قصة العقل والعاطفة١

حكي أنه كان في بلد من البلدان في زمن من الأزمان رجل حكيم يوصف بالشعر والفلسفة معًا، ويأبى إلا أن يكون عالمًا وشاعرًا وفيلسوفًا في نفس واحد، وكان يقال لذلك الحكيم. ما ملكة يحتاج إليها العالم دون الشاعر والفيلسوف! فيقول العقل، ثم يقال له: ما ملكة يحتاج إليها الشاعر دون العالم والفيلسوف؟ فيقول: العقل! ثم يقال له: ما ملكة يحتاج إليها الفيلسوف دون الشاعر والعالم؟ فيقول: العقل! وهكذا يرى الذي يسأله أن العلم والشعر والفلسفة شيء واحد، وأن هذه الأوصاف ليست إلا اختلافًا في اللفظ كاختلاف المترادفات في نطق اللسان!

وقيل له مرة: إن الاختراعات المبتكرة والعلوم الحديثة، إنما ظهرت وتفشت في القرنين الأخيرين، وإنه لم يسبق لعصر في التاريخ أن كثرت فيه المخترعات كثرتها في هذين القرنين فما تعليل ذلك في رأي الحكيم العليم؛ فكان يقول والعهدة على الراوين: إن الناس كثرت اختراعاتهم في القرنين الأخيرين ولم تكثر في القرون الأولى، لأن العقل خلق لهم فجأة سنة سبعمائة وألف بعد الميلاد، ولم يكن في رءوسهم قبل ذلك عقل ولا معقول، فأثنوا عليه ودعوا له بالإفادة والزيادة.

وقيل له مرة، إن شكسبير كان شاعرًا عظيمًا فكيف كان كذلك؛ فقال لأنه لم يكن عاقلًا، فعجبوا من سعة العلم الذي يجمع بين الضدين النقيضين، وقالوا في لهجة التأمين والتسليم: يفتح الله على من يشاء بما يشاء كيف يشاء.

وقيلت له أشياء كثيرة من قبيل هذه الأشياء فكان يجيب عليها أجوبة كثيرة من قبيل هذه الأجوبة، وكان عن علمه وفلسفته وشعره جد راض، وكانوا هم عن كل ما أوحي إليهم من العلم والفلسفة والشعر جد راضين.

•••

أيها القارئ! لو أن راويًا قص عليك القصة التي قدمناها لك، لغلب على ظنك أن الفيلسوف المزعوم واحد من أولئك الأسطوريين الذين يتحدثون عنهم كما يتحدثون عن آلهة اليونان، وربات الخيال، وأبطال خرافة، وأحياء إيثوب، ولكنك إذا علمت أنه حقيقة من حقائق الحياة، وأنه يعيش في هذا الزمان، ويقول هذا الكلام، ويجادل من يناقضه فيه أحر الجدال، فلا ريب أنك تحسبه خبرًا جديرًا بالقصص، وأعجوبة خليقة بالإظهار.

ومن شك في هذا الخبر أو من استعجب هذه الأعجوبة فليبين لنا ماذا يقول الأستاذ جميل صدقي الزهاوي في مقالاته التي يرد بها علينا إن لم يكن يقول: إن العالم كالشاعر، وإن كليهما كالفيلسوف، وإن كل ما يحتاج إليه هذا أو ذاك أو ذلك ملكة تعليل وسليقة تحليل، لا يتطرق إليها خيال، ولا تصغي إلى بديهة، ولا ترجع إلا إلى المنظار والمشرط والإنبيق؟ وماذا يقول الأستاذ إن لم يكن يقول: إنه لا يحتاج في شعره غير ملكات التعليل والتحليل، وإنه مع ذلك شاعر إن شاء حينًا، وعالم إن شاء أحيانًا، وفيلسوف إن شاء في كل حين؟ إن كان يقول: إنه شاعر بفضل ملكة أخرى غير التعليل والتحليل فليبين ما اسم تلك الملكة، وما مكانها في بيت واحد من شعره الكثير؟ وإن كان يقول إنه شاعر أو فيلسوف بفضل ملكة التعليل والتحليل دون غيرها فليبين لنا إذن ما الفرق عنده بين الشاعر والعالم، وما الفرق عنده بين أحدهما والفيلسوف!

•••

لقد أسلفت للأستاذ أنني لا أعنى بإنكار فلسفته أو شعره، ولكن أعنى بتقرير حقيقة يكاد لا يعوزها الدليل، وإن كانت محلًّا للشك في رأي بعض الكتاب والدعاة، وتلك الحقيقة هي أن الإنسان لا يحيا بالعقل وحده، ولا يفهم بالعقل وحده، ولكنه يحيا بالحياة التي هي مجموعة من الحس والغريزة والعطف والبداهة والخيال والتفكير، وكذلك يفهم بالحياة التي هي مجموعة من هذه الملكات كيفما تعددت فيها التسمية والتقسيم، فأنت إذا أردت أن «تفهم» إنسانًا فليست كل وسائلك إلى فهمه أن تسلط عليه ملكة التعليل والتحليل، بل أنت مشترك في فهمه بخيالك وحسك وغريزتك وتفكيرك وعطفك وجميع أجزاء حياتك، وشأنك في فهم الكون كشأنك في فهم الإنسان أو فهم أي شيء من الأشياء وخاطرة من الخواطر؛ فقولك «تفهمها» مرادف لقولك تحسها وتتخيلها وتشملها بعطفك وبديهتك وفكرك، ولأن تحس ما ينبغي لك عمله دون أن تقوى على تعليل ذلك خير لك وألف خير من أن تعلل وتحلل وأنت عاجز عن العمل والإحساس.

يقول الأستاذ الزهاوي: «قد كانت للفرنسيين والألمان والإنجليز من الأمم عواطفهم ألف عام، فلم يكتشفوا أو يخترعوا يومئذ شيئًا يذكر، بل كان العرب في ذلك العصر سباقين إلى الاكتشاف أكثر منهم، وليس ما قدم الإغريق في يوم ازدهار الحضارة والحكمة عندهم هو عواطفهم، وما أخر غيرهم من الأمم المعاصرة لهم هو عقلهم، بل الذي قدم أولئك هو حرية الفكر، وحرية القول، والكتابة، وكثرة المتضلعين من العلوم فيهم، وعدمهما أو قلتهما عند هؤلاء يومئذ، ولا حاجة بنا إلى الرجوع إلى العصور الخالية، فإن اليابان لم تتغير عواطفهم في مدة الخمسين سنة الأخيرة، وهم اليوم يكتشفون ويخترعون. ذلك لأن المتعلمين فيهم اليوم يعدون بالملايين فلا غرو أن ظهر بينهم عدد غير قليل من المكتشفين والمخترعين.»

كذلك يقول الأستاذ فما أعجب أن يكون هذا دليله على ما يزعم، وحجته على بطلان ما نقول. اليابان والصين — مثلًا — كانوا معًا جهلاء جامدين فتقدمت اليابان وعلمت وظلت الصين في ربقة الجهل والجمود. كيف كان ذلك؟ كان بالعلم! وكيف كان العلم أيضًا؟ كان بالعلم! فاليابان إذن كانت عالمة قبل أن تتعلم وناشطة من الجمود قبل أن تنشط من الجمود! فما أصح هذا العقل وما أعجب هذا التدليل، لو أننا قلنا: إن البواعث النفسية تغيرت في اليابان فطلبت العلم، ولم تتغير في الصين فظلت على جهلها لما كان هذا عجيبًا في رأي المنطق ولا في رأي الإحساس والخيال. أما أن نقول: إن الناس تخلق لهم عقول فجأة فيفهمون بها ما لم يكونوا يفهمون فهذا هو النبأ العجيب، واللغز المريب، والقول الذي لا يسلمه جاهل ولا لبيب.

ونذكر العرب كما ذكرهم الأستاذ فنقول إنهم كانوا — كما قال الأستاذ — سباقين إلى العلم أكثر من الأوربيين، ثم ركدت حركتهم وتقدم هؤلاء، فلماذا كان هذا؛ أين ذهبت العلوم والمعلومات والعقول والمعقولات؟ أأصبحوا ذات نهار فإذا بالعلوم والعقول قد شدت رحالها في ظلام الليل، فإذا هم يجهلون ما كانوا يعلمون، وينسون ما كانوا يذكرون! لا نظن الأستاذ يزعم هذا، وإنما كانت هناك بواعث نفسية ثم هجعت وداخلها الفساد فلم ينفعهم العلم ولم يصلحهم التفكير، وهذه البواعث النفسية هي التي تغيرت أيضًا حين تبدلت حالة العرب من الجاهلية إلى الفتح والغلبة والحضارة، وهي التي تغيرت أيضًا حين تبدلت حالة العرب من السبق إلى التخلف ومن الابتكار إلى المحاكاة، وقل مثل ذلك في الفرنسيين والألمان والإنجليز من الأمم قبل ألف عام، وفيما هم عليه في هذه الأيام، فليس الفرق بين الأمم الفتية والشائخة فرقًا في العقل والتفكير. إذ ربما كانت الأمم الشائخة الهاوية أظهر تفكيرًا وعقلًا من الأمم الفتية الناهضة، ولكنه هو الفرق في العواطف والبواعث النفسية، وسائر ما ينتظم تحت كلمة الحياة، وهذا الفرق هو الذي يميز بين الشعوب المتحضرة على اشتراكها في حصة العلم والاختراع، فإن شعوب أوربا وأمريكا تتقاسم حصة العلوم الحديثة وميراث الحضارة والصناعة ولكنها ليست شرعًا في التفوق والسيادة؛ لأنها ليست بشرع في العاطفة والحس والخيال، وعلينا نحن أن نفهم هذا جيد الفهم فلا نبخس حق الفنون والأذواق والآداب، كما يفعل المتعجلون منا ولا تنطلق مع أولئك الدعاة الذين يهتفون باسم العلم، وهم يجهلون مكانه من حياة الأقدمين والمحدثين.

•••

وأرى أن إيمان الأستاذ بالرجعة والدور والتسلسل قد تزعزع بعد مناقشتنا إياه في مقدماته وأسبابه، فهو اليوم يشترط أن تظل مجاميع الكواكب منقسمة «في هذا الفضاء غير المتناهي إلى أجرام قد تباعد بعضها عن بعض فكان بينها مسافات شاسعة» ليجوز له أن يقول: إن الأشكال متناهية وإنها لا بد على هذا أن تعود إلى ما كانت عليه كرة أخرى، وليس أمام الأستاذ إلا خطوة أخرى لينكر الدور والتسلسل كما ننكره نحن، ويكفر بدين لا يجدي على المؤمن به غير تكرار البلاء الذي نفر منه إلى الإيمان، فإن أمامه أن يقول: إن الجواهر لا يمنعها مانع أن تأبق من مجموعة إلى مجموعة أخرى في الفضاء فتغير عدد الجواهر، وتتغير الأشكال ولا تعود الجواهر إلى أشكالها في حاضر ولا ماضٍ، وهو سواء أقال ذلك أم لم يقله غير مستطيع أن يحجر على الجواهر أبدًا أن تنتقل من مجموعة إلى مجموعة في طويل الآباد والأبعاد.

•••

وبعد، فما بال الأستاذ يدفع عن نظرية الدور والتسلسل كأنها نظريته التي استنبطها، ولم يسبق إليها؟ ألا يعلم أن الرجعة مذهب من مذاهب الهند الأقدمين؟ بل ألا يعلم أن نيتشه قال بها في هذا العصر وتطرف فيها كما تطرف هو، فانتظر أن يئوب إلى الأرض هومر والمسيح ونيتشه وكل حي وكل موجود؟ «فكل شيء يذهب وكل شيء يعود ودولاب الوجود أبدًا يدور، وكل شيء يموت وكل شيء يزهر كرة أخرى وفصول الوجود أبدًا في تكرير، وكل شيء يتحطم وكل شيء يلتئم وبيت الوجود أبدًا يبني نفسه من جديد، وكل شيء ينفصل وكل شيء يرجع إلى اللقاء، وحلقة الوجود أبدًا على عهدها المعهود»، هكذا يقول زرادشت أو هكذا يقول نيتشه في أسلوب الأنبياء والكهان.

ولم يكن نيتشه في حاجة إلى كبير عقل ليهتدي إلى نظرية الدور والتسلسل، فالأستاذ يعلم أنه كان عبقريًّا ملتاث الفكر، وربما علم أنه كان على وشك الجنون يوم اهتدى إلى هذه النظرية التي لا تستريح إليها العقول، بارك الله في عقل الأستاذ وصرف عنه السوء، وأكثر من أمثاله وإن كان هو يزعم أن أمثاله كثيرون يعدون بالملايين في عوالم هذا الفضاء.

١  ٣٠ ديسمبر سنة ١٩٢٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤