الفصل الخامس عشر

حلول الكيميائيين لمشكلات الطاقة

بينيلوبي جيه براذرز
جامعة أوكلاند

وُلِدت بيني براذرز ونشأتْ في أوكلاند، بنيوزيلندا، وحصلتْ على درجتَي البكالوريوس والماجستير (مع مرتَبة الشرف) في العلوم في تَخصُّص الكيمياء من جامعة أوكلاند في عام ١٩٧٩، ومُنِحَت زمالة مؤسَّسة فولبرايت وغادرتْ مُتوجِّهةً إلى جامعة ستانفورد لبدء دكتوراه في الكيمياء تحت إشراف البروفيسور جيم كولمان. تمحوَرتْ أطروحة الدكتوراه خاصَّتها، والكثير من أعمالها البحثية اللاحقة، حول كيمياء مُركَّبات البورفيرين، وفي عام ١٩٨٦، عادت إلى أوكلاند وأمضَت عامَين تعمل زميلة ما بعد الدكتوراه مع البروفيسور وارن روبر في قِسم الكيمياء، آخِذة في التركيز على الكيمياء العُضوية الفلزِّية. وفي عام ١٩٨٨، تولَّتْ منصِبها الأكاديمي الحالي في جامعة أوكلاند ورُقِّيَت إلى درجة أستاذ في عام ٢٠٠٩. وكانت عالِمة زائرة في مُختبَر لوس ألاموس الوطني (أعوام ٢٠٠٣ و٢٠٠٥ و٢٠٠٧) وأستاذًا زائرًا في جامعة كاليفورنيا في ديفيز (عام ١٩٩٣)، وجامعة هايدلبرج (عام ٢٠٠٣)، وجامعة بورجندي (عامي ٢٠٠٤ و٢٠٠٦).

ومُنِحَت جائزة فولبرايت لكبار الباحثين لزيارة مُختبَر لوس ألاموس الوطني في عام ٢٠٠٧. وهي عضو في مجلس تحرير دورية «الاتصالات الكيميائية». وتجمع أبحاثها الحالية بين اهتماماتها في كيمياء البورفيرين، وعناصر المجموعة الرئيسية، والكيمياء العضوية الفلزية؛ إذ تبحَث في كيفية استخدام رابطتي البورفيرين والكورول لتعديل كيمياء عناصر مثل البورون والبزموث.

عزيزتي أنجيلا

لقد سُررتُ بِلقائك عند زيارتي لجامعة كاليفورنيا، بمدينة سان دييجو لإعطاء حلقة دراسية قبل بضعة أشهر. أعتقد أن فكرة دعوة اثنين من طلَّاب البكالوريوس لتناوُل الغداء مع المتحدِّث هي فكرة عظيمة. أحد أكثر الأمور التي أستمتِع بها بشأن زيارة جامعات أخرى هي فُرصة لِقاء الطلَّاب. كذلك أثار إعجابي تذكُّرُك لي؛ أعتقد أن عضوات هيئة تدريس الكيمياء من النساء لا يَزَلْنَ، للأسف، يتَّسِمن بالنُّدرة نوعًا ما. وربما ساعد ذلك الأمر، إلى جانب لهجتي النيوزيلندية، في تذكُّرِكِ لي. آمُل أن يغدو وجود النساء في هيئة تدريس الكيمياء أمرًا مفروغًا منه، بحلول الوقت الذي تكونين فيه في مُنتصَف مسيرتك المِهنية المستقبَلية.

لقد طرحتِ مجموعةً من الأسئلة المثيرة للاهتمام حول الاستدامة في رسالتك بالبريد الإلكتروني الشهر الماضي، ووعدتُ بأن أُخبركِ أكثر قليلًا عن بعضٍ مِمَّا أقوم به من عمل. والآن بعد أن انتهتْ عطلتي الصيفية، لديَّ وقتٌ للجلوس والكتابة. العطلة الصيفية، هنا في نيوزيلندا، تعني شهرَي ديسمبر ويناير، وقد قضيتُ شهر ديسمبر وعطلة العام الجديد وأنا مُخيِّمة على الشاطئ مع عائلتي. ذكرتِ أنكِ كُنتِ تُحبِّين التخييم مع أسرتك في فترة نشأتكِ؛ ومن ثَمَّ اعتقدتُ أن ذلك قد يكون سياقًا جيدًا لبدءِ الحديث عَمَّا يُهمُّني.

مباشرةً قبل ذَهابي لقضاء الإجازة، حضرت مؤتمر «الاستدامة في العلوم والهندسة» هنا في أوكلاند، وكان موضوع الملتقى هو الكيفية التي سيُساعِد بها عمل العلماء والمهندسين على خلق مُستقبل مُستدام؛ لذا كانت تلك الأفكار تدور في ذهني ونحن نشرَع في رحلة التخييم. فالتخييم عبارة عن نوعٍ من العطلات التي تتَّسِم بالانخفاض الكبير في التكنولوجيا وبالاستدامة (ما دمت تقوم به في خيمة، وليس في سيارة استجمام ضخمة)، ولكن تلك الأفكار أوصلتْني إلى التساؤل عن الكيفية التي قد تختلف بها الأمور في مُستقبَلٍ مُستدامٍ استدامةً حقيقية، والكيفية التي سيُساعدنا بها الكيميائيون مثلي (ومثلك أنت أيضًا، إذا تبيَّنَ أنه شيء يُثير حماستك) في تحقيق ذلك.

بدأنا رحلتنا بالقيادة عدَّة ساعات إلى الشاطئ، وكانت سيارتنا مُحمَّلة بأربعةٍ مِنَّا وبجميع الأدوات. سيارة؛ أيْ بنزين، أيْ وقود أحفوري، أيْ ثاني أكسيد الكربون. يا للعَجب! تلك بداية سيئة. نصَبْنا الخيمة (المصنوعة من النايلون)، ونفَخْنا المراتِب الهوائية (المصنوعة من الفينيل)، ورتَّبْنا مُبرِّداتنا وأثاث مخيَّماتنا (المصنوع من الألومنيوم والمزيد من البلاستيك والأنسجة الاصطناعية). تلك حمولة أخرى من المواد التي مصدرُها في الأساس من الوقود الأحفوري، باستثناء الألومنيوم، لكنها تستلزم قدرًا هائلًا من الكهرباء لإنتاجها. إننا مُجهَّزون على نحوٍ مُريح جدًّا بمَوقد مُخيَّم وفانوس يَعملان بالغاز للطهي والإضاءة. يا إلهي! المزيد من الوقود الأحفوري، والمزيد من ثاني أكسيد الكربون!

إذن ما الذي نحتاجه لقضاء عطلة أكثر استدامة في المخيَّمات؟ نحتاج إلى مصدر طاقة أفضل من أجل الوقود؛ للتنقُّل، والطهي، والإضاءة، ولإنتاج معادن مثل الألومنيوم؛ ونحتاج أيضًا إلى مواد أفضل (بلاستيك وأنسجة) للأدوات التي نستخدمها. يجِب أن تأتي المواد من مصدر مُستدام، ويجِب أن تكون قابلةً لإعادة التدوير أو أن تتحلَّل إلى نواتج غير ضارَّة بمُجرَّد انتهاء عُمرها الافتراضي (كم عدد مَن تعرِفُهم مِمَّن يمتلِكون مرائب سيارات مليئة بأدوات تخييم قديمة وتالفة؟) ربما أيضًا ستكون المواد «ذكية» بما يَكفي للقيام بأكثر من وظيفةٍ واحدة في نفس الوقت؛ تخيَّل لو أنَّ نسيج الخيمة يُمكن أن يَجمع طاقة ضوء الشمس وتحويلها إلى كهرباء، بجانب حمايتك من الرياح والأمطار. تلك إذن تحدِّيات كبيرة بالفعل؛ وذلك فقط فيما يتعلَّق برحلة تخييم مُنخفضة التكنولوجيا! تخيَّل إذا طرحت نفس النوع من الأسئلة حول مُبادراتٍ أكثر تعقيدًا؛ السفر بالطائرة، مركز تسوُّق وكل ما يحويه، مصنع، منجم للحديد؛ سيُمكنك أن ترى أن قضايا الاستدامة كبيرة، وصعبة، وذات أهمية حيوية.

(١) الطاقة: الكيميائيون يَمتلِكون حلولًا

لقد تطرَّقتُ إلى موضوعَين رئيسيَّين فيما يتعلَّق بعُطلة التخييم المِثالية والمستدامة خاصَّتي، وهما: الطاقة، والمواد. أعتقِد أنني سأتَحدَّثُ عن المواد في وقتٍ آخَر، وسيكون أغلب حديثي هنا عن الطاقة. أعتقِد اعتقادًا راسِخًا أن حلول مشكلات الطاقة في العالم سوف يُقدِّمها بالأساس الكيميائيون (بمُساعدة العلماء والمهندسين الآخرين بجميع صنوفهم، لكن أشكال التقدُّم الجوهرية ستكون في الكيمياء). سأَستغرِقُ بِضع دقائق للدفاع عن وجهة النظر تلك، ثم سأُحدِّثكِ قليلًا عن نَوع الكيمياء الذي أقوم به، وأخيرًا سأُبيِّن بعض الطُّرُق التي قد تكون مُفيدة في مُعالجة مُشكلات الطاقة.

من بين مصادر الطاقة المستدامة حقًّا؛ كالطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة المائية، والطاقة الحرارية الأرضية، وطاقة المدِّ والجزر، حاليًّا تُعَدُّ الطاقة الشمسية الناتجة مُباشرةً من ضوء الشمس هي الطاقة الواعِدة أكثر من غيرها؛ فالمصادر الأخرى ليست مُوزَّعة بالتساوي في أنحاء المعمورة، وبعضها يحتاج إلى بِنية تحتية ضخمة. كل عام، تُوفِّر الشمس طاقةً مجَّانية تمامًا تزيد ١٠٠٠٠ مرة عمَّا يَستهلكه سُكان العالم حاليًّا. وبالطبع، لكي تكون الطاقة الشمسية قابلة للاستخدام، نحتاج إلى تحويلها إلى صورة مُيسَّرة الاستخدام، وعادةً ما يكون ذلك في صورة طاقة حرارية أو كهرباء. تَستخدِم الطاقة الشمسية الحرارية طاقة ضوء الشمس لرفع درجة حرارة مادة ركيزةٍ ما؛ عادةً ما تكون سائلًا. يُمكِن أن يكون السائل هذا هو الماء (كتسخين حمَّامات السباحة أو تسخين مياه المنازل)، أو سوائل أخرى يُمكِن تسخينها لدرَجاتٍ أعلى باستخدام تصميمات أكثر تطوُّرًا، ثم تُحَوَّل الطاقة الحرارية إلى كهرباء.

على النقيض من ذلك، تُحَوِّل الخلايا الكهروضوئية الشمس مُباشَرة إلى كهرباء عن طريق إحداث تغيُّر كيميائي في المادة التي تمتصُّ ضوء الشمس. والتساؤلات حول كيفية حثِّ هذا التغيُّر الكيميائي، وكيفية جمع التيار الكهربائي، وكيفية فهم المواد التي يُمكن استخدامها، وكيفية جعل العملية أكثر كفاءة؛ كلها في الأساس أسئلة كيميائية، وسوف تتطلَّب من الكيميائيِّين الإجابة عليها. الكيميائيون هم العلماء الذين لديهم الفهم الأعمق للخطوة الرئيسية الأولى، وهي التغيُّر الكيميائي الذي يُنتِج إلكترونًا حرًّا يُؤخَذ في هيئة تيار كهربائي، وهم الذين يَمتلكون المهارات اللازمة لتصميم وتخليق الجُزيئات والمواد ذات الخصائص الصحيحة تمامًا لتحقيق القدْر الأكبر من الكفاءة لهذه العملية. وباستخدام أدوات مجال الكيمياء الخضراء الناشئ، يُمكِن للكيميائيين أيضًا التأكُّد من عدم تكرار أخطاء الماضي وأن الأنظمة الجديدة التي يُصمِّمونها ستَستخدم موادَّ وعملياتٍ مُستدامة.

يُمكن استخدام التغيُّرات الكيميائية التي تحدُث عند امتصاص ضوء الشمس في توليد الكهرباء، التي يُمكن استخدامها مُباشَرةً كمصدر للطاقة. ومن الأمثلة على ذلك سيارة تعمل بالطاقة الشمسية تحتوي على مُجَمِّعات على السقف تُحوِّل ضوء الشمس إلى طاقة كهربائية، تُخَزَّن في بطاريات، والسيارة نفسها تعمل بالبطارية. هذا النوع من التكنولوجيا مُمكِن بالفعل، على الرغم من كفاءته المتدنِّية؛ حيث إنَّ حوالي ١٠٪ فقط من الطاقة الشمسية القادمة يُمكِن التقاطها وتحويلها. وعلى نطاق أوسع، يمكن استخدام الكهرباء لمِصفاة الألومنيوم، التي تُنتِج المعدن المستخدَم لصُنع أعمدة خيامنا وأثاث مُخيَّماتنا. وثمَّة تطبيق أكثر مُستقبَليةً هو خيمة ذكية مصنوعة من نسيج مطلي بمادة مَرِنة أيضًا يجمِّع الطاقة الشمسية ليُولِّد الكهرباء لشحن البطاريات، التي يُمكن استخدامها للإضاءة (وحتى الصوت؛ صِل الآي بود الخاص بك بخيمتك). لكن هذه تكنولوجيا مُستقبَلية وستتطلَّب من الكيميائيين ابتكارها. سننظُر في الكيفية التي يُمكن بها القيام بهذا بعد قليل، ولكنْ في الوقت الحالي، سنَبحث في استخدامٍ آخَر للكهرباء الناتجة عن ضوء الشمس.

(٢) ضوء الشمس + ماء = هيدروجين؟

ثَمَّة طريقةٌ أخرى لاستخدام الطاقة الشمسية هي بحث تفاعُلٍ كيميائي ماصٍّ للطاقة لإنتاج وقودٍ جديد. المثال التقليدي لهذا هو انشِطار الماء. يتكوَّن الماء، المعروف لدى الكيميائيين باسم H2O، من ذرَّات أكسجين وهيدروجين. وكعناصر صِرفة، فهي موجودة في صورة غازَيِ الهيدروجين والأكسجين. الهيدروجين مادَّة شديدة القابلية للاشتعال (تذكر تلك الصور القديمة من أوائل القرن العشرين لمناطيد تَنفجِر). عند الاشتِعال، يتفاعَل خليط من الهيدروجين والأكسجين تفاعُلًا طاردًا للحرارة (مُطلِقًا الكثير من الطاقة الحرارية) ويُشكَّل الماء كناتجٍ لهذا التفاعُل. هذا التفاعُل هو تفاعُل كيميائي «مُنتج للطاقة»؛ بعبارةٍ أخرى، هو تفاعُل باعِث للطاقة. التفاعُل العكسي، وهو انشِطار الماء، لتكوين الهيدروجين والأكسجين، هو تفاعُل كيميائي «ماص للطاقة»، وهو ما يعني أن علينا إضافة الطاقة لتحقيقه. نعلم بالفعل أنه يُمكن القيام بهذا؛ باستخدام الكهرباء مصدرًا للطاقة مع عامل حفَّاز (شكل ١٥-١). يُنشئ العامل الحفَّاز مسارًا لحدوث التفاعل ولكنه لا يُستنْفَد في التفاعُل. ومع ذلك، فإن أفضل عامل حفَّاز في الوقت الحالي هو معدن البلاتين، وهو مُكلِّف ونادر نسبيًّا، فمع أنه يُمكن استخدامه على نطاقٍ ضيق، فقد لا يكون استخدامه على نطاقٍ واسع حقًّا عمليًّا أو مُيسَّرًا من حيث التَّكلفة.
fig101
شكل ١٥-١: خلية وقود شمسي تَستخدِم طاقة ضوئية لدفع التفاعُل مُنتِجةً الهيدروجين والأكسجين من الماء. خلية وقود تستخدِم التفاعُل الذي يدمج الهيدروجين والأكسجين لتكوين الماء لإنتاج طاقة كهربائية. (مُقتبَسٌ من كتاب «إمداد الكوكب بالطاقة: التحديات الكيميائية في استخدام الطاقة الشمسية» بقلم كلٍّ من إن إس لويس ودي جي نوتشيرا. أعمال الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية ٢٠٠٦، ١٠٣، ١٥٧٢٩–١٥٧٣٥.)

(٣) الهيدروجين: وقود للمستقبل

ما السبب وراء كون هذه العملية بهذا القدْر من الأهمية؟ يتَّسِم الماء بوَفْرته على هذا الكوكب، كما أنه آمِن، وغير سام، وضروري للحياة. والأمر الذي يَكتسي بالقدر ذاته من الأهمية هو أنه أيضًا مُتجدِّد. إذا كان لدَينا مصدر طاقة مجاني (ضوء الشمس) يُمكن استخدامه لدفع التفاعُل الماصِّ للطاقة لتكوين الهيدروجين والأكسجين من الماء، إذن فقد خزَّنَّا الطاقة على نحوٍ فعَّال في الروابط الكيميائية في غازي الهيدروجين والأكسجين. إذا تحكَّمنا بعناية في التفاعُل العكسي المنتِج للطاقة لغاز الهيدروجين مع غاز الأكسجين حتى نتمكَّن من استخدام الطاقة التي يجري تحريرها، فإنَّنا في الأصل نستخدم الهيدروجين كوقود. الأكسجين، المادة المتفاعِلة الأخرى، مُتاح بسهولة في الغلاف الجوي. المنتَج الثانوي الوحيد هو الماء — وهو منتَج ثانوي آمِن، وغير سَامٍّ وضروري للحياة — فلا تُوجَد مواد هيدروكربونية مُتطايِرة ولا مواد مُضافة للوقود، ولا غاز ثاني أكسيد كربون ناتج، ولا نفاد الوقود الأحفوري. الأمر يبدو وكأنَّهُ حُلم؛ وهو حُلم يُراوِدُ كثيرًا من الناس بالفعل. استخدِم طاقة ضوء الشمس لتوليد الكهرباء؛ ثُمَّ استخدِم الكهرباء لإنتاج الهيدروجين من الماء؛ استخدِم الهيدروجين كوقود عن طريق إعادة دمجه بالأكسجين لتحرير الطاقة؛ وأنتج الماء، الذي يُمثِّل المنتج الثانوي الوحيد.

بالطبع، لو كانت عملية بسيطة، لكانت قد أُجرِيَت بالفعل. لقد ذكرتُ الحاجة إلى عاملٍ حفَّاز أرخص ومُتاح بمزيدٍ من اليُسر للخطوة اللازمة لإنتاج الهيدروجين والأكسجين من الماء. وفي الآونة الأخيرة، كان ثَمَّة إنجاز مُثير على يد الكيميائيين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الذين اكتشفوا أن أوكسيد الكوبالت يُمكِنه القيام بالمهمَّة. يُوجَد أيضًا الكثير من الأبحاث التي تُجرى على المفاعِل الذي يحدُث فيه تفاعُل الهيدروجين والأكسجين المتحكَّم به، والمعروف باسم خلية الوقود؛ حيث يُعاد تحويل الطاقة التي يُحرِّرها تفاعُل الهيدروجين والأكسجين في خلية الوقود إلى كهرباء. هذا الأمر يَتطلَّب أيضًا عاملًا حفَّازًا (مُجدَّدًا، عادةً ما يكون البلاتين). يُوجَد بالفعل أمثلة على مَرْكَبات مُستخدَمة تعمل بالهيدروجين، ولكنَّها ليست تكنولوجيا سائدة بعد، بالإضافة إلى أن الهيدروجين الذي تستخدمه تلك المَرْكَبات يأتي من الوقود الأحفوري.

(٤) عندما لا يكون خزَّان الوقود مُخصَّصًا للجازولين: تخزين الهيدروجين

كما أوضحتُ أعلاه، فإنه على الرغم من أن تكنولوجيا صنْع الهيدروجين من الماء — باستخدام الكهرباء وخلايا الوقود لإحداث تفاعُل الهيدروجين مع الأكسجين لإنتاج الماء والكهرباء — معروفةٌ بالفعل، فلا يزال يُوجَد بعض التحديات الكبيرة التي يَتعيَّن التصدِّي لها قبل أن نتمكَّن جميعًا من قيادة سيارات تعمل بالهيدروجين. بدايةً، لنُفكِّر في كيفية عمل البنزين. في الظروف القياسية لدرجة الحرارة والضغط، يكون البنزين سائلًا يُمكِن سَكبُهُ أو ضخُّه. يُمكنك أن تَنزِع غطاء خزان وقود سيارتك ولن يتسرَّب البنزين كله. وهو يُخزَّن على نطاق واسع (يتراوَح بين مصافي التكرير ومحطات البنزين) ويُمكن نقلُه بسهولةٍ إلى وحداتٍ أصغر للتخزين بالقُرب من مَوضع استخدامه (خزَّان الوقود في سيارتك). كيف سيَتناسَب هذا مع الهيدروجين؟ إذا تمعنَّا أكثر قليلًا في خواصِّ الهيدروجين، نُدرِك أنَّ المسائل المتعلِّقة بتخزين الهيدروجين تختلِفُ اختلافًا كبيرًا عن تلك الخاصَّة بالبنزين، وهناك بعض المسائل الكُبرى التي يَتعيَّن حلُّها قبل أن يكون بوُسعنا التوقُّف بسهولةٍ في «محطة هيدروجين» لملء خزَّان الوقود.

الهيدروجين مُختلِف للغاية عن البنزين؛ فهو خفيف الوزن (عنصر الهيدروجين H هو أخف ذرَّة في الجدول الدوري)، وهو غاز مُتفجِّر يجِب تخزينه والتعامُل معه تحت ضغط. للمقارنة بشكلٍ أفضل بين خصائص البنزين والهيدروجين، يلزَمُنا الإلمام بمسألة كثافة الطاقة؛ وهي مقدار الطاقة المخزَّنة في نظامٍ مُعيَّن أو منطقةٍ مكانيةٍ ما لكلِّ وحدة حجم، أو لكل وحدة كتلة. يَمتلِك الهيدروجين كثافة طاقة لكلِّ كتلة وحدة أعلى مِمَّا يَمتلِك البنزين، ولكن بكثافة طاقة أقلَّ لكلِّ وحدة حجم (شكل ١٥-٢). بعبارة أخرى، يَحتوي كيلوجرام الهيدروجين على طاقة مُخزَّنة أكثر ممَّا يَحتوي كيلوجرام من البنزين، لكنَّنا نحتاج إلى حجمٍ أكبر بكثير لتخزين كيلوجرام من الهيدروجين. هذا يَعني أن خزَّانات الهيدروجين يجِب أن تكون كبيرة الحجم، وأن معدَّات الضغط (استحضر في ذاكرتك الخزَّانات المصنوعة من الصُّلب غير القابل للصدأ) غالبًا ما تكون ثقيلةً جدًّا؛ مِمَّا يعني أنه من أجل حمْل الهيدروجين المخزَّن في صورة غازية على مَرْكَبة، فإن نسبةً مُعيَّنة من طاقة الهيدروجين تُستخدَم في التحرُّك بمعدَّات التخزين.
fig102
شكل ١٥-٢: كثافة الهيدروجين من حيث الحجم والوزن في المواد المحتوية على الهيدروجين. (مُقتبَسٌ من مقال بعنوان: «أهداف تخزين الهيدروجين البعيدة المنال» بقلم آر فان نوردين. مجلة كيمستري وورلد عام ٢٠٠٧، ٤(١٠)، http://www.rsc.org/chemistryworld/Issues/2007/October/HydrogenStorageTargetsOutOfReach.asp.)

هل يُوجَد بدائل؟ تذكَّري أنه ليس علينا أن نُفكِّر فقط في كثافة طاقة الصور المختلِفة من الهيدروجين، وإنما أيضًا في تكاليف الطاقة الأخرى التي قد تكون ذات صِلة. فكل تَكلِفة طاقة إضافية في النظام تُقلِّل من كمية الطاقة المتاحة للاستخدام النهائي. على سبيل المثال، يَتطلَّب الهيدروجين المَضغوط طاقة لتشغيل الضاغط. وعلى الرغم من أنه سيَنتج عن الضغط الأعلى كثافةٌ أعلى للطاقة، فإنَّ طاقةً أكثر ستُفقَد في إجراء الضغط. الهيدروجين السائل هو حلٌّ مُمكِن، ولكن يجِب تبريد الهيدروجين إلى سالب ٢٥٣ درجة مئوية (٢٠ كلفن) من أجل تسييلِه، وهو ما يتطلَّب الكثير من الطاقة، وتخزينه في خزَّانات باهظة الثمن ومعزولة جيدًا. وحتى عندئذ، تظلُّ كثافة الطاقة للهيدروجين السائل أقلَّ بأربع مرَّاتٍ مِمَّا هي عليه في البنزين: في الواقِع يُوجَد هيدروجين في لتر البنزين (١١٦ جرام هيدروجين) أكثر بحوالي ٦٤٪ مِمَّا يُوجَد في لتر من الهيدروجين السائل الصافي (٧١ جرام هيدروجين).

وإذا كان ثمة كثافة طاقة حجمية أعلى في البنزين (الذي هو عبارة عن كربون هيدروجيني يَحتوي على كربون وهيدروجين) أكثر مما يُوجَد في الهيدروجين السائل الصافي، فيُمكِننا إذن النظر في أنواعٍ أُخرى من المركَّبات الكيميائية كمواد تخزين للهيدروجين. يجِب أن تحتوي هذه المركَّبات على عناصر خفيفة الوزن (حتى تظلَّ نسبة الهيدروجين عالية نسبيًّا) وأن تكون على نحوٍ عكسي قادرة على إطلاق الهيدروجين. على سبيل المثال، الهكسان C6H14 والأوكتان C8H18 هما مُرَكَّبين هيدروكربونيين يُشبِهان مُكوِّنات البنزين ويَحتوِيان على الهيدروجين بنسبة حوالي ١٦٪ من وزنهما. ومع ذلك، وضعَتْ وزارة الطاقة الأمريكية أهدافًا (نسبة مئوية حسب الوزن) لتطوير مواد تخزين الهيدروجين المحمولة، والتي تَشمل وزن جميع الحاويات ومكوِّنات منظومة التخزين بالإضافة إلى المادة المحتوية على الهيدروجين ذاتها. الأهداف هي ٦٪ بحلول عام ٢٠١٠ و٩٪ بحلول عام ٢٠١٥. على سبيل المثال، إذا كانت مادة تخزين الهيدروجين ذاتها تحتوي على ١٦٪ من الهيدروجين، ولكن المنظومة اللازمة لتخزين واستخدام ٥ كيلوجراماتٍ من المركَّب ذاته تَزِن ٥ كيلوجرامات إضافية، إذن يُحسَب محتوى الهيدروجين الكلي على أنه ٨٪. وهذا يَستبعِد استخدام عناصر كيميائية ثقيلة في مواد التخزين أو معدَّات ثقيلة في المنظومة.

يجِب أن يكون المركَّب مُستقرًّا بدرجة كافية للتخزين المتوسِّط الأمد (أي أنه لن يُطلق الهيدروجين قبل الحاجة إليه) لكنه يَجِب أن يكون مُتفاعِلًا بما فيه الكفاية بحيث يُمكنه إطلاق الهيدروجين تحت ظروف مُعتدِلة عندما يَقتضي الأمر. ولن يكون ثَمَّة جدوى لو كان إجراء إطلاق الهيدروجين يتطلَّب الكثير من الطاقة للشروع فيه. أضف إلى الاعتبار أيضًا الوقود المستهلك. لا يُمثِّل الوقود المستهلك مشكلة في حالة البنزين؛ فالبنزين ذاته هو الوقود، وحين يَحترِق بكامله، فإنه يتبدَّد بكامله (يتحوَّل إلى ثاني أكسيد الكربون والماء ويُطلَق في الجو). عندما يكون الهيدروجين هو الوقود ويكون مُركَّب كيميائي هو وسيط التخزين، فحينما يُطلَق الهيدروجين، يبقى المركَّب الكيميائي الجديد الناتج عن فقدان الهيدروجين (الذي يُمثِّل الوقود المستهلَك). ويتعيَّن أن يَمتلك القُدرة على التجدُّدِ (أي إعادة إضافة الهيدروجين) دون تكلِفة طاقة إجمالية عالية. وتبدأ كل علوم الديناميكا الحرارية الممِلَّة التي تعلمتها في الكيمياء الفيزيائية في أن تغدو أكثر تشويقًا عندما يكون ثمَّة تطبيقات حقيقية. نحن بحاجة أيضًا إلى التفكير في مسألة إعادة ملء الوقود. في حالة البنزين، فالسُّنة المتَّبعة هي إعادة ملء الخزَّان المحمول على مَتْن المَركبة بالوقود؛ إذ تقود السيارة إلى محطة الوقود، وتضخُّ بعض البنزين في الخزَّان، وتَمضي إلى حال سبيلك. ولكن في حالة منظومة تخزين الهيدروجين، قد تكون إعادة ملء الخزَّان بالوقود خارج المَرْكبة هو الأرجَح. فقد يُقَدَّم وسيط تخزين الهيدروجين الممتلِئ في حاوية. وقد تتضمَّن عملية إعادة ملء الوقود مُبادلة الحاويات المستهلَكة بالمملوءة، وبعد ذلك يُعاد شحن الحاويات المستهلَكة في محطة هيدروجين أو في أي مرفقٍ آخر مُعدٍّ لهذا الغرض.

ما هي العناصر الجيدة المرشَّحة لوسائط تخزين الهيدروجين؟ هذا هو الإطار الذي تُصبح فيه نوعية الكيمياء التي اضطلَع بها مُهمَّة. إنَّ لديَّ اهتمامًا بكيمياء المجموعة الرئيسية. تُوجَد عناصر المجموعة الرئيسية على الجانبَين الأيمن والأيسر من الجدول الدوري (المجموعتان ١ و٢، ومن ١٣ إلى ١٨). يُمكِن أن تكون عناصر المجموعات الرئيسية هي الفلزات، أو اللافلزات، أو أشباه الفلزات (عناصر ذات خصائصَ وسطٍ بين الفلزات واللافلزات). الأهم فيما يخصُّ التطبيق الذي نحن بصدَدِه، أنَّ أخفَّ العناصر هي عناصر المجموعة الرئيسية، مُقارنةً بفلزات مثل الحديد والكوبالت والنيكل والنحاس والزنك والفضة والذهب، والتي هي عناصر انتقالية، ولكونها أثقل، فهي ليست مُفيدة لتطبيقات تخزين الهيدروجين بنفْس القدْر بسبب مُستهدَفات نسبة الوزن المطلوبة من قبل وزارة الطاقة. يُمكِن لأنواع الوقود الأحفوري (الهيدروجين والكربون) أن تكون مواد تخزين للهيدروجين؛ إذ تَمتلِك كثافة طاقة عالية ولكن ليس لدَيها مسارات طاقة مُنخفِضة من أجل عمَلية الإزالة القابلة للانعكاس للهيدروجين.

ما العناصر التي يُقدِّمها لنا الجدول الدوري بدلًا من الكربون الموجود في الهيدروكربونات؟ العناصر الموجودة مُباشَرةً إلى يسار ويمين الكربون هي البورون والنيتروجين. يُبيِّن لنا الحساب البسيط لإلكترونات التكافؤ أن البورون (ثلاثة إلكترونات) المرتبِط بالنيتروجين (خمسة إلكترونات) له نفس عدد إلكترونات التكافؤ الذي لدى ذرَّتَي كربون (الذي لديه أربعة إلكترونات لكل ذرَّة). لنأخذ، مثلًا، مُركَّبًا هيدروكربونيًّا بسيطًا مثل الإيثان، H3CCH3، ولنتخيَّل أنَّنا استبدلنا ذرَّتي الكربون بالبورون والنيتروجين، الأمر الذي من شأنه أن يَنتج عنه مُركَّب مُتساوي الإلكترونات صيغته H3BNH3. هذا ليس مُجرَّد افتراض؛ إنه مُركَّب حقيقي يُسمَّى بوران الأمونيا وهو مُكوَّن من البوران (الذي تركيبه BH3، والذي عادةً ما يُوجَد على هيئة ثنائي وحدات، بتركيب B2H6) مع الأمونيا، الذي تركيبه NH3. بوران الأمونيا هو عبارة عن مادَّة صُلبة بيضاء مُستقرَّة في الهواء تحتوي على نسبة هيدروجين تُعادِل ١٩٫٦٪ حسب الوزن، ويذوب عند درجة حرارة تتراوَحُ بين ١١٠–١١٥ درجة مئوية وهو قابل للذوبان في مجموعة من المذيبات الشائعة. الأمر الأكثر أهمية هو أنَّ الإيثان جُزيء غير قُطبي (ثمَّة فرق صغير في السالبية الكهربية بين الكربون والهيدروجين)، بينما رابطة B–N في بوران الأمونيا تكون قُطبية بدرجةٍ كبيرة، وهذا يَفتح مسارات تفاعُل كيميائي لإزالة الهيدروجين.
تحت الظروف الكيميائية الصحيحة، يُفقَد الهيدروجين من بوران الأمونيا. أبسط التفاعُلات (على الورق) هو فقْد ثُنائي هيدروجين H2 واحدًا من بوران الأمونيا H3BNH3 ليُنتِج الأمينو بوران H2BNH2، وفقد ثُنائي هيدروجين H2 ثانيًا ليُنتِج إيمينو بوران HBNH، وأخيرًا فقد ثُنائي الهيدروجين الأخير ليُنتِج نيتريد البورون BN. مُركَّبات الأمينو بوران والإيمينو بوران ونيتريد البورون هي نظائر مُتساوية الإلكترونات لهيدروكربونات الإيثين (الإيثلين H2CCH2)، والإيثايين (الأسيتيلين HCCH). ومع ذلك، وعلى العكس من الإيثان والإيثايين، وهما غازان معروفان، لا يُمكِن تحضير نظائر رابطة B–N ومُلاحظتها إلا تحت ظروفٍ شديدة الصَّرامة وتتَّسِم بأنها ذات تفاعُلية كيميائية عالية للغاية. أحد الأمثلة الأخرى المعروفة لنظير هيدروكربوني يَحتوي على البورون والنيتروجين والهيدروجين هو البورازين B3N3H6، الذي له بِنية مُشابهة للغاية للبنزين ولكنه يحتوي على ذرَّات بورون ونيتروجين مُتبادلة محلَّ ذرات الكربون الستِّ التي تُوجَد في البنزين. يتَّسِم نيتريد البورون بأنه مُتساوٍ في عدد إلكترونات الكربون النقي ويُمكن أن يُوجَد، مثل الكربون، في كلٍّ من الأشكال الماسية والشبيهة بالجرافيت (جدول ١٥-١). يتَّسِم نيتريد البورون بأنه صلدٌ جدًّا ويُستخدَم في الأجهزة المقاوِمة للتآكُل، بينما يَمتلِك الشكل الجرافيتي لمعانًا عاليًا ويُستخدم في مُستحضرات التجميل مثل أحمر الشفاه ومساحيق الوجه لمنحها البريق الخاصَّ بها.

هذه المركَّبات التي تحتوي على رابطة البورون–النيتروجين هي مِثال جيد على العلاقة بين الكيمياء الأساسية والكيمياء التطبيقية. تركَّز بحثي في كيمياء المجموعة الرئيسية حول تفاعُلات المركَّبات المحتوية على البورون والنيتروجين. سألت أنا وزملائي أنفسنا عن السبب وراء وجود جُزيئين لهما نفس العدد من الإلكترونات، لكن أحدهما يحتوي على ذرَّات كربون بينما يحتوي الآخر على أزواج من رابطة البورون–النيتروجين، ولهما تفاعُلية كيميائية مُتبايِنة. عكفْنا على دراسة الجُزيئات ذات الصِّلة بمُركَّبات بوران الأمونيا، والأمينو بوران، والإيمينو بوران، والبورازين في محاولة للإجابة على هذا السؤال وفهم المزيد حول العوامل التي تتحكَّم في البنية الهيكلية وتفاعُل هذه الجُزيئات والعديد من الجُزيئات الأخرى. يُمكن وصف هذا بأنه كيمياء أساسية؛ وأعني بذلك طرْح أسئلة تُساعدُنا على معرفة المزيد عن القوى المحرِّكة الكامنة في العالم الكيميائي. إنَّ البحث عن وسائط جديدة لتخزين الهيدروجين هو مُحاولة حديثة العهد تستنِد إلى عمل الكيميائيين الأساسيِّين وتُطوُّرِه بغرَض حلِّ مشكلة تطبيقية، وكيفية استخدام طريقةٍ آمِنة وفعَّالة لتخزين الهيدروجين كوقودٍ للمَركبات.

دعنا نعود إلى ما يحدُث عندما تتمُّ إزالة الهيدروجين من مُركَّب بوران الأمونيا وما إذا كان مُجديًا كوسطٍ لتخزين الهيدروجين. ما هي الأسئلة التي نحتاج إلى طرحها؟ كيف نبدأ في إزالة الهيدروجين من بوران الأمونيا؟ ما هي المركَّبات الكيميائية التي تتكوَّن عندما يفقد بوران الأمونيا الهيدروجين؟ ما مِقدار الهيدروجين الذي يُمكِن استخلاصه من بوران الأمونيا؟ كيف يُمكِننا أن نُضيف الهيدروجين إلى بوران الأمونيا حتى يُمكِن أن إعادة تدويره؟ هذا هو كل الجهد الذي يلزم الكيميائيِّين القيام به.

وبما أن بوران الأمونيا لا يَفقِد الهيدروجين تلقائيًّا في درجة حرارة الغرفة، فيجِب بدء العملية، ولكن تذكَّر أنه لكي تكون هذه العملية مُستدامة، يجِب ألا تَستخدِم قدرًا أكثر مما ينبغي من الطاقة، وإذا كان ثَمَّة حاجة إلى مواد كيميائية أخرى، فلا يُمكِن أن تكون ثقيلة (تذكَّر أهداف نِسبة الوزن)، أو مُكلِّفة، أو سامَّة، أو غير قابلة للتجديد، أو لإعادة التدوير. تلك مُهمَّة جسيمة ويحتاج الكيميائيون إلى مجموعة كبيرة من المعارف والتقنيات؛ طُوِّر كثيرٌ منها على يد مُختصِّين بالكيمياء الأساسية. يُمكن البدء بإزالة الهيدروجين عن طريق الانحلال الحراري (التسخين في الحالة الصُّلبة أو الطور الغازي)، أو عن طريق الانحلال المائي (إضافة الماء)، أو يُمكِن تحفيزه بإضافة حمض (حمض بروتوني أو حمض من أحماض لويس [حمض بإمكانه قَبول انتقال زَوج من الإلكترونات لإكمال شكله المستقر حسْب تعريف لويس])، أو قدر صغير من معدن، أو مُركَّب معدني (كالحديد Fe، أو النيكل Ni، أو Rh، أو مركبات الروديوم Ir، أو هيدريد الكالسيوم)، أو على سطح صُلب (مثل كُرَيَّات نيكل-بلاتين NiPt الميكروية أو سِيلِيكَا نانو مَسامية). تلك الأنظمة المحتمَلة كلها تحتاج إلى الكثير من العمل لفهم حركياتها (مُعدَّلات التفاعُل) وديناميكياتها الحرارية (توازُنات الطاقة) ولتوصيف مُنتجات التفاعُل المحتوية على رابطة B–N.
الكمِّية المثلى للهيدروجين المتحرِّرة من بوران الأمونيا هي حوالي ٢٫٢ جُزيء من جُزيئات الهيدروجين H2 لكلِّ جُزيء من بوران الأمونيا. إذا أُزيل كل الهيدروجين لتشكيل نيتريد البورون، فإنَّ العملية قد انحدرتْ إذن إلى حدٍّ أبعدَ مِمَّا يَنبغي من ناحية الطاقة وستُكلِّف الكثير من الطاقة لإعادة تشكيل بوران الأمونيا؛ فلا تنسَ أن تكلفة الطاقة في كل خطوة ستكون تكلفة حرِجة إذا كان بوران الأمونيا وسطًا تخزينيًّا قابلًا للتطبيق. يتبَيَّن أن إزالة الهيدروجين من بوران الأمونيا لا ينتُج عنها جُزيئات مُركَّبَي أمينو بوران وإيمينو بوران البسيطين، وإنما تُشكِّل بدلًا من ذلك خليطًا من تراكيب أُحادية أو ثنائية أو ثُلاثية الأبعاد ترتبِط بروابط B–N جديدة تتشكَّل عند إزالة الهيدروجين. هذه المادة هي «الوقود المستهلَك» الذي أشرْنا إليه أعلاه ويحتاج إلى مُعالجته لإعادة تشكيل بوران الأمونيا. فيما يتعلَّق بتطبيق ذلك في المركَّبات، فيجِب أن يحدُث نزْع الهيدروجين على متن المركبة؛ أو بعبارةٍ أُخرى، يجِب إزالة الهيدروجين في المرحلة التي سيُستَخْدَم فيها. ولكن يُمكن إجراء عملية إعادة مُعالجة الوقود المستنفد خارج المركبة؛ ومن ثَمَّ لا تكون المتطلَّبات صارمة، على الرغم من أن مسائل الفعالية من حيث التكلفة (الطاقة والدولارات) والسلامة والاستدامة لا تزال قائمة.
إنَّ تفاعُل الوقود المستهلِك لبوران الأمونيا مُباشرةً مع جُزيء الهيدروجين H2 لإعادة تكوين بوران الأمونيا (الهدرجة المباشرة) هو أمر غير مُمكن عمليًّا، لذلك قد تتطلَّب إعادة المعالجة عدَّة دَورات كيميائية مُتَّصِلة، وتَستخدِم في الأوضاع المثلى موادَّ قابلةً لإعادة التدوير. وإليك كيف يُمكن للأمر أن يجري (شكل ١٥-٣). يُحَلَّل بوران الأمونيا المستهلَك بواسطة كاشفٍ كبريتي يكسِر روابط البورون والنيتروجين ويستبدلها بروابط البورون والكبريت. بعد ذلك يُعالَج مُركَّب البورون-الكبريت بمركَّب هيدريد فلزي (على سبيل المثال؛ مُركَّب يحتوي على القصدير والهيدروجين) وبالأمونيا، الذي يعيد تشكيل بوران الأمونيا ويَنتُج ناتج من القصدير والكبريت، والذي يُعالَج بدوره بالهيدروجين لإعادة تكوين كاشف الكبريت وهيدريد القصدير. لذا فإن المادة الوحيدة المستهلكة هي الهيدروجين (المستمدُّ من الماء)، ويُعاد تدوير كاشف الكبريت وهيدريد القصدير. يُعتبَر كلٌّ من الكبريت والقصدير عُنصرين رئيسيين في المجموعة، كما تنطوي الهيدريدات الفلزية بشكلٍ عامٍّ على كيمياء غنية ومُتنوِّعة؛ إذ تتطلَّب الكثير من العمل الذي من شأنه إبقاء زُملائي وطُلَّابنا مَشغولين، ولكنها تُبشِّر بنتائج مُثيرة عندما تتضافَر معًا كلُّ الحلول لهذه التحدِّيات.
fig111
شكل ١٥-٣: إعادة توليد بوران الأمونيا المستهلَك.

وإليك كيفية عمل كل هذا؛ فأنت تتوقَّف بسيارتك في محطة لتعبئة وقود الهيدروجين، وتَستبدِل بخرطوشة الوقود المستهلك زِنة ١٠ كيلوجراماتٍ خرطوشة جديدة مُمتلئة بكمية جديدة من بوران الأمونيا، وتعمل خلية الوقود في سيارتك على الأكسجين من الهواء وعلى الهيدروجين، المستمَد من تفاعُل حفزي يُطلِق الهيدروجين من بوران الأمونيا بالمعدَّل الذي تتطلَّبه خلية الوقود. وتُمدُّ الكهرباء المولدة من خلايا الوقود سيارتك الكهربائية، الهادئة الخالية من التلوُّث، بالطاقة، وأيضًا تشحَن البطاريات اللازمة لتشغيل المحرِّك، والمراوح، والمسَّاحات، والإضاءة وجهاز الآي بود الخاص بك. عندما يُشارِف إمداد الهيدروجين من خرطوشة بوران الأمونيا على النفاد، يتحوَّل الإمداد إلى الخرطوشة الاحتياطية وتُعرِّج بسيارتك على محطة وقود هيدروجيني لاستبدال الخرطوشة المستهلَكة بواحدةٍ جديدة. تُحلِّل مُنشأة مُجاورة بوران الأمونيا المستهلَك وتُنتِج بوران الأمونيا المهدرج باستخدام عملية تدفُّق مُستمِر يُعاد فيها باستمرار تدوير كواشف الكبريت والقصدير. يُنتَج الهيدروجين عن طريق التحليل الكهربي للمياه باستخدام كهرباء صادرة من المجمَّعات الضوئية الشمسية، والتي تُشكِّل جُزءًا لا يتجزَّأ من المنشأة. الماء هو المادة المدْخَلة الوحيدة التي تَستهلكها المنشأة، والأكسجين (المكوِّن الآخر الناتج عن التحليل الكهربي للماء) هو المنتَج الثانوي الوحيد. نحن الآن في المرحلة التي استغنَت فيها رحلة القيادة إلى الشاطئ، من أجل أن نبدأ عطلة التخييم، عن الحاجة إلى الوقود الأحفوري!

(٥) السُّمرة لغرَض: تحويل ضوء الشمس إلى كهرباء

إنَّ الجُزء من رحلة التخييم المستدامة الذي لم نكن نتأمَّله حقًّا بعين الاعتبار هو المسألة برمتها المتعلِّقة بتحويل طاقة ضوء الشمس فِعليًّا إلى شكلٍ قابل للاستخدام؛ إذ احتجْنا إلى إنتاج الكهرباء اللازِمة لدفع عملية التحلُّل الكهربي للمياه، كما احتجْناه أيضًا حتى يكون لدَينا مصادر بديلة للطاقة أثناء التخييم. نحن بالفعل على دِراية بالتغيُّرات الكيميائية الناجمة عن أشعة الشمس؛ النسيج الزاهي اللَّون المتروك في الشمس سيَصير لونُه باهتًا، ويتعرَّض الأشخاص ذَوو لون البشرة الفاتح حتى المعتدِل إلى تغيُّرات في لون بشرتهم (الحرق أو السمرة) عند التعرُّض لأشعة الشمس. تُحوِّل أجهزة الطاقة الضوئية ضوء الشمس مُباشرة إلى كهرباء عن طريق تحفيز تغيُّر كيميائي في المواد التي تمتصُّ ضوء الشمس. كل الأمور المتعلِّقة بهذا التغيُّر الكيميائي؛ كيفية إحداثه، وكيفية جمع التيار الكهربائي، وكيفية فهم أي المواد يُمكن استخدامها، وكيفية جعل العملية أكثر كفاءة، كلها أمور محلُّ انشِغال بالِغٍ لدى الكيميائيِّين، وسوف نتحدَّث قليلًا حول هذا الآن. سنَتناول الأجهزة الضوئية المستخدمة بالفعل، وهو جيل جديد في طَور التطوير، والأجيال المستقبَلية التي ستُحدِث ثورةً حقيقية في كيفية استخدامنا للطاقة الشمسية.

تُستخدَم الخلايا الضوئية المعتمِدة على السليكون بالفعل على نطاق واسع؛ فهي تُزوِّد الأقمار الصناعية في الفضاء بالطاقة الكهربائية وتطبيقات أُخرى تتطلَّب توليدًا موضعيًّا للكهرباء، مِثل أجهزة اللاسلكي في مَلاجئ الجبال. وهي قابِلة للتوسُّع؛ فأصغر الوحدات هي خلايا فردية، تُجَمَّع معًا في وحدات يُمكن ربطها في مصفوفات شمسية ضوئية لتوليد الكهرباء على نطاق كبير من أشعة الشمس، والتي يُمكن أن تُغذِّي شبكة طاقة. والخلايا عبارة عن رقائق سليكون، مصنوعة، مثلها مثل تلك المستخدَمة في صناعات الكمبيوتر والإلكترونيات، من السليكون عالي النقاوة. تتألَّف خلية الوصلة غير المتجانِسة البسيطة من طبقتَين من السليكون، نوع مُوجَب الشحنة p (مُشَرَّب بالبورون، والذي يُنتِج ثقوب إلكترونات مشحونة شحنًا موجبًا) والنوع الآخر سالب الشحنة n (مُشَرَّب بالفوسفور، الذي يُنتِج إلكترونات إضافية سالبة الشحنة). عندما تمتصُّ الخلية فوتونًا من ضوء الشمس مُناسبًا في طاقته، يُستثار الإلكترون من نطاق التكافؤ (حيث يكون مُرتبطًا في روابط الإلكترون المزدوجة) إلى نطاق التوصيل (حيث يكون حرًّا للتنقُّل عبر المواد السائبة). وهذا يخلُق زَوجًا من الثقوب الإلكترونية، عندما يُسحَب الإلكترون والثُّقب في اتِّجاهَين مُتعاكِسَين، يُحْدِث تيارًا كهربائيًّا (شكل ١٥-٤). ويتمثَّل التحدِّي في إبقاء الإلكترون والثُّقب مفصولين لفترةٍ طويلة بما يكفي لتدفُّق التيار. البديل هو إعادة الدمج، والذي يحدث عندما يُعاد دمج الإلكترون والثُّقب ولا يتدفَّق تيار. يتَّسِم الحقل الكهربائي الذي يَحدُث عند الوصلة غير المتجانسة حيث تَلتقِي طبقتا السليكون من النوعين p وn بأهميةٍ بالِغة في إبقاء الإلكترون والثُّقب الموجَب مُنفصلَين لفترةٍ زمنية كافية تسمح للتيار الضوئي بالتدفُّق. تبلغ الكفاءة القياسية لهذه الأنواع من الخلايا حوالي ١٠٪، مِمَّا يعني أن ١٠٪ فقط من الطاقة الضوئية تُحَوَّل إلى كهرباء. ويحدُث الفقْد في الكفاءة في مرحلة الامتصاص (ينعكِس الضوء من الخلية أو يَمرُّ دون امتصاصِه) وخلال إعادة دمج سابقة لأوانها لزَوج الثقب والإلكترون. يَمتلك السليكون فجوة نطاق مُنخفِضة، مِمَّا يعني أنَّ فجوة الطاقة بين نطاقات التكافؤ والتوصيل مُنخفِضة. فلا يُمكِن امتصاص الفوتونات ذات الطاقة الأقل من فجوة النطاق، في حين يُمكِن امتصاص الفوتونات ذات الطاقة الأعلى من فجوة النطاق، ولكن الطاقة الزائدة من هذه الفوتونات تُفقَد في صورة حرارة، وهو شكل آخر تَنخفِض به الكفاءة.
fig112
شكل ١٥-٤: خلية سليكون فوتوفولتية. (مصدر الصورة: http://www.blueplanet-energy.com/images/solar/PV-how_it_works.gif.)

تكمُن مزايا خلايا السليكون الفوتوفولتية في أن التقنية (التي طُوِّرَت جنبًا إلى جنبٍ مع صناعة الإلكترونيات) هي تقنية راسِخة ومُستقرة، وتُطَوَّر أشكال مختلفة من السليكون (مثل السليكون غير المتبلْوِر) كبدائل للسليكون البلوري عالي النقاوة. إن الكفاءة المنخفضة والطبيعة الهشَّة للوحدات تحدُّ من استخداماتها. هناك أيضًا ارتباط مباشر بين المساحة السطحية للخلايا وكمية الطاقة التي يمكن التقاطها. على سبيل المثال، لا تَمتلِك سيارة محلية عادية مساحة سطح عالية بما يَكفي على سقفها وغطاء مُحرِّكها وجذعها لجمع طاقة كافية لتشغيل السيارة.

كيف يُمكنُنا زيادة كفاءة الخلايا؟ أحد الاحتمالات هو استكشاف مُختلف مواد أشباه الموصِّلات ذات فجوات النطاق المختلفة؛ إذا كان هناك تَطابُق أفضل بين فجوة النطاق وبين الإشعاع الشمسي الآتي، فيُمكِن حينئذٍ تحويل المزيد من الطاقة إلى كهرباء. وهنا نعود إلى بعض الأفكار التي استَكشفناها عندما كُنَّا نتأمَّل عناصر المجموعة الرئيسية. السليكون في المجموعة ١٤ مُباشرة تحت الكربون. تذكر عندما تحدثتُ عن مُركَّبات النيتروجين والبورون كمواد لتخزين الهيدروجين، وأشرتُ إلى أن زوجًا من ذرات البورون والنيتروجين لديه نفس عدد إلكترونات التكافؤ كذرَّتي كربون. بشكل أعم، أي زوجين من عناصر مجموعة ١٣؛ ومن شأن زَوج من ذرَّات المجموعة ١٥ أن يكون له نفس عدد إلكترونات التكافؤ كذرَّتين من المجموعة ١٤. يقَع البورون والجاليوم في المجموعة ١٣، والنيتروجين والزرنيخ هما عُنصران من المجموعة ١٥؛ لذا، فإن زرنيخيد الجاليوم GaAs هو شِبه مُوصِّل له العديد من أوجه الشَّبَه بالسليكون، ولكن مع فجوة نِطاق مُختلفة يُمكن أن يمتصَّ فوتونات الطاقة الأعلى. وقد حقَّقت الخلايا المتعدِّدة الوصلات التي تحتوي على زرنيخيد الجاليوم ومجموعة أخرى من أشباه الموصِّلات، التي تتكوَّن من عنصر من المجموعة ١٣ وعنصر من المجموعة ١٥، كفاةً وصلَت إلى ٣٥٪. وباعتبارنا كيميائيِّين غير عضويِّين، علينا أن نسأل كيف يُمكن تحضير زرنيخيد الجاليوم (ومجموعة كاملة من أشباه الموصِّلات التي تتكوَّن من عنصر من المجموعة ١٣ وعنصر من المجموعة ١٥) باستخدام، بالطبع، مبادئ الكيمياء الخضراء بحيث تكون العملية بأكملها مُستدامة. هذا مجال مُزدهِر آخر من مجالات كيمياء المجموعة الرئيسية التي أنا مُهتمٌّ بها، وهو ما ينتج عنه مُركَّبات يُمكن استخدامها كسلائف لتجميع أشباه الموصِّلات التي تتكوَّن من عنصر من المجموعة ١٣ وعنصر من المجموعة ١٥. على سبيل المثال، يرتبِط مُركَّب (CH3)3GaAsH3 بالأمونيا بوران H3BNH3 من الناحية النظرية باستبدال البورون B بواسطة الجاليوم Ga، والنيتروجين N بواسطة الزرنيخ As، والهيدروجين H بواسطة الميثيل CH3. يُمكِن عمل زرنيخيد الجاليوم GaAs من مُركَّب (CH3)3GaAsH3 بواسطة الانحلال الحراري، بتسخينه لإزالة الكربون والهيدروجين على هيئة الميثان CH4.
في هذه الأنواع من الخلايا الكهروضوئية، يحدُث كلٌّ من امتصاص الطاقة من ضوء الشمس وفصل الشحنة في زوج الثقب-الإلكترون داخل مادة أشباه الموصِّلات. في جيلٍ جديد من الخلايا تحت التطوير، تحدُث هاتان العمليتان في مواد مختلفة. ولا يزال شبْهُ مُوصِّلٍ يُستخدَم، ولكن هذه المرة هو ثاني أكسيد التيتانيوم، الذي هو عبارة عن مادة ذات فجوة نطاق عالية. وهذا يعني أن جُزءًا صغيرًا فقط من الطيف الشمسي يمتلك طاقة كافية لإثارة إلكترون؛ لذا فإن ثاني أكسيد التيتانيوم ليس مُفيدًا بمفرده. لقد حل الكيميائيُّون هذه المشكلة عن طريق تغطية ثاني أكسيد التيتانيوم بصبغة تمتصُّ نسبة كبيرة من الطيف الشمسي. يتمُّ اختيار الصبغة بعناية، بحيث عندما يتمُّ امتصاص الضوء، يتمُّ تحريك الإلكترون في الصبغة إلى حالة طاقة أعلى، ثُمَّ يتمُّ نقل هذا الإلكترون المثار إلى شبه الموصِّل (في عملية تُسمَّى الحقن). بهذه الطريقة، يُوجَد الإلكترون الحرُّ في ثاني أكسيد التيتانيوم، في حين أنَّ الثقب يُوجَد في جُزيء الصبغة. مع كلٍّ من شِبه الموصِّل والمحلول الذي يحتوي على الصبغة الملامِسة للإلكترودات، يُمكن اجتذاب زَوج الإلكترون-الثقب على هيئة تيَّار كهربائي. يُشار إلى هذه الأنواع من الخلايا على أنها الخلايا الشمسية المستحثَّة بالصبغة DSSCs (شكل ١٥-٥). وهي تمتلك الكثير من المزايا المحتمَلة؛ فالخلايا أكثر قوة، وثاني أكسيد التيتانيوم رخيص، ووفير، ويُمكن استخدامه كطِلاء غير مُتبلوِر (غير بلوري) يُغطِّي ركيزة مناسبة. هناك مجموعة كبيرة من الاحتمالات بالنسبة للأصباغ الماصَّة؛ فالعديد منها عبارة عن مُعقَّدات معدنية، وبعضها الذي يحتوي على البورفيرينات (الموجود في الهيموجلوبين، الذي يُعطي الدم لونه الأحمر، ويرتبط بالكلوروفيل، الذي يُعطي الأوراق لونها الأخضر) يجري حاليًّا دراسته، وكلها تُقدِّم المزيد من الاحتمالات المثيرة للكيميائيين. لا تزال الخلايا الشمسية المستحثَّة بالصبغة بحاجة إلى مزيدٍ من التحسينات، حيث إنَّ كفاءتها شبيهة بكفاءة الخلايا الفوتوفولتية القائمة على السليكون (حول ١٠٪). بالإضافة إلى ذلك، فإنها تحتوي عادة على محلول أو هلام مثل الإلكتروليت، والذي يُمكن أن يُقلِّلَ من عمرها ويحدَّ من أنواع المواد التي يُمكن استخدامها لبناء الخلايا.
fig113
شكل ١٥-٥: خلية شمسية مُستحثَّة بالصبغة. (مصدر الصورة: http://commons.wikimedia.org/wiki/File:Dye_Sensitized_Solar_Cell_Scheme.png.)

ألقينا نظرةً مُوجزة على أجهزة السليكون الفوتوفولتية المستخدَمة بالفعل والجيل الجديد من الخلايا الشمسية المستحثَّة بالصبغة قَيد التطوير حاليًّا. ماذا لو تحلَّيْنا بسَعةٍ من الخيال وبدلًا من تصميم «خلايا» شمسية تحتاج إلى الانتشار لالتقاط أشعة الشمس (كالمجمِّع الشمسي على سطح منزلك)، نُفكِّر في تصميم «مواد» شمسية يُمكن أن تؤدي وَظيفتَين في وقتٍ واحد (فالبلاط على سطح منزلك يُصبِح هو نفسه مُجمِّعات الطاقة الشمسية). وبالنسبة لجهاز فوتوفولتي، لا نزال بحاجة إلى خُطوتَين أساسيتَين؛ امتصاص أشعة الشمس وتشكيل زوج من إلكترون-ثقب. إذا كان يُمكن لهذه العمليات أن تحدث في المواد المستخدَمة بالفعل، فإنَّنا لدَينا مزايا مُتعدِّدة. يُمكِن للأسطح التي بالفعل تلتقِط كميات كبيرة من أشعة الشمس أن تُحوِّلها إلى كهرباء؛ تصوَّر سقف منزلك، والطلاء على سطح سيارتك وأسطح الطُّرق، وتصوَّر، بالعودة إلى مفهوم التخييم المستدام، نسيجَ خيمتك.

fig114
شكل ١٥-٦: الخليَّة الشمسية العضوية. (مصدر الصورة: http://www.rsc.org/Publishing/ChemTech/Volume/2008/07/Imahori_insight.asp.)
ما المسائل التي نحتاج إلى مُعالجتها؟ سنحتاج إلى مُزاوجة الخلايا الفوتوفولتية والإلكترونيات مع مجالَي البلاستيك والبوليمر، لمعرفة كيفية استخدام تقنيات كيمياء البوليمرات، مِمَّا يُعطينا طبقات، ومواد تكسية، وطلاءات، وأنسجة مَرِنة ومُعمِّرة يُمكن تعديلها لالتقاط الطاقة الشمسية وتحويلها إلى كهرباء. هناك بالفعل مجال بحثي جديد مُزدَهِر عن البوليمرات الموصِّلة (في عام ٢٠٠٠ مُنحَت جائزة نوبل للكيمياء من أجل هذا المجال)؛ المواد التي يُمكن من خلالها تدفُّق تيَّارات مُعاكسة من الإلكترونات والفجوات. إذا كان يُمكِن تشريب بوليمر مُوصِّل بِمُمتصٍّ يُمكنه استخدام الطاقة الشمسية الواردة لتوليد أزواج الإلكترونات-الفجوات، فإننا سنكون في سبيلنا إلى مواد جديدة. ويُشار إلى هذه الأنواع من الخلايا على أنها أجهزة سائبة غير مُتجانسة وتُشكِّل شبكة مُتداخِلة من المواد المانحة والمستقبِلة. تمتصُّ الجهة المانِحة ضوء الشمس وتولد إلكترونًا عالي الطاقة، ينتقِل إلى المستقبِل. جميع أنواع المشاكلات التي يستلزم حلها موجودة (المشاكلات هي أمور جيدة للكيميائيِّين، فهي شيء يُثير حماسهم وهي تفتح أبوابًا لأفكار جديدة) للتعامُل مع موادَّ مانِحة ومُستقبِلة مناسبة، وكيفية جعلها مُصطفَّة على مقياس «نانو» لحمل شحنة كافية، وكيفية منع إعادة تجميع الإلكترون والثقب، وكيفية تحقيق الخصائص للمواد على النطاق الأكبر والتي ستجعلها قابلة للاستخدام كالمنسوجات، أو مواد الطلاء، أو قرميد الأسطح، أو مواد رصْف الطُّرق. يؤدي هذا العمل أيضًا إلى ارتباطاتٍ مُثيرة للدَّهشة داخل الكيمياء؛ فعلى سبيل المثال، أحد الجُزيئات التي يجري فحصها كمُستقبِل إلكتروني في أجهزة البوليمر هو «كرة بكي»، الفوليرين الذي تركيبه C60 (موضوع جائزة نوبل في الكيمياء لعام ١٩٩٦)، والتي لها نفس تناظُر كرة قدم أو قباب بوكمينستر فولر الجيوديسية (شكل ١٥-٦).

لذا، بالعودة من حيث بدأنا من رحلة التخييم، ستُصنَع خيمتنا المستقبلية من مادة خفيفة الوزن، وقوية، ومُقاوِمة للماء، وسيكون لها أيضًا طبقة بوليمرية تُمكِّنها من التقاط أشعَّة الشمس وتحويلها إلى كهرباء، فقط على نطاق صغير؛ فاحتياجات التخييم لدَينا مُتواضِعة. وسيتمُّ استخدام هذه الكهرباء لشحن جيلٍ جديد من البطاريات المحمولة الخفيفة الوزن، بحيث تكون الطاقة التي تُجمَع في الأيام المشمِسة مُتاحةً في الأيام الملبَّدة بالغيوم وفي الليل. يُمكننا استخدام هذا لأضواء المعسكر، ولتشغيل مُبرِّد صغير لمشروبات الغاز والصودا الخاصَّة بنا، ولإعادة شحن أجهزة الآيبود الخاصَّة بنا.

الخلاصة

بحثْنا الأفكار المتعلِّقة بتوليد الطاقة وتخزينها بمُجرَّد البدْء بالمفهوم البسيط لرحلة التخييم العائلية. نأمُل أن يُوضِّح ذلك أنه بمُجرَّد أن نُفكِّر بشكل مُستدام، علينا أن نُحلِّل كل عنصر نَستخدِمه وكل خطوةٍ نقوم بها لكي نفهم حقًّا ماهية التغييرات التي ستكون مطلوبة. لكن الأجوبة لتحدِّيات الاستدامة الكبيرة ستكون تقنيةً عالية وستتطلَّب مِنَّا تنظيم جميع مهاراتنا ومعارفنا عبر مجموعة واسِعة من التَّخصُّصات. والأهم من ذلك كله، أنَّ الكيميائيِّين سيُشاركون بشكلٍ كامل في كل هذا؛ فقد تُولد العديد من الأفكار الجديدة، ويجري البحث لجعلها حقيقة واقِعة. ولكن هناك المزيد من الأفكار الجديدة التي تَنتظِر جيلًا جديدًا من الحالِمين الذين سيكونون أيضًا الجيل الجديد من الكيميائيِّين الذين سيُحقِّقون ذلك؛ ربما يكون أحدهم أنت!

أطيب الأماني
بيني براذرز

قراءات إضافية

  • Ashley, S. On the road to fuel-cell cars. Scientific American 2005, 62–69.
  • Birch, H. The artificial leaf. Chemistry World 2009, 42–45.
  • Grätzel, M. Recent advances in sensitized mesoscopic solar cells. Accounts of Chemical Research 2009, 42, 1788–1798.
  • Hamilton, C. W.; Baker, R. T.; Staubitzc, A.; Manners, I. B–N compounds for chemical hydrogen storage. Chemical Society Reviews 2009, 38, 279–293.
  • Mayer, A. C.; Scully, S. R.; Hardin, B. E.; Rowell, M. W.; McGehee, M. D. Polymer-based solar cells. Materials Today 2007, 10, 28–33.
  • Satyapal, S.; Petrovic, J.; Thomas, G. Gassing up with hydrogen. Scientific American 2007, 81–87.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤