا من النقوش الأثرية إلى أن عرف أن الخط البربائي ليس إلا كاللغات الأخرى ذات علامات يتلفظ بها كالحروف، وأنه يكتب على ثلاثة أشكال خط هيروغليفي وهو الخاص في الغالب بالأديان وخط هيراطيقي وديموطيقي وهما مختصر الخط الهيروغليفي، كالنسخ والرقعة والديواني، فشرع في سنة ١٢٣٨ هجرية في استخراج ما توقفت فيه العلماء، ففي مدة سنتين استخرج جملة حروف هجائية.

والطريقة التي اتبعها هي أنه لما وجد في النص اليوناني اسم بطليموس أخذ ما يقابله من الخرطوش المدون في الخط البربائي الذي تحته، فبمقابلة هذين الخطين عرف الحروف الأصلية من الزوائد، ثم قابل ما عنده من الحروف باسم كليوبطرة فاستخرج بعض حروف أخرى، وهكذا اسم إسكندر الأكبر وبساميتيك وتحوتمس حتى عرف الحروف الهجائية، ثم بقي عليه مسألة معضلة أظهر فيها هذا العالِم ما يدل على رفعته وقدره وحدَّة ذكائه، وهي معرفة اللغة نفسها؛ إذ ماذا يفيد النطق بالألفاظ مع جهل المعنى، فما زال يطابق الثلاثة خطوط المرسومة على حجر رشيد على بعضها إلى أن استخرج بعض علامات أخرى، وهكذا سلك أسلوب الترقي من المعلوم للمجهول حتى ابتدع فن الكتابة المصرية القديمة المعروفة بالبربائية أو الهرمسية، وألَّف لها آجرومية شبيهة بالآجرومية القبطية وقاموسًا لهذه اللغة، ومع كلٍّ فلم يسلم من سهام النقد والتنديد؛ حيث خطَّأه كثير من العلماء، ومع كلٍّ فإنه لما مات شمبوليون سنة ١٢٤٩ هجرية سنة ١٨٣٢ ميلادية اشتغل كثير من العلماء بتعلم هذه اللغة مع كثرة المناقضة فيها، ولم تزل إلى الآن الناس تشتغل بالقلم المصري حتى صار الآن مربوطًا بقواعد وأحكام غير منقوضة، ولم تزل تزداد بزيادة هؤلاء الطلبة، وبهذه الطريقة عينها حلت العلماء الأوروباويون اللغة الآشورية والبابلية المعروفة بالحروف الزاوية الشكل العلامة «جروتيفان» سنة ١٨٠٢ والعلامة «أجين برنوف» مع ما كان عندهما من لغة السنسكريتي، فالأول كان موضوع بحثه اسمين علمين دارا وأكزركيس، والثاني صحيفة وجدت في جبل الفان على مقربة من إستخر، وكذا غيرهم من العلماء، وقد قرئت الصحائف واتضحت كمال الإيضاح، وتحصلوا على حروف الهجاء خلا بعض علامات اعتراها بعض التغيير من حيث المعنى.

فوا عجبًا من جد هؤلاء الأغراب في كشف رموز هذه اللغة وإبراز تاريخنا من عالم الخفاء إلى عالم الظهور وتقاعدنا عن مثل هذه الأعمال وغيرها التي نحن أحق بها من غيرنا.

(٤) العصور

قسم مؤرخو الفرنج العصور إلى ثلاثة أقسام وهي: الأعصار الأولية والأعصار الخرافية والأعصار التاريخية.
  • أما الأعصر الأولية فهي: المدة التي ابتداؤها خلق الإنسان وغايتها حادثة الطوفان؛ وذلك أنها عندهم منقسمة إلى فرعين؛ المدة الدنيوية والمدة الطوفانية:
  • والأعصر الخرافية هي: المدة التي ابتداؤها تفرق الأمم وتبلبل الألسن وبناء المدن وتأسيس الممالك ببلاد الصين ومصر واليونان إلى ظهور الأنبياء المرسلين والشعراء المشهورين ووضع أساس العالم الدنيوي؛ ولذلك قسمها مؤرخو الأوروبيين إلى أزمان وثنية وأزمان بطلية «نسبة للشجاع البطل» وأزمان نبوية أو شعرية، فأول الأزمان هو الذي كانت فيه مصر واليونان وغيرهما ميالين لترقية ملوكهم إلى رتبة الآلهة، والثاني: الزمن الذي ظهرت فيه الجبابرة الذين شنوا الغارات وأسسوا المدن، والثالث: ظهور الأنبياء الكرام والشعراء المعتبرين كالخليل إبراهيم وموسى عليهما السلام وشعراء اليونان.
  • وأما الأعصر التاريخية فهي: الأزمان التي أخذ فيها علم التاريخ في الظهور، وهذه المدة تنقسم إلى جملة أقسام منها المدة التشريعية؛ أي الزمن الذي ظهر فيه المتشرعون كلكورغة في إسبارطة وسولون في أتينا ونوما بومبليوس في روما «ثاني ملوكها» وكونفسيوس ببلاد الصين وغيرهم، ومنها مدة فخار اليونان، ومدة اختلال الجمهورية الرومانية.

(٥) مصر الأصلية

اعلم أن هذا الوطن العزيز والبلد الأمين الذي حكى الفردوس ماءً وزرعًا صاحب الخيرات الوافرة والفيض العميم كان فيما سلف من الأعصار خاليًا من القرى والأمصار، وكان الوجه البحري الذي هو أبهى وأبهج وأزهى وأزهر الأقاليم المصرية وأعمرها الآن تعلوه المياه، وقد امتدت تيارات البحر الأبيض إلى أمد بعيد، وتلاطمت أمواجه بالسهول المرملة التي بها الأهرام الآن، وكانت مصبات النيل تنتهي إلى قرب منفيس والدلتا مغطاة بعضها بماء النيل والبعض الآخر بمياه الملح وبها بعض جزائر ينبت فيها البردي، والغاب وعلى يمينها وشمالها كان يغير النيل بلا انقطاع مجراه الأصلي، وأما أراضي الشاطئ فكانت جدبة رملية ليس بها ماء ولا زرع ولا نبت ولا ضرع، وما زال حتى عرف الناس حفر الترع وصنع الجسور وتنظيم النيل وحمل مياه الري إلى أراضي الوادي البعيدة، فجاءت مصر بصنع أهلها مملكة مستعدة وأرضًا جافة تزرع بعد أن كانت بحورًا حرية بالإقلاع، وأوجد النيل أراضي مصر وأخرج لها منظرًا عامًّا يفيض عليه مياهه كل عام، وصار النيل على توالي الأعصار يحمل من أقصى الأقطار وجبال الحبش وبحيرات خط الاستواء رمالًا ومواد طينية وجيرية، حتى ارتفعت الأرض وردمت الخليج الذي كان أوجده البحر بالوجه البحري ونشأ من ذلك سهل عظيم به مستنقعات يتخلله برك، ومن بينها يأخذ النيل مجراه على الدوام. ثم تكونت أراضي الدلتا على شكل مثلث رأسه تقرب من منفيس وضلعه الثالث المتعرج المتباعد نحو الستين فرسخًا من الرأس، ينتهي بشمال أطلال أتريب «بنها العسل الآن»، ثم بعد ذلك أخذ النيل في ردم الأراضي بطميه، حتى تراكمت في شمال الدلتا، فاندفعت بجملتها في الانحدارات، وما زالت تتسع الأرض كما في أيامنا هذه بما يجلبه النيل شيئًا فشيئًا من أقاصي أفريقا وأما مدة تكون الأراضي بمصر فمجهولة الحال؛ حيث قال الأقدمون إنها أزمان طويلة جدًّا، وأما العلماء الحاليون فقالوا إنها تبلغ ثلاث آلاف أو أربعة آلاف سنة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢